مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر ...

مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس


الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر الأيام دولا بعدله والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، أما بعد:

لقد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين الجهاد نشرا لدينه وإعلاء لكلمته وإرغاما لأعدائه، وأَذن للمسلمين بالقتال وبيّن أنه كره للنفوس ولكن كل الخير فيه، ولقد كان المسلمون قبل الإذن بالقتال، يعانون من أذى المشركين صابرين ينتظرون أمر الله حتى جاءهم قوله جل وعلا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: ٣٩]

فشمّر الصادقون السابقون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سواعد التضحيات ورسموا أجمل صور البذل والفداء التي لم يَرَ مثلها التاريخ على مرِّ عصوره، فهم والله أبناء الحرب وأهل الحَلقَة، فأضرموا للحرب نارها وأذكوا بشجاعتهم أوارها، وما إن تناهى إلى أسماعهم قول ربهم جل في علاه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٧٤] حتى شروا أنفسهم وأقاموا سوقا تتناثر فيه الأشلاء وتهراق فيه الدماء، ويعجز عن دخوله الجبناء، وتشتاق إليه أنفس الأبطال الأشداء، ولقد تفاضلوا فيما بينهم بعرض بضائعهم من الأجساد والأرواح يبتغون القتل مظانّه، سعيا لنيل الأجور ورضى الرب الغفور، يسعون للموت في ساحات القتال متيقنين أنه من خير معاش الناس لما حدّثهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو يحثهم ويحرضهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم؛ رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه) [مسلم]


• "ويضحك إليهم ربُّك"

وكان الانغماس في العدو أسمى صورة تُجسِّد هذا التسابق لنيل فضل الشهادة في سبيل الله وأجرها، فلقد سطّروا أروع ما يعجز عنه الأبطال، ويتقزّم دونه الرجال، فكانوا كواسر الجهاد محطِّمَة الشرك مجندِلة العدا، دوّنوا بجهادهم في سبيل الله نوعا جديدا من فنون القتال، يتحرقون شوقا إلى تلك الأماكن التي ينالون بها الدرجات العلى بإذن الله، فقد أخبر نعيم بن همار، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل؟ قال: (الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه). [مسند أحمد]

فانظر أيها المؤمن لهذه المنزلة التي يضحك فيها ربُنا سبحانه من عبده، ألا يسرّك أن تُضحك ربك إرضاء له وطمعا في رحمته، وهو عمل يعجَب منه إلهنا جل جلاله فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجِبَ ربُّنا تبارك وتعالى من رَجُل غَزا في سبيل الله، فَانْهَزَمَ أصحابه فعلم ما عليه، فَرَجَعَ حتى أُهريق دَمُه، فيقول الله عزَّ وجلَّ لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رَغْبَة فيما عندي، وشَفَقة مما عندي، حتى أُهريق دَمُهُ) [أبو داود]، وزاد رزين (أُشْهِدُكم أني غَفَرتُ لَه)، فهذا رجل انْهَزَمَ هو وأصحابه، لكنه ما طابت نفسه الاستمرار في الانهزام، فرجع.. نعم رجع وحده تاركا أصحابه فقاتل حتى قُتِل، فهو قد دخل "معركة خاسرة" في حسابات الناس بعدما ولّى أصحابه، لكنه دخل موقنا بالموت طالبا للشهادة فمدح الله فعله وباهى به ملائكته، فواعجبا من تلك الطموحات والآمال!

قال ابن النحاس: "ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس والله أعلم".


• صحابةٌ انغمسوا في صفوف العدو

ولو نظرنا لجهاد الصحابة رضي الله عنهم لوجدنا النماذج الكثيرة في الانغماس، ممن يدخل ليُقتل يقينا أو غالبا، يرجو ثواب الله، فهذا عمير بن الحمام أخذ بفؤاده قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فقال بخ بخ، رجاء أن يكون من أهلها، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من أهلها، فلم يُرِد المكوث حتى لدقائق قليلة يأكل ما في يده من تمرات، فرمى بها وهبّ مسرعا فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه وأرضاه. [مسلم]

وكلنا سمع بقصة أنس بن النَّضْرِ -رضي الله عنه- الذي قال: يا رسول الله، غِبْتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيُرِيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنَّة وربِّ الكعبة إنِّي أجِدُ ريحها من دونِ أُحُدٍ، قال سعد -يبين عظيم فعل أنس بن النضر-: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس بن مالك: فوجدنا به بِضْعَا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة بِرُمْح، أو رَمْيَة بسهم، ووجدناه قد قُتل ومَثَّل به المشركون، ومن كثرة الطعنات والضربات تغيرت ملامحه حتى ما

عَرفه أحدٌ إلا أُختُه بطرف أصابعه. قال أنس: كنَّا نرى أو نَظُنُّ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: ٢٣]

وذاكم الأخرم الأسدي رضي الله عنه، حين رجع المسلمون من الحديبية جاء قوم من المشركين فغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقهم سلمة بن الأكوع لوحده حتى استنقذها منهم، ثم ما هي إلا لحظات فإذا بفوارس النبي صلى الله عليه وسلم تتخلل الشجر وأولهم الأخرم الأسدي آخذ عنان فرسه، فقال له سلمة: يا أخرم، احذر القوم فإني لا آمن أن يقطعوك، فانتظر حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحُل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عنان فرسه فلحقهم فقاتل فقتل. [مسلم]

فنعم الرجال والله، وهذا البراء بن مالك البطل الكرار، فعل يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب ما لا يُنسى، إذ أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرا يداوي جراحه. [سير أعلام النبلاء]

ولم يزل الصحابة رضوان الله عليهم يضربون الأمثال في التضحية لمن بعدهم، قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثبِتُوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور، رضى الله عنهم. [البداية والنهاية]

وفي يوم اليرموك أيضا قال رجل لأبي عبيدة: إني قد أجمعت على أمري أن أشد عليهم، فهل توصوني إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: تقرئه السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعد الله ورسوله حقاً.

ورُوي أن أبا موسى الأشعري حضّ الناس على القتال في إحدى المعارك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. [مسلم]

وقال مالك بن دينار: لما كان يوم الزاوية قال عبد الله بن غالب: "إني لأرى أمرا ما لي عليه صبر روحوا بنا إلى الجنة"، قال: فكسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فكان يوجد من قبره ريح المسك. [حلية الأولياء]


• الإنغماس جهادٌ لا تهلكة

وليس الانغماس من التهلكة في شيء ففي غزوة القسطنطينية حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري وأخبرهم أن تأويلهم للآية في غير محله ثم قال: فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. [سنن الترمذي]

وفي يوم نهاوند، أُخبِر عمر رضي الله عنه بالقتلى فقالوا: فلان وفلان ورجل شرى نفسه، فقال رجل من أحمس يقال له مالك بن عوف: ذاك خالي يا أمير المؤمنين زعم ناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا. [سنن البيهقي]

فبتلك المواقف ونظائرها بدماء وأشلاء خيرة خلق الله -رضي الله عنهم- والذين لم يُؤثروا سلامة أنفسهم على التقصير في نشره، بلغ الدين مداه، وتهاوت قلاع الكافرين.

وفي هذا الزمان رأينا من جنود الخلافة -أعزها الله- الذين ثبّت الله بهم الدين ما يثلج الصدور ويبشر بأن الخير في أمة التوحيد ما يزال، وأن الذين تربوا على القرآن والسنة تتشابه أفعالهم وتتماثل بطولاتهم، فلقد سطر حملة راية التوحيد بعملياتهم الاستشهادية والانغماسية بطولات تذكّرنا بالصحابة رضوان الله عليهم، فنجد لتلك العمليات أثرا عظيما في فتح البلدات أو دكّ أسوار السجون.

وكلا البابين واحد الاستشهاد والانغماس فمبتدؤه واحد بالنية المبرمة فيه بغلبة الظن على القتل في سبيل الله، وسواء من ألقى نفسه بينهم فقتل وقتلوه، أو توسطهم ففجّر فيهم فكلٌ مثخن في سبيل الله، وإن كانت العملية الاستشهادية أعظم أجرا وأثرا، وأبلغ في الوصف (من عقر جواده، وأريق دمه). [الدارمي]

وإن كان الجهاد ذروة سنام الإسلام فإن الاستشهاد والانغماس ذروة سنام الجهاد؛ لأنه أكثر ما يشفي صدور المؤمنين ويرهب أعداء الدين ويقض مضاجعهم ويحرض القاعدين والمترددين.

فأين المشمّرون لجنات النعيم؟ وأين حماة الدين والعِرض؟ وأين صنّاع الفتح لأمة الإسلام؟ قد عرفتم فهبّوا، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

معركة غويران والجيب الأخير لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن ...

معركة غويران والجيب الأخير


لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن أن نبدأ مِن حيث زعم الصليبيون نهاية الدولة الإسلامية في "الجيب الأخير!" كما اتفقوا على تسميته، حيث "ملحمة الباغوز" التي ألقت بظلالها على المشهد مِن بداياته.

لا نبالغ إن قلنا إنّ معركة غويران لم تكن ثأرا لأسرى الباغوز بقدر ما كان أبطال الباغوز هم مِن صُنّاعها وفرسانها، فهل لديكم سجّل يتسع لهذا المجد والجلَد؟، ثمرة تليق بصبرهم، والله يحب الصابرين.

اثنا عشر انغماسيًا ظنّهم المرتدون مئات يقتحمون أعتى السجون، أسرى يحررون أنفسهم ويأسرون الآسرين، مقاتلون يبايعون على الموت ليحيا غيرهم، مهاجرون وأنصار يتزاحمون على فداء إخوانهم وفكاك أسرهم بأرواحهم، كماة لا يرون غير الله ربَّا وغير الجنة ثمنا، أحسنَ قادتُهم تربيتهم على منهاج النبوة وسِيَر السابقين فصاروا حلقات عالية في سلاسل الذهب في سند اللاحقين، علوٌ يطلبه الكثيرون ولا يظفر به إلا الصادقون.

لا الكلمات تفي بحقهم، ولا العبارات تُفلح في وصف مآثرهم، وكيف للكلمات أن تحيط بالدماء، وحدها الآيات هي مَن تصف صنائعهم، فهم منها انطلقوا، وعلى ترتيلها سهروا، وعلى هداها ساروا، لم يتخذوا غير التوحيد دينا فلما أيقنوه، أيقنوا أن لا سبيل لحفظه إلا بالجهاد فملأوا معسكراته وأضرموا غاراته وأحرقوا بلهيب حربه كل الأنداد والأوثان حجارة كانت أو حديدا، أو بشرا وطواغيت.

قال الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 23]، قال المفسّرون: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} أي: وفّوا به، وأتمّوه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته، وقوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} أي: فرغ مِن نذره، ووفّى بعهده، فصبر على الجهاد حتى قُتل، وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أي: ينتظر ما وعده الله به مِن النصر، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابُه، وقوله تعالى: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}: أي ما شكُّوا وما تردّدوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

نعم وحدها الآيات من تصف صنائع أحفاد البراء بن مالك، وعمير بن الحمام وسمّاك بن خرشة -رضي الله عنهم- وعن أتباعهم إلى يوم الدين.

لقد وقف العالم بأسره مذهولا مِن هول ما رأى، وهو يبصر نفس العصبة المؤمنة التي قال الصليبيون والمرتدون إنهم قضوا عليها في الجيب الأخير؛ تعود وتعاود الكرة عليهم من جديد، وتضربهم في أكثر مناطقهم تحصينا، حتى راحوا يتخبّطون في تصريحاتهم، هذا يشكّك وذاك يكذّب، هذا يتعجب وذاك يستغرب، والشانئون ينزفون دمًا من الغيظ، والمنافقون عاشوا أياما وليالي سود، وآخرون يصرخون راغمين لقد عادوا من جديد! أما المؤمنون فقد فرحوا واستبشروا بفضل الله ورحمته وتوفيقه لعباده.

إن معركة غويران قبل أن تكون معركة عسكرية وأمنية معقّدة، كانت معركة يقين انتصر فيها مجاهدو دولة الإسلام بفضل الله تعالى، يقين بأن النصر والتوفيق من عند الله تعالى، ويقين بأن الموت بيده سبحانه وحده، لا الإقدام يقدّمه ولا الإحجام يؤخّره، فالموت واقع على كل حال، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}[آل عمران: 145]، قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: "هذا حضٌّ على الجهاد، وإعلامٌ أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له"، وقال ابن كثير رحمه الله معلّقا عليها: "فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه".

بهذه العقيدة القتالية يحيا جنود الخلافة، عقيدة ترى في الموت قدرا لن يُخطئ صاحبه ولو كان في بروج مشيّدة، فيقدمون على الموت يطاردونه في مظانّه، بل يرون فيه سببا لعودة المسلمين إلى منهاج النبوة، فيستجيبون لداعيه بقلوب راضية، يُقتلون ليبثّوا الحياة في أمتهم مِن بعدهم وتدبّ الروح فيها فتحيا بدمائهم مِن جديد، مصداقًا لقوله جلّ جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

لقد استجاب جنود الخلافة لما يُحيي إخوانهم المسلمين فاقتحموا غمار الحروب وكسروا أسوار السجون وقبلها أغماد سيوفهم، وانغمسوا حاسرين في صفوف المرتدين في معارك وصفها المنافقون بـ"المؤامرة والتمثيلية" وغيرها من الأوصاف التي ينطق بها فاقدو اليقين.

إنها معركة اليقين التي عبّر عنها أصحاب بيعة الموت عندما رفعوا شعارهم "المنية لا الدنية" وتعاهدوا على أن يخرجوا من هذه المعركة أحرارا، أو يُقتلوا عبيدا لله تعالى، ونحسبهم قد أتمّوا بيعتهم والله حسيبهم، فخرج مَن خرج منهم حرا مِن الأسر إلى قطعات الأرض التي يورثها الله مَن يشاء مِن عباده، وقُتل مَن قُتل منهم مقبلا غير مدبر صادقا ما عاهد الله عليه نحسبهم، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين.

وبالعودة إلى ما بدأنا به، هل رأيتم دولة -غير دولة الإسلام- يُعلن أعداؤها القضاء عليها كل عام مرة أو مرتين، ثم لا هم يتوبون ولا يذكّرون؟! هذا ما يجري منذ "جيب" الباغوز وحتى معركة غويران التي جمعت بين هدم الأسوار وحرب الاستنزاف في ملحمة بطولية أبرّ فيها أمراء الدولة الإسلامية بأيمانهم ولبوا نداء نبيّهم صلى الله عليه وسلم بفكاك العاني، فلم يجدوا غير الدماء بريد وفاء ودليل صدق فجادوا بها عن طيب خاطر شوقا إلى باريهم -سبحانه- في يوم المزيد.

وليس سرا في الختام أن نخاطب أسرى المسلمين في كل مكان، فنقول إن معركة غويران صفحة من كتاب ثأر وسجل نصر لمّا تكتمل فصوله بعد! فأبشروا وأمّلوا خيرا وتذكروا وصية الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- إليكم حين قال مخاطبا إياكم: "إنا والله ما نسيناكم ولكم حق علينا، ولن ندخر أي وسيلة في سبيل استنقاذكم، فاثبتوا على العهد، وكونوا عونا لإخوانكم المجاهدين بالدعاء وصدق الالتجاء إليه سبحانه، فإن الأمر كله بيديه، والفرج من عنده، ولن يغلب عسر يسرين"، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

تصاعد لا يمكن احتواؤه الخبر السيئ للحكومات الصليبية أنه لا أمل في إنهاء هذه الحالة من ...

تصاعد لا يمكن احتواؤه


الخبر السيئ للحكومات الصليبية أنه لا أمل في إنهاء هذه الحالة من الاستنفار والإرهاب، بل ما يحدث هو تصاعدها عاما بعد عام، ومع ارتفاع معدل الصراعات الصليبية-الصليبية، فإنّ معدل نجاح هذه العمليات سيرتفع، مع انشغال الحكومات الصليبية تصاعديا بأزماتها الداخلية المتفاقمة.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 527
"موسم الإرهاب!"
...المزيد

أشكال هندسة الموت وصناعة الإرهاب أشكال هذه الهجمات تنوعت من حيث التخطيط أو التحريض، فمن ...

أشكال هندسة الموت وصناعة الإرهاب



أشكال هذه الهجمات تنوعت من حيث التخطيط أو التحريض، فمن هجمات منسقة تم التخطيط لها في أراضي الدولة الإسلامية ونفّذها جنود منضوون تحت إدارتها، إلى هجمات أدارتها أو سهّلتها ولايات أمنية قريبة أو بعيدة، إلى هجمات موجّهة نفذها مجاهدون منفردون منضوون تحت رايتها الشرعية ويدينون لها بالولاء والبيعة، إلى هجمات تلقّى فيها المهاجمون دعما معينا أو تم اختيار الأهداف لهم، إلى غيرها من أشكال هندسة الموت وصناعة الإرهاب التي أدبت دول الصليب وأدمتهم، ونقلت المعركة إلى عقر دورهم، وألحقت بهم رعايا اليهود الذين كانوا يظنون أن قوانين "معاداة السامية" ستحميهم مِن هجمات مَن لا يؤمن بغير قانون الخالق الحكم العدل، الذي شرع للمسلمين جهادا عادلا يُملي عليهم كل هذا وأكثر، عملا بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 527
"موسم الإرهاب!"
...المزيد

تعصب عصابتك الحمراء ثم هذه دعوة لخلايا الجهاد في كل مكان، كل من يدين للدولة الإسلامية بالولاء ...

تعصب عصابتك الحمراء


ثم هذه دعوة لخلايا الجهاد في كل مكان، كل من يدين للدولة الإسلامية بالولاء وتجمعه بها رابطة السماء، ليستعلِ كل مجاهد منكم بإيمانه ولا يستأسر لعدوه، فسجونهم مقابر مظلمة يقدمونكم فيها قرابين عبودية لأمريكا الصليبية، ولتحرص كل خلايا الدولة الإسلامية أينما كانت، على قلب الطاولة على العدو وإفساد مخططاته وإفشال حملاته، وإياكم أن تكونوا لقمة سهلة لجيوشه وقواته، وليكن شعار كل واحد منكم: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وليضع كل مجاهد نصب عينيه أنه المقاتل الأخير عن بيضة الإسلام، فليقدّم أفضل ما عنده وليبذل أغلى ما يملك فداء لدين الله ونصرة لشريعته وإعذارا إلى مولاه، فبهذا ينتصر الإسلام ويعز جنابه، وبهذا ساد وعزّ أبطاله السابقون.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 528
"عام وعالم مضطرم"
...المزيد

حديث نبوي روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال؛ جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى ...

حديث نبوي

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال؛
جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: دُلَّنِي علَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ، قَالَ: لا أجِدُهُ، قَالَ: هلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ، وتَصُومَ ولَا تُفْطِرَ؟ قَالَ: ومَن يَسْتَطِيعُ ذلكَ؟! قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: إنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، فيُكْتَبُ له حَسَنَاتٍ. ...المزيد

سلسلة نصائح أمنية / مؤسسة آفاق الإلكترونية سلسلة نصائح أمنية الحلقة الخامسة: الفقرة ...

سلسلة نصائح أمنية / مؤسسة آفاق الإلكترونية


سلسلة نصائح أمنية
الحلقة الخامسة: الفقرة 1


تأكد من تعطيل خاصية تحديد الموقع في جهازك الحاسوب والهاتف، وألغِ عن كل التطبيقات الوصولَ إلى موقعك، تجدها في إعداد كل تطبيق. ...المزيد

أعياد الجاهلية عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه قالَ: قدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ...

أعياد الجاهلية


عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه قالَ:

قدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهليّة فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ اللهَ قد أبدلَكم بِهما خيراً منهما يومَ الأضحى ويومَ الفِطر.

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه]
...المزيد

الجهاد عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الجهاد، ...

الجهاد

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الجهاد، فلم يفضل عليه شيئًا إلا المكتوبة) [رواه البيهقي والدارمي.

يا عبد الله، إذا كنت قد قصرت في الجهاد لسبب ترى أنك مُعذَر فيه، فاعلم أن الجهاد في سبيل الله ليس فقط في ساحة المعركة، بل هو أوسع من ذلك، فما من عمل يعلو عليه إلا الصلاة المكتوبة، لذلك لا بد أن نعلم أن هناك صورًا متعددة من الجهاد منها دعم المجاهدين بالمال أو خلفهم بأهاليهم خيرا أيها المسلم، اعلم أن الجهاد في سبيل الله له فضل عظيم، ولا يقتصر على القتال في جبهات القتال فقط، بل يشمل كل عمل يدعم هذا الطريق.

فكن حريصًا على إخلاص النية، وشحذ الهمة في كل ما تقوم به، وما أجمل أن يكون عملنا في سبيل الله بنية صافية فلتكن دائمًا مع المجاهدين ولو بكلمة دعم أو بنية صافية، فما من عمل أقرب إلى الله من العمل في سبيله.
...المزيد

مقال: زمامان للشيطان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ...

مقال: زمامان للشيطان


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الغر المحجلين، وبعد:

الجدل والمراء صنوان قرينان إنْ حلّا بين المؤتلفِين تفرقوا، وإن وُجدا بين الأحباب تكارهوا، ويأخذان صاحب العلم إلى سبيل الجهل، ويميلان بأهل التقوى إلى الشر، فهما زمامان للشيطان يقود بهما خيله في باحة الصالحين والعبّاد، ليحرّش بينهم ويضيّع أوقاتهم، ويخلط أمور المتحاورين ويُحوّلهم إلى متخاصمين، ثم ينتهي بهم إلى هدفه الأخير "الضغينة والحقد بين المؤمنين".

لذلك ذمّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الجدل والمراء وكرههما أئمة الدين، فما هما هذان الزمامان؟

أما الجدل فمعناه: "اللدد في الخصومة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته" [لسان العرب]، وقيل هو: "دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه" [التعريفات للجرجاني]

وأما المراء فمعناه: "طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير" [المصدر السابق]، وقال الهروي عن المراء هو: "أن يستخرج الرجل من مُناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها" [تهذيب اللغة].

فالمؤمنون أهل حق وطلاب خير، وقّافون عند حدود الشرع، تنفعهم الذكرى إذا ذكـروا، ولقد ورد في الكتاب العزيز ذم المراء والجدال، أثناء العبادة، فقال الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:١٩٧]، فعن ابن مسعود في قوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، قال: "أن تماري صاحبك حتى تغضبه"، وعن ابن عباس: "الجدال: المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك"، وعن ابن عمر: "الجدال المراء والسباب والخصومات". [تفسير الطبري]

ومَن تَرَكَه ضمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتا في أعالي الجنان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة، لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة، لمن حسن خلقه) [رواه أبو داود].

والمراء لا يأتي بخير، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: (إنَّ أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم) [متفق عليه]، قال المهلب: "لما كان اللدد حاملًا على المطل بالحقوق، والتعريج بها عن وجوهها، والليِّ بها عن مستحقيها، وظلم أهلها؛ استحقَّ فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه" [شرح ابن بطال للبخاري]، وقال الصنعاني: "أي: الشديد المراء، أي الذي يحجُّ صاحبه" [سبل السلام] وقال النووي: "والألدُّ: شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه؛ لأنَّه كلما احتجَّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخصم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقٍّ، أو إثبات باطل" [شرح صحيح مسلم]

وفي أقوال الصحابة والسلف الصالح الأوائل ما يرشد إلى ترك الخوض في مساوئ الجدل والمراء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا تمارِ أخاك؛ فإنَّ المراء لا تفهم حكمته، ولا تُؤمَن غائلته" [جامع الأصول]، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "من استحقاق حقيقة الإيمان ترك المراء، والمرء صادق" [الزهد لهناد السري]، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "كفى بك إثمًا أن لا تزال مماريًا" [الدارمي]، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "ولن يصيب رجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء، وهو يعلم أنَّه صادق، ويترك الكذب في المزاحة" [الزهد للإمام أحمد]، ورُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قال: "إذا أحببت أخًا فلا تماره" [الأدب المفرد]

ولا بد أن يكون طالب الحق والداعية إليه أشد الناس خشية لسلوك دروب المراء إلا ما دعت له الحاجة من رد الباطل وإثبات الحق بما يليق به من أدلة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فلا يخاصم ولا يماري، بل يسعى لنشر الدعوة بالحكمة، فهذا ما يدفع به حجج أهل الباطل ويعلي مكانة أهل الحق، يقول أبو الدَّرداء رضي الله عنه: لا تكون عالمًا حتى تكون مُتعلِّمًا"، ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملاً، وكفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا، وكفى بك إثمًا أن لا تزال مماريًا، وكفى بك كذبًا أن لا تزال مُحَدِّثًا في غير ذات الله"، وقال مسلم بن يسار رحمه الله: "إيَّاكم والمراء؛ فإنَّها ساعةُ جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زَلَّتَه" [سنن الدارمي].

ومن الناس من يبتغي المراء لتخطئة أقرانه وإظهار فطنته، ولن تنجو منه ولو أطلت صمتك، يقول الزجَّاج رحمه الله: "كنا عند المبرِّد أبي العباس محمدٍ، فوقف عليه رجلٌ فقال: أسألك عن مسألة في النحو؟ قال: لا، فقال: أخطأت، فقال: يا هذا، كيف أكون مُخطئًا أو مُصيبًا، ولم أُجِبْكَ عن المسألة بعد؟! فأقبل عليه أصحابُه يُعَنِّفُونَه، فقال لهم: خَلُّوا سبيله، ولا تَعَرَّضُوا له، أنا أخبركم بقصَّته: هذا رجل يحب الخلاف، وقد خرج من بيته وقصدني على أن يخالفني في كلِّ شيء أقوله، ويُخطِّئني فيه، فسبق لسانُه بما كان في ضميره" [العزلة للخطابي]

ولقد ورد عن ميمون بن مِهران رحمه الله أنه قال لأحد تلامذته يوصيه: إيَّاك والخصومةَ والجدال في الدِّين، ولا تجادلنَّ عالمًا ولا جاهلاً؛ أما العالم، فإنه يَخْزُنُ عنك علمَه، ولا يبالي ما صنعتَ، وأمَّا الجاهل، فإنه يُخَشِّنُ بصدرك، ولا يطيعك" [الدارمي]

ومن هذا ما يقع كثيرا في المجالس أو مواقع التواصل الاجتماعي من جدال شديد ومراءٍ لا ينتهي غالبا إلا بالخصومة والسباب والنُفْرَة، ويُغني عن ذلك قول حسن بحجة واضحة، فهذا لا بد أن يؤتي أُكُلَه ولو بعد حين، ولو لم يظهر في ذلك الوقت، فالسهم إن رماه قلب صادق، بلسان مُنصِف، مذكّرا بالكتاب والسنة وما نُقل عن الصحابة، فسيطرق ذلك قلبَ من أراد الله به خيرا، فإن لم يقبل منك كل هذا فدعهُ ولا تكثِر عليه التأسف، قال خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية: "إذا كان الرَّجل لجوجًا، مُماريًا، مُعجَبًا برأيه، فقد تمَّت خسارتُه" [نزهة الفضلاء]

ودائما ما يرافق الغضبُ المراءَ والجدل، والعبد حين يغضب لا تؤمن غوائله، يقول عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: "قد أفلح مَن عُصِمَ من المراء والغضَب والطَّمع" [البداية والنهاية]، ومن أدام المراء يُخشى عليه من قسوة القلب، قال الربيع: "سمعتُ الشافعيَّ يقول: المراء في الدِّين يُقَسِّي القلبَ، ويُورِث الضَّغائن" [نزهة الفضلاء].

وخرج من هذا الصنف الجدال بالتي هي أحسن قال تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:١٢٥] قال ابن كثير رحمه الله: "من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب". [التفسير]

وأمر الله بالجدال بالحسنى؛ لأن من أراد الحق انتفع بدليل واحد، ومن لم يُرِد الحق فلن تفيد فيه كثرة الأدلة ولا شدة المخاصمة.

وغالبا ما ينشغل بالجدل من لم يحسن استغلال وقت فراغه، وربما ساقه الجدل للوقوع في أعراض المجاهدين والصالحين العاملين لهذا الدين، فإن استطاع المرء الجدال بالتي هي أحسن فليأخذ به، وإلا فالخير أن يصرف نفسه عن ذلك وينشغل بما يحتاج المسلمون إليه وما أكثره، فذاك أحفظ لدين المؤمن وأعظم لأجره.

قال معروف الكرخي: "إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرا فتح عليه باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل" [الإبانة لابن بطة]

اللهم اجعلنا ممن يعمل كثيرا ويقول قليلا ولا تجعلنا ممن يقول كثيرا ويعمل قليلا، وصلى الله وسلم على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 322
الجمعة 18 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ (322) / قصة شهيد • معتصم التدمري -تقبله الله- سليل بيت مجاهد لقد سطّر ...

صحيفة النبأ (322) / قصة شهيد


• معتصم التدمري -تقبله الله-
سليل بيت مجاهد

لقد سطّر رجالات الدولة الإسلامية وقائع مجيدة حق لها أن تدونها الأسفار ما تعاقب الليل والنهار وشطت البلدان والأمصار، فلقد ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء والاقتداء حتى شقّوا لمن خلفهم طريقا قد عبّدته الأشلاء، وصارت دماؤهم سُرجاً وقناديل تضيء الدرب لمن بعدهم، يقتدي اللاحق منهم بالسابق، يتواصون بالحق ويوالون بعضهم بعضا كزرع أخرج شطأه فآزره، يُعجب الموالي لهم فيتخذهم سبيل هداية ويغتاظ منهم كل منافق وكافر سلك طريق الغواية، حتى يأتي وعد الله فإما نصر يضرب الآفاق أو تُدق في سوح الوغى الأعناق.

ومن هذه السوح والأفق التي أشرقت عليها شمس الجهاد؛ قرية (الدشيشة) في الريف الجنوبي للبركة، حيث ولد الأخ المجاهد (زين العابدين خلف الحمدي) المكنّى بـ(أبي جابر)، ونشأ وترعرع في كنف عائلة مجاهدة قامت على التوحيد ونصرة الدين والمجاهدين في سبيل الله تعالى، فوالده كان إماما وخطيبا في مسجد (عبد الرحمن بن عوف) وقد تعرض للأسر مرات عديدة من قِبل النظام النصيري المرتد بسبب خطبه التي كانت تدعو إلى التوحيد ومجاهدة المشركين وأهل الباطل.


• في كنف عائلة مجاهدة

ولقد كان والد زين العابدين من أوائل الملتحقين بركب المجاهدين في دولة الإسلام، ليخط لفارسنا معالم الطريق ويكون خير مثالٍ للاقتداء، وفارسنا الفتي أيضا كانت عيناه ترمق أخاه (أبا عامر) الذي لحق بركب الكرامة والإباء، وأصبح أميرا عسكريا في إحدى كتائب الدولة الإسلامية التي كانت تسطر الملاحم وتفتح البلاد وتقض مضاجع الكفار صباح مساء، ولم يطرف بعيدا بعينيه عن ذلكم الركب حتى علق ناظريه برؤية أعمامه: (أبي الفاروق) الذي كان من السبّاقين إلى الجهاد وقُتل منغمسا في صفوف الـ PKK المرتدين، وعمه الثاني (أبي هاجر) المعروف بشجاعته الذي ما انفك مراغماً للنصيرية حتى قتل -تقبله الله- على أسوار (مطار الخير)، ليكونا أيضا مشعلا هداية لأبناء عمومته لينضموا ويقاتلوا أعداء الله، فيقتلوا في سبيل الله، مجندّلين في كل بقعة من بقاع دولة الإسلام، كما تأثر (أبو جابر) أيضا بصديق والده الأخ (أبي الفاروق المغير)، والذي كان من أوائل الداعين إلى التوحيد في ريف البركة الجنوبي، وهو الذي كنّى فارسنا بهذه الكنية، وقتل في سجون النصيرية تقبله الله.

لقد أحاط بأبي جابر المجاهدون من أقربائه كالسوار بالمعصم، يربّونه ويرشدونه ويحرّضونه، ناهيك عن البيت الذي تُدوّي فيه قراءة القرءان والدعوات الصادقة للمجاهدين بالنصر والتمكين، فهذه إحدى نعم الله الكثيرة على (أبي جابر) أن وهبه الله تعالى بيئة صالحة ينشأ فيها على نهج سوي، يسمع فيه التوحيد ويبصره ويتعلم الجهاد ويحبّه، وتلك صورة من صور الاصطفاء يحمدها الأخيار فيلزمون غرْزها لا يحيدون عنها ولا يميدون.


• مناصرا لدولة الإسلام في الإعلام

بدأ الأخ (أبو جابر) بمدارسة كتب التوحيد والعقيدة والجهاد فأكبّ عليها ينهل من معينها، وكان يُعدّ نفسه دعويا أيضا، فبدأ بكتابة الخطب والدعوة إلى التوحيد والجهاد ومن شابه أباه فما ظلم، وكان مؤذنا ذا صوت نديٍّ، بشوشاً ودودا محبا للخير، وكان أبو جابر يحسب أيامه متشوّقا إلى اللحظة التي يستطيع فيها حمل السلاح والقتال في سبيل الله، ولم يستطع الانتظار فبدأ بنصرة المجاهدين إعلاميًا عبر الشبكة العنكبوتية فأنشأ القنوات لذلك وشكّل المجموعات، ينشر الحقائق ويرد الشبهات عن دولة الإسلام، وكان محبا لهذا المجال بارعا فيه، ثم طوّر من قدراته فبدأ بتصميم مقاطع مرئية يرثي بها جنود الدولة الإسلامية فانتشرت بشكل واسع بين مناصريها.

صبر على فراق أخيه

ثم جاء الابتلاء وامتحان الصبر لتتربى نفس أبي جابر على الشدة، ففي أوائل عام 1437 هـ قُتل أخوه (أبو عامر) مقبلا غير مدبر -تقبله الله-، فتأثر لفقده تأثرا شديدا ولكن ذلك لم يوهن من عزمه بل كان صبورا مؤمنا بموعود الله، بل كان هو من يُصبّر أباه قائلا: "أبي.. والله إنّ أبا عامر الآن في جنات النعيم إن شاء الله".

وبعد انحياز المجاهدين من منطقة (الشدادي) توجّه أبو جابر وعائلته إلى ولاية الخير، حيث التحق والده بالمجاهدين الذين استنفروا لصدّ حملة المرتدين على ولاية حلب، فتحمّل أبو جابر حينها المسؤولية في غياب أبيه فكان عطوفا حنونا على إخوانه وأهله، وبعد عودة والده كان أبو جابر مستعدا للالتحاق بركب الخلافة جنديا يحمل السلاح ويذود عن الدين وأهله، وقد تكنّى مستبشرا بتلك المرحلة بـ(أبي الحور ميسرة).

• لبّى النداء

انضمّ أبو الحور تقبله الله مقاتلا إلى صفوف جنود الخلافة إثر الحملة الشهيرة التي أطلقتها الدولة الإسلامية في ولاية الخير تحت عنوان (لبّوا النداء)، فكان في المعسكر رمزا في السمع والطاعة لأمرائه، ليّن الجانب محبّا لإخوانه، وبعد الانتهاء من المعسكر توجّه وإخوانه إلى ولاية البركة قاطع (تل البشائر)، لرد عدوان الكافرين عن ديار الإسلام، فقاتلوهم أشد القتال وكان أبو الحور فارسا في ذلك النزال.

ثم عُيّن بعد ذلك في مفصل الاتصالات، فكان يرفع همم إخوانه ويحرّضهم ويزف إليهم البشريات وأخبار الهجمات.


• مرحلة العمل الأمني

عمل أبو الحور في الجهاز الأمني التابع للدولة الإسلامية وشارك في الإيقاع بالعديد من خلايا المرتدين التي كانت تعمل داخل أراضي الخلافة، وكان صاحب همة عالية، محقِّقا لعقيدة الولاء والبراء لا يحابي أحدا في دين الله، غيورا على أعراض المسلمين وحرماتهم. وارتقى أبو الحور في العمل الأمني لاحقا، حيث أوكلت إليه مسؤولية التواصل مع بعض الخلايا التابعة لأحد المفاصل الأمنية بولاية البركة واستطاع خلال فترة وجيزة أن يجنّد ويؤسس مجموعة أمنية للعمل داخل مناطق المرتدين كان لها الفضل بعد الله تعالى في نجاح الكثير من العمليات التي أثخنت في المرتدين وأرهقتهم.


• متنقلا بين الأمن والإعلام

وبعدها كُلّف بقيادة المفصل الأمني في قاطع (ميسرة) في الولاية، وتكنى في تلك المرحلة بـ(معتصم التدمري) فسعّر الحرب وكثّف الضربات، وقاسى منه أعداء الله وعانوا أيّما عناء، فكانوا دائما ما يسألون عنه ويتتبعون آثاره ويجمعون المعلومات لينالوا منه، ولكن الله يخزيهم ويرد كيدهم، واستمر فترة في العمل الأمني، ثم عاد بعدها مجددا إلى عمله الجهادي الأول وهو ميدان الإعلام، فعيّن مسؤولا للإعلام في ولاية البركة ينشر أخبارها وعملياتها شافيا لصدور المؤمنين غائظا لأعداء الدين، محرضا للقاعدين، ولم يترك القتال بل كان يحمل (كاميرته) بيد وبندقيته باليد الأخرى.


• في غزوة الثأر للشيخين

وعندما جاء الأمر من قادة المجاهدين بشنّ الغزوة الموحَّدة (غزوة الثأر للشيخين)، كان معتصم التدمري كعادته من طلائع سراياها فلبّى النداء مع إخوانه وأثخنوا في أعداء الله بتنفيذ عدد العمليات، وفي إحداها كمن هو ومجموعة من إخوانه لرأس من رؤوس الردة والعمالة في يوم الخميس (29/ربيع الثاني)1441 هـ، واشتبكوا معه فأردوه قتيلا مع مرافقه، وفي ذلك الاشتباك ترجّل الفارس المقدام لينال ما كان يبحث عنه ملتحقا بركب الشهداء -نحسبهم والله حسيبهم- على درب أخيه وأعمامه وإخوانه من جنود الدولة الإسلامية -تقبلهم الله- ليختم مسيرة الجد والاجتهاد بالقتل في سبيل الله تعالى، موصيا إخوانه بمواصلة المسير على هذا الطريق فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء وتقبله في الشهداء.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 322
الجمعة 18 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال: جيل التمكين "سنستخدم ما تعلمناه في إعلاء صرح هذه الخلافة المباركة ...

الدولة الإسلامية - مقال: جيل التمكين


"سنستخدم ما تعلمناه في إعلاء صرح هذه الخلافة المباركة التي أقيمت على منهاج النبوة، وسنحارب به الكفر بكل أطيافه".. لم تكن تلك العبارة اقتباسا من أحد مراجع السير والمغازي، ولا مقولة لقائد من قادة الفتوحات في التاريخ الإسلامي، بل كانت عبارة نطق بها شبلٌ من أحفاد الفاتحين وغراس السابقين الذين تخرجوا حديثًا من أحد معاهد أشبال الخلافة في ولاية غرب إفريقية، بعد أن جددت دولة الإسلام مفاخر تاريخ المسلمين ونقلته من حيّز الذكريات إلى واقع العمل والتطبيق تمامًا كما كان أول مرة.

لقد ظنّ الصليبيون وهم يدكون بأطنان القنابل معاهد أشبال الخلافة في ولايات العراق والشام وغيرها، أنهم قضوا بذلك على جذوة التوحيد في نفوس المجاهدين، وحسبوا أنهم دمروا بنيان التقوى الذي أشاده قادة وجنود الخلافة بالدماء والأشلاء، وتوهموا أنهم أطفأوا بذلك نور الشريعة التي قامت لأجلها وفي سبيلها حروب الماضي والحاضر بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، إلا أن الله تعالى يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولو كره الصليبيون، ولو كره اليهود، ولو كره المرتدون والمنافقون، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[التوبة: 32]

فرغم الحرب الأخيرة التي شنّها التحالف العالمي الكفري ضد الدولة الإسلامية والتي دمر فيها المباني والعمران، وسحق بطائراته أجساد الرجال والنساء والولدان، إلا أنه فشل -بفضل الله تعالى- تمامًا في تقويض بنيان التقوى والإيمان، فلم يتجاوز بطشه وحدّه وحديده غير الأذى الذي يصيب الأبدان، ووقفت كل ترسانة الحرب الصليبية عاجزة عن النيل من نفوس رضعت لبان التوحيد حتى تضلّعت وارتوت، فاخترقت صواريخ الروم واليهود الأجساد لكنها لم تخترق حصون العقيدة التي قامت عليها دولة الإسلام، ولهذا بقيت مستمرة سائرة على ذات السبيل الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليه مِن بعده الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم-، فعن عبد الله بن مسعود قال: "خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}" [رواه الترمذي وقال حديث صحيح]

فعلى هذا السبيل الذي خطّه رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير اليوم بُناة الخلافة قادة وجنودا، ويسير على خطاهم مِن بعدهم أشبال الخلافة وبراعم الإيمان ليكونوا غرسا صالحا يثمر جيل التمكين الفريد الذي لم ينهل إلا من المعين الأول الأوحد.

جيل التمكين الذي سعى أباطرة الروم ومن خلفهم اليهود إلى القضاء عليه في مهده في الموصل والفلوجة والرقة والبركة والخير وماراوي وسرت وسيناء وليس آخرها في الباغوز، فإذا به يزهر ويثمر غراسه في أقاصي الأرض.

لقد برزت معالم جيل التمكين وغراس الخلافة بشكل جلي في ملاحم العصر الأخيرة التي سطرها جنود الخلافة ونخص منها باغوز الإيمان والثبات، فإن فيها وقفات ونسمات لا يملّ العارفون تكرارها وهم يرون بطولات آل ياسر تتجلى في صبر وثبات وجلد أشبال الخلافة نسل الكرام وبقيّة المجد.

لقد كانت مشاهد أشبال الخلافة عربا وعجما في الباغوز وهم يحرصون على إقامة الجماعات وسط أهوال الحرب ويصدحون بالعقيدة التي تعلموها في معاهد الخلافة، حدثا غير مألوف في عصرنا الحاضر، مشاهد لو رُويت بغير توثيق مرئي لكذّبها كثير من أهل زماننا تماما كما يكذّبون ويردّون كثيرا مما يُروى عن جيل الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، بل كان من تدبير الله تعالى ومكره بالكافرين أن أكثر ما ظهر من هذه المشاهد كان بتصوير وسائل إعلام الكافرين أنفسهم! ليكون ذلك حجة عليهم أجمعين، فسخّر الله تعالى كل وسائل إعلام العالم تنقل للدنيا بأسرها في مشهد رهيب بطولات هذا الجيل الفريد، جيل التمكين بإذن الله، الجيل الذي بات يؤرق اليوم دول الصليب وحكومات الردة قاطبة، ويصفونه بـ"القنبلة الموقوتة"! ولعل هذا الوصف نقطة في بحر ما ينتظرهم بإذن الله تعالى على أيدي أبناء هذا الجيل الذي لم يرِدْ غير معين الكتاب والسنة.

لقد كان من توفيق الله تعالى لقادة دولة الإسلام أن هداهم إلى وضع خطط طويلة المدى لإعداد هذا الجيل رغم المعارك والحروب الشرسة، فدشّنوا معاهد أشبال الخلافة في كل صِقع تمكنوا فيه، فنتج جيل لم تتلوث فطرته بمناهج المنحرفين ولا بدع المبتدعين ولا ديموقراطية المشرّعين، ولا كل دعوات الغثاء، جيل نشأ على الولاء والبراء والتوبة والأنفال، جيل ثبت في مواطن سقطت فيها رجال وجبال! جيل يهيئه الله تعالى بفضله ويُعدّه ليقود المعركة الحقيقية ضد معسكر الباطل أينما حلّ وكان، بعيدا عن المعارك الخلَبية التي تحدّها الحدود ويقرّرها التراب! جيل يستعد للملاحم كما تقرّرها الصِحاح وآيُ الكتاب، جيل يقول قائله: "لا سبيل لتحرير الأسرى وإعادة المسجد الأقصى والحرمين وفتح روما والأندلس إلا بالجهاد"، جيل نشأ على منهاج التوحيد قولا وعملا من أول يوم، فلم تزاحمه وطنية ولا قومية ولا سلمية ولا هراء، جيلٌ يرى في التوحيد أعظم مصلحة وفي الشرك أكبر مفسدة، جيل كما وصفه أحد بُناته -تقبله الله- مخاطبًا الصليبين قائلا: "تُعادون قوما أنشأوا لكم جيلا لا يعرف للذل معنى، لا يعرف إلا القتال في سبيل الله؛ فإما النصر وإما الشهادة".

لقد حارب الصليبيون أحفاد ياسر وعمّار وسمية -رضوان الله عليهم- في العراق والشام وغيرها وزجوا بهم في مخيمات الأهوال، فلم يضيع الله تعالى أعمالهم فأثمرت تضحياتهم في إفريقية فقام سُلَّان ابن رباح -رضي الله عنه- ليعلنوها مدوية بعُجمة تأسر الألباب: "سنعيش على ما عاش عليه آباؤنا؛ نصرة الدين وبناء الخلافة الإسلامية، ونموت على ما ماتوا عليه، حتى تكون أشلاؤنا لبنات في بناء صرح هذه الخلافة".

ولن يتوقف طوفان جيل التمكين عند حدود إفريقية كما لم يتوقف من قبل عند حدود العراق والشام، بل سيداهم الطوفان دول وعواصم العالم وسيجتث هؤلاء الأشبال النجباء بمعاول التوحيد جذور الشرك التي غرسها الطواغيت وعلماء السوء، وسيتواصل مدد الإسلام على أيدي جنوده وكماته الأبرار الذين فدوه بأغلى ما يملكون، ولم يعطوا الدنية في دينهم فرمتهم الدنيا عن قوس واحدة لأنهم تمسّكوا بمنهج الوحي المنزّل وتعاليمه، ووالوا وعادوا فيه، وقاتلوا على هداه وساروا على خطاه، حتى بلغت طلائعهم من أرض العراق والشام إلى أرض إفريقية وشرق آسيا، و"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار" فتلك بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك وعد الله تعالى لعباده المؤمنين، والله لا يخلف الميعاد.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 322
الجمعة 18 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً