سبيلُ البلاغ مؤسسة الدرع السني المناصرة للدولة الإسلامية تقدم كُتيب بعنوان: سبيلُ ...

سبيلُ البلاغ



مؤسسة الدرع السني المناصرة للدولة الإسلامية تقدم كُتيب بعنوان: سبيلُ البلاغ


[الكتيب مُكون من 33 صفحة يحتوي على توجيهات ونصائح قيّمة للداعين إلى طريق الحق]



أخي المسلم؛
للإطلاع وتحميل الكُتيب قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://files.fm/f/n3qtzyu45r


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AT
...المزيد

تدافعٌ بين الكافرين - قراءة صوتية مؤسسة البتار المناصرة للدولة الإسلامية تُقدّم قراءة ...

تدافعٌ بين الكافرين - قراءة صوتية



مؤسسة البتار المناصرة للدولة الإسلامية تُقدّم قراءة لافتتاحية صحيفة النبأ للعدد 537 بعنوان: تدافع بين الكافرين


"فالحرب المشتعلة اليوم بين المحور الإيراني والمحور الأمريكي اليهودي ونتائجها وخسائر الأطراف فيها؛ كلها تندرج في سياق سُنة التدافع التي قدّرها الحكيم الخبير سبحانه، رحمة وتخفيفا عن المؤمنين، ومكرا واستدراجا للكافرين، ونقصد بالتدافع هنا الذي يقع بين الكافرين، لقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال الطبري والقرطبي وغيرهم: "نسلط بعض الظلمة على بعض"، وقال ابن كثير: "لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب؛ لفسدت الأرض".

ومن فوائد هذا التدافع بين هذين العدوين الكافرين: زيادة التمايز والغربلة في صفوف أهل القبلة، ليهلك من هلك عن بينة، وهو ما نراه اليوم من لحوق شرائح منهم بالفريقين، فهذا يتولى الرافضة! وذلك يتولى اليهود والصليبيين!، وكلاهما له مبررات ساقطات، وكلاهما في الحكم سيان، أما المسلم فموقفه راسخ معروف، لا يفيء إلى هذا ولا إلى ذاك، بل يكفر بالفريقين ويكفّرهما ويعاديهما ويتبرأ منهما ويتولى حزب الله المؤمنين، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}."



للاستماع للقراءة الصوتية، انسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://gofile.io/d/6TagTk


لطلب القراءة الصوتية أو ملف الصحيفة على منصة التيليجرام:
@WMC11AT
...المزيد

عبادة الخفاء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما ...

عبادة الخفاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد،
اعلموا رحمكم الله أن عبادة الخفاء هي زاد المؤمن في سيره إلى الله تعالى، فهي سر بين ‏العبد وربه، وخبيئة من عمل صالح يرفع الله بها الدرجات، ويطهر بها القلوب‎.‎
وسميت عبادة خفاء لأنها مستورة عن أعين البشر، وخالصة لوجه الله، بعيدة عن الرياء. ‏
ومن أجل بيان فضلها، وأثرها يمكن عرض المقال في محاور رئيسة:‏
أولاً: القرآن الكريم:‏
الدعاء الخفي هو سر المناجاة الصادقة التي تخرج من قلب العبد في خلوته مع ربه دون ‏أن يسمعها أحد من الناس، قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ سورة الأعراف، الآية55، ‏وقال تعالى: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ سورة مريم، الآية 3.‏
وعبادة الخفاء والخبيئة من العمل الصالح هي دليل صدق القلب، وخشيته لله في الغيب ‏حيث لا يراه أحد من الناس، قال تعالى: ﴿ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ سورة ‏ق، الآية 33.‏

ثانياً: السنة النبوية:‏
جمع النبي صلى الله عليه وسلم معاني عظيمة تتعلق بالإخلاص في العمل، والبعد عن ‏الرياء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ ‏تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي ‏الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ ‏وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا ‌حَتَّى ‌لَا ‌تَعْلَمَ ‌شِمَالُهُ ‌مَا ‌تُنْفِقُ ‏‏‌يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» صحيح البخاري، رقم ح1357.‏ صحيح مسلم، رقم ‏ح1031.‏
‏‌قال ‌النوويّ رحمه الله: " في هذا الحديث فضل صدقة السر، قال العلماء وهذا في صدقة ‏التطوع فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء... وفيه فضيلة البكاء من ‏خشية الله تعالى وفضل طاعة السر لكمال الإخلاص فيها".‏
ومن صفات العبد المحبوب عند الله أنه يجمع بين التقوى والغنى والخفاء. عن سعد بن ‏أبي وقاص، سمعت رسول الله صلى الله عليه: « إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ ‌التَّقِيَّ ‌الْغَنِيَّ ‌الْخَفِيَّ» ‏صحيح مسلم، رقم ح2965.‏
‏‌قال ‌القاضي عياض:" الخفي " بالحاء المهملة، ولغيره بالخاء المعجمة، وهو دليل الحديث ‏لاغترابه بالتبدى( الظهور) وانقطاعه عن الناس، وقد يكون " الحفى " بالحاء المهملة: أي ‏الوصول، لا سيما لقرانه بالغنى. ولا فضيلة للغنى إلا مع بذل المال وصلة الأرحام".‏
ومن التوجيهات النبوية العظيمة ما جاء في الحث على أن يكون للمؤمن عمل صالح ‏خفي، لا يطلع عليه أحد سوى الله تعالى، ليكون أصدق في الإخلاص وأبعد عن الرياء، عن ‏الزبير بن العوام، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ‌خَبْءٌ ‏‏‌مِنْ ‌عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» صحيح الجامع، رقم ح 6018 .‏
ومن شواهد فضل الخفاء في العمل ما أورده البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل ‏الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح رضي الله عنه؛ إذ كان لبلال رضي الله عنه خبيئة بينه ‏وبين ربه، لم يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله عنها، فدل ذلك على أن العمل الخفي ‏قد يرفع العبد عند الله وإن لم يطلع عليه أحد من الناس‎.‎
وكما ورد في صحيح البخاري في كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا ... جاءت قصة ‏الثلاثة الذين آواهم الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فلم يجدوا للخلاص سبيلًا إلا أن يتوسل كل ‏واحد منهم إلى الله بخبيئة من عمله الصالح، فكان ذلك سببًا في تفريج كربهم.‏

ثالثاً: أقوال السلف:‏
من نفائس ما نُقل عن الإمام الشافعي، قوله: " من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره فعليه ‏بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب المعاصي ‌ويكون ‌له ‌خبيئة ‌فيما بينه وبين الله تعالى من عمل" ‏مناقب الشافعي للبيهقي. ص22.‏
ومن أقوال الإمام أحمد بن حنبل الدالة على فضل العمل الخفي، قوله:" ما رفع الله ابن ‏‏‌المبارك ‌إلا ‌بخبيئة ‌كانت ‌له". صفة الصفوة لابن الجوزي. ج2 ص330.‏
ومن أبلغ ما روي عن الحسن البصري رحمه الله وصفه حال السلف في إخفاء أعمالهم، ‏قال:" إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ‏‏‌وما ‌يشعر ‌به ‌الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون ‏به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون ‏علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا ‏بينهم وبين ربهم عز وجل، ذلك أن الله تعالى عز وجل يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ‏‏[الأعراف: 55]، وذلك أن الله تعالى ذكر عبدا صالحا ورضي قوله، فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً ‏خَفِيًّا} [مريم: 3] " الزهد والرقائق لابن المبارك. ص45‏

رابعاً: التطبيق العملي لعبادة الخفاء:‏
ومن التطبيق العملي لعبادة الخفاء‏ أن يكون للمؤمن نصيب من الأعمال الصالحة سرًّا بينه وبين ‏الله تعالى، يزكي بها قلبه ويقوي بها إخلاصه، ومنها:‏
‏- خبيئة في الصلاة:‏‎ ‎اجعل لك ركعات في جوف الليل لا يطلع عليها أحد، تكون سرًّا ‏بينك وبين الله‎.‎
‏- خبيئة صيام خفي:‏‎ ‎اجعل لك أيامًا تصومها لا يعلم بها أحد، فهي عبادة خالصة ‏اختص الله أجرها لنفسه‎.‎
‏- تلاوة القرآن في خلوة:‏‎ ‎اقرأ القرآن بعيدًا عن أعين الناس، فهو غذاء للروح ونور للقلب‎.‎
‏- خبيئة في الصدقة‎ :‎خصص مبلغًا تتصدق به دون أن يعلم به أحد، حتى أقرب الناس ‏إليك‎.‎
‏- خبيئة في الذكر، والدعاء:‏‎ ‎اجعل لك وردًا من الذكر، والدعاء في خلوة، بصوت ‏خافت لا يسمعه أحد.‏
‏- خبيئة في خدمة الناس‎ :‎قدّم معروفًا أو مساعدة لشخص محتاج دون أن يعرف أنك ‏من فعلت ذلك‎.‎
‏- دمعة خبيئة: عند الابتلاء لا تُظهر شكواك للمخلوق، بل كن من المنكسرة قلوبهم ‏بدمعة صادقة، تكن سرًّا مصونًا بينك وبين ربك.‏

خامساً: من فوائد عبادة الخفاء:‏
‏-عبادة الخفاء مدرسة عملية لتزكية النفوس، وتطهير القلوب، فهي تغرس في المؤمن ‏إخلاص العمل لله وحده بعيدًا عن أعين الناس، فلا يطلب ثناءً ولا مدحًا وإنما يبتغي وجه الله ‏تعالى.‏
‏- ومن أعظم ثمارها أنها تورث القلب طمأنينة وسكينة؛ إذ يدرك العبد أن الله مطّلع عليه، ‏فيستشعر معيته في كل لحظة، وفي زمن ضجيج صفحات التواصل الاجتماعي وما يشيع فيها ‏من رياء وحب الظهور، تظل عبادة الخفاء حصنًا يحفظ صفاء القلب ويثبت الإيمان‎.‎

‏‌ختاماً:‏
‏ ‌نسأل ‌الله ‌تعالى أنْ يوفّقنا جميعًا لما يحبّ ويرضى، ويرزقنا ‌الإخلاص ‌في ‌القول ‏‏‌والعمل، ‌وخشيته ‌في ‌السر ‌والعلن، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.‏
...المزيد

ما هي صفة الكفر بالطاغوت؟ 1- اعتقاد بطلانها. 2- تركها والتبرؤ منها. 3- بُغضها ...

ما هي صفة الكفر بالطاغوت؟



1- اعتقاد بطلانها.
2- تركها والتبرؤ منها.
3- بُغضها وعداوتها.
4- تكفير أهلها
5- معاداتهم في الله.

كتاب: (تعلموا أمر دينكم)

همسات رمضانية 2 • انكسار القلب الابتـلاء والصبر: قد يظن البعض أن الابتلاء عقوبة محضة، أو ...

همسات رمضانية 2


• انكسار القلب

الابتـلاء والصبر:
قد يظن البعض أن الابتلاء عقوبة محضة، أو إبعاد، أو علامة سخط، فيحاول أن يظهر التجلّد، وأن يقف أمام الأقدار كأنه لا يتأثر، وكأن الصبر لا يكون إلا بجمود الملامح وكتمان الأنين لكن الحقيقة أعمق من ذلك.


حقيقة الابتلاء:
الله سبحانه قد يبتلي عبده ليسمع دعاءه، ليُخرج من قلبه ذلك الصوت الصادق الذي لا يخرج في الرخاء، يبتليه ليقرّبه لا ليقصيه، ليكسر حدة الغفلة، ويعيد القلب إلى بابه.


الحذر من التجلد على الله:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه، ولا يحب التجلّد عليه وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه، وتذلله، وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره. فاحذر كل الحذر من إظهار التجلد عليه، وعليك بالتضرع والتمسكن، وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم" (كتاب الروح).

التذلل لله:
تأمل قوله: لا يحب التجلّد عليه، ليس المقصود ترك الصبر، بل ترك التعالي أي أن لا تتظاهر بالقوة بين يدي الله، وأن لا تعامل ربك وكأنك مكتفٍ بنفسك؛ فإن أحبّ ما إلى الله قلب منكسر، لا قلب متماسك ظاهريًا لكنه مغلق، بل قلب يعترف: يا رب أنا ضعيف، أنا لا أحتمل إلا بك، أنا لا أصبر إلا بإعانتك.العشر الأواخر والقدر - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو عبد الرحمن الأنصاري


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

إخواني في الله، أفتتح كلامي بإيصاء نفسي وإياكم بتقوى الله تعالى، في شهر التقوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالتقوى هي التي تجعل المرء يتفكَّر في مبدأه ومصيره، واجتهاده وتقصيره، وخطأه وصوابه، وما هو له وما هو عليه، والناس في ذلك متفاوتون بحسب ما لدى كلٍّ منهم من المعرفة بالله تعالى، فصاحبُ التقوى يعلم أن كل يوم له يمضي يقترب أجله، ويُنقَص من عمره ونفسه، وأيامه التي كلها معدودة، فيحاسب نفسه، ويجعله ذلك يندب حاله ويسعى في تدارك ما فات بمضاعفة الجهود، فما أسرع انقضاء أيامنا لو تفكرنا!

معاشر الأحبة، يا من مَنَّ الله علينا وعليهم بأن أمد لنا أعمارنا إلى هذا الشهر المبارك، وتفضل علينا بأن أحيانا إليه، نصوم أيامه ونقوم لياليه؛ ها هي أيام الشَّهر تجري جريًا حثيثًا وكلمح بالبصر، يقال: قد انصرم الشهرُ وذهبت أيامه العطرةُ ولياليه العذبة، ويذهب بأجوره مِن الناس مَن اغتنمه، ومَن سواهُ بوزره أو بوفاة بن خال يذهب، وهو يعضُّ أصابع الندم، ويقلب كفيه حسرةً على ما فرَّط فيه في جنب ربه، وعلى كسله وقبوله بالخسارة في مضمار السباقِ إلى نيل المغفرةِ والرضوانِ في الأيام المعدودات، ولا يزالُ يقرع مسامعَه ويكدر صفوَه الوعيدُ الشديدُ الذي جاء في الحديث الصحيح؛ لما يعلم من تفريطه، والله المستعان.

أخرج ابن حبان في صحيحه وغيرُه عن مالك بن الحويرث قال: "صعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر، فلمَّا رقي عتبة قال: (آمين)، ثمَّ رقي عتبة أخرى، فقال: (آمين)، ثم رقي عتبة ثالثة، فقال: (آمين)، ثم قال: (أَتَى جِبْرِيلُ فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ)".

أحبتي في الله، بالأمس قد كنا نعدُّ أياما بقيت قبلَ رمضان، واليوم نعدُّ أيامًا بقيت فينتهي الشهرُ وينصرم، فهلَّا انتبهنا لسرعة مضيِّ الأيام وفوات الفرص، وانتهاء أعمارنا واقتراب آجالنا مع تفريطنا في جنب ربنا، وتكاسلنا عن التزوُّد لدار الآخرة التي ننتظرُ وقت رحيلنا إليها! وهلَّا نشمرُ ونعزمُ على تدارك ما فات! أو ليس شهرُ رمضان شهرَ القرآن، والصدقة والإحسان، والذكر والدعاء والسباق إلى المغفرة والرضوان؟! قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاهُ في كل ليلة من رمضان، فيدارسُهُ القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجودُ بالخير من الريح المرسلة"، وقد كان الزهريُّ إذا دخل رمضانُ يقول: "إنما هو قراءةُ القرآن وإطعامُ الطعام".

قال ابن رجب -رحمه الله- تعليقًا على الحديثِ الآنفِ الذكر: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك وعرض القرآن على من هو أحفظُ له، وفيه دليلٌ على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان".

وللأسف؛ ما أكسلنا حتى قد تقول: إن أيامنا الفائتة لا تحسب علينا! فها هو رمضانُ شهر الرحمات والبركات، والغفران والعتق من النيران، أبوابُ الجنانِ فيه مفتحة، وأبواب النيران فيه مغلقة، والشياطين ومردة الجان مصفَّدة، ها هو قد شقَّ طريقه نحو الانصرام والانقضاء، ونستقبلُ عشره الأخير كما أسلفنا، فالبدار البدار!

أما حبيبنا وقدوتنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كان يضاعف جهوده في العشر الأواخر من رمضان؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشرُ شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله وجدَّ"، [متفق عليه].

بل كان -صلوات ربي وسلامه عليه- يتفرَّغ للعبادة ويعتكف في المسجد، كما جاء عند البخاري عن أبي هريرة قال: "كان يعرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرة، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه".وعند الشيخين عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده، [متفق عليه].

إخواني في الله، اعلموا أن العشر الأواخر ليالٍ جليلة، فيها ليلة القدر، وما أدراكم ما ليلة القدر؟! ليلة القدر ليلة عظيمة القدر، فيها أنزل القرآنُ الكريم جملة واحدة إلى السماء الدنيا من السماء العليا، وكان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- نجوما على حسب الحاجة، وكان بين نزول أوله وآخره على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثٌ وعشرون سنة.

قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5].

وقد قيل: سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي، من قولهم: "فلانٌ ذو قدر"، أي: ذو شرف ومكانة رفيعة، وقيل: "القدرُ هو التقدير"، أي: ليلة التقدير لجميع أمور السنة، أي: أنَّ الله يقدِّر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، وقيل: "سميت بذلك لأن للطَّاعات فيها قدرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا".

ومما ورد أيضا في فضل ليله القدر: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، وحديثُ عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي، مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ لَيْلَةُ وِتْرٍ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ثَالِثَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ).

وليلة القدر باقيةٌ وتحريها في الوتر من العشر الأواخر من كل شهر رمضان؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، وليلة القدر منتقلةٌ في الوتر من العشر الأواخر من رمضان جمعًا بين الأدلة؛ وذلك أنها انتقلت في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ليالي الوتر من العشر الأواخر، ولا يضرُّ قول مَن عينها مِن الصحابة تمسُّكًا بما شهده من وقوعها في ليلة من تلك الليالي، والله أعلم.

فاجتهدوا أحبتي في الله، واغتنموا ما تبقى من أيام الشهر، واعمروها بأعمال البر، وتحروا أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، وعلى رأسها الجهاد والرباط؛ فقد أخرج ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن مجاهد عن أبي هريرة: أنه كان في الرباط، ففزع الناس إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناسُ وأبو هريرةَ واقف، فمرَّ به إنسانٌ فقال: "ما يوقفك يا أبا هريرة؟" فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)، فكيف بالجهاد والرباط في رمضان؟! وكيف بمن جمع بين الجهاد والرباط وسائر القربات؟! فلا شك أنه السابق المغبوط، ويا لأجره وفوزه إنْ أخلص لله عمله!
وفقنا الله وإياكم بليلة القدر، وجعلنا بلطفه وكرمه ممن يقومها إيمانا واحتسابا، ويقوم رمضان ويصومه إيمانا واحتسابا، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (العشر الأواخر والقدر) الصادر عن ولاية غرب إفريقية - رمضان 1447هـ
...المزيد

معسكر الايمان إن لعساكر الإيمان وجند الرحمن صفات تميزهم وخصائص تخصهم وهم الذين يُقاتلون في ...

معسكر الايمان


إن لعساكر الإيمان وجند الرحمن صفات تميزهم وخصائص تخصهم وهم الذين يُقاتلون في سبيل الله, ولأجل إعلاء كلمة الله ولتكون كلمة الذين كفروا السفلى, وهم الذين يقاتلون للدفاع عن أعراض المسلمين، وعـن حرمات المسلمين، وعن أموال المسلمين، وهم الذين يؤمنون ثغور المسلمين حماية لدار الإسلام ودولة الإسلام, فهم جند التوحيد, وعساكر الإيمان, امتدحهم الله بقوله : { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله .... } [سورة النساء]، فولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وبراؤهم من كل عدو لله ولرسوله والمؤمنين...
وهم الذين لا يتخذون الكافرين أولياء، حتى ولو كان أقرب قريب، وهم الذين يسعون لفكاك أسرى المسلمين من أيدي الصليبيين والمرتدين والطواغيت أجمعين، ويجعلون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نصب أعينهم: "فكوا العاني" وهم الذين يغضبون لحدود الله ولشريعة الله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.


• المصدر:
مقتطف من كلمة الشيخ فارس آل شويل الزهراني
[ نصيحة إلى العسكر ]
...المزيد

بأسهم بينهم شديد قال الإمام مالك -رحمه الله-: "ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما" ...

بأسهم بينهم شديد


قال الإمام مالك -رحمه الله-: "ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما" (الجامع لمسائل المدونة ٦/٨٣٢].

وقال الفضيل بن عياض: "إذا رأيتَ ظالمًا ينتقم من ظالم، فقف وانظر فيه متعجبًا" (تفسير القرطبي لسورة الأنعام/٩٢١].

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
...المزيد

فوانيس الإيمان - الإخلاص والصدق في أصل الإيمان وأساسه يقوم الصدق فإن الله عزّ وجل يقول: { يَا ...

فوانيس الإيمان - الإخلاص والصدق


في أصل الإيمان وأساسه يقوم الصدق فإن الله عزّ وجل يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }. وقال ابن القيم -رحمه الله-: «منزلة الصدق هي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران». [مدارج السالكين ٢٥٨/٢].

وتُجسّد قصة كعب بن مالك -رضي الله عنه- هذه الخصلة العظيمة فقد كان صحابيًا جليلًا من أهل الصدق، لكنه تخلّف عن غزوة تبوك تكاسلًا. فلما رجع النبي، جاء المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة، أما كعب رضي الله عنه فوقف صادقا، وقال: «إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أَعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبِ تَرْضَى بِهِ عَنِي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرِ».

فامتحن في صدقه؛ أن هجر خمسين ليلة لا يكلمه أحد، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت ولكن لما صدق مع الله، أنزل الله توبته قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا } [سورة التوبة: 118].

إن الله يحب القلوب الصادقة، ونسأل الله أن يجعلنا من الصادقين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل..
...المزيد

ليكن هذا هدفكم إن تضحياتكم هي أغلى ما تملكون، فلا تهدروا دماءكم في سراب الوطنية أو في رياح ...

ليكن هذا هدفكم


إن تضحياتكم هي أغلى ما تملكون، فلا تهدروا دماءكم في سراب الوطنية أو في رياح الديمقراطية.

ينبغي أن يكون هدفكم هو إقامة حكم الشريعة الربانية، فمهما كانت التحديات كبيرة، فإن الله مع الصابرين والمجاهدين.


• أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله-
كلمة: (قَد تّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)
...المزيد

الصبر المحمود - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ نشيد: بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار ...

الصبر المحمود - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو عمر الأندلسي


الحمد لله رب العالمين، القوي المتين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، إخوةَ الإيمان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد:

فإننا نحمد الله تعالى الذي جعل الصبر قوة وزادا، وسلاحًا وعتادا، وسبيلًا للنصر ومددا، قال تعالى: {بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125]، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد: (واعلم أنَّ النصر مع الصبر).
والحمد لله الذي جعل الصبر سبيلًا للإمامة وطريقًا للتمكين، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، وجاء في صحيح مسلم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيرٌ، وَلَيسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِن أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ).

إخوة الإيمان، إن الله سبحانه وتعالى وصف الصابرين بأوصافٍ وخصهم بخصائصَ لم يجعلها لغيرهم، وذكر الصبرَ في نحو تسعين موضعًا من كتابه الكريم؛ لعظمه وأهميته في حياة الصالحين وعباده المتقين، روى الإمام أحمد -رحمه الله- في كتاب الزهد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "خير عيش أدركناه بالصبر"، قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].

فاحبس نفسك -يا عبد الله- عن التشكِّي لغير الله، واحبس نفسك عن الجزع، واحبس نفسك على ما أمرك الله به، واحبس نفسك عمَّا نهاك الله عنه، واعلم أخي المسلم، أخي المؤمن، أيها الحبيب؛ اعلم بأنَّ الله علَّق فلاح المؤمن وسعادتَه ونجاحَه في الدارين على الصبر، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

وجعل الله سبحانه وتعالى لكل عمل من أعمال البر أجورًا معلومة محدودة إلا الصبر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]؛ ذلك أن الله جل وعلا علم الجهدَ الذي يقتضيه السيرُ على هذا الطريق بين شتى العقبات والنزعات والابتلاءات والمحن وطول ومشقة الطريق، فلا بدَّ من الصبر على فعل الطَّاعات، ولا بد من الصبر للابتعاد عن المنهيات، ولا بد من الصبر على ما يعتري الإنسانَ من ضعف وخوف وجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولا بد من الصبر في جهاد الأعداء، ولا بد من الصبر من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.

وقد يتأخر النصر، وقد يطول العناء ويشتد البلاء، وقد علم الله سبحانه وتعالى أن الصبر قد يضعف، أو حتى قد يتلاشى ويذهب وينفد، فدلنا سبحانه وتعالى على المعين الذي لا ينضب أبدًا، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، فتزودوا -إخوة الإيمان- بالصلاة، وتزودوا بالصبر، وتزودوا بالدعاء، وتزودوا بالابتهال، وتزودوا بكل ما يقرب إلى الله من قول وعمل، واصبروا واعلموا أنَّ الله مع الصابرين، أنَّ الله مع الصابرين يشفيهم، ويجبر كسرهم، ويأويهم وينصرهم، ويغفر ذنوبهم ويرحمهم، ويرزقهم بغير حساب.

وها هنا يجب أن ننبه على أمر في غاية الأهمية والخطورة، وهو اعتقاد بعض المسلمين الذين يعيشون خارج ولايات دولة الخلافة الإسلامية -أعزها الله- أن ما يعيشونه وما يحيونه وما يشعرون به من ذل الاستضعاف تحت أنظمة الجبر من الحكَّام المرتدين، وتحت مظلة الدُّول الغربية الصليبية؛ أنَّ ما يعيشونه من الصَّبر المحمود! ألا فاعلموا أيها المسلمون في كل مكان -يرعاكم الله- أنَّ مَن كان هذا حالَه فهو على خطر عظيم إن لم يتدارك أمره، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].أمَّا الصبر الحقيقي؛ فهو أن تركب سفينة النجاة وسفينة العز؛ إن للاستضعافِ تكاليفَ باهظةً تكلفكم أموالكم ومدخراتكم وممتلكاتكم المنهوبة، كما أنها ضريبةٌ تكلفكم أعراضكم وأبناءكم الذين يربيهم طواغيت العرب والعجم في مدارسهم ومعاهدهم، وينشئونهم على الرذيلة والانحلال، وأنتم تنظرون بلا حراك عاجزين، أفلا تبصرون؟!
كمَّموا أفواهكم، وصادروا حقَّكم في القول والعمل، وعبثوا بمعتقداتكم وتقاليدكم، وفرَّقوا جمعكم وشتَّتوا شملكم، واستهزأوا بنبيكم -صلى الله عليه وسلم-، ودنسوا وحرقوا وداسوا بأقدامهم النجسة كتاب ربكم! وسجنوا خيرةَ أبنائكم وعلمائكم الربانيين، وأنتم تدَّعون أنكم صابرون! أفلا تعقلون؟!

فعليكم بطريق العزة، واصبروا عليه، ودونكم دولة الخلافة الإسلامية وولاياتها المنتشرة في كل مكان، واعلموا إخوة الإسلام -يرعاكم الله- أن تكاليف اللحاق بدولة الخلافة، مهما عَظُمَتْ تكاليفُها وتعاظمت أهوالُها وشق مقامها؛ فوالذي نفسي بيده، لهي أهونُ من العيش تحت كنفِ مَن يستعبدُ ويُعبِّدُ الناس لغير الله، مهما زينها لكم الشيطانُ وزخرف مقامها من سلامة النفس ورغد العيش المزعوم.

فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من الصابرين الصادقين في القول والعمل، وأن يهدينا سبيل الرشاد؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
(الصبر المحمود) الصادر عن ولاية الصومال - رمضان 1447هـ
...المزيد

خطورة الكذب - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ نشيد: بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار ...

خطورة الكذب - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو أنس النيجري


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ الأمين، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين؛ وبعد:

فالكذبُ هو الإخبارُ عن الشيءِ بخلافِ ما هو، ولا يُشترَطُ فيه التعمُّد؛ لأنَّ التعمدَ شرطٌ في كونِهِ إثمًا، واللهُ أعلم، ذكرَهُ النَّوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلم، وهو ذنبٌ عظيمٌ وجُرمٌ بغيض؛ فعن عائشةَ قالت: ما كانَ خُلُقٌ أبغضَ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من الكذب، ولقد كانَ الرَّجلُ يُحدِّثُ عند النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بالكذبة، فما يزالُ في نفسِهِ حتى يعلمَ أنهُ قد أحدثَ منها توبة.

واجتنابُ الكذبِ فضيلةٌ عظيمةٌ وثوابُهُ كبير؛ فعن أبي أمامةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنةِ لمن تركَ المِراءَ وإن كانَ محقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنةِ لمن تركَ الكذبَ وإن كانَ مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حسُنَ خلقُه)، أخرجَهُ أبو داودَ وغيرُهُ، وإسنادُهُ حسن.

ومن أنواعِ الكذب: الكذبُ في الوعد، وهو من أخلاقِ المنافقينَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: (آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمنَ خان)، [متفقٌ عليه]، وفي روايةٍ لمسلم: (وإن صامَ وصلَّى وزعمَ أنهُ مسلم)، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (أربعٌ من كنَّ فيهِ كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيهِ خلَّةٌ منهنَّ كانت فيهِ خلَّةٌ من نفاقٍ حتى يدعَها: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غدر، وإذا وعدَ أخلف، وإذا خاصمَ فجر)، [متفقٌ عليه].

ومن أنواعِ الكذبِ كذلك: الكذبُ في الشهادة، وهو المعروفُ بشهادةِ الزُّور، وهو وصفُ الشيءِ على خلافِ ما هو به، قال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)} [البقرة]، وقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)} [البقرة]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} [النساء]، وقال: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ (106)} [المائدة].

وعن أبي بكرةَ -رضيَ اللهُ عنه- قال: قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (ألا أنبئُكم بأكبرِ الكبائر؟) ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين)، وجلسَ وكانَ متكئًا فقال: (ألا وقولُ الزُّور)، قال: فما زالَ يكررُها حتى قلنا: ليتَهُ سكت [متفقٌ عليه].

وعن أنسِ بنِ مالكٍ قال: ذكرَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الكبائر، أو سُئلَ عن الكبائر، فقال: (الشِّركُ بالله، وقتلُ النَّفس، وعقوقُ الوالدين)، فقال: (ألا أنبئُكم بأكبرِ الكبائر؟)، قال: (قولُ الزُّور)، أو قال: (شهادةُ الزُّورِ)، قال شعبة: وأكثرُ ظنِّي أنهُ قالَ: (شهادةُ الزُّور) [متفقٌ عليه].

ومن أنواعِ الكذبِ كذلك: البهتان، وهو من أشدِّ الكذب، وهو ذكرُ المسلمِ بما يكرهُهُ وهو كاذبٌ أو غيرُ متحقق، وهو أشدُّ من الغيبة، ومنهُ القذف.
ومن الكذبِ أيضًا: التَّحدثُ بكلِّ ما سمعَهُ المرء؛ فعن حفصِ بنِ عاصمٍ قال: قال رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (كفى بالمرءِ كذبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع)، أخرجَهُ مسلم، قالَ النَّوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلم: "أما معنى الحديثِ ففيهِ الزَّجرُ عن التَّحدثِ بكلِّ ما سمعَ الإنسان؛ فإنهُ يسمعُ في العادةِ الصِّدقَ والكذب، فإذا حدَّثَ بكلِّ ما سمعَ فقد كذبَ لإخبارِهِ بما لم يكن"، انتهى.ويُستثنى من الكذبِ ما يُقالُ في الإصلاحِ بينَ النَّاس؛ لحديثِ أمِّ كلثومٍ بنتِ عقبةَ بنِ أبي معيط -وكانت من المهاجراتِ الأُوَلِ اللاتي بايعنَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنها سمعتْ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وهو يقول: (ليسَ الكذَّابُ الذي يُصلحُ بينَ النَّاسِ، ويقولُ خيرًا ويَنْمِي خيرًا)، قال ابنُ شهاب: "ولم أسمع يُرَخَّصُ في شيءٍ مما يقولُ النَّاسُ كذبًا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاحُ بينَ النَّاس، وحديثُ الرجلِ امرأتَه، وحديثُ المرأةِ زوجَها"، [متفقٌ عليه].

قالَ النَّوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلمٍ: "معناه: ليسَ الكذَّابُ المذمومُ الذي يُصلحُ بينَ النَّاس، بل هذا مُحسِن، وأما كذبُهُ لزوجتِهِ وكذبُها لهُ فالمرادُ بهِ في إظهارِ الودِّ والوعدِ بما لا يلزمُ ونحوِ ذلك، فأما المخادعةُ في منعِ ما عليهِ أو عليها أو أخذِ ما ليسَ لهُ أو لها؛ فهو حرامٌ بإجماعِ المسلمين".

ومن نتائجِ الكذبِ الوخيمةِ أنَّهُ علامةٌ من علاماتِ النِّفاق؛ لحديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: (آيةُ المنافقِ ثلاث: إذا حدَّثَ كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمنَ خان)، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (أربعٌ من كنَّ فيهِ كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانت فيهِ خصلةٌ من نفاقٍ حتى يدعَها: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غدر، وإذا وعدَ أخلف، وإذا خاصمَ فجر) [متفقٌ عليه].
ومن نتائجِ الكذبِ الوخيمةِ كذلك: أنه هادٍ إلى الفجور، وهو الميلُ عن الحق؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (عليكم بالصِّدق؛ فإنَّ الصِّدقَ يهدي إلى البِر، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وما يزالُ الرَّجلُ يصدقُ ويتحرى الصِّدقَ حتى يُكتبَ عند اللهِ صدِّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النَّار، وما يزالُ الرَّجلُ يكذبُ ويتحرى الكذبَ حتى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا) [متفقٌ عليه].

ومن نتائجِ الكذبِ الوخيمةِ كذلك: أنَّهُ مؤدٍ إلى عذابٍ أليم، قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} [البقرة].

وعن سمرةَ بن جندبٍ -رضيَ اللهُ عنه- قال: كان رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مما يُكثرُ أن يقولَ لأصحابِه: (هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟)، قال: فيقصُّ عليهِ من شاءَ اللهُ أن يَقُص، وإنَّهُ قال ذاتَ غداة: (إنَّهُ أتاني الليلةَ آتيانِ، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقتُ معهما) وفيه: (فأتينا على رجلٍ مستلقٍ لقفاه، وإذا آخَرُ قائمٌ عليهِ بكلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأخذُ أحدَ شِقَّي وجهِهِ فيُشَرْشِرُ شِدقَه إلى قفاه، ومنخرَهُ إلى قفاه، وعينَهُ إلى قفاه)، قال: وربما قال أبو رجاء: (فيَشُق)، قال: (ثمَّ يتحولُ إلى الجانبِ الآخرِ فيفعلُ بهِ مثلَ ما فعلَ بالجانبِ الأول، فما يفرغُ من ذلكَ الجانبِ حتَّى يصحَّ ذلكَ الجانبِ كما كان، ثم يعودُ عليهِ فيفعلُ مثلَ ما فعلَ المرةَ الأولى)، قال: (قلت: سبحانَ الله! ما هذا؟)، قال: (قالا لي: انطلق فانطلقنا)، وفيه: (وأما الرَّجلُ الذي أتيتَ عليهِ يشرشرُ شدقهُ إلى قفاه، ومنخرهُ إلى قفاه، وعينهُ إلى قفاه؛ فإنه الرَّجلُ يغدو من بيتِهِ فيكذبُ الكذبةَ تبلغُ الآفاق) [متفقٌ عليه].

وعن أوسط البجليِّ أنَّ أبا بكرٍ الصِّديقَ قامَ في النَّاسِ فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قامَ فينا عامَ أول، فاستعبرَ فبكى فقعد، ثم إنَّهُ قامَ أيضًا فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قامَ فينا عامَ أول فقال: (عليكم بالصِّدقِ؛ فإنَّهُ من البِر، وإياكم والكذبَ؛ فإنَّهُ من الفجور، ولا تباغَضُوا، ولا تدَابَرُوا، ولا تقاطَعُوا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا كما أمرَكُم الله، واسألوا اللهَ العافيةَ؛ فإنَّهُ لا يُعطَى عبدٌ خيرًا من معافاةٍ بعد يقين)، أخرجَهُ التِّرمذيُّ والبزَّارُ وغيرُهما، واللَّفظُ للبزَّار، وقال التِّرمذي: وهذا حديثٌ حسن.

انتهى، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.


• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
(خطورة الكذب) الصادر عن ولاية غرب إفريقية
رمضان 1447هـ
...المزيد

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين (22) • العشر الأواخر عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- ...

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين (22)


• العشر الأواخر

عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا دخل العشر، أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر» [متفق عليه].

قال النووي -رحمه الله-: «اختلف العلماء في معنى (شدّ المئزر)؛ فقيل: هو الاجتهاد في العبادات، زيادةً على عادته -صلى الله عليه وسلم- في غيره ومعناه : التشمير في العبادات، يقال: شددتُ لهذا الأمر مئزري؛ أي : تشمَّرتُ له وتفرغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادة».الجهاد في ميزان المنافقين


ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.


• من كلمة: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} للمتحدث الرسمي أبي حذيفة الأنصاري (حفظه الله)
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
19 شوال 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً