اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك!
إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا نتناقله إلى يومنا، بعد أن حفروا على صخر الزمان أسماءهم بحروف البذل والجهاد حتى أتاهم اليقين، وكانوا لمن بعدهم مثالا حيّا في كيفية الاقتداء بالأنبياء والمرسلين، في خوض غمار معركة الشبهات والشهوات والانتصار فيها، وتجاوزِها لمعركة أخرى؛ معركة تغيير الواقع لا الاستسلام له، كما هو حال أكثر الناس اليوم.
وعلى إثر هؤلاء الأبطال العظام سار نفرٌ من أبناء الإسلام اليوم، فنهلوا مما نهل منه الأولون، وساروا على نفس الدرب الذي سار عليه السابقون؛ وخاضوا نفس المعركة بكلّ فصولها حتى إحدى الحسنيين.
ففي الوقت الذي استسلم فيه أكثر الناس اليوم للأمر الواقع؛ كان هؤلاء الأبطال يسبحون عكس تيار هذه الجموع المستسلمة، ويرفضون الانصياع لضغط الأكثرية التي تناديهم للرضوخ، ذلك أن الله تعالى هداهم وعرّفهم بأن الواقع الذي استسلم له الناس إنما هو من صنع أيديهم! وأن تغيير هذا الواقع يبدأ من المرء نفسه، وأن العبد بقعوده وتقاعسه شريك في صناعة هذا الواقع المرير، وقد قال ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..}؛ فلن يتغير شيء إنْ جلس كل منا يندب حظّه ويبكي مآسي المسلمين ويتعاطف مع جراحاتهم، ثم ما إن تذهب موجة العاطفة هذه، ويختفي مشهد المأساة من أمامه حتى يعود أدراجه ليأخذ مكانه من جديد وسط الغثاء القاعدين، بانتظار مشهد آخر يستدرّ دموعه لا دماءه! ويستدعي عاطفته لا عقيدته!
لقد وضع الشيخ أبو عمر البغدادي -رحمه الله- يده على هذا الجرح القديم حين صاح بأمة الإسلام قائلا: "أمة الإسلام، لسنا اليوم بحاجة لمن يذرف الدموع، ويؤلف الشعارات، إننا اليوم بحاجة إلى التضحيات، بحاجة لمَن سمع قول الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالًا..}، فطار عن فراشه ووطئه، وذبّ عن كاهله الجبن والخنوع، وامتطى صهوة الجهاد وكان باطنه كظاهره"، وصدّق الشيخ رحمه الله كلماتِه العلاجيّةَ هذه بأفعاله، في زمن كَثُر فيه الكلام وقلّت الأفعال، حين قال نيابة عن ركب المجاهدين الميمون: "فلسنا من يذرف الدموع، ويبكي قاعداً مثل النساء، فما كان ولن يكون هذا سبيلنا، فإن دماءنا ترخص دفاعاً عن الدين والعرض"، وكانت خاتمته بالدماء! فالدموع هي عزاء المحبَطين ذوي الهمم الخائرة، الذين يبكون كالنساء على واقع يتقاعسون عن تغييره كالرجال!
إن المسلم مكلّف بأن يؤدي حق الله عليه، سواء أدى الناس ما عليهم أم انتكسوا، تقدموا أم تأخروا، فلا ينتظر من الناس التأييد أو النصرة، فالغثاء سيقضون على عزيمته إن التفت إليهم، وليتأمل ما قاله الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فَقَاٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا}، فالمسلم لن يُسأل عن غيره لماذا لم يتحرك، لكن سيسأل عن نفسه لماذا لم يستجب لأمر ربه سبحانه، وبقي يتلفّت يمنة ويسرة، ويقول ما أنا إلا من هذه الجموع إن غوت غويت وإن ترشد أرشد! فأول الطريق إذن هو الخروج من فوضى هذه الجموع الساعية خلف الشهوات، والاستنان بالصالحين الذين حبّروا نصائحهم بدمائهم، وعرفوا مراد الله منهم، فنفضوا عن كواهلهم غبار الذل، وانتفضوا في وجه الواقع، وأسرجوا خيول المجد، ليبنوا لأمتهم ما هدم أعداؤها عبر قرون من الغزو العقدي والأخلاقي.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى رجال أشداء، رجال يصدقون مع الله على ما يعاهدونه، لا ينتكسون وسط الطريق أو يتخلون، أو يستطيلون الطريق أو يميّعون، أو يستبطئون النصر أو يستعجلون، بل من الأفذاذ الذين يرمون الدنيا خلف ظهورهم، لا يبالون بقلة السالكين وتخريف المعاندين، فإن وفقك الله -يا عبد الله- والتحقت بركبهم، فإياك وزاد العاطفة الآنية، فإن الطريق طويلة موحشة، معفرة بالدماء والابتلاءات الثقيلة، لا تقوى العواطف أو ردّات الفعل أن تحملك عليها إلا لوقت قليل ثم تسلمك للزاد الحقيقي، الذي تتكئ عليه نفسك لتقْوى على المواصلة، ذلك الزاد هو تقوى الله تعالى، كما قال ربك سبحانه: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، فتقوى الله في السر والعلن هو الوقود الذي يمكّنك من الاستمرار -بإذن الله- كلما عرضَتْ لك الفتن أو زادت عليك المحن، ثم سر على بركة الله، على بصيرة من أمرك، ولن تضل ما دام الكتاب والسنة هادييك ودليليك، ثم هاؤم الكفار من حولك قد ملؤوا الدنيا بكفرهم، وحاربوا دين مولاك وقتلوا إخوانك وشردوا بهم، فاشف صدرك منهم وصدور قوم مؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، ولن تعجز أن تجد وسيلة لذلك، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وميسر أموره وهاديه، ومنقذُه من أن يكون رقما في هذا الغثاء الكثير. ومن سار في هذا الدرب الشديد، الذي عجز عنه عشاق الدنيا، وامتُحن عليه المدّعون بالتقوى، فلا يلتفت للجموع التي تناديه بأن طريقك هذا نهايته الهلاك، وكيف يكون هلاكا وقد دلنا عليه خالقنا؟! وسار عليه الأنبياء والصالحون قبلنا؟! فاسلك هذا السبيل ولو كنت وحدك، فلم ينتظر أبو بصير -رضي الله عنه- أحدا حين أذاق كفار قريش الويلات، ولم ينتظر السابقون الأولون -ليلتحقوا بدين الله- توافد البيعات، وتأمل في غربة الصحابة وهم يسيرون أفرادا من اليمن أو الروم أو فارس، ليسلكوا -كلٌّ وحده- درب الحق رغم أمواج الكفر من حولهم، فلن تكلّف إلا نفسك، وأنت من سلالة إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي كان أمة وحده، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ ...المزيد
اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك! إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل ...
اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك!
إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا ...المزيد
إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا ...المزيد
كل يوم هو في شان كريتوس اثينا
كل يوم هو في شان
كريتوس اثينا
كريتوس اثينا
عودة للجنة خيالات ستور مدرعة للموسومين يرفعه ستار الموسومون الا من استرق سمع شهاب ثاقب ...
عودة للجنة خيالات ستور مدرعة للموسومين
يرفعه ستار الموسومون
الا من استرق سمع شهاب ثاقب لا يستمعون للملا الاعلى ويقذفون من كل جانب
يرفعه ستار الموسومون
الا من استرق سمع شهاب ثاقب لا يستمعون للملا الاعلى ويقذفون من كل جانب
واما من كذب بالحسنى طريقتنا وما يغني عنه نعمتنا ولو ازداد الى طريقة اخرى فموطنه الاخرى
واما من كذب بالحسنى طريقتنا وما يغني عنه نعمتنا ولو ازداد الى طريقة اخرى
فموطنه الاخرى
فموطنه الاخرى
اما من تزكى صدق بالحسنى سبيل والجنان
اما من تزكى صدق بالحسنى سبيل والجنان
اصف 11 -عزيمة جنة كسر كريتوس كاسر ميزيريا
اصف
11 -عزيمة جنة كسر كريتوس كاسر ميزيريا
11 -عزيمة جنة كسر كريتوس كاسر ميزيريا
اني انعام اعضك19 ان تكون من جاهلين سؤال رزق غد 11 امشي
اني انعام اعضك19 ان تكون من جاهلين سؤال رزق غد
11 امشي
11 امشي
مقتطف من كلمة "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا" وأما النداء الذي نطلقه اليوم فموجه إلى ...
مقتطف من كلمة "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا"
وأما النداء الذي نطلقه اليوم فموجه إلى الأمة الإسلامية وأبنائها، ماذا تنتظرون؟ لقد تمايز الكفار فيما بينهم فبين معسكر شرقي شيوعي وبين معسكر ...المزيد
وأما النداء الذي نطلقه اليوم فموجه إلى الأمة الإسلامية وأبنائها، ماذا تنتظرون؟ لقد تمايز الكفار فيما بينهم فبين معسكر شرقي شيوعي وبين معسكر ...المزيد
كيف حالك على الصراط غدا؟ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله ...
كيف حالك على الصراط غدا؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فإن في القيامة أهوالا وأهوالا، ما ينتهي هول إلا وبعده ما هو ...المزيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فإن في القيامة أهوالا وأهوالا، ما ينتهي هول إلا وبعده ما هو ...المزيد
أحفاد الصحابة في قلب إيران! لم يتوقف مجاهدو الدولة الإسلامية -كما فعل غيرهم- عند حدود الكلام ...
أحفاد الصحابة في قلب إيران!
لم يتوقف مجاهدو الدولة الإسلامية -كما فعل غيرهم- عند حدود الكلام عن جرائم الرافضة التي عمّت كتب التاريخ وملأت صفحات الحاضر، ولا عند حدود التنظير عن شرك الرافضة وحربهم ...المزيد
لم يتوقف مجاهدو الدولة الإسلامية -كما فعل غيرهم- عند حدود الكلام عن جرائم الرافضة التي عمّت كتب التاريخ وملأت صفحات الحاضر، ولا عند حدود التنظير عن شرك الرافضة وحربهم ...المزيد
علامات تعظيم الأوامر والمناهي ❖ علامات تعظيم الأوامر - رعايةُ أوقاتها وحدودها - الحرصُ ...
علامات تعظيم الأوامر والمناهي
❖ علامات تعظيم الأوامر
- رعايةُ أوقاتها وحدودها
- الحرصُ على تحسينها
- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها
- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها
- ...المزيد
❖ علامات تعظيم الأوامر
- رعايةُ أوقاتها وحدودها
- الحرصُ على تحسينها
- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها
- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها
- ...المزيد
(فلله العزة جميعا) إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ...
(فلله العزة جميعا)
إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ربُّنا أنْ تكون العزة له سبحانه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ...المزيد
إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ربُّنا أنْ تكون العزة له سبحانه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
22
ذو القعدة
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |