القراءة وحدها لا تغيّر حياتك

منذ ساعة

التوتر ليس عدوك بل بوابتك، ذلك الشعور الذي يقول "أنا غير مستعد بعد" هو في الحقيقة إشارة أنك على حافة نمو جديد، وكل مرة اقتربتُ من الطريق الأصعب نموتُ بشكل أسرع وتغيّرتُ بشكل أعمق وأصبحتُ أقرب لنفسي الحقيقية. قصتك لا تُكتب في منطقة الراحة بل على حدودها، أو حتى خارج أسوارها.

القراءة وحدها لا تغيّر حياتك

قبل سنوات، اكتشفت حقيقة غيّرت مساري: القراءة وحدها لا تغيّر حياتك، الذي يغيّر حياتك هو القرار الذي تتخذه بعد القراءة. في بداياتي كنت -ولا زلت- أقرأ كثيراً، كتب القيادة، والابتكار، وريادة الأعمال، والسير الذاتية، وأشعر بحماس عظيم، ثم في أغلب الأحيان أعود إلى حياتي كما هي.

معظم الناس يعيشون حياتهم كمتفرجين، يستهلكون القصص ويصفقون للأبطال ثم يعودون إلى مقاعدهم ينتظرون الفصل التالي، أما القلة القليلة فهم من يقررون الصعود إلى مسرح الأبطال وكتابة قصتهم بأيديهم.

أكبر وهْم نعيشه أننا نحتاج فرصة أفضل، مديراً أفضل، ظروفاً أفضل، بينما الحقيقة التي رأيتها مراراً وتكراراً أن الذين بنوا قصصاً عظيمة لم يبدأوا بفرص عظيمة، بل بروح وهوية عظيمة، والهوية ليست لقباً وظيفياً ولا بطاقة تعريف، الهوية هي القصة التي ترويها لنفسك كل يوم عمن تكون: هل أنت صانع أم مستهلك؟ قائد أم تابع؟ مسؤول أم ضحية؟ وما تصدقه عن نفسك اليوم هو ما ستعيشه غداً، فالهوية تسبق النجاح، والنجاح ليس مكافأة بل نتيجة طبيعية لها. لقد قلت لنفسي يوماً: "أريد أن أكون من أعلم الناس وأنفعهم في العالم في موضوع الابتكار"، وها أنا أسعى لذلك باستمرار.

قصتك لا تُكتب بالقفزات الكبيرة بل بالخطوات الصغيرة. نحن نبالغ في تقدير اللحظة الكبيرة ونقلل من شأن النظام اليومي، نريد التحول السريع والقفزة الكبرى، بينما التحولات العميقة التي رأيتها في القادة وفي الشركات وفي حياتي لم تكن انفجارات، بل تراكماً هادئاً، نظاماً بسيطاً، من تعريف واضح للهوية والوجهة والطموح، ومهارة أساسية تُتقن، وروتين لا يُكسر، ومراجعة صادقة تعيدك إلى الطريق كل أسبوع، هكذا تُكتب القصص الكبيرة.

تعلمتُ أن التوتر ليس عدوك بل بوابتك، ذلك الشعور الذي يقول "أنا غير مستعد بعد" هو في الحقيقة إشارة أنك على حافة نمو جديد، وكل مرة اقتربتُ من الطريق الأصعب نموتُ بشكل أسرع وتغيّرتُ بشكل أعمق وأصبحتُ أقرب لنفسي الحقيقية. قصتك لا تُكتب في منطقة الراحة بل على حدودها، أو حتى خارج أسوارها.

من أعظم وسائل النجاح تقسيم الهدف الكبير إلى أهداف صغيرة، قراءة صفحتين كل يوم كي تنهي كتاباً في ثلاثة أشهر مثلاً. تُظهر الأبحاث العلمية أن قوة الإنجازات الصغيرة تكمن في قدرتها على صناعة حلقة إيجابية مستمرة داخل الدماغ، فحين تحقق هدفاً بسيطاً يفرز دماغك الدوبامين، فيرتفع دافعك وثقتك بنفسك وقدرتك على الصمود، وتبدأ الأهداف الكبيرة تظهر ممكنةَ التحقيق. هذا التقدّم الصغير يصنع زخماً نفسياً، ويبني عادات مستدامة، ويقلّل الشعور بالإرهاق والاحتراق.

وهنا تتضح فكرة محورية غيّرت طريقتي في العمل، بل غيّرت حياتي بعد توفيق الله: ليس المطلوب أن تغيّر حياتك كلها دفعة واحدة، بل أن تحجز ساعة واحدة يومياً للعمل العميق على قصتك الحقيقية، أنا أسميها "الساعة الذهبية"، ساعة مركّزة بلا ضوضاء، بلا جوّال، بلا تشتيت، تعمل فيها على مشروعك ومعركتك ومهارتك الأساسية، لقد وجدتُ تلك الساعة بعد صلاة الفجر، والبعض يُفضّلها في الليل.

خلال 365 ساعة تركيز فقط يمكن أن يتغيّر مسارك بالكامل. ابدأ بتحديد ما تريد وما لا تريد، ثم تقسيم الرؤية إلى خطوات صغيرة، والتركيز على العمق لا الكثرة، مع إدراك أن الراحة ليست ترفاً بل جزء من العملية، وأن العقل يواصل البناء حتى وأنت تستريح، كتبتُ في كتابي "رحلة الابتكار" عن أهمية النوم ودوره السحري العظيم في تحقيق أهدافك.

بهذه الساعة اليومية تعيد تشكيل هويتك: من شخص "مشغول" إلى شخص "يصنع معنى".
لا تنتظر الإلهام دائماً، الإلهام ضيف متقلّب، أما الانضباط فهو الشريك الدائم. الذين يغيّرون العالم لا ينتظرون أن يشعروا بالرغبة، بل يقررون أن يتحركوا رغم عدم الرغبة، ففي الأيام العادية تُبنى الحياة الاستثنائية، وفي الساعات المملة يُصنع المستقبل العظيم.

العالم لا يحتاج قارئاً جديداً لقصة نجاح، بل يحتاج أشخاصاً يكتبون قصصهم وهم يرتجفون أحياناً، لكنهم يكملون رغم الخوف والرهبة ويصنعون أثراً يستحق أن يُروى.
من أكثر المقولات التي تجعلني أصبر في رحلة تحقيق الأهداف الكبيرة، قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "لو أنّ الناس كلما استصعبوا أمراً تركوه، ما قام للناس دنيا ولا دين".
سِرْ لا تَقِف، فالدربُ لا يأتي إليــــــــــك
والحلمُ لا يجري ليَسْــــقُطَ في يَدَيـــك
هي هكـــــذا الأيــــامُ ســـعيٌ دائــــــمٌ
إن تَلتفِت للخلفِ، تخســــــر ما لديـــك

أغلق هذا المقال الآن، وانظر إلى حياتك بصدق، ثم اسأل السؤال الذي يغيّر كل شيء: ما الفصل الذي سأكتبه؟ ما هو الشيء الذي إذا أنجزته نهاية العام سأسجد لله شكراً وأحتفل؟ اكتبه الآن … ولو بجملة واحدة.

خالد بن منصور الدريس

أستاذ مشارك قسم الحديث في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك سعود بالرياض. ومدير موقع تعليم التفكير من منظور إسلامي

  • 0
  • 0
  • 22

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً