الدولة الإسلامية - قصة شهيد: نفَّذ وخطط عشرات العمليات التي قصمت ظهر الطغاة (هدايت الله ...

الدولة الإسلامية - قصة شهيد:


نفَّذ وخطط عشرات العمليات التي قصمت ظهر الطغاة
(هدايت الله البلوشي) أسد من أسود خراسان نكّل بالمرتدين والمشركين وأدمى قلوبهم


لقد قيَّض الله تعالى لهذه الأمة رجالا سلِمت فطرهم، وعرفوا الحق وصدعوا به، لم يهابوا الطغاة والمتجبرين، بذلوا دماءهم لقيام دولة الإسلام بعد غياب مئات السنين، خلافة علی منهاج النبوة، فكانت ربيعا خضرا، أراحت النفوس وشفت الصدور، عبق نسيمها في كل أنحاء الأرض -أرض الله-، فتأسست ولايات لهذه الدولة في كثير من البقاع، ورفعت راية التوحيد برَّاقة، وكل ذلك بفضل الله عزوجل، ثم بفضل أولئك الأشاوس الأبطال الذين امتلأت قلوبهم بعز الإيمان بالله، وبالتمسك بدينه القويم (الكتاب والسنة)، فأعادت إلی الأرض زخرفها بعد أن عاشت خريفا طويلا، لم ييأس فيه أهل الصلاح والإصلاح، باذلين ما يملكون لإعادة النور إلی أرض الله، فقـُتلوا وشُـردوا وأوذوا في سبيل إعادة هذه الخلافة، علی منهاج النبوة، بإذن الله.

وهكذا قامت ولاية خراسان إحدى ولايات الدولة الإسلامية، قامت في أقصی المشرق الإسلامي، فعاد الخير لأهلها، ولكن أبی الكفار والمرتدون الظلمة الفجرة وأهل الخيانة والمكر، أبوا جميعا إلا بتر هذا الفرع عن ساقه القويم، وإضعافه، فخابوا وخسروا، وهيهات هيهات أن يطفئوا نور الله، والله متم نورہ ولو كرہ الكافرون.

فلقد كان من هؤلاء الأبطال فارسنا المغوار، الأخ الكريم، والشيخ الداعية المجاهد الأسد
أبو محمود المعروف بـ (هدايت الله البلوشي) من قبيلة بريهوي، رحمه الله، وتقبله شهيدا في الفردوس الأعلی مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ولد في قرية "كـَنداوَه" بمنطقة "مَـستونـْغ" بولاية بلوشستان في باكستان عام 1987، وبعد عامين من ولادته فـَقـَـدَ والدته، وبدأ بتحصيل العلوم الشرعية وعمره ثمان سنوات، فحفظ القرآن، ثم سافر إلی مدينة كويته، فحصّل فيها بعض العلم الشرعي، ثم رحل بعدها إلی مدينة (لارْكانـَه) بمنطقة السند لاستكمال تحصيله العلمي هناك، وظل كذلك حتى نال أنهى دراسته في أحد مدارسها.

ثم رجع إلى قريته وأسس فيها مدرسة سماها بـ (جامعة الأمير معاوية) قام على إدارتها وتنظيم شؤونها، إضافة إلی ذلك انشغل بالخطابة في القرية ودعوة الناس إلی دين الله وشرعه، فكان -تقبله الله- يركز على التحقيق في المسائل الشرعية، كثير الاستدلال بالكتاب والسنة في علمه وأقواله وخطبه.


• أخلاقه ومآثره:

كان محبا لإخوانه العاملين تحت إمرته، ليناً معهم، فكانوا يقدرونه ويحترمونه كثيرا، حتى إن البعض كان يناديه بالخال، والبعض الآخر بلقب الوالد من شدة احترامهم له، كان يقضي أوقاته في الصفوف الأولى، تشجيعا لأصحابه رحمه الله، وكذا يقضي دوره في الحراسة بالمعسكرات في الأماكن الأمنية، فيقيم معهم حرصا على تشجيعهم ورفع معنوياتهم في طريق الجهاد والقتال، ولأجل ذلك كان المفتي -رحمه الله تعالی- قائدا محبوبا من كل إخوانه المجاهدين.

فقد حكى بعض أصحابه أنه كان لا يتحمل من يخالف الشريعة بالبدع والخرافات، فينكرها ويوضح للجميع الحكم الشرعي في ذلك، ويقول: "علينا أن نرضي الله ولا نسعى لإرضاء خلقه"، وكانت له هيبته حيثما حل وارتحل، حتی إنه إذا وصل إلی مجلس أو مكان، يخافه أهل البدع فلا يقتربوا منه من شدة هيبته، وكان مثالا للولاء والبراء، فكما كان يحب إخوانه المسلمين ويظهر شدة حبه لهم، كان أيضا بهذه الشدة يبغض المشركين والمرتدين والمخالفين لدين الله تعالی، وكان ملازما لتلاوة القرآن الكريم يوميا، نحسبه كذلك والله حسيبه.

• بداية حياته الجهادية:

شارك -تقبله الله- في عمليات عديدة، ومن أهمها تلك التي كانت على الرافضة بمنطقة (مَسْـتونـْغ) حيث قاموا بإنزال الرافضة من حافلة كانوا يستقلونها ثم قتلوهم، وكان عددهم 36 مشركا مرتدا.

وفي عملية أخرى قـُتل 25 رافضيا كانوا يستقلون حافلة بعد تفجير سيارة مفخخة عليهم في "غنج دوري" بمنطقة "مستونغ" أودت بحياة أعداء الله، ولله الحمد، وفي منطقة "ديرنـَغـَر" قـُتل حوالي 20 رافضيا باستهداف حافلتهم بسيارة مفخخة أحرقتهم جميعا، وقـُتل عدد من ميليشيا الحدود الباكستانية بسيارة مفخخة، وقتل في العملية ضابط برتبة رائد مع اثنين من جنوده المرتدين، وكان المفتي قد شارك بنفسه في هذه العملية.

وكان رحمه الله يهتم كثيرا بتنظيم أمور الجماعة وإصلاحها قـُدما وخاصة بوحدة رجالها وقوتها، وكان من أكبر همومه وحدة الكلمة في العمل الجهادي، فبعد إعلان الخلافة وتعيين الحافظ سعيد خان -تقبله الله شهيدا- واليا على خراسان اجتمع المفتي مع أمير (لشكر جهنغوي باكستان) ثم اتفقا على تنظيم شوری مشتركة بين الفصيلين لينضما مع بعضهما لبيعة دولة الخلافة، فارتبطوا بولاية خراسان مع الوالي الحافظ سعيد خان -تقبله الله-، وقُبلت بيعتهم، وأمرهم الحافظ بأن يتفقوا علی جعل أمير عام لكلا الفصيلين ليكونوا جماعة واحدة، فاتفقوا جميعا على تعيين هدايت الله أميرا على الجميع دون منازع ولله الحمد، فأصبحوا متحدين تحت قيادته مبايعين للدولة وتابعين لولاية خراسان، وذلك لِما وجدوا فيه من الأهلية لهذه المسؤولية لعلمه وتجربته وفهمه وفراسته رحمه الله.

وهكذا زادت همة وعزيمة الشيخ رحمه الله، حيث وُضع علی كاهله حمل أكبر وأعظم، ألا وهو حِمل الإمارة وحِمل رفع راية الخلافة علی منهاج النبوة، وحمل مسؤولية تطبيق نهجها علما وعملا وقتالا شديدا ضد أهل الردة وأهل والشرك، فشد رحمه الله ساعده على الكفار، ما جعل فترته مليئة بالملاحم ضد المرتدين والروافض وأهل الشرك والتنديد بمدن باكستان عامة وببلوشستان خاصة.


• ملاحمه ضد المرتدين والروافض وأهل الشرك:

ومن أبرز وأكبر العمليات الدامية التي خططها وقام بتنفيذها رحمه الله، العمليات الاستشهادية التي ضربت معابد الرافضة المشركين في السند وبلوشستان إضافة للعمليات التي استهدفت النصارى الصليبيين في كويته والعمليات الاستشهادية التي ضربت الاستخبارات الباكستانية المرتدة في البنجاب وغيرها من العمليات التي استهدفت صروح الشرك والكفر في باكستان.

فقد كانت عملياته -تقبله الله- رغم قصر عمره -أيام الخلافة خاصة- عامان ونصف، شديدة على المرتدين وعلى طواغيت باكستان، فطال عمره بأعماله وبعملياته وبجهاده ومثابرته ونشاطه رحمه الله، فكم آذى المرتدين والمشركين بشجاعته وإقدامه، رحمه الله رحمة واسعة ونسأل الله أن يعوض دولة الإسلام فقد مثل هؤلاء الرجال.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 146
الخميس 26 ذو الحجة 1439 ه‍ـ
...المزيد

متى نصر الله منذ فجر الإسلام وبزوغ شمسه، بشر ربنا العليم الخبير عباده بالنصر والتأييد والفوز ...

متى نصر الله

منذ فجر الإسلام وبزوغ شمسه، بشر ربنا العليم الخبير عباده بالنصر والتأييد والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وقد تحقق نصر الله لعباده المتقين في مواطن لا تحصى، وبأوقات مختلفة وصفات متغيرة فلم يكن نصر الله دوما بذات الهيئة أو نفس الطريقة.

وقد فهم ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان ويقين، وعلموا أن النصر من عند الله مُؤكد مُتيقن ولكنه بالوقت والصفة التي يختارها الله سبحانه بعد تحقيق وعده الآخر سبحانه {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، فكان وعد الله الذي علموه من تحقق البلاء قبل الظفر {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

فقرب النصر قد يكون أياما أو شهورا أو سنينا فالأمر مقرون بتحقق أسبابه من ابتلاء وتمحيص وإعداد وغير ذلك مما يقدره الحكيم الخبير جل وعلا، وهو أعلم بالخير لعباده {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216]

وفي خضم الصراع الدائم بين الحق والباطل يزداد البلاء فيتساقط الخبث ويظهر المنافقين ممن يسيؤون الظن بالله أو السماعون لهم ممن أصاب قلوبهم المرض فاستعجلوا النصر وبدأ الشك والريب يتسلل لقلوبهم ملبين تلبيسات إبليس، ففي غزوة الأحزاب وفي ذروة الضيق والشدة والبلاء من حصار وجوع وبردٍ وخوف، يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بكنوز فارس والروم فكان موقف أهل الإيمان مصدقاً وموقنا بموعود الله (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) وعكس ذلك موقف أهل النفاق عياذاً بالله (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).

فأجزل الله للمؤمنين الثواب فكان جزائهم (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)، فلم تمض عدة سنين حتى تحقق موعود الله وبشارة رسوله عليه الصلاة والسلام فجلبت كنوز فارس والروم إلى المدينة وفرسان ذلك الفتح هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ثبت وصبر وجاهد حتى رأى موعود الله.

وهذه سنة الله في نصر عباده فقد وعد الله رسوله بالفتح، ولكن ذلك لم يكن في يوم وليلة بل مر منذ بعثته حتى فتح مكة ما يقارب العشرين سنة، ذاق فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صنوف الابتلاء وكانت الأيام فيها دول بينهم وبين عدوهم حتى كانت لهم العاقبة بعد صبر طويل.

وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تم صلح الحديبية ومنعوا من العمرة عن الرؤيا التي رآها الرسول بأن يدخلوا مكة ملبين فقال صلى الله عليه وسلم: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟) قال: لا قال: (فإنك آتيه ومطوف به)، فآتاهم الوعد الرباني (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحقِّ لَتَدخُلنَّ الْمَسجِدَ الْحرَامَ إِن شاء اللَّهُ آمنينَ مُحلّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ لَا تخافُون فَعَلمَ مَا لمْ تَعْلمُوا فَجعلَ مِن دُونِ ذَٰلكَ فَتحًا قَرِيبًا)، ففتح الله لهم مكة ليدخلوها آمنين مطمئنين بعدما طهرت من المشركين ودنسهم فكانت عمرة وفتحا جمع فيها الخير لهم.

وكذا كان حال إخواننا في الماضي القريب أقاموا نواة دولة الإسلام واثقين بنصر الله ووعده ولم يلتفتوا لتخذيل المخذلين وإرجاف المرجفين، فسخِر منهم المنافقون ووُصِف ثقتهم بنصر الله بـ(الأحلام) فكان موعود الله أصدق وأوثق فمكنهم الله ثم ابتلاهم عدة سنين، وجزاهم بعدها بنصر وفتح عظيم لم يخطر على بال كثير منهم، وقد صدقوا كما نحسبهم فصدقهم الله.

وإن ما تمر به الدولة في هذه الأيام هو حلقة سلسلة أقدار الله لعباده وإن نصر الله متحقق بإذن الله شاء أهل الكفر والنفاق والإرجاف أم أبوا، قال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي تقبله الله "سيقول لكم المنافقون وقطاع الطريق إلى الله: أتظنون أن شيئاً مما تريدون سيتحقق، وهل تظنون أن الخلافة الإسلامية أو حتى الدولة الإسلامية ستقوم... قولوا لهم إننا نأمل من نصر الله بما هو أبعد من ذلك.. إننا نرجو من الله أن يفتح البيت الأبيض والكرملين ولندن.. ومعنا وعد الله) فقد تحقق ما سخروا منه، وسيتحقق موعود الله بإذنه تعالى حقاً وصدقا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 146
الخميس 26 ذو الحجة 1439 ه‍ـ
...المزيد

إِحيَاءُ السُّنَنِ (3) • قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله ...

إِحيَاءُ السُّنَنِ (3)


• قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء). [مسلم].


▪ الحرص على قضاء السنن الرواتب

عن أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين بعد العصر فسألته عنهما فقال: (إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان). [متفق عليه].


▪ جلوس المرء في مصلاه حتى تطلع الشمس

عن جابر قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا". [مسلم].


▪ غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم

قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده). [مسلم].


▪ تعريض شيء من الجسد للمطر

عن أنس قال: "أصابنا مطر.. فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فحسر ثوبه حتى أصابه المطر، فقيل له: لم صنعت هذا يا رسول الله، فقال: (إنه حديث عهد بربه)". [مسلم].


▪ أداء الصلوات النوافل في البيت

قال -صلى الله عليه وسلم-: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة). [متفق عليه].


▪ الصلاة بالنعال الطاهرة في غير المسجد

عن أبي سلمة قال: سألت أنسا: "أكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في نعليه؟ قال: نعم". [متفق عليه].


▪ الاضطجاع بعد ركعتي سُنة الفجر

عن عائشة قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن". [البخاري].


▪ كتابة الوصية قبل مباغتة الأجل

قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). [متفق عليه].




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ قلوب بني آدم كلّها ...

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرّفه حيث شاء، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك). [رواه مسلم]


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514 الافتتاحية: • متغيّرات وثابت وحيد يزدحم المشهد ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514
الافتتاحية:

• متغيّرات وثابت وحيد

يزدحم المشهد العالمي بالتطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة في التحالفات والصراعات، الأمر الذي أصاب الكثيرين بالتيه والحيرة جراء التسارع الرهيب في الأحداث، وما ذلك إلا لغفلتهم عن الاستمساك بالعروة الوثقى؛ الثابت الوحيد وسط كل هذه المتغيّرات، وحبل الله العاصم من كل هذه القواصم.

ولعل أبرز ما يطفو على السطح هذه الأيام القمم والمؤتمرات بل المؤامرات المنصبة على جهود وضع خاتمة للمشهد الفلسطيني الدامي، وجهود سوق طواغيت العرب إلى جحر "التطبيع" مع اليهود موالاة وتوليا، علما أن جميع الأطراف الطاغوتية متورطة في نسج خيوط هذه المؤامرة اليهودية الصليبية على أمة الإسلام، ولا وجود للأبرياء أو المحايدين في هذا الملف.

وبينما تغرق الساحة الدولية بهذه الصراعات والمتغيرات، يقف البعض حائرا تائها لا يدري ماذا يفعل، وما الموقف الذي يتخذه حيال هذا الواقع المضطرب الذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، ولا شك أن هذا الشعور يختلج صدور كثير من عامة المسلمين، إذا ما أردنا أن نفرّق بين العامة والخاصة في زمن الإسفاف.

والحقيقة أن هذا "التيه" لا يليق بالمسلم وبين يديه كتاب ربه سبحانه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي ما ترك خيرا إلا دلّنا عليه ولا شرا إلا حذّرنا منه، حتى أكمل الله به الدين وأتمّ به النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال.

والسبب الرئيس لكل هذا التيه والعمه، هو تعطيل الكتاب والسنة في حياة الناس، والمرء قد يتلو الآيات ليل نهار، لكنها مع ذلك معطلة في حياته؛ ليست سوى تراتيل تُتلى ثم تُطوى ولا يبقى منها أثر في واقعه العملي، وبذلك يفقد المرء بصيرته، فأنى يبصر النور وسط هذا النفق المظلم؟!

ولقد دلّنا الوحيُ على الموقف غير المحايد الذي ينبغي للمسلم اتخاذه تجاه المتغيرات من حوله، وأكدت نصوص الشريعة أن التوحيد هو الثابت الوحيد والركن الشديد الذي يأوي إليه المسلم في جميع أحواله، ويبقى بالنسبة إليه المعيار والميزان الذي يزن الأمور به ويقيس المواقف وفقا له، ولا يخرج عنه قيد أنملة، لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وحديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-). [الحاكم والبيهقي].

فعبر منظار التوحيد وبوصلته، يرى المسلم جميع هذه المؤتمرات مؤامرات صرفة يحيكها دهاقنة الشر من الغزاة اليهود والصليبيين لأمة الإسلام، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو سوريا الأسيرتين، أو فيما يتعلق بملف موالاة اليهود تحت مسمى "تطبيع العلاقات" أو غيرها من الملفات التي تتصدر المشهد.

وها هنا لفتة منهجية مهمة لمن يعادي "التطبيع" وطنيةً لا ديانةً؛ إن الحل الأوحد الذي يصمد أمام "مؤامرة التطبيع" هو التوحيد بولائه وبرائه، وليست الوطنية ومشتقاتها من "المقاومة" و "الثورة" وغيرها من المفرزات التي أنتجتها المناهج الجاهلية وطغت على المشهد خلال العقود الأخيرة ولم ينج منها إلا من رحم.

وبالتالي، فالمسلم الذي يشتكي "التيه والحيرة" من متغيرات الساحة وتقلباتها، مأمور شرعا بلزوم منهاج نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله الله هاديا وبشيرا بالتوحيد الذي لا تغيّره صروف الدهر مهما بلغت، كما أرسله المولى -تبارك وتعالى- بشريعة الجهاد الذي هو سلاح المسلم في التصدي لجيوش الأحزاب والمنافقين الذين يجتمعون اليوم في "الأمم المتحدة" وغيرها من المحافل الجاهلية، للنيل من الإسلام.

ولا يتوقع المسلم أو يظن لوهلة أن كل هذه المؤتمرات والجهود الدولية الماراثونية ستتمخض عن خير للمسلمين، بل كل الشر أن يظن المرء ذلك! وكل الخير أن يقطع المرء أمله في كل هؤلاء، بل الخير المحض والواجب عليه والفرض أن يكفر بهم ويعاديهم وينظر إليهم بنفس العين التي ينظر بها إلى اليهود والنصارى، فإنْ فَعَل ذلك واستوت عنده كل الأطراف الجاهلية الناطقة بالعربية أو الأعجمية؛ زال "تيهه" وانجلت "حيرته" وأبصر الحق حقا والباطل باطلا.
إن المسلم الذي يشتكي "الحيرة" في زمن المتغيرات المتلاحقة، عليه أن ينهل من معين النبوة، وأن يرد مواردها العذبة فهي البوصلة التي لا تخيب، وهي النور الذي لا يخبو إلى قيام الساعة.

وقد أخبر تعالى في كتابه أنه يهدي أولياءه إلى نور الهداية ويخرجهم من ظلمات التيه فقال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك". انتهى كلامه.

وحاصل الكلام أيها المسلم، أن سبيل نجاتك وهدايتك وسط هذه الظلمة هو كفرك بالطاغوت لقوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا}، والعروة الوثقى هي عين ما تبحث عنه وتطلبه أيها الهائم، وهي "الطريقة المثلى والصراط المستقيم".

ومِن أظهر صور الطاغوت في عصرنا: الحكام المرتدون الذين يحكمون بلاد المسلمين بالقوانين الجاهلية، ويوالون اليهود والنصارى وينفذون مؤامراتهم، فالمسلم مطالب بالكفر بهؤلاء كافة، وتكفيرهم واتخاذهم أعداء كما يتخذ اليهود والنصارى أعداء.

واعلم -أيها المسلم- بأن الطاغوت منظومة جاهلية كاملة لا تقتصر على شخص الحاكم، بل تشمل كل سدنته وأعوانه وأركان حكمه؛ من الجنود والدعاة والإعلاميين والمفكرين والمؤثّرين، وكل السائرين في فلك الطاغوت الموطدين لحكمه، المنافحين عنه، الموالين له، فكل هؤلاء لبنات في منظومة الطاغوت، أمرنا اللهُ بالكفر بها، وأخبرنا تعالى أن بذلك تكون العصمة من الضلال، وأنه العروة الوثقى التي لا تنقطع.

فهذا هو سبيل الهداية والنجاة، والعصمة من الزيغ والانحراف في هذه الحياة، فالمتغيرات كثيرة إلا التوحيد، وكل العرى مقطوعة إلا العروة الوثقى فاستمسك بها أيها المسلم بكلتا يديك، وإلا تناوشتك الرماح وتقاذفتك الرياح، ولات حين مندم.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك! الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ...

حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك!


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

إن الله العليم الخبير استخلف الإنسان في الأرض، وخلق فيه من الغرائز وحوله من متاع الدنيا ما يختبر به انقياده إليه، وتمسّكه بما أمرَه به، وهو سبحانه ناظر إليه، مطّلع على جميع أحواله، كما قال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون...) [رواه مسلم]، فالإنسان تحت نظر الله تعالى وسمعه، يعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وقد حدَّد له -جلّ في علاه- من متاع هذه الدنيا "الحلوة الخضرة" ما يأتي وما يذر، فأباح له ما رضيَه له مما فيه صلاح حاله وحال مَن حوله، ونهاه عما لا يرضاه له مما فيه فساد حاله وحال مَن حوله.

ومما نهاه ربه عنه مما يفسده: تطلعه لحبّ الظهور وطلب الجاه في هذه الحياة الفانية، فهذه الصفة ليست من صفات المتطلعين للدار الآخرة، التي كتبها الله لأهل الصلاح وخفض الجناح للمسلمين، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، فالمسلم الذي يحرص على أن تكون له عاقبة المتقين الحسنة يحرص على ألا يبغي العلو والجاه في هذه الأرض على حساب دينه، بل يأطر نفسه على التواضع أطرا، إنْ وجد منها تعلّقا بالجاه أو حب الظهور.

كتب سفيان الثوري إلى عباد بن عباد، رسالة قال فيها: "إيّاك أن تكون ممن يحبُّ أن يُعمل بقوله!، أو يُنشر قوله!، أو يُسمع قوله!، وإيّاك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حبُّ الرياسة أحبَّ إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقّد قلبك، واعمل بنية".

وحبّ الجاه والظهور من أدواء النفوس الخفية التي لها أسبابها وأعراضها وآثارها، كما لها أيضا طبّها وعلاجها.


• من أسباب هذا المرض

فمن أسباب هذا الداء، هو الجهل بحقيقة الدنيا، فمن تأمل حقيقة أنها إلى زوال حتمي، وأنها متاع قليل، وأنها مهما طالت فهي قصيرة ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن المسلم فيها كراكب استظلّ بظل شجرة ثم راح وتركها؛ لم يعظم في عينه شيء مِن جاهها، ولم تتطلع نفسه لشيء من حطامها، ومن أسباب هذا الداء أيضا جهل الإنسان بنفسه، فيظن نفسه أكبر مما هو عليه، فيزعم أنه يطلب لها بالجاه حقها، ويضعها في المكانة اللائقة بها ولا يدري أنه بذلك يقتلها!، ومن الأسباب كذلك، الشعور بالنقص الذي يحاول صاحبه أن يعوّضه بطلبه للجاه، ويسد حاجة نفسه من ذلك، ومن أسبابه المؤدية إليه أيضا، كثرة المدّاحين ممن أُمرْنا أن نحثوَ التراب في وجوههم، الذين لا يراعون حال الممدوح ولا تأثّره السيئ بالمدح، مِنْ تعاظم نفسه وتعاليها وإيهامها بالجاه الزائف.


• أعراض هذا المرض

أما أعراض هذا الداء فكثيرة، منها طلب العلم للجدال والظهور، لا للتعلم والعمل، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) [أخرجه أبو داود]، ومنها: التكلم عن النفس كثيرا، فيقول قائلهم: لي كذا وكذا، وأستطيع كذا وكذا، وعندي كذا كذا، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أمثلة من هؤلاء، فمنهم إبليس -لعنه الله- كما في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف:12]، ومنهم فرعون الطاغية كما في قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]، ومنهم قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض والذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]، ومن أعراض هذا الداء كذلك: طلب الإمارة والرياسة، والحرص عليها لذاتها، لا لأخذها بحقها وفائدة البلاد والعباد، وإنما إشباعا لشهوة الجاه وإرضاءً لرغبة النفس.

• آثار هذا المرض

ومن آثار طلب الجاه وحب الظهور بالمال أو الرياسة أو العلم أو غيرها هو فساد الدين والعياذ بالله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) قال ابن رجب -رحمه الله-:"فهذا مثل عظيم جدًّا ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لفساد دين المؤمن بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاتها ليلًا، فهما يأكلان الغنم ويفترسانها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل" [ذم المال والجاه]، ومن آثاره أيضا أنه ربما ينتهي بصاحبه الساعي إليه الحريص عليه إلى الوقوع في نواقض الإسلام أو اقتحام الذنوب العظام، كما حصل مع فرعون وقارون ومشركي قريش وابن سلول، وكما يحصل اليوم من كثير من الناس، من المتعالمين ووجهاء الناس وأعيانهم، ومن محبي الشهرة والتصدّر في الشبكة العنكبوتية، فحُبّ الظهور عند كثير من هؤلاء دفعهم إلى مداهنة الناس وتقديم أهوائهم ورضاهم على أحكام الله وأوامره ورضاه، فلم ينالوا غير سخط الله تعالى وسخط الناس!


• علاج هذا المرض

وبما أنه من الأدواء، فإن له دواءً ولا بد، ودواؤه: معرفة حقيقة الدنيا واستحقارها، والتطلع للدار الآخرة والتأمل فيما جاء في وصفها، من لذات لا كدر فيها ولا انقطاع لها، ومعرفة حقيقة النفس والاعتراف بضعفها، وحاجتها لعون الله خالقها وبارئها، والتبرؤ مِن حولها وقوتها إلى حول الله وقوته، وسؤاله سبحانه وتعالى الإخلاص في الأقوال والأعمال، وسؤاله -جلّ وعلا- أن يكسر هذه الرغبة في النفس المتطلعة لها، والتأمل في حال الذين أرادوا الظهور في هذه الدنيا فأهلكهم الله شر هلاك وقصم ظهورهم وجعلهم عبرة، والحرص على عدم طلب الرياسة والتصدّر فإنه باب شر وخطر إذْ الإنسان ضعيف لا يأمن على نفسه!، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، كما جاء في الحديث عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (قُلْتُ: يَا رسول اللَّه، ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ عَلَى مَنْكبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يَوْمَ القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلَّا مَنْ أخَذها بِحقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليهِ فِيها) [رواه مسلم].


• فائدة

فإن قال قائل: إن إبراهيم -عليه السلام- سأل الله أن يجعل له ذكرا من بعده فقال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84] وإن يوسف -عليه السلام- قد طلب الرياسة حين قال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، وقد ذكر الله تعالى من صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] فقد طلبوا أن يكونوا أئمة للمتقين، فلماذا يُمنع المسلم أن يطلب الذكر والجاه؟ فنقول: أما نبيُّ الله إبراهيم -عليه السلام- فإنه سأل الله أن يكون له مِن بعده ذكر حسن ولم يكن يعمل من أجل ذلك، قال ابن كثير في تفسير الآية المذكورة: "أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويُقتدى بي في الخير"، وأما نبي الله يوسف -عليه السلام- فقد كان أهلا لها ولم يطلبها لذاتها، وإنما لصلاح البلاد والعباد، أما دعاء عباد الرحمن بأن يكونوا أئمة للمتقين، فقد قال الإمام البخاري -رحمه الله- في تفسيرها: "أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا"، ففرق بين من يطلب الإمارة والذكر حرصا على الدنيا وبين من يطلب ذلك حرصا على الآخرة، وقد قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:16،15]

فهذا هو الداء، وهذه هي أسبابه وأعراضه وآثاره، فلا بد للمسلم أن يتفقد نفسه كل حين، فربما أصيب بهذا الداء الخفي من حيث لا يشعر، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليبادر للعلاج ما دام في العمر بقية، وليصلح نفسه ولْيتهمْها، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...

مقال: حربٌ على العقيدة


تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.

رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.

وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!

إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".

فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.

وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.

إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!

إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.

إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.

إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!

ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!

إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ ...

مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ


مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-


أما رسالتنا الثانية: فإلى المنتكسين الذين ساروا في طريق الجهاد وذاقوا حلاوته، وعرفوا المجاهدين وعاشروهم ورأوا الفضائل والكرامات التي يمنّ الله بها عليهم، ثمّ ركنوا إلى الدنيا، أما تخافون من الله بخلعكم يد الطاعة وترككم الجماعة في أحلك الظروف، أما سمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، واعلموا أنكم خذلتم المسلمين في موطن أحبّوا فيه نصرتكم، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله اللّه في موضع يحب نصرته فيه)، فما الذي دهاكم هل ضمنتم الجنة فاكتفيتم، أم أن الأرض كلّها قد حكمت بشرع الله ومن الكفار انتهيتم، أم أنه أتعبكم الجهاد وكثرة الجلاد، فهل وجدتم الراحة في مجاورة النساء والأولاد، أم هل عزّت عليكم الحياة وهان عليكم نصر دين الله!، أم أنكم جبنتم وتخاذلتم واختلقتم الأعذار وهربتم، ألا تعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعلموا أن رجوعكم إلى صفوف الجماعة خير لكم من بقائكم أذلة تتقاذفكم الأهواء، وتخافون أن يشار إليكم بأنكم كنتم جنودا في صفوف الدولة الإسلامية لكيلا يفترسكم الأعداء، ولكن إذا آثرتم الحياة الدنيا الفانية، على الدار الآخرة الباقية، فإنّ الله غنيّ عن العالمين، فتوبوا وأوبوا وارجعوا إلى صفوف المجاهدين، وانصروا إخوانكم المسلمين، وقارعوا أعداء الملة والدين فما وضعت الحرب أوزارها فعلام أذلتم خيلكم، ولا يتبادرنّ إلى أذهانكم أنّنا ذكرنا ما ذكرناه لأنّنا نشكو قلّة الرجال كلّا والله، فإننا بخير وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقلّ بالخذلان لا بعدد الرجال، ولكن ذكرناه نصيحة وإشفاقا عليكم فأنتم أولى الناس بالنصح، ألا هل بلغت اللهمّ فاشهد.

أما رسالتنا الثالثة: فإلى الأمة الإسلامية وإلى أبنائها القاعدين عن الجهاد الراضين بالذلّ والاستعباد، ها هم حكام بلادكم من الطواغيت يسارعون في استرضاء واستجداء اليهود ويعقدون معهم الاجتماعات والاتفاقيات وليس ذلك بجديد، فعمالتهم لليهود قديمة ولكنّها ظهرت للعلن بعد أن أصبحت الظروف مهيّأة لها، فبعد أن رأى الطواغيت خنوع شعوبهم وتعلّقهم الشديد بالدنيا، أبرزوا أنيابهم وبان زيف ادعاءاتهم، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشعارات التي كانوا يمنّونهم بها من معاداتهم لليهود ونصرتهم للفلسطينيين، ألا فليعلم الجميع أنّ بيت المقدس لن يفتح إلا على أيدي الموحدين وعباد الله المجاهدين، لا على أيدي الطواغيت وزبانيتهم من عبيد السياسات والمصالح والأهواء، الذين تتغير مبادئهم وفق ما يمليه عليهم أسيادهم، أمّا الأمر الذي لا يتغير عندهم هو عداوتهم للإسلام والمسلمين وحربهم لعباد الله الموحدين، لأن رجال دولة الإسلام أعزّها الله كشفوا عوارهم وكذبهم وبيّنوا للناس عمالتهم وكفرهم، وأنّهم دمى يحركها الصليبيون واليهود، ولكنّ العجب كيف لأذناب الطواغيت ومؤيّديهم أن يواكبوا كلّ هذه التقلّبات العنيفة في السياسات والمبادئ ويرقّعوها، وهم يميلون بهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فيظنّها الحمقى سياسة وحنكة، ولكنّهم في الحقيقة يفتحون عليهم في كلّ مرة مستعينين ببلاعمتهم ودعاة ضلالهم بابا من أبواب جهنم يدعون الناس إلى الدخول فيها منه، فبالرّغم من كفرهم البواح باستبدالهم لأحكام شرع الله بالقوانين الوضعية التي تفرضها الأمم المتحدة الكافرة والقوانين التي يحكمون بها اليوم المستمدة من أهواء البشر، يحاولون جاهدين جرجرة الناس إلى الكفر يوما بعد يوم، فبعد بدعة حوار الأديان خرجوا عليهم بدين جديد يسمّونه "الدين الإبراهيميّ" فلا ندري أيّ إبراهيم يقصدون، فإن كانوا يقصدون إبراهيم النبيّ عليه السلام، فإننا نشهد أنه بريء منهم ومن كفرهم وشركهم، ولا يطالب بجمع الأديان في دين واحد إلا كلّ عدو لله مكذب لرسوله فلقد قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وما دعاهم إلى ذلك الكفر إلا وطنيّتهم وقوميّتهم الشركية التي يؤمنون بها، والتي يصنّفون الناس عليها لا على أساس شرعيّ ودينيّ، بل على أساس مناطقيّ دنيويّ، فيساوون بين المسلم والكافر إن كانوا أبناء بلد واحد، ولهم نفس الحقوق، والله عزّ وجلّ يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 35 - 37]، بل ويشجّعونهم على حبّ بعضهم ونصرة بضعهم لبعض باختلاف أديانهم ولو كان ذلك على مسلم من بلد آخر بدعوى الوطنية ويجعلونها معقدا للولاء والبراء والعياذ بالله، ولقد خرجوا عليهم مؤخرا بدعوى قديمة جديدة، وهي المؤاخاة بين الشيعة الرافضة وأهل السنة وأن الحرب التي اندلعت خلال السنين الماضية كانت بسبب متشددين

من الطائفتين (بزعمهم)، وأنهم أبناء دين واحد بمذاهب مختلفة، ألا من زعم أنّ الكفار إخوانه وأنّ الرافضة المشركين الذين لا يخفى شركهم على أحد والذين يجاهرون بالطعن في عرض أمّ المؤمنين وشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ أنهم إخوانه في الوطن وشركاؤه، فهم والله إخوانه وهو شريكهم في العذاب في نار جهنم وبئس المصير، ألهذه الدرجة يا أبناء الإسلام يستخفّ الطواغيت بكم وبدينكم، أيّ حال وصلتم إليه وأيّ وهن سكن قلوبكم وإلى أيّ مرحلة وصل حبّ الدنيا حتى آثرتموها على دينكم وأعراضكم وكرامتكم، فو الله إن لم تستفيقوا وترجعوا إلى دينكم ليركبنّكم الكفار والمشركون قتلا وتشريدا، ولسوف يذلّونكم ذلا لا ترفعون بعده رأسا، وهل هناك ذلّ أكبر من أن يغلبكم الطواغيت بتشريعاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان على النساء بجعلهم لهنّ حقوقا فرضتها الأمم الكافرة تمنعكم من القوامة عليهنّ، فوا أسفاه على أحفاد الفاتحين، ووا أسفاه على أبناء القبائل المسلمة التي أبت الضيم والذلّ وكسرت كسرى وقيصر كيف يستعبدون اليوم من أجل الدنيا وشهواتها، فإلى أبناء الإسلام الرازحين تحت قهر الطواغيت، إنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد ما هو خير لكم من الحياة، وفيه مما ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يخصّ به، فهو التجارة الرابحة التي دلّ الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها العزّة والكرامة، فانفضوا عنكم غبار الذلّ والهوان واستعينوا بالملك الدّيّان وقاتلوا كل طاغوت جبان، فإن أبيتم فلقد قال ربّنا سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]

وأما رسالتنا الرابعة: فإلى الكفار والمشركين والملاحدة والمرتدين وكلّ من حارب الله ورسوله وعادى عباده الموحدين وقاتل دولة المسلمين، إلى من كان لديه منكم بقية سمع أو عقل فليراجع نفسه قبل أن يحفر بيديه رمسه، وأما إذا نسيتم فنذكركم، بأنّنا لا نقاتلكم من أجل مال أو سلطة أو جاه أو حفنة تراب أو قومية أو دنيا فانية، إنما نقاتلكم من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلمة التوحيد التي من أجلها قامت السماوات والأرض، نقاتلكم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى نزيل الشرك ونطهّر الأرض منه، وحتى يعبد الله وحده ولا يشرك به، وحتى يحكم بشرع الله بين الناس وتقام الحدود ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتنسف القوانين والدساتير الوضعية التي تتحاكمون إليها، وكلّ البدع والضلالات التي هي من صنع البشر وأهل الأهواء أتباع الشيطان، هذا ما قاتلناكم ونقاتلكم وسنقاتلكم لأجله إن شاء الله، فإمّا أن يتمّ الله لنا هذا الأمر أو نهلك دونه ونقتّل، واعلموا أنّ إسلامكم أحبّ إلينا من قتلكم وتشريدكم، وإنّنا ندعوكم إلى الإسلام قبل القدرة عليكم، فإن أبيتم إلا الكفر والعصيان والبغي والعدوان فليس لكم عندنا إلا السيف مصلتا، والغلظة والشدّة وليس لكم من القتل مناص، ونحن على يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيمكّننا منكم وسينصرنا عليكم بحوله وقوته، وأنّنا سنعيد تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ المناطق التي انحاز المجاهدون منها إن شاء الله (برغم من أنفه لازال في الرّغم).



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: معدن النفس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...

مقال: معدن النفس


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.

فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.

ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.

ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]


• تحصين القلب

ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]


• مداخل الشيطان!

فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]

وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]

• حقيقة مرض القلب

وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]


• خير علاج للقلوب

وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].

وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ
...المزيد

ماذا لو تُرك الجهاد؟ لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من ...

ماذا لو تُرك الجهاد؟


لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.

ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.

وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.

وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.

وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".

وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.

ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!

وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.

كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.

وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.

ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرضا بالقضاء الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: الرضا بالقضاء


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.


• الابتلاء يكون بالخير والشر

وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]

فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.


• الصبر الجميل بلا شكوى!

والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.

وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]


• الفرق بين الرضا والصبر

قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.

وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].

فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.

خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].

قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]

وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]

وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرحى دائرة! ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ...

مقال: الرحى دائرة!


ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في شعب أبي طالب حتى أكلوا أوراق الشجر! فيوم كبدر ويوم كأحد ويوم كشعب أبي طالب... إنها سُنّة الله تعالى التي كتبها على خلقه ولو استثنى الله منها أحدًا لاستثنى منها نبيَّه وصفيّه صلى الله عليه وسلم، وما يجري اليوم في أرض سيناء لا يخرج عن هذه السُنّة التي لا تتبدل ولا تتغير، ومع ذلك فلم تتوقف رحى الجهاد عن الدوران على اختلاف الأزمنة والأحوال ولن تتوقف لأنه وعد الله تعالى وقدره الغالب.

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، قال ابن كثير: "أي نديل عليكم الأعداء تارة -وإن كانت العاقبة لكم-، لما لنا في ذلك من الحكم"، ومن هذه الحكم: "ليتبين المؤمن من المنافق"، ومنها: "ليتخذ منكم شهداء لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل مِن وجود أسبابها".

في أعقاب معاهدة "كامب ديفيد" تم تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق إحداها منزوعة السلاح وهي المنطقة الحدودية مع دويلة اليهود، ثم ما لبثت أن سمحت دويلة اليهود للجيش المصري بإدخال آليات ومعدات عسكرية ثقيلة للتصدي لخطر الجهاد الذي تصاعد في سيناء، وقبل نحو "ستة أشهر فقط" أجرى الجانبان تعديلا آخر على الاتفاقية سمح بموجبه الجيش اليهودي لحليفه المصري "بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتها بالمنطقة الحدودية برفح"، وبعد أشهر قليلة من هذا التعديل بدأ انتشار الميليشيات المسلحة الموالية للجيش المصري في هذه المنطقة الحدودية بشكل كبير بعد أن حرمهم الجيش المصري دخولها طوال السنوات الماضية.

وكان من آخر فصول الحرب الدائرة في سيناء بين المجاهدين وتحالف اليهود والمرتدين؛ تسليح خونة القبائل الذين حنّوا لعصور المخدرات فزُجَّ بهم في مقدمة الحملات وباتوا يتلقون الضربات عن الجيش المصري الذي أنهكته الحرب لسنوات خلت، فتم نشرهم عبر الدروب الفرعية والمدقات لسد الثغرات وقطع الإمدادات عن المجاهدين، ترافق ذلك مع تكثيف الغارات اليهودية دعما لتحركات المرتدين على الأرض، وبعد سنوات من الحصار والقصف العنيف من الجيشين اليهودي والمصري؛ اضطر المجاهدون للانحياز نحو قرى أخرى يواصلون فيها جهادهم، وعندها انتفشت الميليشيات المرتدة التي تسلحت على أعين اليهود وبرضاهم، وأصبحت تدخل هذه القرى المدمّرة الفارغة وتعلن فيها انتصارات على بقايا العشش والخنادق! وبرغم خلو القرى من المجاهدين فإن المرتدين بالكاد استطاعوا دخولها خشية العبوات والألغام التي ما زالت تعصف بهم.

أما مصير هذه القرى التي خلت من الشريعة وأنصارها، فهي مقبلة على حقبة جاهلية تعود فيها المنطقة إلى سابق عهدها مرتعا للعصابات وتجار المخدرات ومسرحا لضباط وجواسيس الموساد، فلقد أبوا حكم الشريعة وعدلها وعدلوا عنها، فليجرِّبوا إذن حكم الطاغوت وليتجرّعوا غصصه كما حدث بأشياعهم من قبل، ولا يظلم ربك أحدا.

فخونة القبائل اليوم يعيشون حالة من الفوضى العارمة، فالأسلحة والآليات في كل مكان، وبعد انتهاء دورهم فهم بين أمرين لا ثالث لهما: أن يسحب الطاغوت منهم كل شيء فيعودوا صفرا كما كانوا من قبل، أو يُبقي بعض الامتيازات في أيدي بعضهم ويسحبها من أيدي آخرين، فيقتل بعضُهم بعضًا عليها! وعلى كلا الحالتين فثأر المجاهدين لن يخطئهم وفاتورة حسابهم تضاعفت، ولئن كان المجاهدون بالأمس يجتهدون بحثا عن عناصر هذه الميليشيات ورصدا لرؤوسهم، فإنهم اليوم لم يعودوا بحاجة إلى ذلك، فعناصر وقادة الميليشيات جاهروا بردتهم عبر الشاشات.

ومِن عجائب ما نسمعه اليوم أن بيادق الموساد وتجار المخدرات الذين بالكاد يستيقظون! يتهمون المجاهدين بـ "الخارجية!" ألا إنّ التاريخ شهد أنّ معظم الميليشيات التي زعمت قتال الدولة الإسلامية بدعوى "الخارجية" لم تقاتلها إلا في سبيل الطاغوت وتحت ظلاله! مِن لدن صحوات العراق والشام وليبيا وخراسان، وليس انتهاء بالميليشيات في سيناء.

إنّ خونة القبائل اليوم لا يقاتلون دفاعا عن أرضهم كما يزعمون، بل هم يقاتلون لصالح الجيش المرتد الذي دمّر منازلهم وهجّر قراهم وجرّف مزارعهم وارتكب عشرات المجازر بحقهم! إنها تركيبة الصحوات وقد خبرناها؛ خليط هجين من الخيانة والدياثة والمهانة! صورة لا يفسّرها إلا طبيعة العلاقة بين فرعون وأتباعه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، قال ابن كثير: "استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له".

فخونة القبائل يقاتلون في سبيل طاغوتهم "السيسيّ" الذي يقاتل دفاعا وتأمينا لحدود دويلة اليهود وتنفيذا لمخططات مخابراتهم، وحقّ أن يُطلق على هذه الميليشيات لقب (الميليشيات الموسادية) فهي رهن إشارتهم وآخر بيادقهم إن شاء الله تعالى.

وقد فرّق الله تعالى في كتابه بين حال هؤلاء المرتدين وحال عباده المؤمنين فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}، واستخلص المفسّرون فائدة مهمة من هذه الآية أن "الجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته".

وإن مما يسرُّ الخاطر ما يصلنا من أخبار المنقطعين في خنادق الإيمان والقتال، الذين أخذوا بالعزيمة على قلة عددهم وعُددهم واختاروا أن يقاتلوا حتى آخر رمق في معركة غير متكافئة يقاتلون جيوشا وحشودا من المرتدين، فيقتلون ويُقتلون ويرحلون لا يعرفهم أحد في تطبيق عملي للإخلاص لله تعالى قلَّ نظيره، يقاتلون تحت عينه سبحانه لا دافع لهم إلا الفوز بمرضاته، نسأله تعالى أن يعلي ذكرهم ويكبت عدوهم والشانئين.

وفي هذا المقام نتوجه بواجب التحريض الشرعي لأهل مصر، فنقول لهم ماذا تنتظرون؟ فلم تبقَ شعيرة من شعائر الإسلام إلا حاربها الطاغوت المصري وكان آخرها الصلاة فأغلق أبواب المساجد في ليالي رمضان كما لم يفعله طاغوت قبله! فماذا تخشون؟ أتخشون مِن الموت فهو بيد الله وحده {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}، أم تخشون مِن الأسر فأنتم تؤسرون وتُعذبون بسبب وبغير سبب! أم تخشون على فوات الدنيا فماذا أبقى لكم الطاغوت منها؟! لقد آن لكم أن تتحركوا جهادا في سبيل الله تعالى ودفاعا عن عرى الإسلام التي نُقضت في بلادكم عروة عروة! بإعلان الجهاد ضد الطاغوت وجنوده وأوليائه ومؤيّديه فما أكثر الأهداف المشروعة في بلادكم، فبادروا قبل أن تجري عليكم سنة الاستبدال فهي لم تحابِ أحدا.

أما المجاهدون في سيناء فلقد صبروا برغم تتابع المحن وطول الحصار، حتى شحّ زادهم وما شحّ إيمانهم، ووهنت عظامهم وما وهن دينهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من بقي يُعدّ العدة لمواصلة الطريق، ولئن ظنّ المرتدون واليهود أنهم قضوا على جذوة الجهاد في سيناء فإن ظنونهم ستخيب كما خابت ظنون الصليبيين من قبل، فهم كلما ضيقوا على المجاهدين في بقعة من الأرض فاجأهم المجاهدون في بقعة أخرى أخطر عليهم وأنكى بهم كما جرى مؤخرا في غرب سيناء، فرحى الجهاد ما زالت دائرة في أرض المناجاة وستبقى كذلك -بإذن الله- حتى يتيهوا فيها كما تاه أسلافهم من قبل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً