لم نعد نعيش أزمة جهل صريح كما كان يُظن، بل دخلنا مرحلة أشد خطورة: مرحلة ادّعاء المعرفة. فالجاهل قد ...

لم نعد نعيش أزمة جهل صريح كما كان يُظن، بل دخلنا مرحلة أشد خطورة: مرحلة ادّعاء المعرفة. فالجاهل قد يدرك نقصه فيتعلّم، أما المتعالم فيتوهم الاكتمال، فيغلق على نفسه باب الفهم، ويغلق معه أبواباً كانت يمكن أن تُفتح لغيره. وهنا تتحول المشكلة من نقص في المعلومات إلى خلل في الوعي.

لقد أصبحت منصّات التواصل ساحة مفتوحة لكل من امتلك هاتفاً وكلمةً عابرة. لم يعد المعيار هو العلم، ولا التخصص، ولا التجربة، بل الجرأة على الكلام. يتقدّم من عرف ولو معلومة ناقصة، أو قرأ سطراً مبتوراً، فيتحدث بثقة العارف، ويمنح نفسه صفة “المثقف” و“الواعي”، ثم يجد من يصفّق له ويمنحه شرعية زائفة. وهكذا، لا يعود الخطأ خطأً، بل يتحوّل إلى “رأي”، ثم يرتقي إلى “حقيقة” مزعومة بفعل التكرار والحماسة العمياء.

المأساة لا تقف عند المتعالم وحده، بل تتفاقم بأتباعه. أولئك الذين لا يسألون، لا يتحققون، لا يُعملون عقولهم، بل يكتفون بالترديد. يستهلكون ما يُقال دون تمحيص، ويعيدون نشره دون أدنى مسؤولية. هنا يبدأ الانحدار الحقيقي: حين يُستبدل النقد بالتصفـيق، ويُستبدل البحث بالانتماء، وتُقاس الحقيقة بعدد المؤيدين لا بميزان الدليل.

وفي ظل هذا الضجيج، ينزوي أهل العلم والمعرفة الحقّة. ليس عجزاً عن البيان، بل زهداً في سوق يعلو فيه الصوت على الحجة، وتُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة. فينسحب العالِم حين يرى أن ميزان الحق مختل، وأن الجهد الصادق يُغرقه سيل من السطحية والتهريج. وهكذا، يفرغ المشهد لمن لا يملكون من العلم إلا قشوره، فيزداد الضجيج، ويقلّ النور.

إن أخطر ما في هذه الحالة ليس انتشار الخطأ فحسب، بل تطبيع الخطأ. حين يعتاد الناس رؤية المعلومة المبتورة، والتحليل السطحي، والخطاب المتسرع، يصبح ذلك هو “المعيار”. وحين يُكافأ المتعالم بالشهرة، ويُهمَّش المتخصص لبطئه واحترازه، تتبدل القيم: يصبح التسرّع فضيلة، والتدقيق عيباً، والاختصار المُخلّ “ذكاءً”، والعمق “تعقيداً”.

ما الحل إذن؟

أولاً: استعادة قيمة السؤال. لا تقبل فكرةً لمجرد أنها منتشرة. اسأل: من قال؟ وعلى أي دليل؟ وما مصدره؟
ثانياً: إحياء ثقافة التحقق. لا تنشر قبل أن تفهم، ولا تُحاجج قبل أن تتأكد.
ثالثاً: تربية الذائقة النقدية. النقد ليس خصومة، بل بحث عن الصواب. لا تصفّق إلا لما يستحق، ولا تُعارض إلا بحجة.
رابعاً: إسناد الصوت للعلم. تابع من يضيف، لا من يثير. ادعم المحتوى الجاد، وامنحه المساحة التي يستحقها.

إننا أمام معركة صامتة: معركة بين العلم والضجيج، بين العمق والسطحية، بين التحقق والتلقّي الأعمى. ولن يُحسم هذا الصراع بكثرة الكلام، بل بجودة ما نقول، وبمسؤوليتنا عمّا ننشر، وبشجاعتنا في الاعتراف بأننا لا نعلم.

فالجاهل يمكن تعليمه، لكن المتعالم يحتاج أولاً إلى أن يتواضع ليتعلم. وإذا لم نستعد ميزان العلم، سنبقى ندور في دائرةٍ يُعاد فيها إنتاج الخطأ، ويُسوّق فيها الوهم، ويُمنح فيها الجهل ثوب المعرفة.

وحينها لن نكون ضحايا الجهل، بل ضحايا ادّعائه.

أنور السادات صالح
١٧ شوال ١٤٤٧هـ
5 ابريل 2026م
...المزيد

حين يتحوّل التخرّج من تتويجٍ للعقل إلى مهرجانٍ للسطحية هناك ظاهرة متفشّية باتت تهيمن على مشهد ...

حين يتحوّل التخرّج من تتويجٍ للعقل إلى مهرجانٍ للسطحية


هناك ظاهرة متفشّية باتت تهيمن على مشهد احتفالات التخرّج في جامعاتنا، ظاهرة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. والحديث هنا ليس اعتراضاً على مبدأ الاحتفال في حدّ ذاته، فالاحتفال بالنجاح سلوك إنساني مشروع ونبيل، بل هو تعبير طبيعي عن إدراك قيمة الجهد المبذول، وعن الاعتراف بمحطة مهمّة في مسار الحياة. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية الاحتفال، وفي الانزياح الخطير الذي أصاب فهمنا لمعناه ووظيفته.

فالاحتفاء بالإنجاز، حين يكون واعياً، يعزّز الثقة بالنفس، ويمنح دفعة نفسية نحو أهداف أكبر، ويذكّر الإنسان بأن النجاح يستحق التقدير، خاصة في عالم يُتقن تذكيرنا بالإخفاق وينسينا ما حققناه. حتى أبسط أشكال الاحتفاء الرمزي قد تترك أثرًا عميقًا في النفس إذا جاءت في سياقها الصحيح.

لكن ما يثير القلق، بل الاستياء، هو أن احتفالات التخرّج في كثير من جامعاتنا خرجت عن هذا السياق تماماً. لقد تحوّلت من طقس أكاديمي يكرّم المعرفة والعقل والالتزام، إلى مهرجانات للضحك والرداءة المبتذلة. اختفى الوقار، وغاب المعنى، وحلّت محلّه مظاهر صاخبة لا تمت للجامعة بصلة.

أصبحت منصّات التخرّج، في بعض الحالات، ساحات للرقص لا للخطاب، وللاستعراض لا للفكر. في اليوم الذي يُفترض أن يقف فيه الخريجون ليقدّموا كلمات مُلهمة للقادمين من بعدهم، وليجسّدوا نموذج الطالب الذي اجتاز مرحلة علمية بنجاح، نجد الاحتفال يُختزل في رقص فاضح، وتبرّج فج، وتسريحات شعر مشوّهة، ومظاهر تُفرغ اللحظة من أي قيمة رمزية.

نحن هنا أمام خلط خطير بين مجال الجد ومجال الهزل. فالجامعة ليست ملهى ليلياً، ولا ساحة للتسلية العابرة، بل مؤسسة وُجدت لحماية القيم العليا للمعرفة، ولصناعة العقل، ولتخريج إنسان قادر على التفكير والمسؤولية. وحين يُحتفى بالخريج بهذا الشكل السطحي، فإن الرسالة التي تُرسل إلى الطلبة الجدد رسالة مضلِّلة: أن الجهد العلمي لا يُكافأ بالفكر، بل بالضجيج، وأن القيمة ليست في ما تعلمته، بل في ما تستعرضه.

وأخطر ما في الأمر أن هذا النمط من الاحتفال لا يسيء فقط إلى صورة الخريج، بل إلى صورة الجامعة نفسها، ويُفرغ الشهادة من رمزيتها، ويحوّل لحظة كان يُفترض أن تكون تتويجاً للعقل إلى إهانة رمزية له.

إن المطلوب ليس إلغاء الفرح، ولا تحويل التخرّج إلى جنازة أكاديمية، بل إعادة ضبط البوصلة. أن يكون الاحتفال امتداداً للدرس، لا قطيعة معه. أن يكون لحظة تكريم للجهد والمعرفة، لا مناسبة لطمسها. أن يخرج الطالب من الجامعة وهو يحمل في سلوكه واحتفاله صورة المؤسسة التي ينتمي إليها، لا صورة فراغ ثقافي لا يليق باسمه ولا بسنوات دراسته.

فالجامعة، إن فقدت وقارها في لحظات التتويج، فقدت قدرتها على صناعة المعنى. والاحتفال الذي لا يحترم العقل، ليس احتفالاً، بل إعلاناً صريحاً عن أزمة وعي ينبغي التوقّف عندها بجدّية.

أنور السادات صالح
...المزيد

معلومات

كاتب سوداني

أكمل القراءة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً