إرشاد العباد إلى بعض فضائل الجهاد الحمد لله الذي منّ علينا بالجهاد، وأقامنا فيه وهو خير مقام ...

إرشاد العباد إلى بعض فضائل الجهاد


الحمد لله الذي منّ علينا بالجهاد، وأقامنا فيه وهو خير مقام بين العباد ويسّر لنا بالقتال تنغيص حياة أهل الردة والإلحاد، والصلاة والسلام على نبي الرحمة ونبي الملحمة وعلى آله وصحبه الرحماء بالمؤمنين وهم على الكافرين غلاظ شداد، وعلى من سلك سبيل التوحيد والجهاد إلى يوم التناد وبعد:

فإن الله كتب على المؤمنين القتال فقال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، ولما كان أمر القتال شديدًا على النفوس لما فيه من إزهاق الأرواح وفراق الأهل والأوطان، رغّب سبحانه فيه أعظم ترغيب وأبدأ في فضائله وأعاد، ووعد عليه الوعود العظيمة وفرض لأهله الأُعطيات الربانية الجزيلة؛ فطارت نفوس المؤمنين شوقًا إليه وتسابق المٌحبّون في ميدان القتال حرصًا عليه، لِما رأوا من فضله الذي لا يضاهى وأجره الذي لا يتناهى، حتى استرخصوا في سبيله النفوس والمهج وركبوا لأجله لجج البحار والصحاري والقِفار ولمّا بَعُد العهدُ عن التحريض على الجهاد شمّرتُ للتحريض عليه عن ساعدِ الاجتهاد وسمّيتُ هذه الأسطر: "إرشاد العباد إلى بعض فضائل الجهاد"، وهي على ما يلي:


الأولى: أنه منجاة بإذن الله من أليم العذاب
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10-11] فيا من يخاف من عقاب الله وعذابه الأليم يا من يؤرّقه صوت أهل النار، قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] دونك باب الجهاد فإن الله وعد أهله بالنجاة من أليم العذاب فما الذي يقعدك عنه وأنت تسمع صوت حادي الجهاد في جميع البلاد ينادي يا خيل الله اركبي و يا راية الإسلام ارتفعي ويا حملة الراية قوموا، فمن يَطِيبُ له قعود بعد هذا النداء؟! نعوذ بالله من الحِرمان.

الثانية: أن الله وعد أهل الجهاد بمغفرة ذنوبهم.
قال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...} [الصف-12] كم من الناس أرّقتهم الذنوب؟ حتى وقع أكثرهم في اليأس من رحمة الله، فيا من أرّقته الذنوب والآثام وناله منها العذاب النفسي والآلام، بُشْرَاك فلا دواء يُذهب بالذنوبِ وآثارها مثل الجهاد في سبيل الله، ولك في خَبر أبي محجن الثقفي عظة وعبرة فقد تداوى من مرض ذنوبه بدماءِ الكفار، فليس كمثلها تُكفرُ السيئات والأوزار.

إن المعاصيَ رجسٌ لا يطهرُها
إلا الصوارم في أيمانِ كُفارِ

الثالثة: أن الجهاد سبب لدخول الجنة
قال تعالى في تكملة الآية السابقة: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}

فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها
منازلنا الأولى وفيها المخيّمُ
وحيّ على روضاتِها وجِنانِها
وحيّ على عيشٍ بها ليس يَسْأَمُ

نعم بالجهاد تُنال الدرجات العلى في الجنة ففي الحديث الصحيح كما عند البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، فكيف تستبدل ذلك العيش الكريم والنعيم المقيم بهذه الأعطان الضيقة بين أرباب العاهات والبليات؟ وكيف تستبدل الحور الكواعب الأتراب بالتي هي أدنى من المخلوقات من التراب إلا المؤمنات الصالحات؟

تالله إنك لفي غبن عظيم وتظن نفسك من الفائزين، وكيف يطيب لك عيش وتترك هذا المعين

فأقدم ولا تقنع بعيشِ مُنغَّصٍ
فما فازَ باللذاتِ من ليس يُقدِمُ

الرابعة: أن الجهاد ترجمان التوحيد.
قد علم المسلم أنه لا يصح توحيد إلا بولاء وبراء ولا يكتمل إيمان المرء حتى يجاهِر الكفار بالعداوة والبغضاء قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ...الآية} [المجادلة: 22]، ولا يكون ذلك إلا بإظهار العداوة، إذ هي الفَيْصل بين أهل التوحيد وأهل النفاق، وإن ذلك يتجلى حقيقةً بالجهاد وقتال أهل الكفر والعناد، ويذوق الموحد ثمرةَ توحيده واقعًا معاشًا، لا كما يرى التوحيد أهل القعود دروسًا وحِلَقًا لا تحفظُ دينًا ولا تنصر شرعًا ولا ترد حقًا.

الخامسة: أن المجاهدين لا يساويهم أحد في الفضل والدرجة قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة-20]، فكيف يأتي بعد ذلك جاهل يسوي المجاهدين بغيرهم؟ بل كيف يأتي من يطعن بالمجاهدين ويصدُّ عن سبيل الجهاد؟ فإنه لا يفعلُ ذلك إلا أهل النفاق الذي لا شك فيه ولا ارتياب، بل اسمع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة كما عند مسلم حيث قال: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) ففي كلام نبينا صلى الله عليه وسلم القول الفصل، والمبتغي بعد هذه البينة بينة كان حالُه كمن يبحث للنهار عن دليل والشمس بازغة.

السادسة: أن المجاهد أفضل الناس
قال صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت مظانه) [رواه مسلم]، وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري (قيل يا رسول الله أي الناس أفضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله).

السابعة: هداية الله للمجاهد إذا ادلهمّت الفتن
فلا نجاة من الفتن إلا بالجهاد في سبيل الله فإن الفتن من معانيها اختلاط الأمور وعدم القدرة على معرفة الحق من الباطل والله سبحانه قد نجى المجاهد من الفتن ببركة الجهاد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 67]، من جاهد الجهاد الحق من أجل إعلاء كلمة الله لا تجد عنده حيرة القاعدين ولا اضطرابهم ولا تشتتهم، فالحق بركب المهتدين قبل أن يجرفك سيل الضلال.

الثامنة: الجوائز الست
قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ (15)} [التوبة:14-15]، فقد جعل الله للقتال في سبيل الله ست فضائل في هذه الآية،

أولها: تعذيب الكافرين بأيدي المؤمنين، وهذا تشريف وأي تشريف وتعظيم للمؤمن الذي يستشعر وهو يقاتل أنه عذاب الله الذي يتنزّل على الكافرين والمرتدين ويذيقهم الله بأسه وغضبه على يد عباده المجاهدين.

أما الثانية: أن الله يخزي الكافرين بأيدي المؤمنين، وذلك بهزيمة الكفار وإلحاق العار بهم وأخذ الجزية منهم وهم صاغرون.

والثالثة: النصر على الكفار وما فيه من عزةٍ وعلو للمؤمن على أمم الكفر التي طالما تطاولت ونكّلت بالمؤمنين.

الرابعة: شفاء صدور المؤمنين من أعدائهم الذين ساموهم سوء العذاب، فترى الأخت التي انتُهِك عِرضُها من فعلوا هذه الفعلة وهم يلقون جزاءهم على يد عباد الله الموحدين، وترى الأمُّ التي قتل ولدها وإخوانها يثأرون لها ممن أشعل صدرها غيظاً، وترى ذلك الجاني ودمه يسفك جزاءً وفاقًا على سوء فعله فيذهب بذلك ما في قلوب المؤمنين من الغيظ فتكون بذلك الفضيلة الخامسة.

السادسة: أن يمتنّ الله على من يشاء بالتوبة والأوبة إليه والهداية، إما ارتداعًا عن كفرهم وغيّهم، وإما مهابةً للحق وأهله بعد أن أعزهم الله بالجهاد والقتال، فتحصل بالجهاد ثمرة جليلة بالهداية لأقوام لولا الله ثم الجهاد لما ارعووا ولا انزجروا عما هم فيه من ضلال، وأقوام طالما ازدروا أهل الحق لضعفهم وقلتهم فما إن يروا شدة المجاهدين في القتال وتنكيلهم في العدو حتى يهابوهم ويطلبوا الانضواء تحت رايتهم.

ويختم الله ذلك بقوله الذي يؤذن بكمال علمه وحكمته فتقطع هذه الخاتمة البديعة لسان كل مخذل خوار فمن اعترض على القتال بعد ذلك فهو مدع أنه أعلم من الله وأحكم في عباده، {وَاللهُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ}.

فمن المؤمن القتال، ومن الله التعذيب للكفار والنصر على الأعداء وشفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب والهداية لمن يشاء، فله الحمد أولاً وآخرًا.

التاسعة: أن الجهاد يذهب الله به الهم والغم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب الله به الهم والغم) [رواه أحمد]، لقد كثرت في هذا الزمان الهموم والغموم حتى امتلأت العيادات النفسية بالزائرين والمرضى يبحثون عن حل لما يعانونه من الأمراض النفسية وليس ما بهم بسبب قلة مال أو عرض من الدنيا بل تجد أكثرهم من أصحاب الأموال وهم في هذه الغمرات يبحثون عمن يخرجهم من شقائهم وتعاستهم ولا يعلمون أن الحل بأيديهم وهو بامتثال ما أمر الله به من الجهاد في سبيل الله.

واسأل المجاهدين من أجل إعلاء كلمة الله ولن تجدهم إلا في صفوف دولة الإسلام -أعزها الله - سلهم عن حالهم هل يجدون همًا أو غمًا؟ هل يحتاجون إلى الأقراص المنومة لكي يناموا؟ فإن الإجابة ستكون بالنفي، بل سيقولون لك منذ أول قدم وضعناها في أرض الجهاد نسينا الهم والغم وأحسسنا من السعادة النفسية والراحة ما عوضنا عن كل ما فقدناه وخلّفناه وراء ظهورنا هذا مع ما يعيشه المجاهد من القتال والملاحقة والحصار والإصابات وغيرها من الآلام ومع ذلك تجد المجاهد منشرح الصدر مرتاح البال مطمئن النفس، مما جعل حال المجاهد هذا يصيب أعداء الله بالحيرة والاندهاش مما يرونه أمام أعينهم ولم يقرؤوا عنه في كتاب ولم يسمعوا عنه فالحمد لله الذي بلّغ المجاهدين هذه المنزلة التي قال عنها الإمام المجاهد المبارك عبد الله بن المبارك "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف".

وختامًا: أقول لك ما قاله الإمام المجاهد ابن النحاس رحمه الله: "فتيقظ لنفسك يا هذا قبل الهلاك وأطلق نفسك من أسرها قبل أن يعسر الفكاك وانهض على قدم التوفيق والسعادة عسى الله أن يرزقك من فضله الشهادة ولا يقعدك عن هذا الثواب سبب من الأسباب فذو الحزم السديد من جرد العزم الشديد وذو الرأي المصيب من كان له في الجهاد نصيب ومن أخلد إلى الكسل وغره الأمل زلت منه القدم وندم حيث لا ينفع الندم وقرع السن على ما فرط وفات إذا شاهد الشهداء في أعالي الغرفات".

والحمد لله رب العالمين


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 150
الخميس 24 محرم 1440 ه‍ـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - النبأ - قصة شهيد: أرعب المرتدين والكفار واشتهر بقطف رؤوسهم "فرقد أبو بكر" ...

الدولة الإسلامية - النبأ - قصة شهيد:


أرعب المرتدين والكفار واشتهر بقطف رؤوسهم
"فرقد أبو بكر" من أعلام الجهاد في العراق -نحسبه والله حسيبه-

مُنذُ أن وَطئِت القوّاتُ الصليبية أرض العراق ودماء الصادقين تهراق في سبيل الله عز وجل، رجال بذلوا النفيس لإعلاء كلمة الله فجادوا بأرواحهم لتمضي عجلة الجهاد في بلاد الرافدين، غرباء لا يعرفهم كثير من الخلق، ولا ضير؛ لأن الله تعالى يعلمهم وحسبهم ذلك، ومن بين تلك الثلة الخيرة الأخ المجاهد فرقد أبو بكر، المكنى "بأبي صباح الوالي".

كانت البداية من جرف الصخر، معقل الأبطال، ومصنع الرجال، عمل الأخ في مفارز الاغتيالات وأبدع بجسارته في عمله، مكنه الله عز وجل من رقاب الكثير من الجواسيس والعملاء المرتدين حتى عرف عند أجهزة الأمن الرافضية، فإذا قطفت رأس أحد عناصرهم يتنادون بينهم: "قتله فرقد!".


• استفراغ للجهد وإتقان للمهام:

في كل يوم يمر يزداد فارسنا حنكة وخبرة، كان ذا بصيرة بمجريات الأمور ونظرة في المآلات قل نظيرها، مقبلا على الجهاد بشغف، إذا أسندت إليه مهمة استفرغ جهده وأعظم البذل في إتقانها، وهمه -رحمه الله- نصرة الحق وإظهار الدين ونصرة الأسرى والأسيرات، ومن كان هذا همه لن يشغله منصب أو مال.

أسر الأخ من قبل الأمريكان وبلطف الله تعالى ومعيته لم يتعرفوا على حقيقة هويته، وبعد مرور ما يقارب العام على سجنه تم الإفراج عنه، فخرج وقد كان خروجه في عام 2008 حين كانت الصحوات في أوج طغيانها وقمة انتفاخها.


• "فأس الخليل"

استأنفَ مسيرته الجهادية بعزيمةٍ أشدّ، وبنفسٍ مُتّقِدة، فبعدَ مدّةٍ قليلة مِن فكاكِ أسرهِ التقى بوالي بغداد الأخ مناف الراوي -تقبله الله-، وعُيّنَ أميرًا عسكريًا لولايةِ الجنوب فأشعلَها بالمُفخخاتِ والعبوات وقامَ بالكثيرِ من الأعمالِ المشتركة مع والي بغداد من أبرزها حملة "فأس الخليل" التي أطلقَها الشيخ أبو عمرٍ البغداديّ -تقبله الله-، ثمّ عُيّنَ بعدَ ذلك واليًا لولايةِ الجنوب فضاعفَ العمل في تِلك المناطق وقطّعَ أوصال الرافضةِ وأعظمَ النكايةَ بهم.

بعدها تمَّ نقل الأخ إلى ولايةِ صلاح الدين لدواعٍ أمنيّة، وكتمَ خبرَ انتقالهِ حتّى عن جنودهِ، فأُثيرَت حوله أسئلة كثيرة وسرعانَ ما جاءَهم الجوابُ سريعًا عندما انفجرت سياراتٌ مُفخّخة في مناطق بَلد، وتكريت، والدجيل في توقيتٍ واحدٍ وقد عُرِف بهذا النوع في العمل.


• رعب للرافضة والمرتدين

كانت سيرتهُ مُرعبة بينَ الروافض حتّى أنّه في أحد الأيام كانَ - تقبّلهُ الله - في بيتِ أحدِ الإخوة، وعندَ خروجهِ مع صاحبِه قامت القوات الرافضية بعملِ إنزالٍ جويّ على البيتِ كمحاولةٍ فاشلة لإلقاءِ القبضِ عليه، فكانوا يتكلّمُون فيما بينهم ويلومُ أحدُهم الآخر: "أما قُلتُ لَك بأنّ فرقد كان هنا؟!، انظر إلى هذا الفراش لا شكَّ كان هنا"، فيردُّ عليه صاحبه: "لا نستطيع الاقتراب منه! والله إنه يرتدي حزامًا ناسفًا" !! .

كانَ من أخطرِ المَطلُوبينَ في العراق للمرتدين والصليبييّن لكنَّ ذلكَ لم يمنعهُ من أداءِ أعمالهِ على أكملِ وجه.

وبالرغمِ مِن شدّتهِ وقَسوتِه على أعداءِ الله، كانَ عطوفًا على إخوانه، يحزنُ لمُصابِهم، ويفرحُ بِسرُورهم، قامَ بفديةِ الكثيرِ مِن الأسرى بالمال، فقد كانَ مخوّلًا من الإمارةِ بفعلِ ما يراهُ صوابًا في إنفاق المال وغير ذلك، وفي عام ٢٠١٢ ترجّلَ الفارسُ في صحراءِ بيجي أثناءَ مُطارَدتهِ لبعضِ آلياتِ المرتدين ساعيًا لأسرِهم.


• رحيل بعد شفاء الغليل

رحلَ عن الدُّنيا بعد أن أشفى غليلَهُ من أعداءِ الله قتلًا وتنكيلًا، وقد أمضى حياته مجاهدًا زاهدًا، جافيًا بنفسهِ عن الملذّات فنسألُ اللهَ أن يجزيَه عنِ الإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجَزاء، ويجعلَ مثواهُ في جنّاتٍ ونهر في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مُقتدِر.

اللهمّ إنّا نشهدُ أنَّ عبدكَ فرقد كانَ مِن خيرةِ الفُرسان الذينَ بذلُوا نفوسهَم من أجلِ رفعةِ دينك وقضى نحبَه على طريقِ أوليائكَ المُصطَفين، وعبادكَ المُتّقين -نحسبُه واللهُ حسيبُه-.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 150
الخميس 24 محرم 1440 ه‍ـ
...المزيد

صحيفة النبأ - ساء صباح المنذرين مرّت الدولة الإسلامية منذ نشأتها بمراحل متعددة في صراعها مع ...

صحيفة النبأ - ساء صباح المنذرين


مرّت الدولة الإسلامية منذ نشأتها بمراحل متعددة في صراعها مع ملل الكفر، فقد بدأت بالأيام الزرقاوية، وكانت مرحلة تصدّر فيها العمل الأمني داخل أراضي العدو ووسط دياره، ثم تلتها الفتوحات العمرية والتي مكّن الله فيها لعباده فحكموا الأرض وأقاموا شرع الله جلّ وعلا، وفي خضم الحرب الضروس وفقدان القوات الأمريكية السيطرة وانهيار خططها، بدؤوا مشروعهم الخبيث والذي أسموه الصحوة، فقاد مرتدوا الجماعات والأحزاب والعشائر أكبر موجة غدر وخيانة في العراق لينحاز بعدها المجاهدون إلى الصحاري والقفار، حتى يعيدوا ترتيب صفوفهم ليستعيدوا ما فقدوه مما مكنهم الله فيه ويتوسعوا بعد ذلك فاتحين بأمر الله.

وسار المجاهدون بخطى ثابتة لم يثنهم الغدر أو يكسر عزيمتهم طول الطريق ومشقته، فلم يتوقفوا للندب والبكاء على ما فقدوا، فامتصوا الصدمات ورضوا بما كتب الله لهم، فلم يطل بهم الزمان حتى أذاقوا الصحوات المر العلقم وأوردوهم حياض الموت جزاءً وفاقا على كفرهم وغدرهم وخيانتهم، وتسليمهم ديار الإسلام للرافضة المشركين، الذين جازوهم على فعلهم بأن أذلوهم وسلبوا منهم المناصب الموعودة وقطعوا عنهم الدعم وأجبروهم على تسليم السلاح فكان جزائهم أن خسروا الدنيا والآخرة فمن لم يقتل على أيدي المجاهدين ساقه الرافضة إلى السجون وسلبوه كل ما يملك، فأضحوا بين شريد وطريد وقابع ذليل.

فجزى الله المجاهدين بفضله ومنته وجوده، وبدأ القتال في الشام ففتح الله على عباده ومكنهم من أرض يفوق حجمها أضعاف ما خططوا له في تلك المرحلة، فأقاموا فيها شرع الله وأعلنوا الخلافة فجمعوا المسلمين على إمام واحد، ووقفوا في وجه ملل الكفر، فحشدت لحربهم الجيوش، وعقدت لقتالهم الأحلاف، بحملة شعواء يحرقون فيها الأخضر واليابس، يرومون تدمير مشروع الدولة الإسلامية.

وكان هدف الطواغيت في حلفهم، كسر نفوس المسلمين وإطفاء نور الأمل الذي أبصروه في قيام الخلافة، فحشدوا كل ما يستطيعون من قوى عسكرية وتعمدوا زيادة عدد الرايات المشاركة في الحرب حتى يستقر في نفس من ضعف إيمانه أن لا طاقة له بقتالهم ولا مكان لشرع الله في العالم اليوم وأن الحرب مع فارق الإمكانيات والأسباب يستحيل معه تحقيق الهدف والمراد.

وأما أهل العزائم والهمم ومن أنزل الله على قلوبهم السكينة، فلم يهنوا أو يضعفوا بل لم يؤثر ذلك على طموحهم، مع ما نزل بهم من شدة وضيق لا يزالون يسعون لفتح الجزيرة وبلاد فارس وعيونهم لم تزل ترقب القسطنطينية وروما ثقة بنصر الله وفتحه.

وكان من فضل الله على عباده المجاهدين أن يسر لهم الاستفادة من دروس الماضي، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) [متفق عليه]، فقضوا على مشروع صحوات الشام في مهده، وأطاحوا برؤوس الكفر فور ظهورها.

واستفاد المجاهدون من الدروس الماضية في كل مجال فما إن ينحسر نفوذ الدولة عن منطقة من مناطق التمكين حتى تسبق المفارز الأمنية المرتدين إلى تلك الديار، فكان أجناد الخلافة لهم بالمرصاد فعالجوا رؤوس الكفر قبل ينزلوا رحالهم في الديار التي سلبوها.

وقد كان لأرض الشام لقاء جديد مع أسلوب العمل الذي سبقهم إخوانهم في العراق إليه، فقد نهل أجناد الشام من خبرات إخوانهم الذين سبقوهم في العراق، فأحالوا مناطق مرتدي الـ PKK إلى مناطق خوف ورعب، فأعمل المجاهدون فيهم السيف، فمزقتهم العبوات وفلقت رؤوسهم الكواتم وشردت جموعهم الصولات ومزقتهم كل ممزق العمليات الاستشهادية والمفخخات، فأعاد أجناد الخلافة للحسكة صوت الرصاص، ونشروا الذعر بين المرتدين في أرياف الخير، وأناروا ليل الرقة بنار العبوات، وقطعوا على المرتدين طرقهم وتصيدوا الصليبيين الذين انخدعوا بنصرهم المؤقت وضنوا الديار آمنة لهم بعد أن دمروها حتى يخرجوا جند الخلافة منها.

وقد علم المرتدون من الـ PKK ومن أعانهم من شراذم الأعراب أن الصليبيين لن يحولوا بينهم وبين آساد الإسلام، فكثر في صفوفهم الهاربين بعدما ظنوا أن وقت الاستمتاع بالمغانم قد حل، ولم تنفعهم الطائرات المسيرة التي جرها المجاهدون مرغمة لتحلق في أجواء الحسكة والخير والرقة وحلب، تجوب سماءهم ليل نهار لعلها تضفر بمجاهد يتربص بجنودهم أو بمرتزقتهم من ملاحدة الأكراد.

ولن يدع المجاهدون بإذن الله للمرتدين أرضاً يأمنون فيها، ولن يقر للمجاهدين عين حتى يمزقوا أحلام المرتدين، وقد بدأت ملامح المرحلة بالظهور وقريباً بإذن الله تتحول أحلام الملاحدة من إقامة دولة إلى مجرد البقاء على قيد الحياة فقد نزل آساد الخلافة أرضهم، وإنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 150
الخميس 24 محرم 1440 ه‍ـ
...المزيد

إعلاء همم المجاهدين بدروس من غزوة أحد الحمد لله ولي المؤمنين، الذي يحبهم ويربيهم بما يصلح ...

إعلاء همم المجاهدين بدروس من غزوة أحد


الحمد لله ولي المؤمنين، الذي يحبهم ويربيهم بما يصلح قلوبهم وأعمالهم، فيدلهم على ما يقربهم إليه ويوفقهم للعمل بما يرضيه عنهم، يعطيهم النعم ليشكروه، ويبتليهم بسلبها ليرى صبرهم ووقوفهم عند مراضيه، ولينبههم على ما عندهم من العيوب ليتلافوه، ومن فضله ورحمته تعالى بالمؤمنين أنه لم يجمع لهم بين المصيبة والتوبيخ، بل بين لهم أن المصيبة كانت سبباً لمغفرة ذنوبهم وتنقية صفوفهم وتطهير قلوبهم، وحثهم على أن يتابعوا في طريق نصرة دين الله، وألا تضعفهم الجراح والإصابات ولا تسبب لهم الحزن أو الاستكانة لأعدائهم، وحثهم تعالى على الاستعانة به وإخلاص التوكل عليه، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، الذي جاهد في الله حق جهاده، وكان القدوة للمؤمنين في كل خير، يرونه في أحوال السرّاء والضرّاء ثابتاً على دين الله، مقدماً رضا الله على اتباع أهواء الناس، معلماً للناس مبشراً للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد
فهذه بعض دروس غزوة أحد وتبيين لطريقة القرآن في تأديب المؤمنين دون كسر قلوبهم ولا تحطيم معنوياتهم

نقف عدة وقفات مع دروس سورة آل عمران لنتبين كيف خاطب الله عز وجل عباده المؤمنين الذين ابتلاهم وعلم أن بعضهم قال {أنى هذا}:


وعد الله بالنصر:

• أخبرهم الله تعالى ابتداءً أنه صدقهم وعده فنصرهم أول المعركة، ثم تغيرت النتيجة لما حصل من بعض الصحابة معصية دفعهم إليها حب الدنيا، إلا أن الله تعالى ختم الآية بالعفو عنهم لأنه ولي المؤمنين يتفضل عليهم بتصحيح مسارهم وغفران ذنوبهم قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران152] عفا الله عنهم وسامحهم ووصفهم بالإيمان، وأخبرهم بأنه لا يقطع عن المؤمنين فضله.


تسلط الشيطان على متولي الزحف:

• بين الله تعالى للفارين من الزحف أن الشيطان تسلط عليهم بسبب ذنوب سابقة لهم، ثم بشرهم بأنه عفا عنهم لأنه غفور حليم قال تعالى: {ِإنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران155



ولا تهنوا ولا تحزنوا:

• في ثنايا الكلام عن العبر مما حصل في غزوة أحد أمر تعالى عباده بألا يهنوا -وهو ضعف القلوب- أو يحزنوا إذا أصابتهم مصيبة قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، فالذنب قد غفره الله، ومن أصيب من المؤمنين في المعركة أو قتل فأجره ثابت عند الله، والوهن والحزن لا ينبغيان لمجاهد لأنهما يضعفانه ويحطمان معنوياته، فأنى للواهن والحزين أن يغالب عدوه؟ والله تعالى أمرنا بتحريض المؤمنين على القتال، والتحريض يتطلب شحذ هممهم وتقوية عزائمهم وتعزيز التفاؤل عندهم، وكل ذلك لا يجتمع مع الوهن والحزن أبداً.

الابتلاءات من سنن الله:

• ولما أجاب الله تعالى عن تساؤل المؤمنين {أنى هذا} قال لهم: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا..} فليهنؤوا بالاً ولينعموا عيناً لأنهم عند الله مؤمنون، حتى من وقع في المعصية فهو من المؤمنين الذين عمهم الله بعفوه..

• وقد سلّاهم الله وخفف عنهم ما أصابهم بأن أخبرهم أن هذه الابتلاءات هي من سنن الله عز وجل التي جرت على أحب الناس إليه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين ربوهم على العلم والإيمان، قال تعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] وفيها أحسن تحريض على الجهاد والصبر على مشاقه وما يحدث فيه من ابتلاءات، وأن هذه الابتلاءات في طريق التوحيد والدعوة والجهاد ومقارعة أعداء الله هي سنة الله الماضية على خير خلق الله وهم الأنبياء وأتباعهم الذين صحبوهم وتربوا على أيديهم، بل وأن هذه الابتلاءات ليست دليلاً على سخط الله على المؤمنين أو تخليه عنهم، وبعد الشدائد يتحقق موعود الله للمجاهدين في سبيله بالظفر والغنيمة ثم الفوز بأحسن الثواب في الآخرة الذي أعده الله للمحسنين من عباده.


توكلوا على الله لجلب النصر:

• وقال تعالى حاثاً عباده المؤمنين على التوكل عليه وتعليق القلوب به: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] وهذا الحث لهم على التوكل على الله وحده، يفهم منه أن الله تعالى يعدهم بالنصر إذا توكلوا عليه..

• وأخبر الله عباده المجاهدين بحكم جليلة حصلت في تلك الغزوة، ومنها: اتخاذ الله شهداء يكرمهم بجواره ويرزقهم أحسن الرزق ويحيون عنده حياة أخرى ليس فيها إلا الفرح والسرور والأمن من عذاب الله.. ومنها: أن المؤمنين يحتاجون من حين إلى آخر إلى تمحيص وتطهير لقلوبهم وأعمالهم.. ولم تكن هذه الفوائد لتحصل دون ذلك الابتلاء..


فانقلبوا بنعمة من الله:

• وفي الغد من غزوة أحد استنفر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم ليخرجوا لملاقاة جيش الكفر الذي طمع في استئصال المسلمين، ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج غير من شهد أحداً، فخرجوا وبهم الجراح، فخافهم جيش قريش وانهزموا وانقلب المؤمنون فرحين بنصر الله آمنين على المدينة وأهلها أن يدهمها الكفار قال تعالى:{ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174].

فلا تخافوهم ولا تخشونهم:

• وفي الآيات التي تتحدث عن الحكم والعبر من تلك الغزوة يأمر الله تعالى عباده بألا يخافوا أعداءه، وأن التخويف من الكفار هو من عمل الشيطان، فليُحوّل المؤمنون خوفهم وخشيتهم إلى رب العالمين قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].

• ومن فوائد الآيات الكريمة أن نصر الله لم يتخلف بسبب وجود منافقين في المدينة ولا بسبب من خذَّلهم المنافقون فرجعوا في أول الغزوة ولم يشاركوا، وإنما حصلت الهزيمة وما تبعها من ابتلاءات بسبب عصيان قلة من المجاهدين لأمر أميرهم قائد الرماة وأمر قائد المعركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.


يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم:

• ومن الفوائد فضح الله عز وجل للمنافقين بذكر أحوالهم وأقوالهم وكيدهم لدين الله وتهربهم من نصرته بأنواع الحجج، كما قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] ، وهذا الفضح للمنافقين يجعل المؤمنين يهجرونهم وينأون عنهم وعن التشبه بهم، ويجعل المنافقين يمشون خافضي الرؤوس خاسئين ذليلين.

• وبعد إخبار الله تعالى بفضله على المؤمنين ومغفرته لذنوبهم لم يبق مجال لأن يتلاوم الناس أو يوبخوا من تسبب في الخسارة أو فر من المعركة، فقد عفا الله عنهم، ووصفهم بالإيمان، والله ولي المؤمنين.

والحمد لله رب العالمين


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 149
الخميس 17 محرم 1440 ه‍ـ
...المزيد

متى نصر الله منذ فجر الإسلام وبزوغ شمسه، بشر ربنا العليم الخبير عباده بالنصر والتأييد والفوز ...

متى نصر الله

منذ فجر الإسلام وبزوغ شمسه، بشر ربنا العليم الخبير عباده بالنصر والتأييد والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وقد تحقق نصر الله لعباده المتقين في مواطن لا تحصى، وبأوقات مختلفة وصفات متغيرة فلم يكن نصر الله دوما بذات الهيئة أو نفس الطريقة.

وقد فهم ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان ويقين، وعلموا أن النصر من عند الله مُؤكد مُتيقن ولكنه بالوقت والصفة التي يختارها الله سبحانه بعد تحقيق وعده الآخر سبحانه {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، فكان وعد الله الذي علموه من تحقق البلاء قبل الظفر {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

فقرب النصر قد يكون أياما أو شهورا أو سنينا فالأمر مقرون بتحقق أسبابه من ابتلاء وتمحيص وإعداد وغير ذلك مما يقدره الحكيم الخبير جل وعلا، وهو أعلم بالخير لعباده {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216]

وفي خضم الصراع الدائم بين الحق والباطل يزداد البلاء فيتساقط الخبث ويظهر المنافقين ممن يسيؤون الظن بالله أو السماعون لهم ممن أصاب قلوبهم المرض فاستعجلوا النصر وبدأ الشك والريب يتسلل لقلوبهم ملبين تلبيسات إبليس، ففي غزوة الأحزاب وفي ذروة الضيق والشدة والبلاء من حصار وجوع وبردٍ وخوف، يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بكنوز فارس والروم فكان موقف أهل الإيمان مصدقاً وموقنا بموعود الله (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) وعكس ذلك موقف أهل النفاق عياذاً بالله (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).

فأجزل الله للمؤمنين الثواب فكان جزائهم (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)، فلم تمض عدة سنين حتى تحقق موعود الله وبشارة رسوله عليه الصلاة والسلام فجلبت كنوز فارس والروم إلى المدينة وفرسان ذلك الفتح هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ثبت وصبر وجاهد حتى رأى موعود الله.

وهذه سنة الله في نصر عباده فقد وعد الله رسوله بالفتح، ولكن ذلك لم يكن في يوم وليلة بل مر منذ بعثته حتى فتح مكة ما يقارب العشرين سنة، ذاق فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صنوف الابتلاء وكانت الأيام فيها دول بينهم وبين عدوهم حتى كانت لهم العاقبة بعد صبر طويل.

وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تم صلح الحديبية ومنعوا من العمرة عن الرؤيا التي رآها الرسول بأن يدخلوا مكة ملبين فقال صلى الله عليه وسلم: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟) قال: لا قال: (فإنك آتيه ومطوف به)، فآتاهم الوعد الرباني (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحقِّ لَتَدخُلنَّ الْمَسجِدَ الْحرَامَ إِن شاء اللَّهُ آمنينَ مُحلّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ لَا تخافُون فَعَلمَ مَا لمْ تَعْلمُوا فَجعلَ مِن دُونِ ذَٰلكَ فَتحًا قَرِيبًا)، ففتح الله لهم مكة ليدخلوها آمنين مطمئنين بعدما طهرت من المشركين ودنسهم فكانت عمرة وفتحا جمع فيها الخير لهم.

وكذا كان حال إخواننا في الماضي القريب أقاموا نواة دولة الإسلام واثقين بنصر الله ووعده ولم يلتفتوا لتخذيل المخذلين وإرجاف المرجفين، فسخِر منهم المنافقون ووُصِف ثقتهم بنصر الله بـ(الأحلام) فكان موعود الله أصدق وأوثق فمكنهم الله ثم ابتلاهم عدة سنين، وجزاهم بعدها بنصر وفتح عظيم لم يخطر على بال كثير منهم، وقد صدقوا كما نحسبهم فصدقهم الله.

وإن ما تمر به الدولة في هذه الأيام هو حلقة سلسلة أقدار الله لعباده وإن نصر الله متحقق بإذن الله شاء أهل الكفر والنفاق والإرجاف أم أبوا، قال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي تقبله الله "سيقول لكم المنافقون وقطاع الطريق إلى الله: أتظنون أن شيئاً مما تريدون سيتحقق، وهل تظنون أن الخلافة الإسلامية أو حتى الدولة الإسلامية ستقوم... قولوا لهم إننا نأمل من نصر الله بما هو أبعد من ذلك.. إننا نرجو من الله أن يفتح البيت الأبيض والكرملين ولندن.. ومعنا وعد الله) فقد تحقق ما سخروا منه، وسيتحقق موعود الله بإذنه تعالى حقاً وصدقا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 146
الخميس 26 ذو الحجة 1439 ه‍ـ
...المزيد

إِحيَاءُ السُّنَنِ (3) • قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله ...

إِحيَاءُ السُّنَنِ (3)


• قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء). [مسلم].


▪ الحرص على قضاء السنن الرواتب

عن أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين بعد العصر فسألته عنهما فقال: (إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان). [متفق عليه].


▪ جلوس المرء في مصلاه حتى تطلع الشمس

عن جابر قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا". [مسلم].


▪ غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم

قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده). [مسلم].


▪ تعريض شيء من الجسد للمطر

عن أنس قال: "أصابنا مطر.. فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فحسر ثوبه حتى أصابه المطر، فقيل له: لم صنعت هذا يا رسول الله، فقال: (إنه حديث عهد بربه)". [مسلم].


▪ أداء الصلوات النوافل في البيت

قال -صلى الله عليه وسلم-: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة). [متفق عليه].


▪ الصلاة بالنعال الطاهرة في غير المسجد

عن أبي سلمة قال: سألت أنسا: "أكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في نعليه؟ قال: نعم". [متفق عليه].


▪ الاضطجاع بعد ركعتي سُنة الفجر

عن عائشة قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن". [البخاري].


▪ كتابة الوصية قبل مباغتة الأجل

قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). [متفق عليه].




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ قلوب بني آدم كلّها ...

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرّفه حيث شاء، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك). [رواه مسلم]


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514 الافتتاحية: • متغيّرات وثابت وحيد يزدحم المشهد ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514
الافتتاحية:

• متغيّرات وثابت وحيد

يزدحم المشهد العالمي بالتطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة في التحالفات والصراعات، الأمر الذي أصاب الكثيرين بالتيه والحيرة جراء التسارع الرهيب في الأحداث، وما ذلك إلا لغفلتهم عن الاستمساك بالعروة الوثقى؛ الثابت الوحيد وسط كل هذه المتغيّرات، وحبل الله العاصم من كل هذه القواصم.

ولعل أبرز ما يطفو على السطح هذه الأيام القمم والمؤتمرات بل المؤامرات المنصبة على جهود وضع خاتمة للمشهد الفلسطيني الدامي، وجهود سوق طواغيت العرب إلى جحر "التطبيع" مع اليهود موالاة وتوليا، علما أن جميع الأطراف الطاغوتية متورطة في نسج خيوط هذه المؤامرة اليهودية الصليبية على أمة الإسلام، ولا وجود للأبرياء أو المحايدين في هذا الملف.

وبينما تغرق الساحة الدولية بهذه الصراعات والمتغيرات، يقف البعض حائرا تائها لا يدري ماذا يفعل، وما الموقف الذي يتخذه حيال هذا الواقع المضطرب الذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، ولا شك أن هذا الشعور يختلج صدور كثير من عامة المسلمين، إذا ما أردنا أن نفرّق بين العامة والخاصة في زمن الإسفاف.

والحقيقة أن هذا "التيه" لا يليق بالمسلم وبين يديه كتاب ربه سبحانه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي ما ترك خيرا إلا دلّنا عليه ولا شرا إلا حذّرنا منه، حتى أكمل الله به الدين وأتمّ به النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال.

والسبب الرئيس لكل هذا التيه والعمه، هو تعطيل الكتاب والسنة في حياة الناس، والمرء قد يتلو الآيات ليل نهار، لكنها مع ذلك معطلة في حياته؛ ليست سوى تراتيل تُتلى ثم تُطوى ولا يبقى منها أثر في واقعه العملي، وبذلك يفقد المرء بصيرته، فأنى يبصر النور وسط هذا النفق المظلم؟!

ولقد دلّنا الوحيُ على الموقف غير المحايد الذي ينبغي للمسلم اتخاذه تجاه المتغيرات من حوله، وأكدت نصوص الشريعة أن التوحيد هو الثابت الوحيد والركن الشديد الذي يأوي إليه المسلم في جميع أحواله، ويبقى بالنسبة إليه المعيار والميزان الذي يزن الأمور به ويقيس المواقف وفقا له، ولا يخرج عنه قيد أنملة، لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وحديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-). [الحاكم والبيهقي].

فعبر منظار التوحيد وبوصلته، يرى المسلم جميع هذه المؤتمرات مؤامرات صرفة يحيكها دهاقنة الشر من الغزاة اليهود والصليبيين لأمة الإسلام، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو سوريا الأسيرتين، أو فيما يتعلق بملف موالاة اليهود تحت مسمى "تطبيع العلاقات" أو غيرها من الملفات التي تتصدر المشهد.

وها هنا لفتة منهجية مهمة لمن يعادي "التطبيع" وطنيةً لا ديانةً؛ إن الحل الأوحد الذي يصمد أمام "مؤامرة التطبيع" هو التوحيد بولائه وبرائه، وليست الوطنية ومشتقاتها من "المقاومة" و "الثورة" وغيرها من المفرزات التي أنتجتها المناهج الجاهلية وطغت على المشهد خلال العقود الأخيرة ولم ينج منها إلا من رحم.

وبالتالي، فالمسلم الذي يشتكي "التيه والحيرة" من متغيرات الساحة وتقلباتها، مأمور شرعا بلزوم منهاج نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله الله هاديا وبشيرا بالتوحيد الذي لا تغيّره صروف الدهر مهما بلغت، كما أرسله المولى -تبارك وتعالى- بشريعة الجهاد الذي هو سلاح المسلم في التصدي لجيوش الأحزاب والمنافقين الذين يجتمعون اليوم في "الأمم المتحدة" وغيرها من المحافل الجاهلية، للنيل من الإسلام.

ولا يتوقع المسلم أو يظن لوهلة أن كل هذه المؤتمرات والجهود الدولية الماراثونية ستتمخض عن خير للمسلمين، بل كل الشر أن يظن المرء ذلك! وكل الخير أن يقطع المرء أمله في كل هؤلاء، بل الخير المحض والواجب عليه والفرض أن يكفر بهم ويعاديهم وينظر إليهم بنفس العين التي ينظر بها إلى اليهود والنصارى، فإنْ فَعَل ذلك واستوت عنده كل الأطراف الجاهلية الناطقة بالعربية أو الأعجمية؛ زال "تيهه" وانجلت "حيرته" وأبصر الحق حقا والباطل باطلا.

إن المسلم الذي يشتكي "الحيرة" في زمن المتغيرات المتلاحقة، عليه أن ينهل من معين النبوة، وأن يرد مواردها العذبة فهي البوصلة التي لا تخيب، وهي النور الذي لا يخبو إلى قيام الساعة.

وقد أخبر تعالى في كتابه أنه يهدي أولياءه إلى نور الهداية ويخرجهم من ظلمات التيه فقال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك". انتهى كلامه.

وحاصل الكلام أيها المسلم، أن سبيل نجاتك وهدايتك وسط هذه الظلمة هو كفرك بالطاغوت لقوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا}، والعروة الوثقى هي عين ما تبحث عنه وتطلبه أيها الهائم، وهي "الطريقة المثلى والصراط المستقيم".

ومِن أظهر صور الطاغوت في عصرنا: الحكام المرتدون الذين يحكمون بلاد المسلمين بالقوانين الجاهلية، ويوالون اليهود والنصارى وينفذون مؤامراتهم، فالمسلم مطالب بالكفر بهؤلاء كافة، وتكفيرهم واتخاذهم أعداء كما يتخذ اليهود والنصارى أعداء.

واعلم -أيها المسلم- بأن الطاغوت منظومة جاهلية كاملة لا تقتصر على شخص الحاكم، بل تشمل كل سدنته وأعوانه وأركان حكمه؛ من الجنود والدعاة والإعلاميين والمفكرين والمؤثّرين، وكل السائرين في فلك الطاغوت الموطدين لحكمه، المنافحين عنه، الموالين له، فكل هؤلاء لبنات في منظومة الطاغوت، أمرنا اللهُ بالكفر بها، وأخبرنا تعالى أن بذلك تكون العصمة من الضلال، وأنه العروة الوثقى التي لا تنقطع.

فهذا هو سبيل الهداية والنجاة، والعصمة من الزيغ والانحراف في هذه الحياة، فالمتغيرات كثيرة إلا التوحيد، وكل العرى مقطوعة إلا العروة الوثقى فاستمسك بها أيها المسلم بكلتا يديك، وإلا تناوشتك الرماح وتقاذفتك الرياح، ولات حين مندم.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى- من فرسان ...

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله-



أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى-
من فرسان الخلافة بوسط سيناء

يواصل جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية جهادهم رغم كل الأخطار والصعاب والمكائد التي تحيط بهم من كل جانب، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان بالله تعالى ولذة البذل في سبيله سبحانه، وهل هناك أغلى مِن الروح يبذلها المرء قربانًا لله تعالى حتى يُعبد وحده ويُكفر بما سواه... قصتنا اليوم عن أحد فرسان الخلافة من وسط سيناء والذين هداهم الله تعالى إلى سبيل الرشاد فلزموه حتى فارقوا الدنيا عليه، نحسبهم والله حسيبهم.


• هدايته متأثرا بدعوة المجاهدين

إنه الأخ أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- من قبيلة العزازمة بمنطقة (وادي لصان) وسط سيناء والواقعة تحديدا جنوبي (القصيمة) قرب الحدود الوهمية مع فلسطين.

ولد عام 1413 هـ ونشأ بدايةً كبقية أبناء منطقته مُقبلا على الدنيا وملذاتها، منشغلا بجمع أموالها ومتاعها، حيث تنتشر في تلك المنطقة الحدودية عمليات التهريب عبر الحدود والتي كانت تدرّ أموالا كثيرة على أصحابها وكان يعمل بها أكثر أقرانه.

في حين كان المجاهدون في تلك المنطقة يجتهدون في نشر دعوة التوحيد بين الناس في ظل بيئة ينتشر فيها التصوف والجهل بشكل كبير.

ولقد أثمرت دعوة المجاهدين بفضل الله، حيث هدى الله تعالى أبا رواحة إلى سبيل الرشاد بداية عام 1431 هـ، بعد أن تأثر بنشاط الدعوة والتحريض الذي كان المجاهدون يواظبون عليه في تلك المنطقة والتي كان اليهود يحرصون على بقائها غارقة في وحل الشهوات والفساد.


• مفارقته للمرتدين والمشركين

عرف أبو رواحة -تقبله الله- عقيدة التوحيد فلزمها، وكان خير من استجاب لداعي الإيمان، فترك الدنيا وحطامها وتمسّك بالعروة الوثقى، وامتثل أوامر الكتاب والسنة قولا وعملا، فكان مِن أشد ما يميزه وضوح عقيدة الولاء والبراء لديه، فجهر بالبراءة من المشركين والمرتدين مِن أبناء قبيلته، بل حتى مِن أقرب أصدقائه الذين رافقوه طويلا في دنياه لكنه فارقهم واعتزلهم لما فارقوا دينهم، وأبدى لهم العداوة و البغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، فلم يجامل في ذلك ولم يخطب ودّ أحد بسخط الله تعالى، امتثالا لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة: 22]، قال ابن كثير رحمه الله: "لا يوادون المحادّين ولو كانوا مِن الأقربين".


• التحاقه بصفوف المجاهدين

ومع بدايات ظهور النشاط العسكري والميداني للمجاهدين في سيناء خصوصا بعد غزوة (أم الرشراش) الشهيرة ضد اليهود الكافرين وغيرها من الهجمات المباركة، قرر أبو رواحة الالتحاق بصفوف المجاهدين بعد أن أدرك الفرض العيني المتحتم عليه ممثلا بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا سبيل لنصرة الإيمان والتوحيد بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكل مَن قاتل بغير عقيدة التوحيد، أو زعم التوحيد بغير عقيدة الجهاد، ضلّ وأضلَّ وحاد عن جادة النجاة والشواهد كثيرة.

وبقي أبو رواحة جنديا في صفوف المجاهدين يرابط على ثغور المسلمين ويعد العدة مع بقية إخوانه على قلة أعدادهم وعددهم وتكالب اليهود والمرتدين عليهم.


• من السابقين إلى بيعة الخلافة

وبعد أن منّ الله تعالى على المسلمين بإعلان الخلافة الإسلامية ودعوتها للمجاهدين في كل مكان للمسارعة للبيعة والاعتصام بالجماعة؛ كان أبو رواحة وإخوانه من السابقين الساعين إلى بيعة الدولة الإسلامية فحسموا مواقفهم مبكّرا وأعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة ليتم الإعلان بعدها عن بيعة ولاية سيناء والتحاقها بجماعة المسلمين، فيدخل أبو رواحة مع إخوانه المجاهدين مرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة.


• تدرجه في العمل الجهادي

أما عن مهامه في صفوف المجاهدين، فقد عمل بداية جنديا مقاتلا في جنود الخلافة بولاية سيناء، وبعد أن برز بين إخوانه بنشاطه وهمته أُختير ليكون أميرا لإحدى المجموعات العسكرية بمنطقة جبل (الخرم) بوسط سيناء.

ونظرا لخبرته في دروب المنطقة وواقعها، وقع الاختيار عليه ليكون مسؤولا للمفارز الأمنية التي تنشط في مناطق وسط سيناء ضد الصحوات والجواسيس.

وفي منتصف عام 1439 هـ عندما أعلن الجيش المصري المرتد انطلاق حملته "المجابهة الفاشلة" عاد أبو رواحة للعمل في صفوف المجموعات العسكرية حيث عمل أميرا لإحدى هذه المجموعات في (جبل الحلال)، ولاحقا جرى نقله للعمل مسؤولا عسكريا للمجاهدين في إحدى مناطق (المغارة) وسط سيناء.

وخلال سنوات جهاده أتقن أبو رواحة كثيرا من المهارات العسكرية فلقد أجاد في نصب العبوات والشراك المفخخة لدوريات المرتدين، كما أتقن نصب الكمائن المحكمة للميليشيات المرتدة التي تقاتل اليوم في سبيل الطاغوت نيابة عن الجيش المصري المرتد، ومِن خلفه اليهود الكافرون الذين يُديرون الحرب ضد المجاهدين في سيناء.


• في هجومي (الركيب) و(المنجم)

وقد شارك أبو رواحة تقبله الله تعالى في العديد من الهجمات والغزوات ضد الجيش المصري المرتد وميليشياته، ومنها الهجوم على موقع (الركيب) بمنطقة (المغارة) وسط سيناء في أواخر العام 1441هـ، حيث كان -تقبله الله- أميرا لإحدى المجموعات المشاركة في الهجوم والذي أسفر يومها عن مقتل وإصابة عشرة عناصر من الجيش، وأصيب خلاله أبو رواحة إصابة طفيفة في يده إثر قصف جوي.

كما شارك أبو رواحة تقبله الله في الهجوم على تجمع للميليشيات المرتدة بمنطقة (المنجم) منتصف العام الماضي 1442 هـ والذي خلف سبعة قتلى في صفوفهم.

وكما كان أبو رواحة أسدا مقداما في المعارك ضد المرتدين؛ كان رحيما عطوفا بإخوانه المجاهدين، ليّن العشرة قريبا محبوبا منهم يلقاهم دوما بوجهه البشوش المبتسم، وقد كان مواظبا على قيام الليل يقضي ليله قائما مرتّلا للقرآن الكريم في أرض المناجاة، محافظا على صيام الاثنين والخميس برغم قسوة البيئة الصحراوية الجبلية بوسط سيناء، لكنه زاد المجاهد الذي لا غنى عنه فالصيام والقيام هو دأب المجاهدين وزادهم وحاديهم في الطريق.


• مقتله تقبله الله في الشهداء

وبعد 13 عاما قضاها أبو رواحة على ثغور المسلمين في الرباط والقتال والتعرض لمظان الموت في سبيل الله تعالى لم يستطع خلالها اليهود والمرتدون النيل منه؛ قدّر الله تعالى أن يُقتل في شهر الله (المحرم) لعام 1443 هـ، إثر انفجار وقع أثناء قيامه بتفخيخ أحد الممرات وسط سيناء بغية استهداف دورية للمرتدين، ليقتل تقبله الله ويسيل دمه الزكي في معارك المفاصلة والمجانبة للطواغيت وأوليائهم المرتدين، فنسأله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يعلي مقامه في عليين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على ...

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي


الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه فرسان الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

لما كتب الله على المؤمنين القتال، وأمر بالحضّ والتحريض عليه؛ لم يترك سبحانه وتعالى عباده دون توجيه، بل دلّهم على أقوى طرق الجهاد وأنجع سبل الحرب؛ لتعظُمَ النكاية في أعدائهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:٦٠]، وبيّن جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن القوة إنما هي الرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على المنبر- يقول: ({وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ}، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [مسلم]

وبالرغم من الأمور الكثيرة التي يحتاج إليها الجهاد ويلزم فيها الإعداد إلا أنه لم يُخصص الرمي إلا لما فيه من عظيم النكاية في العدو، قال الطبري: "قال عبدالرحمن الفزاري: أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصنعة). [الفروسية لابن القيم]

الرمي قوة أيّما قوة، وقد كان في الأنبياء رماة كالنبي إسماعيل عليه السلام، ولقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فعن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رمى عَن قوسه يَوم أحد حَتَّى اندقت سيتها -أي طرفها-. [سيرة ابن إسحاق]

وقد ندب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحثّ عليه في كثير من الأحاديث، منها ما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون -أي: يتسابقون في الرمي- فقال: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول اللّه! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم).

ومن نعم الله علينا في الجهاد، ما جعله الله في الرماية من الأجر العظيم، فثوابها جزيل ومتعدٍ، لا يقتصر على الرامي وحده، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة، صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر، والرامي بِهِ، والممد بِهِ، فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا) [مسند أحمد]

ومما جاء في فضل الرمي أيضا حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، فسمعته يقول: (من رمى بسهم في سبيل اللّه، فله عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومن بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة)، قال: فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً. [النسائي]، فسهم ترميه يكن لك أجر عتق رقبة، ودرجة تعلوها في الجنة، فذاك أجر عظيم بفعل يسير، يجده المجاهد في سبيل الله.

وتعلم الرماية شرف وفضيلة، وتركها ونسيانها ذنب وإثم، فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى). [مسلم]

ولقد كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهم في الإسلام، فحاز على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له فقال: (اللهم سدد رميته وأجب دعوته). [الحاكم]

وفي يوم أحد قام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه مقاما عاليا، ورمى رميا شديدا على أعداء الله، قال أنس رضي الله عنه: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي مجوب عليه بحجفة له -أي متترس بالترس-، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة). [متفق عليه]، وفي هذا الحديث دعم للحذاق والبارعين في الرماية وتشجيعهم؛ لأهمية موقفهم في المعركة.

وكان من أشهر الرماة يوم أحد أيضا الصحابي سهل بن حنيف العوفي فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت، وجعل ينضح يومئذ بالنبل عن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نبلوا سهلا فإنه سهل). [الحاكم]

وفي هذه الغزوة تبيّنت أهمية ثغر الرُّماة، حيث أنه كان في الجبل خمسون راميا، وكانوا يحمون ظهر الجيش كله وهم قرابة 650 رجلا، فلما نزل الرماة من موقعهم الذي اختاره لهم النبي صلى الله عليه وسلم استطاع المشركون الالتفاف عليهم وتغيير ميزان المعركة.

وقد يبلغ بالرامي الماهر أن يرد كتيبة بأكملها ويوقف جيشا عن التقدم، حيث أنه يكون في مأمنٍ منهم وهم تحت رميه، ويستطيع أن يسقط بكل سهم يطلقه رجلا منهم بإذن الله، ويشهد لهذا قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، فعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته، ونثل كنانته، وقال لقد علمتم أني من أرماكم، واْيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم سبيلي؟ قالوا: نفعل فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع أبا يحيى)، ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:٢٠٧]. [حلية الأولياء]

وربما كان الرامي كتيبة بنفسه، يُنهِك العدو ويُنكِي به لوحده، كما فعله الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي يُعد من أمهر الصحابة في الرماية، ومن أعجب مواقفه حين لحق بالمشركين من غطفان في غزوة ذي قرد وكان يرميهم بسهامه ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع.. واليوم يوم الرضع حتى أسقطوا كثيرا من متاعهم ليتمكنوا من الهروب منه. [متفق عليه]

وتشتد الحاجة للرماة حين يحمى الوطيس وتقِل الحيل، فتبرز بطولاتهم ودقة إصاباتهم، ففي القادسية عندما جاء الفرس بالفيلة التي لم يعتد المسلمون على قتالها، فأرسل سعد بن أبي وقاص إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، حتى قتلوا من كان على متنها واستطاعوا تحييدها. [تاريخ الطبري]

ويعظُم أثر الرماية لرؤوس الكفر وأئمتهم، ففي حروب الردةّ يوم اليمامة لما قام محكم اليمامة المرتد -وهو أحد جناحي مسيلمة الكذاب-، يخطب في قومه ويحثهم على قتال المؤمنين؛ حمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قوسه فرماه بسهم فوقع في نحره فقتله، وكفى الله المؤمنين شره. [تاريخ خليفة خياط]

فهذا نزرٌ من أثر الرماة في المعارك في ماضي تاريخنا المجيد، وفي هذا الزمان قد تطورت آلة الحرب، وأصبحت تعتمد بشكل كبير اليوم على الرماية التي تنوعت أساليبها وتغيرت أدواتها بين البنادق والقناصات والرشاشات والمدافع والصواريخ، وعلى المجاهدين إتقان هذه الفنون وبذل قصارى الجهد في تعلّم جديدها واستخدام حديدها، فبها تفلق الهام وتُهشّم العظام؛ وهي من القوة التي أمر الله بالإعداد بها، قال ابن تيمية رحمه الله في قتال الترك: "فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية... لم تغن شيئاً". [الفتاوى]

فثابروا أيها المجاهدون، واضربوا حيث تكثر المواجع، وإن للقناصات الدور الأكبر في مجال الرماية، فحسن التموضع واختيار المكان المناسب إذا اجتمع مع حذاقة في الرماية فإنه أعظم في النكاية، وأخلع لقلوب الأعداء، وهو أقرب لمفهوم الرماية بالنبل ومشابه لدوره في المعركة، فسددوا في الرؤوس والقلوب وأماكن العطب، فإن لم يكن قتلا حصلت إصابة تحيّد أحد جنود الطاغوت عن المعركة، فانثروا الرصاص وانتقوا السهام الحارقة، وارموا متوكلين على الله، فالله هو الرامي وهو المسدد سبحانه، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:١٧]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الآل والأصحاب، والحمد لله رب العالمين



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه ...

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه بالله تعالى ويقينه بموعوده، فإن غلَب الإيمان في قلب المؤمن دفعه إلى فعل أمور لا تقيسها مقاييس البشر، ومِن أعظم هذه الدوافع تبشير المؤمنين، فهو عبادة عظيمة، حثّ الله عليها أنبياءه وأولياءه المؤمنين، وهي تقوم على دعائم مِن أهمها أمران: أما الأول فهو تبشير المؤمنين باستعلائهم بالله تعالى، فقد أكّده الله للمؤمنين كيفما كان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

ومن معاني الاستعلاء؛ الشعور بالرفعة والعزة التي ضمِنها الله لمن آمن به وجاهد في سبيله لإعلاء كلمته، فالمؤمن في رفعة دائما؛ لأن رفعته وعزته بعزة الله تعالى والله هو العليّ العزيز، قال الله تعالى في نصره للنبي صلى الله عليه وسلم على قريش حينما كانت تطلبه وهو في الغار: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40]، فذكر سبحانه أنه سيجعل كلمة الذين كفروا السفلى وذلك لأنهم مهما بغوا وعلوا فسيخفضهم الله بحوله وقوته، فقال: {كَلِمَةَ} وهي منصوبة إعرابا بفعل {جَعَلَ}، أما {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} فهي مرفوعة إعرابا وأبديّة، فلم يجعلها عالية في ذلك الموطن بل هي كانت قبله وما زالت، وبهذا فليبشر المؤمنون أنّ رايتهم عالية دائما وأبدا ولن تُنكّس.

وقال سبحانه في أمر العزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، وما أذل اللهُ قوما اعتصموا به وعادوا وفاصلوا جميع المشركين لأجله سبحانه.

أما الأمر الثاني: فهو تبشير المؤمنين بمعيّة الله لهم، فذاك دافعهم وحاملهم على الإصرار لتحقيق ما يُرضيه سبحانه وتعالى، وإن حسب الناس أنّ ما يرنوا إليه المؤمنون جنونا وخرقا للعادة.

وبهذا طَمْأن الله المجاهدين في القرآن في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. [التوبة:123]، وقد جمع الله بين بشرى الاستعلاء وبشرى المعيّة في موطن واحد فقال سبحانه: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}. [محمد:35]

والتبشير للمؤمنين في كل حال، في السراء والضراء وقت النصر وغيره وفي بداية الدعوة ووقت ظهورها، أو كثرة الأتباع أو تعدد الأعداء؛ وذلك لتعلوَ همم المؤمنين ويثبتوا وتحترق قلوب الكافرين ويغتاظوا، فقد أمر الله موسى عليه السلام بتبشير المؤمنين أيامَ طغيان فرعون، فقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. [يونس:87]

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبشّر المؤمنين يوم الأحزاب بفتح العراق والشام واليمن وهو يحفر الخندق ويضرب على حجر استعصى عليهم ويقول: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)، تبشير وتكبير في أحلك الظروف، وأعجب من هذا قوله صلى الله عليه وسلم بيقين بلغ المنتهى لمّا قيل له إنّ بني قريظة نقضت العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين).

وإن قلب المؤمن ليتسع للأقدار الكونية من ابتلاء أو استضعاف أو غيره مع الأوامر الشرعية بلزوم أمر الله والصبر عليه وتبشير المؤمنين، أما المنافق فلا يسع قلبه ذلك، لذلك كان المنافقون يوم الخندق يقولون بقلوب فاسدةٍ وألسنة نتنةٍ مِلؤها الإرجاف والتخذيل وسوء ظن بالله: "يعِدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يأمن على خلائه"

والتبشير مُكمِّل للتحريض، فكلاهما أمران ربانيان يؤثّران في الجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمنِينَ}ِ، وقال: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}.

وحيثما أمر الله بالجهاد بشّر عباده المؤمنين، إما بالولاية لهم، وإما بالنصرة، وإما بالجنة؛ ليكون لهم الدافع الأول لتقوية قلوبهم وزيادة عزمهم وتجديد هممهم، كقوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39-40].

وقد بشر الله هذه الأمة بالنصر والغلبة والظهور والسناء، فقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقال جل وعلا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]، وقال أيضا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]

وأعظم البشرى هي البشرى بالنجاة من النار ودخول الجنة وحصول رضوان الله على عبده، فقال الله لمن شرى نفسه وباعها لله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ... وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111-112]، وقال عز وجل: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. [النساء:74]

وقد بشّر الله بها مَن جانَبَ الطاغوت وحاربه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17]، قال الطبري رحمه الله: "لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة".

وتبشير المؤمنين بما وعد الله هو تبشير بحقائق كائنة ولابد، وليس ما يبشر به المجاهدون من قبيل الغرور كما يدّعيه المنافقون القائلون: {غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ}. [الأنفال:49]

وما تباشيرهم شعارات جوفاء ولا وعودهم عبثية هوجاء، بل إن وعود المجاهدين صادقة، وتهديداتهم إن شاء الله نافذة، وقد أدركها العدو قبل الصديق؛ لأنها نابعة من يقينهم بالله تعالى ووعده الحق.

وإننا نبشر المسلمين بفتح ودكّ جميع حصون الطواغيت وفتح جزيرة العرب وفلسطين والقسطنطينية من جديد وروما إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فتأهّبوا يا عباد الله للقادمات، وتزوّدوا لصادق الموعودات، فذاك وعد الله والله لا يخلف الميعاد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

تقرير: (معركة سجن غويران) تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK مصادر خاصة تكشف ...

تقرير: (معركة سجن غويران)


تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK
مصادر خاصة تكشف لـ(النبأ) تفاصيل جديدة عن
(معركة سجن غويران) ونتائجها


• النبأ: ولاية الشام – البركة

مرة أخرى فاجأت الدولة الإسلامية الجميع وضربت في عمق ديار العدو بل في أكثر مناطقه تحصينا في مدينة (البركة) بعملية هدم أسوار جديدة استهدفت أكبر السجون التي يديرها الـPKK المرتدون وتخضع لرقابة مباشرة من القوات الأمريكية.

هجوم معقد زمانا ومكانا وتخطيطا، دفع العدو وإعلامه إلى نسج روايات وحكايات وصلت إلى حد تشبيه ما جرى بأفلام "هوليود" الخيالية! في محاولة لتفسير ما عجزت عقولهم عن استيعابه بينما ساد العالم موجة هذيان كبيرة وهو يرى صنائع أحفاد عمير والبراء وخالد وأبي دجانة، يكسرون القيود ويُسقطون السجن المحصّن ويقتلون مديره ويأسرون حراسه، ثم يخوضون على مدار سبعة أيام أو يزيد حربا ضروسا حصدت أرواح العشرات من المرتدين ودمرت عددا كبيرا من آلياتهم، واستنفر فيها التحالف الصليبي قواته برا وجوا تزامنا مع استنفار المرتدين لجميع قواتهم ليس في منطقة الهجوم فحسب، بل في سائر مناطق سيطرتهم بشرق الفرات.

في هذا التقرير تكشف مصادر أمنية لـ(النبأ) تفاصيل جديدة وحصرية عن المعركة ونتائجها وجانبا من بطولات فرسانها ضمن المسموح بنشره فقط، وما خفي أعظم.


• بداية الهجوم بشاحنتين مفخختين

- خاص

وفي التفاصيل، قال مصدر أمني لـ(النبأ) إن الهجوم بدأ مساء الخميس (١٧/جمادى الآخرة) بانطلاق اثنين من فرسان الشهادة هما (أبو عبد الرحمن المهاجر) و(أبو الفاروق المهاجر) تقبلهما الله، نحو بوابة السجن وأسواره حيث قاما بتفجير شاحنتين مفخختين، أسفرتا عن دمار كبير في المكان ومقتل وإصابة العديد من عناصر الميليشيا، ليفتحا الطريق بذلك أمام مجموعة الانغماسيين التي كُلفت بمهام الاقتحام والمشاغلة.


• ١٢ انغماسيا فقط وليسوا مئات

وكشف المصدر لـ(النبأ) أن عدد الانغماسيين الذين قادوا الهجوم وباشروه بأنفسهم كان ١٢ مجاهدا فقط، توزعوا على أربع مجموعات، نافيًا البيانات والتصريحات الكاذبة لقادة العدو التي زعمت وصول مئات المجاهدين من مناطق أخرى، حيث هاجم المحور الأول أبراج السجن ومديرية المحروقات القريبة وأحرقوا صهاريج النفط للتعمية على الطائرات الأمريكية، والمحور الثاني هاجم مقرا قريبا للـPKK لإشغاله عن السجن، أما المحوران الثالث والرابع فقد قاما بقطع طريقي الإمداد المتبقيين عن السجن واشتبكا مع دوريات المؤازرة التي حاولت الوصول إلى موقع الهجوم.

وأوضح المصدر أن عملية اقتحام السجن تمت بعد اشتباكات عنيفة على أسوار السجن رافقها تحركات للأسرى من الداخل، تكللت بالسيطرة على مشاجب السلاح وقتل وأسر العديد من حراس وأفراد السجن، حتى تمكن المجاهدون من اقتحام السجن والوصول لإخوانهم الأسارى لتبدأ معركة أخرى داخل السجن وخارجه.


• من كسر القيود إلى حرب الاستنزاف

وحول توسع رقعة الاشتباكات، قال المصدر لـ(النبأ) إنّ الهجوم بداية كان بهدف هدم أسوار السجن وفكاك أسرى المسلمين كواجب شرعي تدين به الدولة الإسلامية ويوصي به قادتها على الدوام، وهو تكرار لعمليات هدم الأسوار التي جرت سابقا في ولايات أخرى كالعراق وخراسان و(كانجباي) بوسط إفريقية.

وأضاف المصدر أنه لم تكن الغاية من الهجوم فتح جبهات قتال ضد الـPKK في المنطقة، ولكن بعد الانهيار السريع لدفاعات المرتدين وسيطرة المجاهدين على مخازن السلاح وحصولهم على أسلحة متنوعة، قرروا توسيع رقعة الاشتباكات لاستنزاف قوات العدو وتحقيق النكاية فيه من جهة، ومن جهة أخرى لتشتيت العدو عن عمليات إخلاء المحرّرين التي حاول الطيران الصليبي جاهدا إفشالها.

وتابع المصدر قائلا، إنه على إثر ذلك توزع المجاهدون على ثلاث جبهات للقتال، الأولى داخل السجن والبنايات المحيطة به، والثانية في حي (غويران)، والجبهة الثالثة في (حي الزهور)، لتندلع المعارك في هذه الجبهات الثلاث على مدار أسبوع بشكل متواصل ليلا ونهارا، وسط مشاركة مباشرة من القوات الأمريكية برا وجوا بعمليات قصف مكثفة تسببت بتدمير أغلب مناطق المواجهات.


• بشرى بتأمين مجموعات من الأسرى المحررين

وبخصوص الأسرى الذين تمكنوا من كسر القيود، قال المصدر إنه بينما كانت الجبهات الثلاث تنكل بقوات المرتدين وتستنزفهم في معارك ضارية، نجحت عدة مجموعات في الخروج من المنطقة بسلام، وجرى نقلهم إلى مناطق آمنة بفضل الله تعالى، وامتنع المصدر عن الإدلاء بمزيد من التفاصيل حول عدد محدد أو أي تفاصيل أخرى تتعلق بذلك مكتفيا بالقول إنه تم تأمين كثير من الأسرى بفضل الله.

وعودة للحديث عن المعارك في الجبهات الثلاثة، أوضح المصدر ذاته أن المجاهدين قاتلوا في تلك الجبهات المشتعلة لسبعة أيام متواصلة حتى نفدت ذخيرتهم واشتد القصف الهمجي عليهم، ومن بينها كانت جبهة السجن وأسواره التي استعصت على الصليبيين والمرتدين طوال أيام المعركة ولم تستطع كل حشودهم أن تتقدم نحو مواقع المجاهدين في السجن برغم القصف العنيف.


• لم يحرروا رهائنهم بالقوة!

وتابع المصدر أنه أمام ذلك الموقف، اضطر المرتدون إلى بدء مفاوضات مع المجاهدين المتحصنين داخل السجن لكنها فشلت بعد تعنتهم، واستمرت الاشتباكات ليجدّد المرتدون طلب التفاوض، وبالفعل بدأت مفاوضات جديدة استمرت يومين استجاب فيها المرتدون لمطالب المجاهدين التي رفض المصدر الإفصاح عنها، والتي بناء عليها أخُليَ سبيل الرهائن الذين أسرهم المجاهدون خلال الهجوم، وقد أُطلقَ سراحهم على دفعات.

ونفى المصدر لـ(النبأ) صحة ما روجت له مواقع وصفحات المرتدين من أنهم تمكنوا من تحرير أسراهم بالقوة، ولو كانوا قادرين على ذلك لفعلوه من اليوم الأول، ولكنهم عجزوا عن ذلك أمام صبر وثبات المجاهدين.

وحول الأسرى الذين أعاد المرتدون أسرهم وعرضهم على شاشات الإعلام، قال المصدر إن هذه المعركة لم يشارك فيها إلا مَن حمل السلاح، بينما يقبع داخل السجن مئات الأسرى من كبار السن وأصحاب الأعذار، وهؤلاء هم مَن يستعرض المرتدون عضلاتهم عليهم، قد أثقلهم المرض وحبسهم العذر، بل هؤلاء هم الذين أقدم المرتدون والصليبيون على قصفهم في داخل السجن ومحيطه وهم عزّل بغير سلاح، نسأل الله أن يتقبل قتلاهم ويشفيَ جرحاهم.


• وفوا ببيعتهم وأبروا وعودهم

وتابع المصدر قائلا، أما المجاهدون الذين حملوا السلاح وتبايعوا على الموت فقد قاتلوا حتى الرمق الأخير داخل السجن وخارجه حتى تعرضوا لعمليات قصف همجي من الطائرات الأمريكية بعد أن فشلوا في القضاء عليهم في المواجهة المباشرة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من استطاع الانحياز، ومنهم من يواصل الاشتباك حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

كما كشف المصدر لـ(النبأ) أن المجاهدين الذين قادوا الهجوم قُتلوا قبل جنودهم -تقبلهم الله تعالى- وقد أوفوا ببيعتهم وأبروا بأيمانهم فسالت دماؤهم ذودا عن إخوانهم، نحسبهم والله حسيبهم.


• خسائر بالجملة في صفوف الـ PKK

وحول حصيلة الخسائر النهائية في صفوف الـ PKK، قال المصدر إن الخسائر النهائية يمكن إحصاؤها فقط عند انتهاء المعركة وتكشّف جميع خيوطها، أما حصيلة الخسائر في صفوف المرتدين حتى الآن فقد بلغت أكثر من 260 قتيلا وجريحا، بينهم عدد من القادة أحدهم "مدير السجن" الذي أجهز المجاهدون عليه بأيديهم، إضافة إلى تدمير 27 مدرعة وآلية منوعة، وقد عرضت وكالة أعماق عدة شرائط مصورة وثقت بداية الهجوم واقتحام السجن وكسر أسواره، كما وثقت سقوط عشرات القتلى في صفوف المرتدين في اليوم الأول.

وقال المصدر إن حصيلة المعركة لم تتوقف عند الخسائر المادية والبشرية، بل تعدتها لتشمل الخسائر المعنوية التي ضربت الروح القتالية لعناصر المرتدين، وشكلت حالة من التخبط والهلع رآها -رأي العين- كل من قرأ بياناتهم وتصريحات قادتهم التي ينقض بعضها بعضا، ورآها أيضا كل من شاهد المجاهدين وهم يتصدون لدبابات العدو التي حاولت اقتحام السجن وهي تفر هاربة لا تلوي على شيء.

وفي المقابل فقد أدى الهجوم إلى رفع الروح المعنوية للمسلمين وأسراهم ليس في الشام فحسب بل في كل ساحة من ساحات القتال، وقد رأى العالم حجم الاستنفار والهوس الأمني الذي ساد قوات المرتدين في سائر المنطقة وجميع السجون الأخرى.


• التحدي الأكبر بين المجاهدين والصليبيين

وقد مثّل الهجوم تحديا كبيرا للقوات الأمريكية والمرتدين حيث جرى تنفيذ الهجوم بعد فترة قياسية من إعلانهم إحباط محاولة سابقة لهجوم مشابه على نفس السجن، الأمر الذي زاد المجاهدين إصرارا على شن الهجوم بعد التوكل على الله تعالى.

وقد حاولت ميليشيا الـ PKK التغطية على فشلها عبر بيانات متكررة زعم فيها قادتهم أن هذا الهجوم شارك في إعداده "دول وأطراف خارجية!" مع علمهم يقينا أنهم وهذه الأطراف الخارجية هدف للمجاهدين طال الزمان أم قصر، وإن غدا لناظره لقريب.


• فشل أمني أمريكي قبل كل شيء

الفشل الكبير لم يرافق المرتدين في مرحلة التصدي للهجوم وحسب، بل كان الفشل ظاهرا منذ البداية وتمثل بنجاح الدولة الإسلامية في اختراق جميع التحصينات والخطوط الأمامية التي تفرضها الميليشيا في سائر المدينة عموما وحول سجن غويران على وجه التحديد، خصوصا أن المدينة بمثابة غرفة عمليات دائمة للقوات الأمريكية وتخضع لرقابة ودوريات مستمرة من قبلهم، ما شكّل ضربة أمنية مزدوجة للطرفين اللذين تقاسما الخيبة معا.

• معارك مستمرة وفصول لم تنته!

وفي نهاية التقرير أكد المصدر لـ(النبأ) أن تفاصيل كثيرة ستبقى في طي الكتمان بناء على توصيات قادة المجاهدين، مشيرا إلى أن فصول المعركة لم تنته بعد، حيث ما تزال العديد من المفارز منتشرة في محيط المنطقة وتشن هجمات ضد المرتدين بين الفينة والأخرى، والتي كان آخرها ما وقع يوم الخميس (24 / جمادى الآخرة) حين استهدف المجاهدون تجمعين لعناصر الـ PKK في محيط السجن، ما أسفر عن مقتل وإصابة ثمانية عناصر، إضافة إلى هجوم ثالث وقع صباح اليوم نفسه واستهدف تجمعا للمرتدين والصليبيين برفقة أطقم إعلامية جاءت لتبث تقاريرها عن "السيطرة على الموقف" والتي لم تكتمل لا على الأرض ولا حتى في الإعلام!، في حين أن المعركة ما تزال مستمرة بإذن الله تعالى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً