بادروا إلى الحج
إن تعجيل العبادة وأداءها سببٌ للرضوان، وقد ذكر الله في كتابه أن موسى عليه السلام قال في خطابه: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}، وقال شيخ الإسلام: "رضا الرب سبحانه في العجلة إلى أوامره".
الحمد لله الذي جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا هو الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، أرسله بشيرًا ونذيرًا للجن والإنس أجمعين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله – معاشر المؤمنين – فإنها خير زاد ليوم المعاد، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197].
الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس – زوج أبي بكر الصديق رضي الله عنه – كانت في الأشهر الأخيرة من الحمل، فلما فُرض الحج أصرت على صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، فلما وصلوا إلى ذي الحُليفة ولدت محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي»؛ (رواه مسلم).
الله أكبر! تأملوا في حال تلكم المرأة الصالحة؛ خرجت حاجةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فور فرضية الحج، خرجت وهي حامل في أيامها الأخيرة، وتعلمون ما يلحق السفر من عناء الطريق، ووعثائه، وبُعد الشُّقة، فما إن بلغت ميقات أهل المدينة حتى وضعت حملها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتُحرم، ففعلت، ومضت معهم رضي الله عنها.
قارنوا هذا – عباد الله – بمن يؤجل ويؤخر، ويماطل ويسوِّف في أداء ما افترض الله عليه، وهو ذو قدرة واستطاعة جسمية ومالية، ومع ذلك لا يفعل.
عباد الله:
الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، أوجبه الله تعالى مرةً في العمر، على المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
والحج سبب لمغفرة الذنوب، وحط الخطايا، فيعود الحاج كيوم ولدته أمه، طاهرًا نقيًّا من أدران المعاصي والآثام؛ قال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: «أما علمت يا عمرو، أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله»؛ (رواه مسلم).
والحج المبرور هو ما كان خالصًا لوجه الله تعالى، لا رياء فيه ولا سُمعة، ولم يخالطه إثم من الرفث، والفسوق، والجدال، والمعاصي، وهو الحج الذي وفيت أحكامه.
ولأن الحج بهذه المنزلة العالية، فجزاؤه أعظم الجزاء، تلك الأمنية العظمى التي يتمناها كل مسلم، وهي دخول الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»؛ (رواه البخاري).
وفضائل الحج – يا عباد الله – كثيرة، وفضل الله أكثر وأكبر، ومع كل هذه الفضائل، يوجد من الناس من تتوافر فيه شروط الوجوب، ويتهاون بهذه الفريضة، وكل عام يقول: أحج العام المقبل، في حين لو كان يريد تجارةً، أو نزهةً، داخل البلاد أو خارجها، لما تردد، أما إلى الحج، فيبحث لنفسه عن الأعذار.
أيها المسلمون:
إن تعجيل العبادة وأداءها سببٌ للرضوان، وقد ذكر الله في كتابه أن موسى عليه السلام قال في خطابه: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "رضا الرب سبحانه في العجلة إلى أوامره".
ومن التعجيل – عباد الله – إلى أوامر الله: المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكذا المبادرة إلى قضاء الصوم الواجب، وكذا المبادرة إلى الحج بعد توفر شروطه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج –يعني: الفريضة– فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له».
صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة».
وقال صلى الله عليه وسلم: «قال الله: إن عبدًا صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ، لَمحروم».
أيها المؤمنون:
إن على المسلم عند سماع هذه الأحاديث والتوجيهات النبوية حول فريضة الحج، أن يبادر إلى أدائها، وأن يجعلها ضمن أولوياته، فإن من الناس من يسوف، ومنهم من لا يجعل هذه الفريضة ضمن اهتماماته، وهو ذو قدرة جسمية ومالية، ومع ذلك يبددها في أسفاره، وكمالياته، ومتطلباته، وليس في ذلك حرج إذا كان في الحلال، ولكن لا بد أن تكون فريضة الحج في مقدمة أولوياتنا.
إنه لمن المؤلم أن تجد من بلغ سن الثلاثين، أو الأربعين، أو أكثر من ذلك أو أقل، ولم يؤدِّ هذه الفريضة، وهو مستطيع، والأشد من ذلك من لا يفكر أصلًا في أدائها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة والسلف على أن الحج يجب على الفور"؛ أي: إذا توفرت شروطه وجب، ويجب على المسلم المبادرة به، وعدم تأخيره.
وشروط وجوب الحج: البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة بالبدن والمال، ويشترط للمرأة زيادةً على ذلك وجود المحرم.
وقال سماحة العلامة ابن باز رحمه الله: "من قدر على الحج ولم يحج الفريضة، وأخره لغير عذر، فقد أتى منكرًا عظيمًا، ومعصيةً كبيرةً، فالواجب عليه التوبة إلى الله من ذلك، والبدار بالحج".
ولما سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله: هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي؟ قال: "الصحيح أنه واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان الذي استطاع أن يؤخره".
عبد الله:
لا تلتفت للمثبطات، ولا تستمع للمثبطين، ولا يقعدنك الشيطان؛ فإن من عزم على إرضاء الله تعالى بأداء فرضه، واستعان بالله على ذلك، أعانه الله تعالى، ويسر له.
في سنن الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة».
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعليه العمل عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلةً، وجب عليه الحج.
أيها المؤمنون:
ليس الحج مجالسَ تُروى، ولا مشاهد تستعرض، ولا صورًا تنشر في وسائل التواصل طلبًا للثناء أو الإعجاب، إنه عبادة عظيمة، ومقام جليل، يقوم على صدق الإخلاص، وتجرد القلب لله وحده.
فنقوا حجكم – رحمكم الله – من دخائل الرياء، وخفايا السمعة، وحب الظهور، فإن عملًا خالطه النظر إلى الخلق، يضيع قدره عند الخالق، وإنما يتقبل الله من المخلصين.
الحج عبادة لها أحكام وآداب، فتعلموا أحكامه وفقهه، وتحلوا بآدابه؛ فلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج.
عباد الله:
الحج فرصة عمر، وموسم مغفرة، وميدان تطهير، فمن استطاع إليه سبيلًا، فليبادر، ولا يؤخر، ولا يسوف.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حج بيته الحرام، وأن يجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وصلى الله وسلم على خير خلق الله أجمعين؛ أما بعد:
فيا أيها المؤمنون: لا تستخسروا ما تدفعون على حجكم، فقد يسر الله علينا أكثر من غيرنا، فنحن بحمد الله في أمن وغنًى، وغيرنا يقدم من شتى البلاد، وربما يبذل كل ما يملك.
عبدالله: إن كنت مستطيعًا فبادر بأداء ما افترض الله عليك، واعزم ولا تتردد، واستعن بالله ولا تعجز، واحذروا من الحملات الوهمية، واستخرج التصاريح اللازمة، والاحتياطات الصحية المطلوبة، وكونوا مع رفقة صالحة.
ومن تمنى بصدق - أيها الإخوة - بلوغ تلك المشاعر العظام، وترقرقت محاجره تلهفًا لأداء هذا النسك العظيم، ولم يستطع إلى ذلك سبيلًا، لمرض أقعده، أو لقلة المال، أو لغلاء التكاليف، فإن الله يعلم عذره؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].
وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر».
فشاركوكم الأجر بنياتهم، والله ذو فضل عظيم.
اللهم ارزقنا تعظيم بيتك، وتعظيم شعائرك، وارزقنا منها تقوى القلوب، اللهم احفظ بلادنا والمسلمين، وقنا شر الأعداء من كل جانب، وأدم عليها الأمن والإيمان، والاستقرار والاطمئنان، اللهم ووفق ولي أمرنا وولي عهده، لما تحب وترضى، واحفظهم من كل مكروه، وانصر بهم دينك، يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر جنودنا، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وأنزل عليهم السكينة والطمأنينة، وأجزل لهم الأجر والمثوبة.
اللهم اغفر لنا يا ربنا ولوالدينا وأصلح لنا ذرياتنا وأهالينا، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
_______________________________________________
الكاتب: أحمد بن عبدالله الحزيمي
المصدر: الألوكة
- التصنيف: