الباب الثاني عشر: الحداء عند الإعداد للقتال • عَن أبي عمارة البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ ...

الباب الثاني عشر: الحداء عند الإعداد للقتال



• عَن أبي عمارة البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ، يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: «أَبَيْنَا أَبَيْنَا». متفق عليه.

⬥ أغمر بطنه: وارى التراب جلده.
⬥ من كتاب الأربعون في الجهاد والاستشهاد.
...المزيد

عُدَّةُ رَمَضَان ​أخي المسلم: يفصل بيننا وبين مجيء شهر الرحمة بضعة أيام، فجهز نفسك لاستقبال ...

عُدَّةُ رَمَضَان


​أخي المسلم: يفصل بيننا وبين مجيء شهر الرحمة بضعة أيام، فجهز نفسك لاستقبال هذا الزائر الفضيل، وأعدَّ له خير عدة، وليكن هذا الشهر الكريم بداية لصفحة جديدة مع الله، صفحة نظيفة خالية من الذنوب والخطايا.


​١ - ​طهِّر نيتك، وتب إلى ربك، وأخلص في عبادتك، واعقد العزم أن تُقبل على سائر الطاعات والعبادات، وتكثر من الخير، وتبتعد عن الفواحش والمحرمات.


​‏٢ - ​طهِّر قلبك من العداوات بينك وبين المسلمين، تصالحوا وتحابوا وتراحموا، فإن الدنيا زائلة، ولن تنفعك عداوتك بشيء إلا حرمان نفسك من بركة رمضان ومغفرة الذنوب، وإن عجزت عن ذلك فأضعف الإيمان أن تصفي قلبك وتعفو عن من ظلمك، وتطلب العفو ممن ظلمت.


​‏٣ - ​جهِّز خطة رمضانية واضحة كي تحقق أكبر استفادة من هذا الشهر الفضيل، واملأ جدولك اليومي بسائر الطاعات، واجعل الطاعة على قدر الوقت، كي تجتهد فيها ولا تُجْهَد، وضع في الحسبان كلام خير الأنام صلى الله عليه وسلم: [أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ] (متفق عليه).


٤ - ​لا تكن عبدًا لنفسك، فإنها أمَّارة بالسوء إلا ما رحم الله، وعوّد نفسك على قيام الليل وقراءة القرآن، وتعلَّم أحكام التجويد والترتيل.


​٥ - ​تعلَّم أمر دينك عامة وفقه الصيام خاصة، كي تفقه الأحكام وما يتعلق بمسائل الصيام، واعلم أنه لا عذر لك بالتقصير في طلب العلم الشرعي، خصوصًا أنه في زماننا هذا يتوفر في الشبكة العنكبوتية كل شيء حرفيًا.
...المزيد

الباب الحادي عشر: إعداد العدة للقتال • عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، يقول : سمعتُ رسولَ الله ﷺ ...

الباب الحادي عشر: إعداد العدة للقتال


• عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، يقول : سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو على المنبر، يقول : وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ، ألا إنَّ القوةَ الرمي، ألا إنَّ القوةَ الرمي، ألا إنَّ القوةَ الرمي. رواه مسلم


[ من كتاب الأربعون في الجهاد والاستشهاد ]
...المزيد

غزوة نيامي كل هذه المعاني الجهادية والعبر الإيمانية نستخلصها اليوم ونسوقها على عتبة غزوة نيامي ...

غزوة نيامي


كل هذه المعاني الجهادية والعبر الإيمانية نستخلصها اليوم ونسوقها على عتبة غزوة نيامي المباركة، التي سطّرها أبناء الكريهة في الساحل من الأنصار والمهاجرين وفي مقدمتهم إخواننا العجم، وخطوا بدمائهم وتضحياتهم فصلا جديدا من فصول بطولات الدولة الإسلامية في الساحة الإفريقية التي تشتد وتمتد بفضل الله تعالى.

إن التوفيق والبركة والنصر الإلهي لا يُشترط له لغة معينة، ولا عرق معين ولا ساحة معينة، فالأرض لا تقدّس أهلها وإن كانت مقدسة فعلا، إنه يتنزل على من يعمل بأسبابه السماوية والأرضية، ويراعي فيه السنن الإلهية ويبذل له غاية جهده ومنتهى تضحياته وثمرة فؤاده؛ عربيا كان أو أعجميا شرقيا أو غربيا، ولكل مجتهد نصيب، فأروا الله من أنفسكم خيرا.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 533
"غزوة نيامي؛ دلالات وعبر"
...المزيد

الأخوة الإيمانية الأخوة الإيمانية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي شعور صادق يسكن القلوب ويظهر في ...

الأخوة الإيمانية


الأخوة الإيمانية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي شعور صادق يسكن القلوب ويظهر في المواقف، فالمؤمن لا يشمت بزلة أخيه، ولا يفرح بعثرته، بل يتألم لها ويسعى في إصلاحها وسترها، لأن الإيمان يزرع في القلب الرحمة والمحبة الصادقة لإخوانه. وقد قال ابن القيم رحمه الله: "المؤمن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن، كأنه هو الذي عثر بها" [مدارج السالكين].

وقد قال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [صحيح مسلم].

فإذا امتلأت القلوب بهذا المعنى ساد التراحم بين الناس، وانتشرت النصيحة الصادقة المبنية على الرفق والحكمة، فالأخوة في الله تظهر حقيقتها عند الخطأ والابتلاء، وهناك يتبين صدق المحبة وصفاء القلوب.
...المزيد

شهر الخير فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه ...

شهر الخير


فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه الدعوات تفرج فيها الكربات، وتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، وإلى من يريد أن يتقدم ويجوز، لكنه ما يلبث أن يقع في حبائل الذنوب؛ ها قد أقبل شهر العتق من النيران، وشهر الانتصار على الشهوات والشيطان، وإلى المجاهدين الذين ينتظرون فجر النصر؛ ها هو شهر الغزوات والانتصارات والفتوحات، ألا إنها أيامٌ الخاسر فيها من ضيعها، أرأيتم لو أُهدي لأحد الفقراء جرة ذهب أكان طارحها؟ فكيف بنا نحن الفقراء المحتاجون إلى الحسنات والمغفرة، إلى عفو الله ورضاه، وقد أنهكتنا الدنيا وصرعتنا وألهتنا، فنحتاج إلى ملاذ نأوي إليه، تستجم فيه النفوس وتختلي فيه بالملك القدوس، هذا المأوى هو رمضان.


• المصدر:
مقتطف من مقال صحيفة النبأ العدد 534
"شهر الخير"
...المزيد

سنّة الاستبدال يتخلف أبناء العرب عن الهجرة والجهاد في ميادين القتال وسوح النزال، بينما يُقبل ...

سنّة الاستبدال


يتخلف أبناء العرب عن الهجرة والجهاد في ميادين القتال وسوح النزال، بينما يُقبل عليها الأعاجم من كل حدب وصوب ليقودوا ملاحم العصر ويردوا عادية الكفر عن أمة الضاد!

لا شيء يتبادر إلى ذهن القارئ غير عقوبة الاستبدال التي لا تشاور ولا تحابي عند استنفار المسلمين للجهاد دفاعا عن دينهم وحرماتهم كما هو حالنا اليوم، لقوله تعالى: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فالمتخلف عن الجهاد -من غير ذوي الأعذار- آثم مرتكب لمعصية القعود.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 533
"غزوة نيامي؛ دلالات وعبر"
...المزيد

اغتنموا رمضان ​اقترب رمضان، شهرُ الرحمة والغفران، الشهر الذي تُضاعف فيه الحسنات وتُمحى فيه ...

اغتنموا رمضان


​اقترب رمضان، شهرُ الرحمة والغفران، الشهر الذي تُضاعف فيه الحسنات وتُمحى فيه السيئات، ومع كل عام يخرج مَن يسعى لصرف المسلمين عن هذا الخير العظيم، فينسج خيوط الإلهاء في الخفاء؛ فما إن يهلّ هلال رمضان حتى تغرق الشاشات بالمسلسلات والمقاطع والبرامج التافهة والإشهارات، ويُقال عنها إنها "روح رمضانية"، فيتعلّق بها كثير من الناس تعلقاً كبيراً، وتزدحم بها مواقع التواصل، ويتحدث عنها الكبير والصغير، والغني والفقير، حتى تُنسي بعضهم لماذا جاء رمضان أصلاً!

​أيها الناس؛ إن رمضان أسمى من كل ما يُنتظر من لهو ولغو، إنه شهرٌ نزل فيه القرآن، كلامُ الله الذي قال فيه سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

​شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، فيه تُغسل القلوب من أدرانها، فيه تُفتح أبواب الرحمات والبركات، وتُستجاب الدعوات، وتُرفع الدرجات، وفيه دعوةُ الصائم التي لا تُرَد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم» [أخرجه الترمذي].

​يا أمة الإسلام؛ إنهم يحاولون أن يحرّفوا مقصد رمضان ليجعلوه موسماً للشهوات بدل أن يكون موسماً للطاعات، وليغرقوا القلوب والأرواح في التفاهات بدل أن يرفعوها إلى رب الأرض والسماوات، لكن المؤمن الكيِّس الفطن لا يغرق؛ بل يستقبل رمضان كأنه يدخل معركةً مع نفسه، ليغنم ما استطاع من الحسنات.

​فاستعدوا لرمضان؛ واصبروا على الطاعة، وادخلوه بقلوبٍ طاهرة، واخرجوا منه غانمين لا خاسرين، واعلموا أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
...المزيد

الفُرقان.. وأماني الشياطين! ما إن تُعلن مؤسسةُ الفرقان عن جديد مِن جديدها، حتى يعكف العالم ...

الفُرقان.. وأماني الشياطين!



ما إن تُعلن مؤسسةُ الفرقان عن جديد مِن جديدها، حتى يعكف العالم بأسره على انتظار جديدها صوتًا كان أو غير ذلك؛ المجاهدون وأنصارهم ينتظرون بشغف، والمنافقون وأشياعهم يترقبون بقلق ما الذي تحمله الفرقان في جعبتها، هذه الحالة ليست جديدة، لكنها زادت في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، لأسباب وظروف كثيرة منها محاولات الكافرين المتكررة التغطية على فشلهم الميداني بصناعة انتصارات خلَبيّة لا وجود لها إلا في صفحات الجرائد ومنصات التباعد.

وليس من عادتنا -في صحيفة النبأ- أنْ نتناول خطابات الفرقان في مقالات الافتتاحية، لأنّ خطابات الفرقان يكفيها أن تُنشر وحسب، لكن رأينا أنه مِن الجيد أن نتطرق إلى الخطاب الصوتي الأخير للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)، من زوايا عدة نبيّن فيها صدق الإعلام الرسمي للدولة الإسلامية، ومهنيّته، وفعاليّته، ومدى تأثيره، مقابل كذب الإعلام الرسمي وغير الرسمي لأعداء الدولة الإسلامية وعبثيّته، وهزليّته، ونحن هنا لا نعقد مقارنة بين الفريقين، لأن الفرق بينهما شاسع، ولكن لأن الأمور تُعرف بأضدادها.

لقد جاء الخطاب الجديد لمؤسسة الفرقان، بعد أنْ أغرق "المحللون" في تحليلاتهم و"المخرّصون" في تخرّصاتهم حتى بالغوا كثيرا وما بلغوا معشار ما أرادوا من التثبيط والإرجاف الذي هو مهمة المنافقين والمرجفين قديمًا وحديثًا، حيث يهدفون من خلاله إلى إيقاع الاضطرابات والبلبلة في صفوف المسلمين وتوهين عزائمهم، قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ}، أي: "هم الذين يولدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس".

قديمًا كان "المحللون" يحافظون على حد أدنى من "الصوابية" في تحليلاتهم، ويحاولون قدر الإمكان أن لا يشطحوا في تحليلاتهم بعيدًا عن هذا الحد، ليس اتباعًا للحق ولا فرارًا من الباطل، وليس تحريًا للصدق ولا حذرًا من الوقوع في الكذب، ولكن حفاظًا على "سمعتهم المهنية" في الأوساط الإعلامية ذات التأثير في "الرأي العام العالمي" أو التأثير على دوائر "صنع القرار"، لكن اليوم في عصر زحمة منصات الهُواة والدهماء والغوغاء؛ أصبح "المحللون" لا يُحللون بل يتمنون!! فيُلقي كلّ محلل منهم أمنيته!! فهذا يتمنى مقتل الشيخ المتحدث (حفظه الله)، ويُرهق نفسه بمحاولة إثبات ذلك! وذاك يتمنى أسر خليفة المسلمين (حفظه الله)، ويطوّع كل ما في وسائل الإعلام لخدمة أمنيته! وآخر يتمنى كذا وكذا... وقائمة أمنياتهم تطول وتطول، لكنها لا تخرج في النهاية عن أمنيات سائر الكافرين والمرتدين الحالمين بالقضاء على الدولة الإسلامية وقادتها (حفظهم الله)، فما هي إلا أمانيّ وإنْ هم إلا يظنون.

ولأجل أنْ يحقّق هؤلاء "المحللون" أمنياتهم وضغائن صدورهم على الدولة الإسلامية، يلجأون إلى تحريف الخطابات الرسمية لقادة المجاهدين عن مدلولاتها، وتحوير مقاصدها إلى ما لم يقصده قائلوها، بل لعله لم يخطر على بال قائليها ولن يخطر، فخواطر المؤمنين والمنافقين تختلفان، فالمؤمنون هواهم تبعًا لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما المنافقون فهواهم تبعا لما جاء به الشيطان وأنفسهم الأمّارة بالسوء.

وبينما يطرب وينتشي "المحللون" الدجّالون والأفاكون كل فترة على وقع تحليلاتهم وتخرّصاتهم بل أمنياتهم؛ تطل عليهم الفرقان فتبدد أوهامهم وتقضي على أحلامهم وتقطع عليهم نشوتهم وتحيل أمانيهم إلى حسرات تنقلب عليهم كمدًا وغيظًا، وليتهم بعد ذلك يخنسون ويخرسون، أو عن غيّهم يتوقفون، بل يواصلون تخبطهم وكذبهم ويصرون على خطيئتهم، فلا يتوبون ولا هم يذكّرون، ويبدأون جولة خاسرة جديدة بالبحث عن أي سبيل من سبل الشيطان لمواصلة مهمة الإرجاف، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالكذب ومشتقاته، وكان مِن جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- قوله: (وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور..) [متفق عليه] والمتأمل لأحوال هؤلاء الكذابين المسمون بـ"المحللين" يرى فيهم نص حديث النبي السابق، فإنهم لمّا أدمنوا الكذب قادهم إلى الفجور، ففجروا في كل شيء حتى صار ذلك شيمة لهم لا تفارقهم، وكفى بهذا بريدًا إلى النار، عافانا الله والمؤمنين.

إن هؤلاء ينطلقون في تحليلاتهم وحكمهم على الدولة الإسلامية من سوء بواطنهم وقبح سريرتهم واستمرائهم للكذب! فيظنون أن الجميع مثلهم قام ونشأ وشبّ على الكذب! ومن شبّ على شيء شاب عليه، والعياذ بالله.

من زاوية أخرى يظن هؤلاء أنّ إعلام الدولة الإسلامية الرسمي في ترفٍ وفسحةٍ من الوقت والجهد ليتفرغ للرد على كل هرطقاتهم وخزعبلاتهم التي لا تنتهي، أو تفنيد أكاذيبهم وتخرصاتهم التي لا تتوقف، ولا شك أنّ هذا أيضا نابع من تصوراتهم الخاطئة عن واقع إعلام الدولة الإسلامية، وسياسته وآلية العمل فيه، كما أنه بالضرورة نابع أيضا من جهلهم بضراوة الحرب التي يخوضها جنود الخلافة الإعلاميون على جبهات لا تقلّ ضراوة عن حروب الميدان العسكرية، ويدفع المجاهدون العاملون في هذا الميدان المهم أرواحهم، وزهرة شبابهم ثمنًا لهذا الجهاد المبارك في ميدان الكلمة والخطاب، نسأل الله أن يتقبل منهم وأن يثبتهم ويثيبهم عن الإسلام خير الجزاء.

وإنّ مما يُحسب لإعلام الدولة الإسلامية الرسمي بكافة منابره وعلى رأسها الفرقان؛ محافظته على بقاء الخطاب الإعلامي حيًا نابضًا بالتوحيد وصادعًا بالحق، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، جامعًا بين اللين والشدة في مواضعهما، آخذًا الكتاب بقوة، لا يداهن ولا يساوم ولا يستحي من الحق ليرضي أمزجة الغثاء وأهواء العبيد، وهو في كل ذلك لا يخرج عن الكتاب والسنة؛ في الوقت الذي انحرفت به خطابات ما يُعرف بـ"التيار الجهادي" عن جادة الحق، ونزلت إلى حدّ التماهي مع أهل الباطل ودعواتهم الجاهلية والذوبان في واقعهم تحت مسميات "مواكبة الواقع" و"متطلبات المرحلة"، وهذا هو السر في بقاء خطاب الدولة الإسلامية مؤثرًا فعّالًا يتصدّر المشهد رغم شراسة الحرب العالمية المشرعة ضده من كل أساطين الشرك والشر في العالم، وإنّ من نافلة القول أن نشير إلى أن أكثر فصول هذه الحرب المستعرة تجري في الخفاء ولا يعلم عنها الناس إلا قليلا، وحسبنا أنّ الله يعلم سبحانه فهو الناصر والمعين.

وإنّ جنود الخلافة يخوضون اليوم حروبهم على جبهتين مترابطتين، تتداخلان لا تنفكّان، حرب القتال والمواجهة العسكرية، وحرب الكلمة والبيان الذي يفري أهل الباطل فري الأديم، ويُبطل كيدهم ويفضح مؤامراتهم، ويوعّي المسلمين ويبصّرهم ويحذّرهم من مكر عدوهم، ويبيّن لهم سبيل المجرمين ليجتنبوه، كما يبيّن لهم سبيل المؤمنين ليسلكوه ويتبعوه، فلا سبيل غيره يوصل إلى سعادة الدارين، والعاقبة للمتقين.


• المصدر:
افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 356
الخميس 19 صفر 1444 هـ
...المزيد

ماض جهاد المؤمنين تؤكّد الدولة الإسلامية في جميع خطاباتها وسائر إعلامها المرئي والمقروء على ...

ماض جهاد المؤمنين


تؤكّد الدولة الإسلامية في جميع خطاباتها وسائر إعلامها المرئي والمقروء على أنها باقية ماضية على طريقها بإذن الله تعالى، وأن جهادها ماض متواصل… وما هذه الكلمات بشعارات أو حشو كلام لِمَلء الخطابات، بل هي عقيدة إيمانية راسخة لا تتزحزح، تتزاحم النصوص الشرعية على تأكيدها، والتاريخ يشهد لها، والواقع يثبت صحتها.

وقد دلّ القرآن الكريم على مضي الجهاد لوجود مبرراته الشرعية، فقد أخبرنا الله تعالى بأن الكافرين لن يتوقفوا عن محاربة الإسلام إلى يوم القيامة، فقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، وهذا مستمر باستمرار الصراع الأبدي بين الإسلام والكفر، وإن الصورة الشرعية لخوض هذا الصراع المحتوم هو الجهاد في سبيل الله تعالى.

ويُفهم ذلك أيضا من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...}، فهذه الصفقة الرابحة قد تمّت بين الله تعالى وعباده المؤمنين يعطيهم الجنة مقابل أن يقتلوا أو يُقتلوا في سبيل الله تعالى، ولا يُتصور بحال أن تكون صفقة مؤقتة بزمان دون غيره، بل هي صفقة ماضية باقية إلى يوم الدين.

كما دلت السنة النبوية على مضي الجهاد، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ‌يُرِدِ ‌اللهُ ‌بِهِ ‌خَيْرًا ‌يُفَقِّهْهُ ‌فِي ‌الدِّينِ، ‌وَلَا ‌تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وتأمل كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الفقه والجهاد! وقد صدق من قال: "لا يفقه القرآن مثل مجاهد، ولا يعرف الدين مثل مجاهد."، فالمجاهدون أفقه الناس بدين ربهم، وحسبهم من الفقه أنهم علموا أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد! فعملوا بما علموا وكفاهم.

ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عروة بن الجعد رضي الله عنه، عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)؛ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري معلِّقا على الحديث: "فيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن مِن لازم بقاء الجهاد، بقاء المجاهدين"، وبنحوه قال الإمام النووي عند شرحه للحديث، وذكر ابن الجارود في المنتقى هذا الحديث تحت باب: "دوام الجهاد إلى يوم القيامة".

ولذلك استمر قادة الدولة الإسلامية يؤكدون أنها باقية، فالجهاد هو سر بقائها، الجهاد بما يتضمّنه من قتال وإقامة للشريعة وصون للملة ونصرة وإيواء، ودعوة وولاء للمؤمنين وعداء للكافرين.

ولو استعرضنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أنّ مِن أوضح مظاهر مضي الجهاد تتابع قوافله وامتداد سراياه من عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرورا بعصر الخلفاء الراشدين، ثم عصر التابعين ومَن سار على خطاهم بعدهم، بل لم يخلُ عصرٌ من عصور المسلمين من الجهاد في سبيل الله تعالى خلف إمام برًا كان أو فاجرًا.

ومِن أوضح مظاهر مضي الجهاد في التاريخ القريب ما تعرضت له الدولة الإسلامية في العراق من محن ومؤامرات شارك فيها الصليبيون والإخوان المرتدون والروافض، وقد اجتمعوا وتآمروا على تلك الدولة الفتية حتى بلغت القلوب الحناجر، ثم ما لبثت أن خرجت الدولة الإسلامية من تلك المحنة أقوى عودا وأشدّ عزيمة وواصلت جهادها حتى امتدت إلى الشام كاسرة الحدود وكاسرة معها أوهام الكافرين والمرتدين بوقف رحى الجهاد، وما هي إلا سنوات من الصبر والمصابرة حتى وفّقها الله تعالى لإقامة الواجب المضيّع بعد أن تأخّر عنه الجميع بل ضلوا طريقه؛ فأعلنت قيام الخلافة على منهاج النبوة، فتسارع الروم والمجوس والمرتدون والمنافقون لوأد هذه الدولة المباركة، التي كشفت حقيقة التنظيمات والجماعات التي أدمنت الخلاف وأبت الخلافة وحاربتها وتآمرت عليها وتحالفت مع الشياطين ضدها! فانتقم الله تعالى منهم جميعا، ولم تبق جماعة حاربت الخلافة إلا عاقبها الله تعالى بخلاف مرادها، فاندثر أكثرها فلم تعد تُذكر، وانقسم مَن بقي منها إلى شيع وأحزاب يلعن بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا، بينما بقيت دولة الإسلام -بفضل الله تعالى- صامدة متماسكة ماضية يقودها إمام واحد بمنهج واحد.

ومن مظاهر مضي الجهاد في عصرنا الحاضر، أمُّ المِحن التي تعرّضت لها دولة الإسلام بعد إعلان الخلافة وتحكيم الشريعة، إذْ أقبل الصليبيون بحلف عالمي قوامه كل أمم الكفر ومِن خلفهم سرًا يهود!، فشنوا حربا عالمية على أرض الخلافة حتى أحرقوا الأرض بالقصف الهمجي بعد أن فشلوا في المواجهة المباشرة أمام أبطال الخلافة، ولم يدخلوا شبرا إلا بالقصف الجبان، ليُعلنوا عقب ذلك عشرات المرات عن نهايتها والقضاء عليها! ثم ما تلبث أن تواصل مسيرها وتجدّد جهادها، فإذا به يمتد بعد هذه المحن إلى أقاصي الأرض في وسط وغرب إفريقية والساحل وشرق آسيا وغيرها من البقاع التي تمدَّد الجهاد إليها فصارت لبنة في صرح الخلافة تأتمر بأمر الإمام.

بل إن مِن أقرب صور مضي الجهاد ما جرى في ملحمة غويران، وكيف شارك فيها وخاض غمارها أهل الباغوز الذين أراد الإعلام الصليبي أن يطبع صورهم في أذهان المسلمين كأنموذج لانحسار الجهاد والقضاء عليه! فخيّب الله سعيهم وأبطل كيدهم وصار أهل الباغوز أنموذجا لمضي الجهاد واستمراريته وتجدُّده ورمزا للثبات عليه.

وهكذا استمرت رحى الدولة الإسلامية تدور تبذر خيرا لأجيال المؤمنين وتطحن جنود الشرك والمشركين في كل مكان.

ومن أوهام الكافرين والمرتدين في القضاء على الجهاد، إشاعتهم كل مرة أنهم قضوا على الصف الأول للمجاهدين، وابتداعهم تقسيمات من وحي خيالهم! ثم سرعان ما يعودوا بطريقة مضحكة ليبلعوا كلامهم السابق! مستدركين على أنفسهم قائلين بأنه ما يزال هناك ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الصف الأول! فيأبون أن يعترفوا ويقروا بأن صفوف المجاهدين لا تنضب! وكيف تنضب ومواردها الكتاب والسنة؟! وهم جميعهم صف واحد أول، فهم صفوة الأمة وذروة سنام الملة، وعلماؤهم خير علماء وجنودهم خير جنود وقادتهم خير قادة، فهم الأُول في كل شيء، في العلم والعمل في الدعوة والجهاد في القتال والاستشهاد -نحسبهم والله حسيبهم-.

وإن مضي الجهاد يحتّم على المسلمين -مجاهدين ومناصرين ورعايا- أن يكونوا على أهبة الاستعداد في كل لحظة لمواصلة الطريق وتحمّل أعبائه، كما يحتّم عليهم أن يجدِّدوا نواياهم ويخلِّصوها لله تعالى، ويجدِّدوا نشاطهم ويطوِّروه ويوسِّعوه، ويتواصوا فيما بينهم بالصبر والحق، ويسلّي بعضُهم بعضا بالآيات والصحاح والثواب الذي أعدّه الله تعالى للسالكين على درب الأنبياء، فمن لاح له الأجر هانت عليه التكاليف، ولينصرن الله من ينصره، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 334
الخميس 13 رمضان 1443 هـ
...المزيد

سلسلة علمية في بيان مسائل منهجية (3-4) • تَكْفِيرُ الْمُشْـرِكِينَ الحمد لله رب العالمين، ...

سلسلة علمية
في بيان مسائل منهجية
(3-4)

• تَكْفِيرُ الْمُشْـرِكِينَ

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

ففي هذه الحلقة نبدأ الحديث -بعون الله تعالى- عن تكفير المشـركين، وسنتكلم عن مسألتين:
المسألة الأولى: سنجيب فيها على سؤال: ما هي منزلة التكفير من الدين؟

المسألة الثانية: نذكر فيها العلة أو المناط أو السبب في كفر المتوقف في تكفير المشـركين.

وقبل الشـروع في ذلك نذكر بعض نصوص أهل العلم في كفر من لم يكفر الكافر...

قال أبو الحسين الملطي الشافعي -رحمه الله-: "جميع أهل القبلة لا اختلاف بينهم أن من شك في كافر فهو كافر". (1) انتهى كلامه.

وقال القاضـي عياض -رحمه الله: "نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك". (2) انتهى كلامه.

وقال النووي -رحمه الله-: "من لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في تكفيرهم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر". (3)

ونص الحجاوي -رحمه الله- على أن من "لم يكفر من دان بغير الإسلام؛ كالنصارى، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم... فهو كافر".(4) انتهى كلامه.

ونص البهوتي -رحمه الله- على تكفير من "لم يكفر من دان بغير دين الإسلام كأهل الكتاب، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم".(5)

وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "من لم يكفر المشـركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر إجماعا". ا.هـ(6)

انتهى كلامهم رحمهم الله.


ونشـرع الآن في بيان المسألة الأولى: وهي الإجابة على سؤال: ما هي منزلة التكفير من الدين؟

والجواب هو أن التكفير حكم شـرعي محض، لا مدخل للعقل فيه، ولا يدخل تحت مسائل ومعاني أصل الدين، والتي سبق وأن بيناها في الحلقة السابقة.

إذن تكفير المشـركين من واجبات الدين وليس من أصل الدين.

طيب ما الفرق؟

الفرق أن ما كان من أصل الدين، فإنه لا يعذر المرء فيه بجهل، ولا تشترط إقامة الحجة على تاركه أو تارك بعضه.

أما التكفير فهو حكم شـرعي قد يعذر فيه بالجهل والتأويل.

ثم إن التكفير ليس على مستوى واحد، بل له مراتب، فأعلاها ما هو معلوم من الدين بالضـرورة؛ كتكفير من كفرهم الله تعالى في كتابه على التعيين؛ كإبليس وفرعون وكل من دان بغير الإسلام؛ كاليهود والنصارى وعباد الأصنام.

وأدناها ما اختلف في تكفير مرتكبه؛ كتارك الصلاة وغير ذلك، وبينهما مراتب متفاوتة، وهو ما سوف نتناوله في حلقة قادمة بإذن الله تعالى.

قلنا: إن التكفير من واجبات الدين، وأنه حكم شـرعي، وليس له مورد سوى الأدلة الشـرعية، ولا مدخل للعقل فيه، وقد تتابع أهل العلم على تقرير ذلك وتأكيده، وإليكم بعض أقوالهم:

قال القاضـي عياض -رحمه الله-: "فصل في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه، وما ليس بكفر: اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشـرع، ولا مجال للعقل فيه".(7) انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "التكفير حكم شـرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدماء، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشـرعية".(8)

وقال -رحمه الله-: "فإن الكفر والفسق أحكام شـرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل؛ فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقا، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلما..-إلى أن قال: - فهذه المسائل كلها ثابتة بالشـرع".(9)

وقال -رحمه الله-: "الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة، وبالأدلة الشـرعية يميز بين المؤمن والكافر، لا بمجرد الأدلة العقلية". (10) انتهى كلامه.

وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله- :
الكفر حق الله ثم رسوله
بالنص يثبت لا بقول فلان
من كان رب العالمين وعبده
قد كفراه فذاك ذو الكفران(11)

وقال ابن الوزير الصنعاني -رحمه الله: "أن الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيا قطعيا، ولا نزاع في ذلك".(12) انتهى كلامه

وعليه نقول: إن من جهل حكم الشـرع في أحد الكفار أو المشـركين أو إحدى طوائفهم: لا يكون حكمه كحكم من أشـرك، لأن الذي أشـرك نقض أصل الدين؛ كما ذكرنا في الحلقة السابقة، وإنما حكمه كحكم كل من جهل شـريعة أو فريضة من فرائض الإسلام، فمن قامت عليه الحجة الرسالية في ذلك كفر، ومن لم تبلغه الحجة الرسالية في ذلك فليس بكافر، بخلاف من جهل التوحيد؛ الذي هو أصل الدين؛ فإنه كافر كفر جهل.

هذا وقد تتابع أهل العلم على تقرير الفرق بين الجهل بأصل الدين والجهل بالواجبات الشـرعية:

فقد نقل الإمام محمد بن نصـر المروزي عن طائفة من أهل الحديث قولهم: "ولما كان العلم بـالله إيمانا والجهل به كفرا، وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر... إلى أن قالوا: وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا، وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرا، والجهل بـالله في كل حال كفر، قبل الخبر وبعد الخبر". (13) انتهى كلامه -رحمه الله-

وأما صفة قيام الحجة وكيفية تحقيق هذا الشـرط قبل التكفير، فإن ذلك يختلف بحسب ظهور المسألة وخفائها، فقد تقوم الحجة بمجرد وجود المتوقف عن التكفير في مظنة العلم، بحيث يكون بتوقفه معرضا لا جاهلا، وبحيث لا يعذر إلا من كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، وقد تكون إقامة الحجة بتبيين النص الشـرعي الدال على كفر من فعل كذا أو قال كذا، ولا يكتفى بمجرد البلوغ العام للقرآن، وقد تكون إقامة الحجة بتبيين الدليل مع إزالة الشبهة والإجابة عن الدليل المعارض، وسيأتي مزيد توضيح لهذه المسألة عند الحديث عن مراتب المتوقفين.

ويستدل على التفريق بين الجهل بالشـرائع والجهل بأصل الدين أو على أن تكفير المشـركين من الشـرائع ليس من أصل الدين بعدة من الأدلة، أذكر منها:

إن جميع الأنبياء عليهم السلام بدءوا أقوامهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شـريك له، ولو أن الجهل بأحكام التكفير كفر لما تأخر بيانها عن بيان أصل الدين لحظة واحدة.

ومن الأدلة أيضا على التفريق أن التكفير من واجبات الدين وأنه حكم شـرعي وليس من أصل الدين ما ثبت أن من الصحابة رضي الله عنهم، من توقف في تكفير قوم وقعوا في الردة، وسموهم مسلمين، ولما نزلت الآيات التي بينت كفر هؤلاء القوم لم يستتابوا من توقفهم، بينما ثبت أن أحد الصحابة وقع في الشـرك جاهلا، ومع ذلك كفره الصحابة، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه، وهذا يدل على الفرق بين من وقع في الشـرك جاهلا، وبين من جهل الشـرائع.

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشـركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: "كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فـــاستغفروا لهم"، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97، 98]، قال: فكتب إلي من بقي من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشـركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [العنكبوت: ١٠] الْآيَةَ".(14)

قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : "فأنزل الله هذه الآية، وبين فيها حكم هؤلاء المشـركين، وأنهم من أهل النار مع تكلمهم بالإسلام".(15) انتهى كلامه.

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: كنا نذكر بعض الأمر، وأنا حديث عهد بالجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت، ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده ثلاث مرات، وتعوذ من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، ولا تعد له».(16)

وقال ابن الوزير الصنعاني-رحمه الله- معلقا على هذا الحديث: "وهذا أمر بتجديد الإسلام".(17) انتهى كلامه.

وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله- "فمن قال في الإسلام في يمينه واللات والعزى مؤكدا ليمينه بذلك على معنى التعظيم فيه: كافر حقيقة". ا.هـ(18)

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- : "أخذ به -يعني حديث سعد -رضي الله عنه- طائفة من العلماء فقالوا يكفر من حلف بغير الله كفر شـرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه بقول لا إله إلا الله، فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك، وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، لكنه من الشـرك الأصغر".(19) انتهى كلامه.

فلم يعذر- رضي الله عنه- في ذلك مع أنه حديث عهد بجاهلية..

ومن الأدلة أيضا على التفريق أن التكفير من واجبات الدين، وأنه حكم شـرعي وليس من أصل الدين الذي لا يعذر فيه أحد: ما روي أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في تكفير بعض المرتدين، فلما بين الله تعالى كفر هؤلاء القوم لم يأمر من توقف فيهم بتجديد إسلامه.

فقد قال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 88 - 89]

وصح في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، قال بعضهم: "نقتلهم"، وقال بعضهم: "لا".(20)

وصح عن مجاهد -رحمه الله- أنه قال: "قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فـاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فـاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: "هم منافقون"، وقائل يقول: "هم مؤمنون"، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم".(21)

وقد روي بهذا المعنى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس -رضي الله عنهم-، وصح بنحوه مرسلا عن عدة من التابعين وهم: عكرمة، والسدي، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي رحمهم الله.
وقال الإمام الطبري -رحمه الله- في تأويل قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا { [النساء: ٨٨]، قال: "يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشـرك في إباحة دمائهم، وسبي ذراريهم". (22) انتهى كلامه.

وقد رجح الإمام الطبري أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، حيث قال بعدما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك: قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة".(23) انتهى كلامه.

وقال ابن أبي زمنين -رحمه الله-: "هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة؛ فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا من مكة إلى اليمامة تجارا فـارتدوا عن الإسلام، وأظهروا ما في قلوبهم من الشـرك، فلقيهم المسلمون، فكانوا فيهم فئتين؛ أي فرقتين، فقال بعضهم: قد حلت دماؤهم؛ هم مشـركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم؛ هم قوم عرضت لهم فتنة، فقال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}".(24) انْتَهَىٰ كَلَامُهُ رحمه الله.
ومن الأدلة أيضا: ما رجحه طائفة من العلماء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توقف في تكفير مانعي الزكاة في بادئ أمرهم، ولما بين له أبو بكر -رضي الله عنه- كفرهم وافقه، ولم يستتبه على توقفه فيهم.

فقد صح عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال لأبي بكر -رضي الله عنه- في شأن "المرتدين" : كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ».(25)

وقد توقف بعض أئمة السلف -في بادئ الأمر- كفر من قال بخلق القرآن، ومنهم توقف في كفر الجهمية على الرغم من شدته، فلم يكونوا بذلك كفارا، ولما تبين لهم الدليل على كفرهم لم يتوقفوا فيهم، ولم يجددوا إسلامهم لأجل ما سبق من توقفهم.

فعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: "سألت أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: "كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 145]، وَقَوْلَهُ: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 120[" وقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [النساء: 166]" .(26)
وعن ابن عمار الموصلي -رحمه الله- قال: "يقول لي ابن المديني: ما يمنعك أن تكفرهم؟! -يعني: الجهمية- قال: وكنت أنا أولا أمتنع أن أكفرهم حتى قال ابن المديني ما قال، فلما أجاب إلى المحنة، كتبت إليه كتابا أذكره الله، وأذكره ما قال لي في تكفيرهم".(27)

وبذلك نكون قد انتهينا من المسألة الأولى...

ونشـرع الآن في بيان المسألة الثانية: وهي ما هو المناط أو العلة أو السبب في كفر المتوقف في تكفير المشـركين.

الجواب: هو تكذيب الشـرائع وردها.

فبالنظر إلى نصوص أهل العلم في هذا الناقض يظهر جليا ما قرروه من أن مناط الكفر في المتوقف في الكافر يرجع إلى تكذيب الشـرائع وردها، لا من جهة انتقاض أصل الدين.

وقد تتابع أكثر أهل العلم على ذكر هذا المناط بناء على أن الكفر إنما يكون بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها، أو بإنكار المعلوم من الدين ضـرورة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضـرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها ونحو ذلك". ا.هـ(28)

* وإليكم بعض ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم الذين نصوا على مناط كفر المتوقف في الكافر:
فقد علل القاضـي عياض تكفير المتوقف في اليهود والنصارى ومن فارق دين الإسلام بما نقله عن الباقلاني، قال: "لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر".(29) انتهى كلامه.

وقال ابن الوزير الصنعاني -رحمه الله- في تكفير الشاك في عابد الصنم ومن لم يكفره: "ولا علة لذلك إلا أن كفره معلوم من الدين ضـرورة". (30) انتهى كلامه.

وعلل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- تكفير من قال: (أن من شهد الشهادتين لا يجوز تكفيره ولو عبد غير الله)، فقال: "لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله، وإجماع المسلمين". (31) انتهى كلامه

وقال بعض أئمة الدعوة النجدية: "فإن الذي لا يكفر المشـركين غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفر المشـركين، وأمر بتكفيرهم، وعداوتهم وقتالهم".(32) انتهى كلامهم.

ونكتفي بهذا القدر، وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى...

ونسأل الله تعالى العون والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا...


• ( الْحَلَقَةُ الرابعة )

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأولين والآخرين، أما بعد:

فهذه حلقة نتناول فيها الحديث -بعون الله تعالى- عن مسألتين:

الأولى: هل تكفير المشـركين كله على مرتبة واحدة أم على مراتب...

والثانية: نذكر فيها مراتب المتوقفين في تكفير المشـركين...

ونشـرع الآن في المسألة الأولى: هل تكفير المشـركين كله على مرتبة واحدة أم على مراتب؟

• والجواب: نص أهل العلم على أن التكفير حكم شـرعي له مراتب بحسب أمرين:

فالأول: قوة ثبوته في الشـرع؛ أي وضوح وظهور الدليل الشـرعي على كفر فلان من الناس، وهو ما يعرف بمعرفة الحكم...

والثاني: قوة ثبوته على المعين الذي وقع في الشـرك أو الكفر، وهو ما يسمى بمعرفة الحال، ويكون من خلال الرؤية أو السماع أو شهادة الشهود...

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "التكفير حكم شـرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدماء، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشـرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة يدرك بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل ".(1) انتهى كلامه رحمه الله.

وذلك بخلاف من زعم أن جميع صور الكفر أو الشـرك على مرتبة واحدة؛ بحيث يستوي في إدراكها العالم والجاهل، ولا شك في بطلان هذا القول، ومخالفته لما قرره أهل العلم في هذا الشأن، بل ومخالفته للنصوص التي دلت على أن الكفر بعضه أشد من بعض.

قَالَ تَعَالَىٰ: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [آل عمران: 90]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97].

أما المسألة الثانية: وهي مراتب المتوقفين في تكفير المشـركين...

فنقول: إن للمتوقفين في المشـركين مراتب يؤثر فيها قوة الدليل الشـرعي، وظهور الكفر أو الشـرك...

قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم من أهل الخرج وغيرهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس: كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلا فلا يخرجهم إلى الكفر: فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه". (2) انتهى كلامه رحمه الله.

فتأمل كلامه؛ كيف أنه جعل للمتوقف في هؤلاء الطواغيت أحوالا أقلها الفسق، وهذا يؤكد على أن للمتوقفين في المشـركين أحوالا ومراتب.
* وهذه المراتب يؤثر فيها قوة الدليل الشـرعي، وظهور الكفر أو الشـرك بغض النظر عن شدته؛ فقد يكون الشـرك أشد في حال من الأحوال، ولكنه في الظهور أقل مما هو أخف منه شدة.

مثال ذلك: شـرك عباد الأصنام مع شـرك الجهمية؛ فالحكم بتكفير المتوقف في عباد الأصنام أقوى من الحكم بتكفير المتوقف في الجهمية؛ وذلك لأن عبادة الأصنام أشد ظهورا من التجهم، مع أن التجهم أشد شـركا.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "فإن المشـرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله... فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد، يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له".(3)

وقال أيضا رحمه الله: "فشـرك عباد الأصنام والأوثان والشمس والقمر والكواكب خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شـرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل لربوبيته وإلهيته وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشـرك، ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شـركا".(4) انتهى كلامه رحمه الله.

بناء على ما سبق؛ سنذكر مراتب المتوقفين في المشـركين أو الكفار بناء على ظهور الأدلة على كفرهم وشهرتها، معتمدين على نصوص أهل العلم في ذلك:

المرتبة الأولى- من توقف فيمن علم كفره بالضـرورة من دين أهل الملل، فمن ذلك:
أولا: من توقف في إبليس أو فرعون أو مدع الإلهية لنفسه أو لغيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تكفير من لم يكفر فرعون: "وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل؛ المسلمين واليهود والنصارى: أن فرعون من أكفر الخلق بـالله". (5) انتهى كلامه رحمه الله.
ثانيا: من توقف في عباد الأصنام، ولو انتسبوا للإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تكفير من صحح عبادة الأصنام: "ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام".(6) انتهى كلامه.

وقال ابن الوزير الصنعاني رحمه الله: "ولا شك أن من شك في كفر عابد الأصنام وجب تكفيره، ومن لم يكفره، ولا علة لذلك إلا أن كفره معلوم من الدين ضـرورة".(7) انتهى كلامه.

وحكم المتوقف في هذه المرتبة الكفر، ولا يعذر بالجهل في ذلك كل من بلغته الحجة الرسالية.

المرتبة الثانية- من توقف فيمن علم كفرهم بالضـرورة من دين المسلمين خاصة؛ كمن توقف في اليهود والنصارى، أو كل من فارق دين الإسلام.

قال القاضـي عياض رحمه الله: "نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم".(8) انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن لم يحرم التدين بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم بـاتفاق المسلمين". (9) انتهى كلامه.

وحكم المتوقف في هذه المرتبة الكفر، ولا يعذر بالجهل في ذلك كل من بلغته الحجة الرسالية.

المرتبة الثالثة- من توقف فيمن ينتسب للإسلام ووقع في شـرك أو كفر مجمع على كفر من وقع فيه، وهؤلاء على مراتب:

الأول من المرتبة الثالثة: من لم يكن له تأويل؛ فإنه إما أن يقتصـر على تبيين الحال له، وإما أن يقتصـر على تبيين حكم الشـرع فيهم، وإما أن تبين له حالهم ويبين له حكم الشـرع فيهم، وهذا بناء على ظهور الشـرك وظهور حال المتوقف فيهم؛ فإن توقف بعد ذلك فهو كافر، وأما إن كان حالهم ظاهرا، وحكم الشـرع فيهم ظاهرا؛ فيحكم بكفر المتوقف من غير تبيين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في طائفة من الباطنية: "ومن كان محسنا للظن بهم، وادعى أنه لم يعرف حالهم: عرف حالهم؛ فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم".(10) انتهى كلامه.

* فـانظر هنا كيف اقتصـر شيخ الإسلام في تكفير المتوقف في هذه الطائفة على تعريفه بحالهم.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله في بعض مرتدي زمانه: "فإن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم، بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كفرهم، فإن شك بعد ذلك أو تردد، فإنه كافر بإجماع العلماء على: أن من شك في كفر الكافر فهو كافر".(11) انتهى كلامه رحمه الله.

* نلاحظ هنا أن الشيخ سليمان اشترط تبيين الحكم الشـرعي للمتوقف قبل تكفيره.

وقال الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله فيمن قال بخلق القرآن: "ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر، ومن كان جاهلا علم؛ فإن أذعن بالحق بتكفيره وإلا ألزم الكفر". (12) انتهى كلامه رحمه الله.

* في هذه الصورة اشترط أبو حاتم تعليم المتوقف قبل تكفيره.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الحلولية: "ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر؛ كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشـركين".(13) انتهى كلامه.

* أما في هذه الصورة فقد اشترط تعريف الحال والحكم الشـرعي معا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "طائفة الدروز": "كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم". (14) انتهى كلامه.

* ونلاحظ في هذه الصورة أنه لم يشترط في تكفير المتوقف تبيين الحال، ولا تبيين الحكم؛ وذلك لظهور حال تلك الطائفة، وظهور الأدلة على كفرهم.

والقسم الثاني من المرتبة الثالثة: من كانت له أصول فاسدة فتأول؛ فيؤثر في الحكم عليه شدة ظهور كفر المعين أو الطائفة، ففي حال شدة ظهور الكفر يعتبر كافرا معاندا متسترا بتأويله، وفي حالات أخرى اختلف بين تفسيقه وتكفيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في طائفة من الباطنية: "وأما من قال: (لكلامهم تأويل يوافق الشـريعة)؛ فإنه من رءوسهم وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكيا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أكفر من النصارى؛ فمن لم يكفر هؤلاء، وجعل لكلامهم تأويلا، كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد".(15)
وقال أيضا رحمه الله: "وعنه -أي الإمام أحمد- في تكفير من لا يكفر روايتان؛ -يعني في تكفير من لم يكفر الجهمية- أصحهما لا يكفر".(16) انتهى كلامه.

وقال الإمام البخاري رحمه الله: "نظرت في كلام اليهود، والنصارى، والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -يعني الجهمية-، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا يعرف كفرهم".(17) انتهى كلامه رحمه الله.

والظاهر من قول الإمام البخاري أنه يذهب إلى عدم تكفير المتوقف في الجهمية؛ كإحدى الروايتين عن أحمد.

وقال المرداوي رحمه الله: "وذكر ابن حامد في أصوله كفر الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، وقال: "من لم يكفر من كفرناه فسق وهجر، وفي كفره وجهان"، والذي ذكره هو وغيره من رواة المروذي، وأبي طالب، ويعقوب، وغيرهم: أنه لا يكفر -إلى أن قال:- وقال في إنكار المعتزلة استخراج قلبه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسـراء وإعادته: في كفرهم به وجهان، بناء على أصله في القدرية الذين ينكرون علم الله وأنه صفة له، وعلى من قال: لا أكفر من لا يكفر الجهمية".(18) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة -يعني الذين يفضلون عليا على سائر الصحابة بلا طعن فيهم- ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافا عنه أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشـريعة". (19) انتهى كلامه رحمه الله.

والقسم الثالث من المرتبة الثالثة: من كانت له أصول صحيحة فتأول؛ كما جاء في خطأ بعض الصحابة رضي الله عنهم في تكفير بعض المرتدين؛ حيث بين الله تعالى خطأ من توقف، ولم يحكم عليهم بكفر.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشـركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: "كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فـــاستغفروا لهم"، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، قال: فكتب إلي من بقي من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشـركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [العنكبوت: 10] الآية".(20)

وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله: "فأنزل الله هذه الآية، وبين فيها حكم هؤلاء المشـركين، وأنهم من أهل النار، مع تكلمهم بالإسلام".(21) انتهى كلامه.

وروي أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في تكفير بعض المرتدين، فلما بين الله تعالى كفر هؤلاء القوم لم يأمر من توقف فيهم بتجديد إسلامه.

فقد قال الله تعالى:{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88].

وصح في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، قال بعضهم: "نقتلهم"، وقال بعضهم: "لا".(22)

وصح عن مجاهد رحمه الله، أنه قال: "قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فـاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فـاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: "هم منافقون"، وقائل يقول: "هم مؤمنون"، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم".(23)

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شـيء، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] الآية". (24)

وقال الإمام الطبري رحمه الله في تأويل قوله تعالى-: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] قال: "يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشـرك في إباحة دمائهم، وسبي ذراريهم".(25) انتهى كلامه رحمه الله.

وقد رجح الإمام الطبري أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، حيث قال بعدما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك: قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة".(26) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال ابن أبي زَمَنِين رحمه الله -وهو من أئمة أهل السنة-: "هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة؛ فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا من مكة إلى اليمامة تجارا فـرتدوا عن الإسلام، وأظهروا ما في قلوبهم من الشـرك، فلقيهم المسلمون، فكانوا فيهم فئتين؛ أي فرقتين، فقال بعضهم: قد حلت دماؤهم؛ هم مشـركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم؛ هم قوم عرضت لهم فتنة، فقال الله -تعالى-: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]".(27) انتهى كلامه رحمه الله.

ورجح طائفة من العلماء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقف في تكفير مانعي الزكاة في بادئ أمرهم، ولما بين له أبو بكر رضي الله عنه كفرهم وافقه، ولم يستتبه على توقفه فيهم؛ فقد صح عن عمر رضي الله عنه، أنه قال لأبي بكر رضي الله عنه في شأن "المرتدين": كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ».(28)

* والحكم في هذه الحال: أن المتوقف لا يكفر ابتداء، بل يحكم عليه بالخطأ، وهذا الحكم مبني على أن التكفير من الأحكام الشـرعية، وأن حكم المجتهد المخطئ فيه كحكم غيره ممن أخطأ في المسائل الشـرعية، فإذا بينت له الأدلة وانقطع تأويله ثم توقف بعد ذلك فهو كافر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين والجاحد لها كافر بالاتفاق مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه".(29) انتهى كلامه رحمه الله.
وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: "ثم لو قدر أن أحدا من العلماء توقف عن القول بكفر أحد من هؤلاء الجهال المقلدين للجهمية، أو الجهال المقلدين لعباد القبور، أمكن أن نعتذر عنه بأنه مخطئ معذور، ولا نقول بكفره لعدم عصمته من الخطأ، والإجماع في ذلك قطعي".(30) انتهى كلامه.

المرتبة الرابعة- من توقف فيمن وقع في كفر أو شـرك، وكان سبب توقفه غرضا شـرعيا مباحا، فمن ذلك:

1- من توقف فيمن وقع في نوع شـرك أو كفر مختلف في أنه مخرج من الملة؛ كترك الصلاة.

2- ومن ذلك من توقف فيمن انتسب للعلم الشـرعي بغرض الدفع عن تكفير علماء المسلمين.

وحكم المتوقف في هاتين الصورتين أنه مجتهد مأجور بإذن الله؛ إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشـرعية؛ حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر حماية له، ونصـرا لأخيه المسلم: لكان هذا غرضا شـرعيا حسنا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد". (31) انتهى كلامه.

* وههنا سؤال مهم، وهو: أين مرتبة المتوقف في عباد القبور من هذه المراتب؟

• والجواب أن مرتبة المتوقف في القبورية تختلف بحسب ظهور الشـرك أو الاعتقاد في صاحب القبر، ولا شك أن منها ما يماثل عبادة الأصنام أو يزيد عليها، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها ما يقتصـر على الابتداع في الدين ولا يبلغ الشـرك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والمراتب في هذا الباب ثلاث:

إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصـرني على عدوي، ونحو ذلك فهذا هو الشـرك بالله...

* وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي؛ كما يفعله طائفة من الجهال المشـركين..

* وأعظم من ذلك: أن يسجد لقبره ويصلي إليه، ويرى الصلاة أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص، والكعبة قبلة العوام..

* وأعظم من ذلك: أن يرى السفر إليه من جنس الحج، حتى يقول: (إن السفر إليه مرات يعدل حجة)، وغلاتهم يقولون: (الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة)، ونحو ذلك؛ فهذا شـرك بهم، وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه..

الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا؛ كما تقول النصارى لمريم وغيرها؛ فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة...

فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا: لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكى إليه شـيء من مصائب الدنيا والدين؛ ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته؛ فإن ذلك في حياته لا يفضـي إلى الشـرك، وهذا يفضـي إلى الشـرك..
الثالثة: أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه".(32) انتهى كلامه رحمه الله.
ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تعالى التوفيق والعون والسداد، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 101
الخميس 22 محرم 1439 ه‍ـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 101 الافتتاحية: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 101
الافتتاحية:

أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ


إن النَّاظر في حال الكفار اليوم بمختلف مللهم ونحلهم، يرى فيهم الكبر والعجب، والبطر والخيلاء، يصُّبون حِمم حقدهم على المسلمين، أينما وُجدوا، ولا يألون في ذلك جهدا، ولا يدَّخرون فيه وُسعا، يبذلون الغالي والنفيس لإطفاء نور الله، وردِّ المسلمين عن دينهم، حسِبوا أنهم على ذلك قادرون، وله منجزون، مصرِّحين للعالم أجمع بقولهم: "من أشد منا قوة"، قالوها وقد مُلئت قلوبهم تجبُّرا وعنادا، وكفرا وإلحادا، ظانِّين أنهم مُعجِزو الله، وأن لن يقدر عليهم أحد، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15]، {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} [التوبة: 70]،{ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: 21].

إن الله الذي أهلك عادا وثمود، وفرعون وهامان وجنودهما، وكلَّ من قاتل الأنبياء وعادى الرُّسل، لن تُعجزه أمريكا وروسيا، ولا الروافض والنصيرية، ولا ملاحدة الأكراد ومرتدو الصحوات، بل ولا كفار الأرض مجتمعين، فإن إهلاكهم عليه يسير، وإنه عليهم لقدير، {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59]، كيف لا، وهم لا يشاؤون إلا أن يشاء، ولا يقدرون إلا أن يأذن، فإن طائراتهم تطير بقدر الله، وهو قادر على إسقاطها إن شاء، وإن سفنهم تجري بأمر الله، وهو قادر على إغراقها إن شاء، وإن آلياتهم تمشي بإذن الله، وهو قادر على تدميرها إن شاء، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].

وإن المسلمين إذا تيقنوا بأن الله للكافرين قاهر، ودينه عليهم ظاهر، وأن الله يبتليهم بالكافرين، ويبتلي الكافرين بهم، توكلوا على خالقهم حق التوكل، سألوه النصر وحده، وخاضوا غمار الحرب، حاديهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) [سنن الترمذي]، فإن الله ناصر جنده، ومعزُّ عباده، وهو قاهر أعدائه، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147]، وإن من ظنُّوا غير ذلك فإنما {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15].

وإننا كلما اشتدت الكروب، وعظمت الخطوب، ازددنا يقينا بأن الله منجزنا ما وعدنا، وأن نصره لنا قد اقترب، وأن الله لن يخذلنا، وأنه جاعل لنا من هذا الضيق مخرجا، إنما هو الابتلاء الذي يُنقى به الصف، والامتحان الذي يخرج به الخبث، وإن الله قد ابتلى من كان قبلنا بما هو أشد، حتى إذا أذن بنزول النصر نزل، لم يمنعه عدد الكفار وعتادهم، ولا قوتهم وجبروتهم، {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

وإننا نعلن لأمم الكفر قاطبة، أننا اليوم بتنا من النصر أقرب من أي وقت مضى، فقد صقلتنا الشدائد، وخرج من صفوفنا الخبث، ونزداد في كل يوم من الله قربا وإليه التجاءً، وتزدادون منه بعدا وعنه نفورا، فما هي إلا مسألة وقت حتى تخور قواكم ويُكسر كبرياؤكم، {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196-197]، فأنتم تتربصون بنا أن تُفنينا حملتكم الأخيرة هذه، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52]، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 101
الخميس 22 محرم 1439 ه‍ـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً