{ألا إن نصر الله قريب}

منذ 2023-12-01

أيها الإخوة المؤمنون، إن النصر دائمًا وأبدًا بيد الله تعالى، والمؤمنون هم أحق بنصر الله بما معهم من الإيمان الصادق، والعاقبة لهم، والنصر حليفهم بفضل الله تعالى.

{ألا إن نصر الله قريب}

لقد سمعنا ورأينا ما يحدث هذه الأيام على أرض غزة الأبيَّة، من تدمير وقتل للمسلمين على أيدي إخوان القردة والخنازير، ولا زالت الحرب بيننا وبينهم سجالًا، ينالون منا، وننال منهم، والأيام دول، ولكن النصر لنا، والعاقبة لأمتنا بوعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أيها الإخوة المؤمنون، اعلموا أن للنصر أسبابًا وعُدَّة لا بد من الأخذ بها مع التوكُّل على الله تعالى، لأجل هذا سوف ترتكز خطبتنا على هذه العناصر التالية:

أولًا: ضرورة الدفاع عن المقدسات.

ثانيًا: فضل الشهادة في سبيل الله.

ثالثًا: ألا إن نصر الله قريب.

رابعًا: أسباب النصر.

 

فأعيروني القلوب والأسماع، عسى الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينصرنا على عدوِّنا، وأن يحفظ إخواننا من كل مكروه وسوء.

 

أولًا: ضرورة الدفاع عن المقدَّسات.

أرض المسلمين كلها مقدسة، فلو اغتُصِبَ جزءٌ منها يجب أن يقف المسلمون جميعًا مع أهلها حتى يحرِّرُوها من يد المغتصِب الأثيم، ويمدوا لأهلها يد العون، ولأجل ذلك يجب الدفاع عن سائر مقدسات المسلمين، ومن أعظم تلك المقدسات المسجد الأقصى؛ ولِمَ لا؟! وهو أُولَى القبلتين، وثالث الحرمين، ومَسْرَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماوات العُلى، ومن أهم ما يبين مكانة هذا المسجد المبارك تلك النصوص القرآنية والنبوية الواردة في فضله وفضل أهله التي منها:

أن هذا المسجد بارك الله فيه وبارك ما حوله:

قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]، فقد بارك الله حوله ببركات دينية ودنيوية؛ لأنه متعبَّد الأنبياء عليهم السلام، ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية، والأشجار المثمرة.

 

إليه تُشَدُّ الرحال:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى» [1]، ففي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال إليها؛ لأن معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها[2].

 

فيه يُضاعَف أجر الصلاة:

فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيهما أفضل: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مسجد بيت المقدس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلَّى، وليوشكن ألا يكون للرجل مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» - أو قال: «خير من الدنيا وما فيها» [3].

 

ومن فضل الصلاة فيه كذلك ما ورد عن عبدالله بن عمرو، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «لما فرغ سليمان بن داود عليهما السلام من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» [4].

 

أيها الإخوة المسلمون، اعلموا أن القدس حق للمسلمين جميعًا؛ لأن الأرض ملك لله تعالى، والله تعالى يعطيها لمن يشاء، قال ربنا جل جلاله: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، والمسلمون أحق بوراثة الأرض؛ لأن الإسلام هو الدين الذي لا يقبل الله من أحد سواه، ويجب على أهل الأرض جميعًا أن يدينوا بهذا الدين لله رب العالمين، ولقد ملك المسلمون هذه الأرض قرونًا طويلةً، ولكن لما تخلَّى المسلمون عن دينهم، وضعف تمسُّكهم به، تلاعب بهم اليهود والنصارى، وأدخلوا إلى أرض فلسطين الجماعات اليهودية المنبوذة من شعوب العالم، فعملت على تهجير المسلمين من أرضهم، وغصب ممتلكاتهم، إلى غير ذلك من صور الظلم، وألوان الاضطهاد، الذي لا تقره شريعة، ولا يسوِّغُه عُرف أو مبدأ أو قانون، ومن أحدث ذلك ما حصل هذه الأيام من حرب إبادة لإخواننا في غزة، بصورة همجية وحشية، لدرجة أنه لم تسلم منهم المستشفيات، فلقد قصفوا مستشفى المعمداني في قطاع غزة، وراح ضحيته ما يقرب من خمسمائة شهيد أكثرهم من الأطفال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

ثانيًا: فضل الشهادة في سبيل الله.

أيها الإخوة المؤمنون، اعلموا أن التضحية بالأنفس من أجل الحفاظ والدفاع عن حرمات المسلمين شهادة في سبيل الله تعالى، إن الشهادة صفقة غالية تمت بين الله جل في علاه وبين الفتية المؤمنين، هم باعوا والله اشترى، على أن يكون الثمن الجنة، فالمشتري هو الله، والبائعون هم فتية الإسلام، قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، وعند الأزمات تظهر معادن الرجال.

 

من أعظم صفات الفتية: أنهم شجعان، وأنهم لله جند، همهم: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، شعارهم: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا، وشعارهم أيضًا: كنا جبالًا فوق الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارًا، لقد اشتاقوا إلى الجنة واشتاقت إليهم.

 

ولو لم يكن للقتل في سبيل الله من الأجر الكبير ما تمنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله مرارًا وتكرارًا، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل» »[5].

 

والشهيد الذي غادر هذه الدنيا ليس بميت يُحسب في عِداد الأموات، بل هو حيٌّ يعيش حياة برزخية يعلمها الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171].

 

وللشهادة في سبيل الله فضل كبير، وأكتفي بذكر هذا الحديث، عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دَفْعَةٍ، وَيُرَى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، وَيُشَفَّعُ في سبعين من أقاربه[6].

 

ثالثًا: ألا إن نصر الله قريب:

عباد الله، ومع صراعنا مع عدوِّنا، وما نراه من مشاهد التخريب والدمار، والقتل والتعذيب، التي تؤلمنا وتحزننا، لا ينبغي مع كل ذلك أن نضعُف أو نذِل، ولا أن نيأس أو نحبط؛ بل علينا أن نتفاءل ونستبشر بنصر الله تعالى، فالعدو إن نال من أجسادنا وممتلكاتنا لا ندع له الفرصة لينال من عقيدتنا وآمالنا، فالعزة لنا ونحن أحق بها، قال ربنا: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، فشعورنا بالعزة في وقت المحن والاستضعاف هو من بدايات النصر والخروج من المآزق.

 

واعلموا- رحمكم الله- أن النصر لا يقتصر فقط على النصر المادي؛ بل الثبات على العقيدة السليمة والمبدأ الصحيح، نصر وفوز في حد ذاته؛ ولذلك قال الله عن المؤمنين الذين قتلهم أصحاب الأخدود: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11]، قُتِلوا جميعًا وحُرِّقوا ومع ذلك فازوا لما ثبتوا على إيمانهم بالله حتى ماتوا وهم مستمسكون به، وفي قصتهم أن الملك الكافر «أمر بأفواه السِّكَك فخُدِّدَتْ فيها الأُخدُودُ، وأُضرِمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: يا أُمَّهْ، اصبري، فإنك على الحق» [7]، وفي الحديث أن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما طُعِن حرام بن مِلحان- وكان خاله- يوم بئر مَعونة، قال: بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزتُ ورب الكعبة[8].

ملكنا هذه الدنيا قرونـــــــــــــــــا   ***   وأخضعها جدود خالدونــــــــــــــــا 

وسطَّرْنا صحائف من ضيـــــــــاء   ***   فما نسي الزمان ولا نسينــــــــــــــا 

وكنا حين يأخذنا ولـــــــــــــــــي   ***   بطغيان ندوس له الجبينـــــــــــــــا 

وما فتئ الزمان يدور حتـــــــــى   ***   مضى بالمجد قوم آخرونــــــــــــــا 

وأصبح لا يُرى في الركب قومـي   ***   وقد عاشوا أئمته سنينــــــــــــــــــا 

وآلمني وآلم كل حــــــــــــــــــــر   ***   سؤال الدهر: أين المسلمونـــــــــــــا؟ 

 

أيها المسلمون اعلموا- رعاكم الله- أننا أمة لا تعرف أحوال اليأس، والقنوط، والعجز، والإحباط، والانهيار، وغيرها من الألفاظ التي محوناها من قاموسنا منذ قديم؛ بل نثق بالله ووعده، ورسوله صلى الله عليه وسلم وبشرياته، وتجاربنا السابقة كلها عبر الزمن أمل وتفاؤل وثقة وتوكُّل.

 

نعلم أن أمة الإسلام لا تفنى ولا تزول ولا تموت، نعم نمرض، ونضعُف، ونُهزَم، لكننا لا نستسلم ولا نخنع ولا نذل ولا نخضع.

 

لقد تكالبت علينا قوى الشر فما استطاعوا إبادتنا ولا أزالونا؛ بل زالوا هم وأبقانا الله، سَلُوا المشركين في بدر وأحد والخندق، سلوا اليهود في بني النضير وقريظة وخيبر، سلوا الفرس، سلوا الروم، سلوا المغول والتتار، سلوا الحملات الصليبية المتتابعة.

 

سلوا الاحتلال في المغرب الكبير ومصر وليبيا وإفريقيا وجميع بلادنا.

 

سلوا أهل الأرض، أما زالوا هم وبقينا؟ أما فنوا هم ودمنا؟ أما انهزموا وانتصرنا؟

 

وهذا- إن شاء الله- قانون الله وسنته فينا، نحن عباده في السراء والضراء، هو عز وجل أهل ثقتنا في كل نصر وبلاء.

 

فلا تيأسوا عباد الله، واعلموا أن وعد الله بالنصر لمن حقق العبودية له حقٌّ لا مرية فيه، فهذا فرعون ذبح الأطفال واستحيا النساء خوفًا من أن يأتي منهم من يكون زوال ملكه على يديه، ومع ذلك شاء الله أن يكون زوال ملك فرعون على يد طفل ربَّاه فرعون نفسه على عينيه وبين يديه {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

 

فلا نضعف أبدًا لما نرى من قتل وجرح، فإن قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار، {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] فقوله: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ}؛ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النساء: 104]؛ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140]، ثم قال: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104]؛ أي: أنتم وهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها[9].

 

رابعًا: أسباب النصر:

إخواني، لقد نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة في بدر والأحزاب والفتح وحنين وغيرها، نصرهم الله وفاء بوعده {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، نصرهم الله؛ لأنهم قائمون بدينه وهو الظاهر على الأديان كلها، فمن تمسك به فهو ظاهر على الأديان كلها {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

 

فمن قام بأسباب النصر الحقيقية المادية منها والمعنوية، نصره الله على عدوه، ومن هذه الأسباب:

تحقيق الإيمان بالله تعالى:

قال سبحانه تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، فلا ينبغي أن نضعُف بسبب ما نرى من البلاء والمصائب، فإن العاقبة والنصر لنا ما دمنا على الإيمان ثابتين وله محققين.

 

العمل الصالح:

فالعمل الصالح المبني على الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم سبب للتمكين والنصر وحلول الأمن بعد الخوف، قال ربنا جل جلاله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، فهذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض؛ أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدَلُّن بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك، وله الحمد والمنة، فالصحابة رضي الله عنهم، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيَّدهم تأييدًا عظيمًا، وتحكَّموا في سائر العباد والبلاد. ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضُرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة» وفي رواية: «حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك»، وفي رواية: «حتى يقاتلوا الدَّجَّال»، وفي رواية: «حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون»، وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها[10].

 

الاعتصام بالكتاب والسنة والاجتماع عليهما:

فالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحرص على تعلمهما والعمل بهما سبب لاجتماع الكلمة، وتآلُف القلوب، وبهذا تزول الفرقة والاختلاف، وعند ذلك يحل النصر والفوز، قال سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، فهذا تعليم الله عبادَه المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45] ثبت في الصحيحين، عن عبدالله بن أبي أوفى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم»  [11]، فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك. فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]؛ أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46][12].

 

مولاة المؤمنين والبراءة من الكافرين والظالمين:

فالحب والمودة لا تكون إلا للمؤمنين، فتتمنى نصرهم، وتعاونهم في ذلك ببذل قصارى جهدك في عونهم، والبراءة والبغض لأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تواليهم، ولا تنتظر منهم نصرًا لإخوانك المسلمين، ولا تكن عَيْنًا خائنةً للمسلمين، فلا تخذل المسلمين ولا تثبطهم ولا تنشر اليأس بينهم، قال ربنا: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلًا[13].

 

التضحية بالنفس والمال وبكل غالٍ ونفيس:

فإن النصر لا يتم إلا ببذل النفس والنفيس، وإلا لو شاء الله لنصرنا بدون ذلك، ولكن جرت حكمة الله أن يبتلي عباده؛ ليظهر المؤمن من المنافق، وليتخذ منهم الشهداء، قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4]؛ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}؛ أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142][14].

 

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13]، فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدال عليها رب [العالمين العليم] الحكيم، فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب! وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها! وما ألطف موقعها من قلب كل محب! وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها! فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم[15].

 

إعداد ما يستطاع من قوة:

فلا بد من الأخذ بأسباب النصر المادية بإعداد الجيوش، والعُدة والعتاد، وكل قوة يمكننا أن نأخذ بها، لجهاد عدونا، وهذا من التوكل على الله تعالى، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، فقد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَجْعَلُوا الاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ (الَّتِي عَلِمُوا أَنْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا لِدَفْعِ الْعُدْوَانِ وَالشَّرِّ، وَلِحِفْظِ الْأَنْفُسِ وَرِعَايَتِهِ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ وَالْفَضِيلَةَ) بِأَمْرَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا: إِعْدَادُ جَمِيعِ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ لَهَا بِقَدْرِ الاسْتِطَاعَةِ، وَثَانِيهِمَا: مُرَابَطَةُ فُرْسَانِهِمْ فِي ثُغُورِ بِلَادِهِمْ وَحُدُودِهَا، وَهِيَ مَدَاخِلُ الْأَعْدَاءِ وَمَوَاضِعُ مُهَاجَمَتِهِمْ لِلْبِلَادِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمَّةِ جُنْدٌ دَائِمٌ مُسْتَعِدٌّ لِلدِّفَاعِ عَنْهَا إِذَا فَاجَأَهَا الْعَدُوُّ عَلَى غِرَّةٍ، قَاوَمَهُ الْفُرْسَانُ، لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِمْ، وَقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْقِتَالِ، وَإِيصَالِ أَخْبَارِهِ مِنْ ثُغُورِ الْبِلَادِ إلى عَاصِمَتِهَا وَسَائِرِ أَرْجَائِهَا؛ وَلِذَلِكَ عَظَّمَ الشَّارِعُ أَمْرَ الْخَيْلِ وَأَمَرَ بِإِكْرَامِهَا، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هُمَا اللَّذَانِ تُعَوِّلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعُ الدُّوَلِ الْحَرْبِيَّةِ إلى هَذَا الْعَهْدِ الَّتِي ارْتَقَتْ فِيهِ الْفُنُونُ الْعَسْكَرِيَّةُ وَعَتَادُ الْحَرْبِ إلى دَرَجَةٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا نَظِيرٌ، بَلْ لَمْ تَكُنْ تُدْرِكُهَا الْعُقُولُ وَلَا تَتَخَيَّلُهَا الْأَفْكَارُ[16].

 

أيها الإخوة المؤمنون، إن النصر دائمًا وأبدًا بيد الله تعالى، والمؤمنون هم أحق بنصر الله بما معهم من الإيمان الصادق، والعاقبة لهم، والنصر حليفهم بفضل الله تعالى.


[1] أخرجه البخاري (ح 1189)، ومسلم (ح 1397).

[2] شرح مسلم للنووي 9/ 168.

[3] أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

[4] صحيح: أخرجه ابن ماجه، ح 1408.

[5] أخرجه البخاري، ح 2797.

[6] - صحيح: أخرجه الترمذي، ح1663، وقال: هذا حديث صحيح غريب.

[7] أخرجه مسلم، ح 3005، وأحمد، ح23931، واللفظ له.

[8] أخرجه البخاري، ح 4092.

[9] تفسير القرآن العظيم 2/403-404.

[10] تفسير القرآن العظيم 6/80.

[11] أخرجه البخاري (2818)، ومسلم (1742).

[12] تفسير القرآن العظيم 4/73-75.

[13] تفسير السعدي ص 236.

[14] تفسير القرآن العظيم 7/ 308.

[15] طريق الهجرتين ص 356.

[16] تفسير المنار 10/ 53.

______________________________________________________
الكاتب: جمال علي يوسف فياض

  • 12
  • -4
  • 1,735

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً