حين يتحوّل التخرّج من تتويجٍ للعقل إلى مهرجانٍ للسطحية هناك ظاهرة متفشّية باتت تهيمن على مشهد ...

حين يتحوّل التخرّج من تتويجٍ للعقل إلى مهرجانٍ للسطحية


هناك ظاهرة متفشّية باتت تهيمن على مشهد احتفالات التخرّج في جامعاتنا، ظاهرة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. والحديث هنا ليس اعتراضاً على مبدأ الاحتفال في حدّ ذاته، فالاحتفال بالنجاح سلوك إنساني مشروع ونبيل، بل هو تعبير طبيعي عن إدراك قيمة الجهد المبذول، وعن الاعتراف بمحطة مهمّة في مسار الحياة. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية الاحتفال، وفي الانزياح الخطير الذي أصاب فهمنا لمعناه ووظيفته.

فالاحتفاء بالإنجاز، حين يكون واعياً، يعزّز الثقة بالنفس، ويمنح دفعة نفسية نحو أهداف أكبر، ويذكّر الإنسان بأن النجاح يستحق التقدير، خاصة في عالم يُتقن تذكيرنا بالإخفاق وينسينا ما حققناه. حتى أبسط أشكال الاحتفاء الرمزي قد تترك أثرًا عميقًا في النفس إذا جاءت في سياقها الصحيح.

لكن ما يثير القلق، بل الاستياء، هو أن احتفالات التخرّج في كثير من جامعاتنا خرجت عن هذا السياق تماماً. لقد تحوّلت من طقس أكاديمي يكرّم المعرفة والعقل والالتزام، إلى مهرجانات للضحك والرداءة المبتذلة. اختفى الوقار، وغاب المعنى، وحلّت محلّه مظاهر صاخبة لا تمت للجامعة بصلة.

أصبحت منصّات التخرّج، في بعض الحالات، ساحات للرقص لا للخطاب، وللاستعراض لا للفكر. في اليوم الذي يُفترض أن يقف فيه الخريجون ليقدّموا كلمات مُلهمة للقادمين من بعدهم، وليجسّدوا نموذج الطالب الذي اجتاز مرحلة علمية بنجاح، نجد الاحتفال يُختزل في رقص فاضح، وتبرّج فج، وتسريحات شعر مشوّهة، ومظاهر تُفرغ اللحظة من أي قيمة رمزية.

نحن هنا أمام خلط خطير بين مجال الجد ومجال الهزل. فالجامعة ليست ملهى ليلياً، ولا ساحة للتسلية العابرة، بل مؤسسة وُجدت لحماية القيم العليا للمعرفة، ولصناعة العقل، ولتخريج إنسان قادر على التفكير والمسؤولية. وحين يُحتفى بالخريج بهذا الشكل السطحي، فإن الرسالة التي تُرسل إلى الطلبة الجدد رسالة مضلِّلة: أن الجهد العلمي لا يُكافأ بالفكر، بل بالضجيج، وأن القيمة ليست في ما تعلمته، بل في ما تستعرضه.

وأخطر ما في الأمر أن هذا النمط من الاحتفال لا يسيء فقط إلى صورة الخريج، بل إلى صورة الجامعة نفسها، ويُفرغ الشهادة من رمزيتها، ويحوّل لحظة كان يُفترض أن تكون تتويجاً للعقل إلى إهانة رمزية له.

إن المطلوب ليس إلغاء الفرح، ولا تحويل التخرّج إلى جنازة أكاديمية، بل إعادة ضبط البوصلة. أن يكون الاحتفال امتداداً للدرس، لا قطيعة معه. أن يكون لحظة تكريم للجهد والمعرفة، لا مناسبة لطمسها. أن يخرج الطالب من الجامعة وهو يحمل في سلوكه واحتفاله صورة المؤسسة التي ينتمي إليها، لا صورة فراغ ثقافي لا يليق باسمه ولا بسنوات دراسته.

فالجامعة، إن فقدت وقارها في لحظات التتويج، فقدت قدرتها على صناعة المعنى. والاحتفال الذي لا يحترم العقل، ليس احتفالاً، بل إعلاناً صريحاً عن أزمة وعي ينبغي التوقّف عندها بجدّية.

أنور السادات صالح
...المزيد

معلومات

كاتب سوداني

أكمل القراءة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً