عبَق الشهادة إنّ المجاهدين في سبيل الله تعالى يسلكون طريق الجهاد وهم يعلمون مِن البداية أنه ...

عبَق الشهادة


إنّ المجاهدين في سبيل الله تعالى يسلكون طريق الجهاد وهم يعلمون مِن البداية أنه معبّدٌ بالدماء والأشلاء، مفروشٌ بالمحن والجراح، مقرونٌ ببذل المهج والأرواح، إنهم يعلمون ذلك يقيناً من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإنهم يُقبلون عليه ويقطعون المفاوز والقفار ويتقحّمون الأخطار ليصلوا إلى ساحاته وميادينه، طاعة لله تعالى واستجابة لأمره بالهجرة والنفير.
وما سُمِّي الجهادُ جهاداً إلا لِما فيه مِن بذل الجهد والمشقة، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } "أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء، { وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم، { وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومِن ذلك القعود عن القتال يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون". أهــ

نعم، لقد استجاب مجاهدو الدولة الإسلامية شيباً وشباناً لما فيه صلاح دنياهم وأُخراهم، استجابوا لربهم وانقادوا لأمره تعالى بالهجرة والجهاد فكانوا بذلك من الراشدين -نحسبهم ولا نزكيهم-، كانوا من الراشدين مهما قال عنهم عبيد الدنيا ما قالوا، كانوا من الراشدين وإن وصفهم دعاة السوء بكل أوصاف الطعن والتنقيص، كانوا من الراشدين وإن قُتلوا وتمزقت أجسادهم في البوادي والحواضر، كانوا من الراشدين والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

فإنّ المولى تبارك وتعالى قال في حقّ عباده المجاهدين: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وقال أيضا: { ثم إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }، وقال سبحانه: { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }. قال المفسرون: "أي أن القتل في سبيله أو الموت فيه، ليس فيه نقص ولا محذور، وإنما هو مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنه سبب مُفضٍ وموصل إلى مغفرة الله ورحمته، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني".

فهذا قول الله تعالى في المجاهدين والمهاجرين، فمن أصدق من الله قيلاً، ومَن أصدق من الله حديثا؟!

وما يزال جنود دولة الإسلام يبذلون أرواحهم ومهجهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام وتحكيم شريعة الله تعالى في أرضه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وتسيل أنفسهم الطاهرة ودماؤهم الزكية في شتى الولايات وفي سائر الميادين التي عمروها بطاعة ربهم صياماً وقياماً ورباطاً على ثغور المسلمين، عمروها بالصبر والمصابرة ومراغمة أعداء الملة شرقاً وغرباً.

نذروا أنفسهم لنصرة الإسلام والذبّ عن حياضه، فبذلوا لأجل ذلك كلّ ما يملكون، تركوا أهلهم وأحبابهم ونفروا إلى سوح الجهاد وتحمّلوا في سبيل ذلك الحرمان والخذلان فما ضرّهم ذلك وما وهنوا ولا تراجعوا بل أكملوا طريقهم وواصلوا مسيرهم يبتغون رضى ربهم، والظفر بإحدى الحسنيين.

حملوا مِن أجل نصرة دينهم ما تنوء بحمله الجبال، ودفعوا ضريبة التوحيد من دماءهم عن طيب نفْس، هاجروا من ديارهم ليس يأساً من الدنيا ولا فشلاً في تحصيلها كما يزعم المنافقون الذين يقيسون الأمور بمقاييسهم المادية، فلو أرادوا الدنيا لزاحموا عليها أهلها! ولكن هيهات هيهات أن يفعلوا وهم يرجون مزاحمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الحوض، ويطمعون في الحسنى وزيادة.

لقد وصف الشيخ أبو محمد العدناني حال المجاهدين وقد عاش ظروفهم وخبر دروبهم وجرّب أحوالهم، فقال تقبله الله: "إن المجاهدين لم يقاتلوا يوماً من أجل المناصب أو الكراسي، أو لحطام الدنيا الفانية، إن المجاهدين ضحوا بكل شئ في سبيل نصرة دين الله ونصرة المستضعفين، إن المجاهدين لم ينالوا من هذه الدنيا سوى القتل والأسر والكسر والجراح، لم يورّثوا لأهلهم وذويهم سوى السجون والتشريد والحرمان، ولكن تراهم رغم كل هذه المآسي والجراح، ينبضون بالكرامة، وينضحون بالعزة، ولو أن أحدكم تجرّد لله وتفكر في قرارة نفسه متأملاً بحال أمة الإسلام اليوم: ليجدنّ أنها خلت من مواقف العزة والكرامة، إلا في أفعال المجاهدين وبين صفوفهم وتحت رايتهم".

إن مجاهدي دولة الإسلام اليوم يتسابقون على القتل والقتال في سبيل الله تعالى غير آبهين بكل المخاطر التي تحيط بهم، يركبون غمار الحتوف ويواصلون جهادهم بكل همة وعزم برغم ما يعتريهم مِن ضيق حال وشظف عيش، حالهم كحال سلَفهم المهاجرين الأوائل من الصحابة رضوان الله عليهم، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوَّلُ مَن يدخُلُ الجنَّةَ من خلق الله، الفُقَراءُ المُهاجِرونَ الَّذينَ تُسَدُّ بهم الثُّغورُ وتُتَّقَى بهم المَكارِهُ ويموتُ أحَدُهم وحاجتُه في صدرِه لا يستطيعُ لها قضاءً، فيقولُ اللهُ لِمَن يشاءُ مِن ملائكتِه: ائتُوهم فحَيُّوهم، فيقولُ الملائكةُ: ربَّنا نحنُ سُكَّانُ سمَواتِكَ وخِيرتُكَ مِن خَلْقِكَ أفتأمُرُنا أنْ نأتيَ هؤلاءِ فنُسلِّمَ عليهم؟! قال: إنَّهم كانوا عباداً يعبُدوني لا يُشرِكون بي شيئاً، وتُسَدُّ بهم الثُّغورُ وتُتَّقى بهم المَكارِهُ ويموتُ أحَدُهم وحاجتُه في صدرِه لا يستطيعُ لها قضاءً، قال: فتأتيهم الملائكةُ عندَ ذلكَ فيدخُلونَ عليهم مِن كلِّ بابٍ: { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } [صحيح ابن حبان].

فهذه هي أحوال المجاهدين والمهاجرين وقتلاهم، وتلك أجورهم ومنازلهم ودرجاتهم عند الله تعالى، عبَق الشهادة يفوح من جراحاتهم اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ومع ما يصيبهم مِن فقد الأحبة والخلان إلا أنهم قد اعتادوا ذلك في رحلة جهادهم لأنهم على يقين بأن شفاء الفقد التلاقي والاجتماع في ظلّ عرشه سبحانه كما جمعهم في ظلّ شرعه، فاللهم اجمعنا بإخواننا الذين سبقونا، ولا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم، وتوفنا مؤمنين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 279
الخميس 11 شعبان 1442 هـ
...المزيد

ألا لَا تَرَاءَى نَارَهُمَا كثيرة هي الأكاذيب والتهم التي يلفّقها أهل الضلال ضد الدولة ...

ألا لَا تَرَاءَى نَارَهُمَا


كثيرة هي الأكاذيب والتهم التي يلفّقها أهل الضلال ضد الدولة الإسلامية وجنودها، ويصدّقها بعض الناس ثم يُرددونها دون تدقيق أو تحقيق، حتى تصبح مع التكرار وطول الأمد أشبه بالحقائق المتواترة التي لا تقبل التشكيك في صدقها فضلاً عن تكذيبها واتهام مَن أطلقها بالكذب.

وفي ظلّ انشغال الدولة الإسلامية بقتال المشركين والمرتدين مِن مختلف الطوائف فإنه لا يمكنها التفرغ للرد على كل هذه الأكاذيب التي يُطلقها أعداؤها ضدها، لكثرتها من جهة كثرة هؤلاء الأعداء، ولسرعة استبدالهم لها بأكاذيب جديدة كلما انفضحت أكاذيبهم السابقة.

وأيضاً لأن اتّباع سياسة الرد المتواصل يؤدي أحياناً إلى تثبيت بعض الأكاذيب، إذْ سيزعم الأعداء أنّ أيّ شيء لم تنفهِ الدولة الإسلامية فهو واقع لأن سكوتها عنه إقرار به، رغم أن السكوت عن الردّ ليس بالضرورة إقرارا بالقول، وإنما قد يكون سببه عدم بلوغ ما قيل فلم يُسمع، أو تجاهله كما يتجاهل العظيم الحليم مِن القوم أقوال السفهاء، أو للانشغال بأمر هو أعظم شأناً وأكثر خطراً، بل قد يكون هناك رد أو ردود قديمة على نفس الموضوع، فلا يجب في هذه الحالة تكرار الرد عليه في كل مرة، ومِن تحميل النفس ما لا يطاق أن نتفرغ لتتبع كل ما قيل والرد عليه، أيّاً كان القول وأيّاً كان قائله ومهما تكرر منه أو مِن غيره هذا القول. ومن الأكاذيب المتجددة التي يروجها أهل الضلال عن الدولة الإسلامية ويكررونها هذه الأيام بكثرة، قولهم إنها تكفّر المقيمين في دار الكفر بالعموم فلا تحكم بإسلام أحد ما لم تتحقق مِن إسلامه!، وإلا فالأصل فيهم جميعاً الكفر أو الردة! فتباح دماؤهم وأموالهم بالجملة! وتحرم ذبائحهم ويبطل نكاحهم!.

ورغم أن الدولة الإسلامية كذّبت هذه الفرية في مواطن عديدة بالقول والفعل؛ ومع ذلك لا زال مطلقو هذه الأكاذيب ينقّبون عن متشابهات الأقوال والأفعال ليجدوا فيها ما يخدعون به السذج والأغرار بكذب دعواهم مِن خلال التأويلات الخاطئة، ويتركون المحكم من الأقوال والأفعال التي تأويلها ظاهرها، لكونها تفضح كذب تلك الدعاوي وتبيّن زيفها للناس أجمعين.

فقد بيّنت الدولة الإسلامية مراراً بلسان القول أنها تحكم بإسلام كل مَن ظهر منه الإسلام فوق كل أرض وتحت كل سماء، وأنها لا تكفّر إلا مَن ظهر منه الكفر المقطوع بكونه كفراً، المقطوع بحدوثه مِن فاعله عاقلاً مختاراً، سواء كان المحكوم عليه مقيماً في دار الكفر أم في دار الإسلام، وأنها تميّز بين دور الكفر في الحكم على المقيمين فيها، كما فصّلت هذا الأمر مِن خلال ما نُشر قبل سنوات في "السلسلة المنهجية" التي كان فيها بيان لبعض المشتبهات، ورد على بعض الشبهات، ولكن البيان الأوضح والأجلى والذي لا يقبل التشكيك أو التأويل هو التطبيق العملي لأحكامها على الناس، سواء منهم المقيم في دار الكفر أو في دار الإسلام.

إذْ يعلم الناس كلهم أن الدولة الإسلامية تمكّنت في مواطن كثيرة من الأرض، كانت دار كفر تُحكم بشريعة الكافرين، فلما أزال جنود الخلافة حكم الكفر عنها صارت دار إسلام تعلوها شريعته وحدها دون غيرها من الشرائع الجاهلية، وكان الحكم الواضح بمعاملة كل سكان تلك المناطق المنتسبين إلى الإسلام معاملة المسلمين، على ظواهرهم، وأعدادهم بالملايين، كما حدث في العراق والشام، ولم تحكم إلا بردة مَن ظهر منه الكفر واضحاً، كالمنتسبين إلى طوائف الكفر والردة والمظاهرين للمشركين على المسلمين وأمثالهم من المرتدين.

وكذلك فإن جنودها لا يزالون يقاتلون أعداء الله تعالى في دار الكفر بمختلف المناطق، وأكثرها ممن ينتسب سكانها إلى الإسلام، فيستهدفون فيها الكفار والمرتدين وجيوشهم وشرطهم وأولياءهم، ممن يصرّحون بتكفيرهم والتحريض على قتالهم علنا، وفي الوقت نفسه فإنهم يتجنبون قدر إمكانهم أن يُصاب أحدٌ من الساكنين في تلك المناطق بأذى مِن تأثير هجماتهم، لكون المسلمين مِن سكانها مختلطين بالمرتدين في كثير من الأحيان ويصعب التمييز بينهم، ولذلك فإن المجاهدين يتّقون أن يُصاب أي مسلم بأذى مِن قِبلهم ولو عن غير قصد، ويؤخّرون كثيراً من الهجمات بل قد يلغونها بسبب ذلك، رغم أنه سبق منهم تحذير المسلمين مِن الاقتراب مِن الأماكن التي يستهدفها المجاهدون.

وإن الحكم بالبراءة من المسلم الذي يقيم بين ظهور الكافرين، هي البراءة مِن دمه وما يصيبه مِن أذى، لا منه، إذْ كانت صعوبة التمييز بينه وبين مَن يختلط بهم مِن الكافرين سبباً في تعرضه للأذى أو القتل، كما ورد عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ العَقْلِ، وَقَالَ: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا)
]رواه النسائي[، فكان اختلاطهم بالمشركين مانعاً مِن استحقاقهم تمام الدية في أنفسهم.

وكذلك فإنه قد بات مشهوراً عن الدولة الإسلامية البينونة بينها وبين الطوائف التي كانت في صفّها ثم شقّت ذلك الصف وفارقت جماعة المسلمين لمّا وجد بعض مَن كانوا ينتسبون لها؛ أنها لا توافقهم في ضلالاتهم وانحرافاتهم مثل حكمهم بتكفير عامة مَن يحكمهم الكافرون!، واستباحة دمائهم وأموالهم بناء على ذلك، بل ما زال جنود الخلافة يقاتلون تلك الطوائف المنحرفة في بعض المناطق ويردون عاديتهم عن المسلمين، ويستهدفونهم بالقتال ويتتبعونهم بالقتل، حتى يتوبوا مِن بدعتهم ويتحللوا مِن مظالمهم.

فهذا لسان الحال أطلق وأصدق مِن لسان المقال، فمن استبين فقد بلغه البيان، ومَن استفسر فقد وصله التفسير، وأما الذين في قلوبهم زيغٌ فهم يتتبعون ما تشابه، والله لا يهدي القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 278
الخميس 4 شعبان 1442 هـ
...المزيد

رسائل طاغوت النصارى في زيارته للعراق اهتمام كبير انصب على زيارة طاغوت النصارى "البابا" إلى ...

رسائل طاغوت النصارى في زيارته للعراق


اهتمام كبير انصب على زيارة طاغوت النصارى "البابا" إلى العراق، والتي أريد منها الدعاية لبعض الأفكار الصليبية الجديدة تجاه بلدان المسلمين، وعلى رأسها العراق، الذي تدور على أرضه منذ عقدين من الزمان رحى حرب طاحنة بين المسلمين والمشركين، ولو أردنا تتبع مسار تلك الزيارة لوجدنا في كل محطة من محطاتها رسالة حرص الطاغوت من ورائه أتباعه وأولياؤه على إيصالها للمتابعين لأخبارها.

فلا شك أن زيارته للحكومة الرافضية واستقبالها له رسالة دعم وتأييد لهذه الحكومة الطاغوتية المجرمة، وإيحاءً باستقرار هذه الحكومة وسيطرتها على الأرض، وإحساس زوارها بالأمن، وهو بخلاف الواقع المعاش طبعا، فهذه الحكومة هي -بحمد الله تعالى- في أضعف حالاتها، فلم تعد قادرة على الزعم بأنها حسمت الحرب مع جنود الدولة الإسلامية في مناطق نشاط عملهم العسكري، والذي يمتد إلى داخل بغداد، ولا هي قادرة على الزعم أنها مسيطرة على مناطق الوسط والجنوب التي يكثر فيها الرافضة، بسبب حالة الانفلات الأمني والمظاهرات والاحتجاجات المستمرة منذ عامين، ولا هي قادرة حتى على الزعم أنها حكومة مستقرة ثابتة وهي تعلم حجم إفلاسها المالي وتمزقها السياسي في ظل صراعات الأحزاب الرافضية المشكلة لها.

فطاغوت النصارى إذن يسعى لطمأنة أوليائه الصليبيين في كل مكان إلى استقرار هذه الحكومة، والدعاية لتقديم الدعم والقروض لها، وهو ما يجد الرافضة اليوم صعوبة كبيرة في تأمينه، في ظل تراكم الديون عليها، والصراع المستمر بين إيران وأمريكا للهيمنة على العراق، وعدم ثقة الحكومات الصليبية في جدوى الاستمرار في دعم هذه الحكومة المنهارة بإذن الله رب العالمين.

ولا نستبعد هنا أن هذه الزيارة "الدينية" التي قام بها طاغوت النصارى لها أهداف اقتصادية بحتة، وأن طرفا ما قد موّلها بالكامل، لتقديم هذا الدعم المعنوي للحكومة الرافضية لقاء تحصيل عقود مهمة ستظهر للعلن خلال الفترة المقبلة أو تبقى طي الكتمان كما حال معظم العقود الوهمية الموقعة بين الحكومات الرافضية السابقة والشركات الأمريكية والأوروبية.

أما في جنوب العراق، فقد أطلق طاغوت النصارى الدعوة إلى ديانة الكفر والإلحاد الجديدة التي يسعى اليهود ومن والاهم من الصليبيين وطواغيت بلاد الإسلام إلى الترويج لها، بالتقارب بين أتباع الديانات التي تنتسب إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام حقا أو باطلا، والتي يطلقون عليها "الديانة الإبراهيمية" ، وذلك بناء على قولهم أنّ مدينة "أور" التي زارها طاغوت النصارى لإطلاق الدعوة منها هي مسقط رأس نبي الله إبراهيم عليه السلام.

وهذه الدعوة الشيطانية قد أنكرها الله تعالى من فوق سبع سماوات، وأنزل في ذلك قرآنا على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فكذّب دعوى الكافرين بالانتساب إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام أو نسبته إلى أديانهم الباطلة، قال تعالى: }مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ { ]آل عمران:67[.
فإبراهيم عليه السلام كان على دين الإسلام قبل أن يزوّروا أديانهم، وتوحيده سابق لشرك أولئك المشركين وكفرهم بالله العظيم، فما كان يؤمن بثالوث النصارى الشركي، ولا بأوثانهم التي يعبدونها من دون الله تعالى، ولا كان يعبد المسيح بن مريم عليه السلام الذي يعبدون، ولا كان يعبد أئمة الرافضة ولا يطيع طواغيتهم الذين يعبدونهم من دون الله تعالى، بل كان عليه السلام بريئا من الشرك وأهله، ومنهم مشركو أهل الكتاب وكفارهم، والمشركون المنتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا، فهم بريؤون من دينه بما أحدثوه من شرك بالله العظيم، وهو بريء منهم ومن شركهم إلى يوم الدين.

وإن إطلاق هذه الدعوة في ظل حكم الرافضة وطاغوتهم "السيستاني" يشي أنهم اختاروا هؤلاء المشركين لإعلان الدخول في هذا الدين الملفق، ليزعموا -إن تحقق لهم ذلك- أنهم أدخلوا المسلمين فيه، والروافض إخوان لهم في دين الشرك بالله العظيم وإن اختلفوا في الآلهة التي يعبدها كل منهم من دونه سبحانه، وليسوا بمسلمين.

وأما الرسالة الثالثة، وهي الأكثر وضوحا، فكانت رفع طاغوت النصارى لصليبه النجس فوق خرائب الموصل التي دمّرها أولياؤه، ليعلن هدف تلك الحملة الصليبية على دولة الإسلام، بأنها حرب لإزالة شرع الله تعالى من هذه الأرض، وإقامة دين الشرك مكانه فيها، وسنزيل صلبانهم منها كما أزلناها أول مرة عن قريب بإذن الله.

وهذه الرسالة أدركها حتى المرتدون الذين حاربوا الدولة الإسلامية، وكانوا يزعمون أنهم بذلك ينصرون الإسلام، فقد تأكد من فعل طاغوت النصارى أن كل من قاتلوها كانت نتائج أفعالهم تصب في مصلحة الحملة التي تستهدف نصرة الصليب وغيره من أوثان المشركين، علم ذلك من علم وجهله من جهل.

ونسأل الله تعالى أن تكون هذه الزيارة لطاغوت النصارى آخر زيارة له إلى أي من بلدان المسلمين، وأن يمكننا منه ومن أوليائه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 277
الخميس 27 رجب 1442 هـ
...المزيد

ألا إنَّ نصر الله قريب بيّن ربُّنا تبارك وتعالى أن ابتلاء المؤمنين بالشدائد سنّة في كل أتباع ...

ألا إنَّ نصر الله قريب


بيّن ربُّنا تبارك وتعالى أن ابتلاء المؤمنين بالشدائد سنّة في كل أتباع المرسلين، فيصيبهم بما يشاء من الابتلاءات قبل أن يمنَّ عليهم بالنصر في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وإن كان وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالنصر القريب متحققاً ولا شك، فإن هذا النصر الموعود يناله العباد بعد صبر وتحمل منهم لمشاق الطريق، وبعد بذل كثيرٍ من العرق والدماء في سبيل التمكين لدين الله تعالى في أرضه، وليس النصر لمن يزعمون استحقاقهم له وهم يعصون الله تعالى؛ فلا يصبرون على الأذى في سبيله، ويمتنعون عن الجهاد لإقامة دينه، وإزالة الشرك من أرضه، فهؤلاء مستحقون للعذاب في الدنيا والآخرة جزاء لمعصيتهم ربهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

فقد توعّد ربُّنا تبارك وتعالى مَن يرتدون عن دينه ولم يصبروا على فتنة المشركين لهم في سبيله بالعذاب المقيم في النار، ولم يستحقوا بسبب كفرانهم نصر الله تعالى لهم، قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

وقد عذّب ربُّنا جل في علاه مَن امتنعوا عن طاعته بجهاد أعدائه، بعد أن وعدهم بالتمكين في أرضه، فلما تولّوا عن طاعته، لم ينلهم وعده، قال تعالى: { قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 24 - 26]،
وقال جل جلاله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38 ، 39].

وإن كان رسولنا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام هم أوضح مثال على نصر الله تعالى لعباده المؤمنين بعد الذلة والاستضعاف، فإن ذلك التمكين في الأرض لم يكن وليد اعتقادٍ قلبي بالله تعالى ودينه فحسب، بل كان بإيمانٍ بهذا الدين اعتقادا وقولا وعملا، فهم قد صبروا على أذى المشركين في مكة سنين، ثم تحملوا المشاق في هجراتهم عن بلدانهم وأهليهم فرارا بدينهم سنين، ثم جاهدوا أعداء الله المشركين بما استطاعوا سنين، حتى فتح الله تعالى عليهم البلاد وقلوب العباد فتحا مبينا، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، فهو ينصر عباده المؤمنين ولو خذلهم الناس وتولوا عن نصرتهم، كما قال تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].

فهذه أسباب النصر التي قام بها المسلمون الأوائل من هذه الأمة حتى استحقوا نصر الله تعالى وتمكينه لهم في الأرض، ولو أنهم امتنعوا عن طاعة الله تعالى وتولوا عن أداء واجبات هذا الدين لخُذلوا ولم ينالوا النصر، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

وأما من ترك ما عليه من واجبات، بل وزاد عليها بفعل المحرمات ثم تمنّى على الله تعالى الأماني فهذا ليس له إلا الخيبة والندامة في الدنيا والآخرة، وأشد منهم من قعدوا عن الجهاد مخافة الموت والابتلاء وانشغلوا بالطعن في المجاهدين في سبيل الله تعالى، وهم يزعمون أنهم ينتظرون نصر الله تعالى!، فهؤلاء أفعالهم من أفعال المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 167 - 168].

فالواجب على المسلمين أن يؤمنوا بالله تعالى، فينصروا دينه ويجاهدوا في سبيله ويسألوه سبحانه الإعانة والتوفيق والسداد في ذلك، ويرتقبوا نصر الله العظيم لهم، وهو قريب كما وعد جل جلاله، ما يؤخره عنهم إلا مشيئته سبحانه وذنوبهم، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 276
الخميس 20 رجب 1442 هـ
...المزيد

أومن سكلترون وبلبل. لا جديد يعاد. ولا قديم . أعطه لمن شءت

أومن سكلترون وبلبل. لا جديد يعاد. ولا قديم

. أعطه لمن شءت

total over. قصة فانتزمان. اخر ملوك الارض. عندما اكتشف. لا يمكن حلول. مع ملوك الارض الا ...

total over.

قصة فانتزمان. اخر ملوك الارض. عندما اكتشف. لا يمكن حلول. مع ملوك الارض الا بتركها

وقال ف جحافل مزيد
وسؤال العنيد
ومماراة العتيد

مافيه من. جنة وليد
وسلام عميد
وتسليم بعيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
5 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً