سلسلة رمضانية -رمضان بين الوحيين • العشر الأواخر (20) وعن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن ...

سلسلة رمضانية -رمضان بين الوحيين


• العشر الأواخر (20)

وعن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال: "كان القراء يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خُفّف عنهم".

[أخرجه عبد الرزاق في المصنف واللفظ له، والبيهقي في الكبرى].
...المزيد

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين • حال السلف في رمضان (19) «كان الإمام البخاري إذا كان ...

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين


• حال السلف في رمضان (19)


«كان الإمام البخاري إذا كان أولُ ليلةٍ من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن.

وكان يقرأ في السَّحَر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند الإفطار كل ليلة، ويقول: "عند كل ختمة دعوة مستجابة"».

[تأريخ بغداد، للخطيب].
...المزيد

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين • حال السلف في رمضان (18) عن السائب بن يزيد قال: «أمر ...

سلسلة رمضانية - رمضان بين الوحيين


• حال السلف في رمضان (18)


عن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - أبيَّ بن كعب، وتميمًا الداري - رضي الله عنهما - أن يقوما للناس في رمضان؛ فكان القارئ يقرأ بالمِئِين، حتى كنا نعتمد على العِصيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر».

[رواه مالك والنسائي في الكبرى وابن أبي شيبة والبيهقي].
...المزيد

إخوان مصر والديمقراطية إخوان مصر أتباع أفلاطون وليسوا أتباع رسول الله - صلى الله عليه ...

إخوان مصر والديمقراطية



إخوان مصر أتباع أفلاطون وليسوا أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. والله لو عاد أفلاطون الآن لاتَّبعوه ولرضي عنهم، هم دعاة الديمقراطية منذ أيام "حسن البنا" - 1950م -.

مرّتان اشترك حسن البنا في الانتخابات؛ في المرة الأولى الإنجليز حملوه على التخلي مقابل بعض المصالح لصالح الحزب ضد حزب الوفد، وفي المرة الثانية عندما رُشِّح قتلوه.

إذَن؛ الرأس كان يدخل في الانتخابات، والرأس كان يدعو إلى الديمقراطية. ولهذا؛ أينما تجد هذا الحزب تجدهم من دعاة الديمقراطية ولا علاقة لهم بالدعوة إلى الإسلام.

أتعرف أيش معنى الديمقراطية ؟ تعريف الديمقراطية: "السيادة للشعب"، هذا الحزب يريد أن تكون السيادة للشعب وليس الله!



• اقتباسات من سلسلة "البراعة في تبيان شرك الطاعة" للشيخ المجاهد أبي علي الأنباري - تقبله الله -
...المزيد

سلسلة بوصلة الروح: رحلة في مكارم الأخلاق • مقدمة: الأخلاق لقد حثنا ديننا الحنيف على مكارم ...

سلسلة بوصلة الروح: رحلة في مكارم الأخلاق



• مقدمة: الأخلاق

لقد حثنا ديننا الحنيف على مكارم الأخلاق ومحاسنها، فهي طبع النفس، وروح الإسلام، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، فقال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ). [أخرجه البخاري] ...المزيد

قسوة القلب - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ نشيد: بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار ...

قسوة القلب - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو أسامة الشمالي

الحمد لله الذي خلق القلوبَ وجعل لها غذاءً ودواء، وصحة ومرضا، فإن صلحتْ صلح الجسدُ كله، وإن فسدتْ فسد الجسدُ كله، والصلاة والسلام على من دلَّ الأمة على ما يحيي القلوبَ بعد موتها، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} [الكهف: 23].

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}: "أي: هذه صفةُ الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لِمَا يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعرُّ جلودُهم من الخشية والخوف، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}؛ لما يرجون ويؤمِّلون من رحمته ولطفه؛ فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:

أحدها: أنَّ سماعَ هؤلاءِ تلاوةُ الآيات، وسماعَ أولئك نغماتُ الأبياتِ من أصواتِ القينات.

الثاني: أنهم إذا تُلِيَت عليهم آياتُ الرحمن خرُّوا سجدًا وبكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2-4]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73]، أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمبانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.

الثالث: يلزمون الأدبَ عند سماعها كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- عند سماعهم كلامَ الله من تلاوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ تقشعرُّ جلودهم ثم تلينُ مع قلوبهم إلى ذكر الله، لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس بهم، بل عندهم من الثبات والسُّكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحدٌ في ذلك، ولهذا فازوا بالقِدْحِ الـمُعَلَّى في الدُّنيا والآخرة"، انتهى كلامه -رحمه الله-.

وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ...) إلى أن قال: (ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)، [رواه البخاري ومسلم].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ العَبدَ إذا أخطأ خَطِيئةً نُكِتت في قَلبهِ نُكتةٌ سَوداءُ، فإذا هو نَزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ عادَ زِيدَ فِيها حتَّى تَعْلُو قَلْبَهُ، وهو الرَّانُ الَّذِي ذَكرَ اللهُ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ})، [رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح].

قال ابن القيم في كتابه الداء والدواء: "إنَّ الْقَلْبَ يَصْدَأُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا زَادَ غَلَبَ الصَّدَأُ حَتَّى يَصِيرَ رَانًا، ثُمَّ يَغْلِبُ حَتَّى يَصِيرَ طَبْعًا وَقُفْلًا وَخَتْمًا، فَيَصِيرُ الْقَلْبُ فِي غِشَاوَةٍ وَغِلَافٍ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْهُدَى وَالْبَصِيرَةِ انْعَكَسَ، فَصَارَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَوَلَّاهُ عَدُوُّهُ وَيَسُوقُهُ حَيْثُ أَرَادَ".
إخوةَ الإيمان، اعلموا أن قسوة القلب من أعظم العقوبات، وهي داءٌ إذا نزل بالعبد حجبه عن ربه، وأظلم عليه طريق الآخرة، فلا يتلذَّذُ بطاعةٍ ولا يتألمُ بمعصية، ولا يرق لذكر ولا يخشع عند موعظة، وإنما تقسى القلوبُ بكثرةِ الذنوبِ وطول الغفلة، والإعراضِ عن كتاب الله، وتركِ مجالس الذِّكر، حتَّى يصيرَ القلبُ كالحجر بل أشد قسوة، كما قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74].

فالحذرَ الحذرَ -يا عباد الله- من قسوة القلب! قال مالك بن دينار -رحمه الله-: "إِنَّ لِلَّهِ عُقُوبَاتٍ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، ضَنْكٌ فِي الْمَعِيشَةِ، وَوَهَنٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَمَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ".

نسأل الله لنا ولكم قلوبًا خاشعة وعيونًا دامعة وأعمالًا صالحة، كما نسأله ألا يجعلنا من الغافلينَ ولا من القاسية قلوبهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (قسوة القلب) الصادر عن ولاية الساحل - رمضان 1447هـ
...المزيد

هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ - حسن الخلق نشيد: بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار ...

هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ - حسن الخلق


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو عبد الله الأوغندي

الحمدُ للهِ الذي جعلَ الجهادَ في سبيلِهِ ذروةَ سنامِ الإسلام، نحمدُه -سبحانه وتعالى- على الدَّوام، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدِنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، أرسله الله -تبارك وتعالى- بالهدى ودين الحق، فبلَّغَ ودعا وبشَّرَ وأنذر، ونصح وجاهد، وصبرَ وصابر، فكانت حياته -صلى الله عليه وسلم- كلُّها في الدَّعوةِ والجهاد؛ أما بعد:

أيها الإخوةُ الكرامُ في الدَّولة الإسلامية والأماكن المختلفة، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله والجهاد، سوف نذكِّر أنفسنا عن حسن الخلق، ومن أهمِّ أهدافِ بعثةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ومهماتِ الدَّعوة هو حسن الخلق، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ)، قال الله -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم في سورة القلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وجدنا في تفسيرِ الإمامِ القرطبيِّ -رحمه الله-: قال ابنُ عبَّاس -رضي الله عنه- ومجاهدٌ: "{على خُلقٍ} بمعنى على دين عظيم من الأديان، ليس دينٌ أحبَّ إلى الله -تبارك وتعالى- وأرضى عنده منه"، كما فسَّره البغوي، وفي صحيح مسلم عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: "إِنَّ خُلَقَهُ كَانَ الْقُرْآنَ"، والخلقُ في اللغة هو ما يأخذُ به الإنسانُ نفسه من الأدب.
وحسن الخُلُق لها فضائلُ عظيمة، ومِن أهمِّها: أَنَّ نَوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ -رضي الله عنه- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فقَالَ: (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صدرك وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)، حديثٌ رواهُ مسلمٌ والتِّرمذي، وقال الإمامُ التِّرمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح.

ومِن فضائل حسن الخُلُق أيضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: (تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ)، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: (الفَمُ وَالفَرْجُ).
ومِن فضائله أيضًا: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)، وفي رواية: (دَرَجَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ)، حديثٌ صحيحٌ رواهُ أبو داودَ والإمامُ ابن حبان، وقال الحاكم: حديثٌ صحيحٌ على شرطهما.

ومن فضائل حسن الخُلُق أيضًا: عن جابرٍ -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)، قالوا: نعم يَا رَسُولَ الله، قَالَ: (أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإنَّ أَبْغَضكُمْ إِلَيَّ وَأبْعدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ: الثَّرْثارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيْهِقُونَ)، قَالُوا: يا رَسولَ اللهِ، قد عَلمْنا الثَّرْثَارُونَ والـمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الـمُتَفَيْهِقُونَ؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (الـمُتكبِّرُونَ)، حديثٌ صحيحٌ، قال الإمامُ الترمذي: حسنٌ صحيح.

ومن فضائل حسن الخُلُق أيضًا: عن أبي ذرٍّ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)، حديثٌ صحيحٌ، كما قال الإمامُ التِّرمذي: حسنٌ صحيح.

وعن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لأهلِهِ)، قال الإمامُ التِّرمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، رواهُ أبو داودَ والتِّرمذي.

نسألُ الله -تبارك وتعالى- أن يهدينا لأحسنِ الأخلاق، لا يهدينا لأحسنها إلَّا هو، وأن يصرفَ عنَّا سيِّئها، لا يصرفُ عنَّا سيئها إلَّا هو، ونسأله -تبارك وتعالى- أن يُجنِّبنا منكراتِ الأخلاق، نسألُ الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا ممَّن يستمعون القولَ فيتبعونَ أحسنَه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (حسن الخلق) الصادر عن ولاية وسط إفريقية رمضان 1447هـ
...المزيد

البكاء من خشية الله بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار المعاصي ويلقى إذا ما على قلب عبد ...

البكاء من خشية الله



بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو أحمد الأنصاري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها الإخوة الكرام أخرج البخاري في صحيحه عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: "خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)، قال: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ"، هذا الحديث الفضيل يبين لنا أن البكاء من خشية الله تعالى إنما ينبعث عن علم برب العالمين، وأن معرفة الخالق هي التي تورث الخشية في القلب، فينتج عنها التذلل والانكسار والبكاء، قال الحافظ بن حجر في الفتح: "والمراد بالعلم هنا، ما يتعلق بعظمة الله تعالى، وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف".

فتأملوا يا أحبابي الكرام كيف خاطب -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في هذا الموضوع بأسلوب فريد، حتى بلغ بهم الأمر إلى أن سُمع لهم خنين من البكاء من شدة خشيتهم لله تعالى، بل ويبكي بعضهم مغميًا عليه، فاقدًا الحس والوعي، حتى وكأن قد انقطع منهم الحبل الوريد، فما أكثر هؤلاء بالأمس؟ وما أقلهم في هذا اليوم الجديد؟
كما نستنتج من الحديث الفائت الذكر، أن البكاء من خشية الله تعالى من دأبه -صلى الله عليه وسلم- ودأب أصحابه، بل إن الله تعالى قد أخبرنا في معرض مدح وثناء، أن من حال الأنبياء -عليهم السلام- والذين أوتوا العلم من قبلنا والصالحين ممن هدى الله تعالى في كل زمان ومكان، أنهم إذا يُتلى عليهم كلام ربهم يستمعون إليه، يخشعون ويبكون من خشيته سبحانه، قال جل شأنه: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107-109]، وقال سبحانه: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، فهذا بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله تعالى، أي أولئك الذين أنعم الله تعالى عليهم من صفاتهم أنهم إذا تُتلى عليهم آيات الرحمن المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه؛ خروا على جباههم ساجدين وباكين، وسقطوا خاضعين خاشعين خوفًا ورجاء، وتعظيمًا وتمجيدًا لله رب العالمين.

عن عبد الله بن مسعود قال: "قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر: (اقْرَأَ عَلَىَّ القُرْآنَ)، قال: فقلت يا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل، قال: (إِنِّي أَشتَهِي أَن أَسمَعَهُ مِن غَيرِي)، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، قال: (حَسْبُكَ الآنَ) رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل".

وقد أخبر الله تعالى أيضا منوهًا إلى أن البكاء من خشيته تعالى لا يتأتى إلا ممن عرف الله تعالى وعرف عظمته، حيث أخبر أنه لو كان هذا القرآن الذي تعرف آياته بالله تعالى وبعظمته، وتذخر آياته وصفحاته بذكر وعده ووعيده، وتطفح جنباته بالحديث عن رحمته وشدة غضبه وانتقامه، وأهوال الآخرة، لو كان مُنزلًا على جبلٍ أصم لخشع وتصدّع من خشيته سبحانه، ولان على شدة قسوته وفرط صلابته، قال الله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].

وقد غفل الكثيرُ من الناس اليوم؛ أنَّ البكاء من خشية الله تعالى عبادةٌ يترتب على فعلها ثوابٌ جزيلٌ، حتى أصبح اليوم من العباداتِ النادرة القليلة بين العبيد، إلَّا من رحم الكريم، وقد دلت على فضله الكثيرُ من النصوص والآثار في الكتاب والسُّنة:
أمَّا من القرآن؛ ففيما سبق ذكره كفاية، ومِن السنة ما أخرجه الترمذيُّ في سننه بإسناد حسن، من حديثِ أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى اللهِ من قَطْرتَيْنِ وَأثَريْنِ: قَطْرةٍ من دُموعٍ في خَشْيةِ اللهِ، وَقَطْرةِ دَمٍ تُهْراقُ في سَبيلِ اللهِ).

وله من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدخان جَهَنَّمَ).

وله عن ابن عباس قال: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

فما أحوج نفوسنا إلى العناية بالبكاء من خشية الله! وما أكثر إهمالنا لهذه الخصلة العظيمة الحميدة! وقليلٌ من عباد الله من يقفُ مع نفسه باكيًا أو متباكيًا من خشية الله على تفريطه في جنب الله.

أحبتي الكرام، نقولُ لكم نصحًا وتذكيرًا وتحضيضًا: إنَّ ما سبق سردُه من الآيات القرآنية وغيرها من السنة غيضٌ من فيض ما جاء في هذا الباب، فابكوا من خشية ربكم أو تباكوا، لعله تعالى يرحمكم ويُكفِّر عن سيئاتكم، ويُعظِم أجوركم، وبادروا إلى تلاوة كتابه فهمًا وتدبرا.

وإليكم ما قاله مُقدِّرُ الأقدار في أولئك الأبرار: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23]، قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفَّار؛ لِمَا يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعرُّ منه جلودُهم من الخشية والخوف، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}، لما يرجون ويأملون من رحمته ولطفه".

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، إلى قوله: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4]، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (البكاء من خشية الله) الصادر عن ولاية غرب إفريقية - رمضان 1447هـ
...المزيد

الصبر والثبات الصبر والثبات هما السبيل إلى الفلاح والنجاح، ولنتذكر دائمًا أن الله سبحانه ...

الصبر والثبات


الصبر والثبات هما السبيل إلى الفلاح والنجاح، ولنتذكر دائمًا أن الله سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين بالنصر، قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}. فكونوا على يقين بأن النصر قريب بإذن الله.


• كلمة: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )
المتحدث الرسمي للدولة الإسلامية: أبو حذيفة الأنصاري - حفظه الله -
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال: ودوا لو تكفرون كما كفروا لا يزال كفار العالم في غيض وحسد، وسعي ...

الدولة الإسلامية - مقال:
ودوا لو تكفرون كما كفروا

لا يزال كفار العالم في غيض وحسد، وسعي لاجتثاث الموحدين الذين آمنوا بربهم وسعوا لإقامة سلطان شريعته، هذا الغيض منشؤه حسدهم للمؤمنين على إيمانهم واستقامتهم، ولذلك قال العليم الخبير: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]، فهذه الأمنية عند الكفار هي التي تحرِّك عداوتهم وتغذي حروبهم معنا، فلا عجب أن يكون الكفار قد أجمعوا أمرهم وتركوا خلافاتهم وتوجهوا لحرب دولة الخلافة، فالدين الحق الذي تدين به هذه الدولة المباركة هو السبب الدافع لعداوة الأمم الكافرة لأبنائها ورعيتها، لأن الالتزام بهذا النور المبين يكشف كفر أديانهم ويظهر باطل مناهجهم، ويفضح فساد طريقتهم وانحطاط أخلاقهم، فتندفع قواتهم لفتنة الموحدين عن دينهم ليشاركوهم في كفرهم فيكونوا معهم سواء، ويتجاوزوا المنغصات التي يسببها وجود أهل التوحيد وسلوكهم واتباعهم للهدى الذي حاد الكفار عنه وحاربوه.

وهذه الحقيقة ذكرها القرآن كثيرا بين الأنبياء وأقوامهم، فتجد أن الباطل لا يطيق رؤية الحق يعلو وينتشر، وترى أن الكفار لا يستطيعون كتم غيظهم أمام ظهور الدين الحق الذي يكشف باطلهم ويفضح أستاره، فيحاول الطاغوت وجنده تشويه منهج أهل الحق بما يملكون من الوسائل الضخمة التي تقابل صوت الحق الذي لا يُجارى حتى لو كان في أضعف حالاته، فعند بدء دعوة الرسل لأقوامهم تصدح تلك القلوب الفاسدة العمياء بذلك الجواب الذي يعبِّر عن إرادة اجتثاث الحق واستئصاله والسعي لذلك، كما في قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: 24]، فإن الباطل لا يمكن أن يصمد بحججه الواهية أمام قوة البراهين على أحقية دعوة التوحيد، ولذلك يبدأ أهل الباطل بخطوات فعلية لمواجهة الخطر الذي يُهدد باطلهم.

إنه التقتيل والتحريق أو الطرد أو السجن والتعذيب، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، إن كل ذلك وسيلة لرد المسلمين عن دينهم، الذي يهدم أديان الكفر والعصيان، فتندلع المواجهة مع ظهور الحق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في قتال لا يزال مستمرا لا ينقطع ولا تخمد ناره، قال ربنا جل في علاه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، ولذلك لا عجب أن تعرف الحقيقة التي تقف وراء تحريق أصحاب الأخدود العزَّل من قبل ذلك الطاغوت الذي فضح باطله مجرد إيمان أولئك الناس بربهم، إن تلك الحقيقة هي قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8]، وهكذا تجد أن نقمة الكفار وسبب اجتماعهم على المسلمين في كل زمان هو توحيد الله –تعالى- ونبذ الباطل الذي يدين به الكفار، وهو الإيمان الحق الذي يريده الله جل وعلا، ولذلك لا عجب أيضا أن ترى الصليبيين يدفعون بعلماء السوء للطعن بالموحدين ورميهم بالكفر والفسوق وذلك ليخففوا الوطأة على نفوسهم التي أظهر الحق ضعفها وانهيارها وشوَّش عليها نشوة التمتع بالمحرمات وأنواع الشهوات حتى تلك التي اتفقت الفطر على خبثها وجرمها، فإن ظهور الحق يعني انتهاء الباطل، فلا بد للطاغوت أن يجد من يسوِّق له دينه وينشره بين الناس فيدينوا بدينه ويعبدوه على شريعته الباطلة الفاجرة ويشوِّهوا دين وسبيل أهل الحق ليصدوا عنها ويذبوا عن الطاغوت وشريعته.

وهذه الحقيقة التي يجدها الكفار في نفوسهم هي موجودة حتى ولو لم يكن هناك قتال، فعندما دعا نبي الله شعيب -عليه السلام- قومه الكفار أن يصبروا عليه وعلى أتباعه حتى يحكم الله بينه وبينهم وبدون أن يتعرض أحد للآخر، رفضوا ذلك وخيَّروا النبي شعيبا -عليه السلام- ومن آمن معه إحدى اثنتين، قال الله تعالى: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 87 - 88]، هما خياران عند كل طاغوت في كل زمان، إما القتال والإبعاد، أو العودة إلى ملة الكفر والفساد، ولن يطيقوا الصبر على وجود دين الله الحق، ومن أبى فلن يجد إلا القتل أو النفي أو الإكراه على العودة في ملة الكفر، وهذه الحقيقة هي ثابتة تحصل بين الأنبياء وأقوامهم، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13].

ومن هنا يعرف الموحد الكذبة الكبرى التي سماها علماء السوء ودعاة الدخول إلى جهنم بالتعايش السلمي أو قبول الآخر، أي قبول التعايش مع الكفار، وهذا التعايش فَشِل فشلا ذريعا حتى مع كون دعاة هذا التعايش قد تخلوا عن كثير من دينهم وارتدوا لأجل أن يثبتوا للكفار أنهم يتعايشون معهم ويقبلون بمنهجهم أو يحسِّنون دينهم ويجدون معهم مشتركات للالتقاء في منتصف الطريق، فيأبى أهل الباطل على أولئك إلا الدخول تحت باطلهم وملتهم بشكل لا يُبقي لهم أي نوع من الاستقلالية.

فلا بد للموحدين أن يعلموا أن هذا المنهاج الطاغوتي الذي يسعى للضغط عليهم بكل الوسائل إنما هو قضاء كوني وصراع كائن إلى يوم القيامة لا يتخلف عن كل موحد صادق متبع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودِيَ"، ولذا يتوجب على كل موحد أن يثبت لربه صدقه وإخلاصه في دينه ويصبر على أذى وقتال الكفار والمرتدين، فإن هذه الحرب لن تضع أوزارها إلا بنزول عيسى -عليه السلام- فيقمع الباطل ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام الذي يسود العالم، كما أن الكفار اليوم لا يقبلون منا إلا الدخول معهم في الكفر ولو أدى ذلك لتدمير المدن وتحريق ما فيها بحمم الطائرات، ناقمين علينا إيماننا وتوحيدنا واتباع شريعة ربنا جل في علاه، فلا سبيل لدفع هذا الباطل وحشوده إلا بالقتال الذي اتسم به منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في نشر الرسالة، وكان اليهود يحدثون بصفته هذه عندهم في التوراة قبل مبعثه، وعندما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فاحتج عليهم الأنصار بمقولتهم التي كانوا يسمعون منهم في صفته حيث كان اليهود يقولون أنه "الضحوك القتال يركب البعير، ويلبس الشملة، يجترئ بالكسرة، سيفه على عاتقه، له ملاحم وملاحم" [تفسير السمعاني]، وهكذا ينبغي لكل متبع للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون سيفه على عاتقه ينشر الشريعة ويذب عنها ويتحمل الأذى والعداوة ومخرجاتها المريرة في زمن تكالب أمم الكفر، ويخوض الملاحم مع الكفار والمرتدين، فكلما اشتدت العداوة وزادت غربة الدين وصار القابض على دينه كالقابض على جمرة، صار عند ذلك الصبر على تلك المحن زيادة في درجة الموحدين وقربهم عند ربهم، ورفعة في منزلتهم، لما يلاقونه من عظيم التكالب والزلزلة، ولا يجد الموحد حينها له من الزاد الذي يعينه إلا الصبر على لأواء الطريق وشدته، ولذلك مدح الله -تعالى- أتباع الرسل وأخبر أنه يحب الصابرين على ما يصيبهم ابتغاء مرضاته فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، وهذا لأن جهاد النفس وإرغامها على المكاره هو الصبر الذي يحبه الله تعالى، فلما كان الوهن يصيب النفس البشرية عند كل بلاء لتتراجع قليلا فتثبت أو تفتن، كان الصبر على المحن وحب الموت في سبيل الله وعدم الضعف أمام بأس الكفار وعدم الاستكانة لهم هو من الصبر الذي يحبه الله -تعالى- ويدخل أصحابه جنة تقر بها أعينهم ويرضى عنهم خالقهم فلا يسخط عليهم أبدا.

فبشراكم أيها الموحدون القابضون على دينكم في زمن الغربة وتكالب الأمم فما هي إلا فترة من الصبر والثبات يعقبها خير الدنيا والآخرة، فعوا حقيقة الصراع واحفظوا عليكم دينكم واصبروا على أمر الله حتى يأتي وعده الذي لا يتخلف، ولا تضعوا عن عواتقكم السلاح، وامضوا إلى الهيجاء في كل ساح، فإن في ذلك الرشد والنجاة والفلاح.



* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

قصص من جهاد النساء 2 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد ألا ...

قصص من جهاد النساء 2

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
ففي هذه الحلقة من سلسلتنا نقدم لك -أختي الكريمة- قصص ثلة من النساء المجاهدات القدوات، ونبدأ بقدوة جعلت سلامة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوق كل شيء رغم قتل ابنها، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أغلى وأهم عندها، ولا تعد المصاب شيئاً إزاء سلامته صلى الله عليه وسلم.

قُتل زوجها وأبوها وتسأل عن سلامة رسول الله
جاء في سيرة ابن هشام: "عن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- قال: مرّ رسول اللّه -صلّى الله عليه وسلّم- بامرأة من بني دينار، وقد أُصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول اللّه -صلّى الله عليه وسلّم- بأحد، فلمّا نُعوا لها، قالت: فما فعل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم؟ قالوا: خيراً يا أمّ فلان، هو -بحمد اللّه- كما تحبّين، قالت: أرونيه حتّى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتّى إذا رأته قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل! -تريد صغيرةً- قال ابن هشام: الجلل: يكون من القليل، ومن الكثير، وهو ها هنا من القليل".


الصابرة المحتسبة:

وإن أردت -أختي في الله- قدوة لك في احتساب المصيبة في سبيل الله والصبر عليها، فإليك هذا النموذج، قال الذهبي: "معاذة بنت عبد الله السيدة العالمة أم الصهباء العدوية البصرية العابدة زوجة السيد القدوة صلة بن أشيم، لما استشهد زوجها (صلة) وابنُها في بعض الحروب اجتمع النساء عندها فقالت: مرحباً بكن إن كنتن جئتن للهناء، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن، وكانت تقول: "والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل لعله يجمع بيني وبين أبي الشعثاء وابنه في الجنة" [سير أعلام النبلاء].


أم المجاهدين:

وإليك -أختي- امرأة فريدة من نوعها كرمها الله على النساء ورزقها الأولاد ولم تطب نفسها إلا بأن يجاهدوا كلهم في سبيل الله، إنها عفراء بنت عبيد بن ثعلبة، قال أبو جعفر البغدادي: "عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، كانت عند الحارث بن رفاعة، فولدت له معاذا ومعوّذا، ثم طلقها، فقدمت مكة فتزوجها بكير بن عبد ياليل، فولدت له خالدا وإياسا وعاقلا وعامرا بني بكير، ثم رجعت إلى المدينة فراجعها الحارث بن رفاعة فولدت له عوفا، وشهدوا كلهم بدرا، واستشهد معاذ ومعوذ وعاقل يوم بدر، وخالد يوم الرجيع. وعامر يوم بئر معونة، وإياس يوم اليمامة، والبقية منهم لعوف" [المحبر].

وأنت يا أم الرجال كم لك من الأبناء؟ فهلَّا قدمت ما قدمت عفراء رضي الله عنها؟

أم الأبطال:

وهذه امرأة مشهورة لو كان النساء مثلها، لخرج الرجال جماعات للجهاد، ألا وهي الخنساء، قال أبو الربيع الكلاعي: "وقد ذكر الزبير بن بكار نحو هذا عن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية فى بنين لها أربعة شهدت معهم حرب القادسية، فقالت لهم من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وذكرت من صونها لنسبهم نحو ما ذكر قبل، ثم قالت لهم:

"وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل فى حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا صبَّحتم غدا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرت عن ساقها واضطرمت لظاها على سباقها، وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة"، فخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول:

يا إخوتي إن العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه
مقالة ذات بيان واضحه
فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنما تلقون عند الصالحه
من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه
وأنتم بين حياة صالحه
أو موتة تورث غنما رابحه
وتقدم فقاتل حتى قتل، رحمه الله، ثم حمل الثاني وهو يقول:
إن العجوز ذات حزم وجلَد
والنظر الأوفق والرأى السدَد
قد أمرتنا بالسداد والرشَد
نصيحة منها وبرا بالولَد
فباكروا الحرب حُماة فى العدد
إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
فقاتل حتى استشهد، رحمه الله، ثم حمل الثالث وهو يقول:
والله لا نعصي العجوز حرفا
قد أمرتنا حدبا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفّا
وتكشفوهم عن حمالكم كشفا
فقاتل حتى استشهد، رحمه الله، وحمل الرابع وهو يقول:
لست لخنساء ولا لأخزمِ
ولا لعمر وذى السناء الأقدمِ
إن لم أرد في الجيش جيش العجمِ
ماض على الهول خضم خضرمِ
إما لفوز عاجل ومغنمِ
أو لوفاة في السبيل الأكرمِ

فقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه وعلى إخوته، فبلغ الخبر أمَّهم، فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم فى مستقر رحمته، فكان عمر -رضي الله عنه- يعطي الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتي درهم، حتى قُبض، رحمه الله" [الاكتفاء].


أسماء ذات النطاقين تحض ابنها على الثبات:

ولكِ -أختي- في صبر النساء وحضهن أبنائهن على القتال قدوات كثيرات، ومنهن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قال الذهبي: "قال عروة رحمه الله: دخلت أنا و أخي -يقصد عبد الله بن الزبير- رضي الله عنه قبل أن يقتل على أمِّنا بعشرِ ليال وهي وَجِعة، وقالت: والله ما أشتهي أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك -أي في قتاله مع الحجّاج- إما أن تُقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، وإياك أن تُعرض على خطةٍ لا تُحق الحق فتقبلها كراهية الموت. ولما جاءها ابن عمر -رضي الله عنه- ليعزيها بمقتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وجدها في ناحية المسجد وذلك حين صلب ابن الزبير، فمال إليها فقال إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله فاتقي الله واصبري، فقالت: وما يمنعني -أي أن أصبر- وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا -عليهما السلام- إلى بغي من بغايا بني إسرائيل؟" [سير أعلام النبلاء].

هانت عليها مصيبتها لأن دين الله أحب إليها من ابنها، وتعزت بما أصاب نبي الله يحيى -عليه السلام- وهو أكرم على الله من ابنها، رضي الله عنه.

هؤلاء المجاهدات من نساء السلف نقلنا لك جهادهن ومثلهن كثير، ولا يمنعنا من الاستزادة إلا خشية الإطالة، علماً أننا لم نذكر لك إلا جانباً بسيطاً من سيرتهن العطرة، فكيف لو ذكرنا لك طرفاً من عبادتهن وخشيتهن لله وعلمهن وصدقتهن وسائر أعمالهن الصالحة، إذاً لطال بنا المقام ولكن فيما ذكرنا كفاية إن شاء الله، فاقتدي بنساء السلف في التحريض على الجهاد والإعداد له، وكذلك المشاركة في هذا الجهاد بما تستطيعين، وفي الصبر على هذا الطريق من أجل انتصار الإسلام، والحمد لله رب العالمين.



* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

علاج مرض القلب من الشيطان قال ابن قيم الجوزية: هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، ...

علاج مرض القلب من الشيطان

قال ابن قيم الجوزية:

هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا في ذلك، وقصَّروا فى هذا الباب.

ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: {إِن النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]، واللوامة فى قوله: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوَّامَةِ} [القيامة: 2]، وذُكرت النفس المذمومة فى قوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40].

وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذى لا ينبغي غيره، فإنَّ شر النفس وفسادَها ينشأ من وسوسته، فهى مركَبُه وموضع سرِّه، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوُّذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس في موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرِّها في خطبة الحاجة فى قوله صلى الله عليه وسلم: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) [سنن ابن ماجه].

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الاستعاذة من الأمرين، في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، علِّمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ قال قل: (اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات والأرض، ربَّ كل شىء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك"، فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته:
فإن الشر كلَّه إما أن يصدُر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللَّذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما.


الاستعاذة بالله عند قراءة القرآن:

قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْكتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلطَانُهُ عَلَى الّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالّذِينَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ} [النحل: 98 - 100] .

ومعنى استعذ بالله: امتنع به، واعتصم به والجأ إليه، ومصدره: العَوذ، والعياذ، والمَعَاذ؛ وغالب استعماله في المستعاذ به، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (لقد عُذت بمَعاذ)[رواه البخاري].
وأصل اللفظة: من اللَّجأ إلى الشيء والاقتراب منه، ومن كلام العرب: "أطيب اللحم عوَّذُه"، أي الذي قد عاذ بالعظم واتصل به، و(ناقة عائذ): يعوذ به ولدها، وجمعها عوذ كحُمر.

وجوه وفوائد الاستعاذة عند القراءة:

فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن، وفى ذلك وجوه:

منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطردَ مادة الداء، ويُخلي منه القلب ليصادف الدواء محلاً خاليا، فيتمكَّن منه، ويؤثِّر فيه، كما قيل:

أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا فتمكنا

فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مُزاحم ومُضادٍّ له فينجع فيه.

ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أنَّ الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير فى القلب سعى فى إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يُفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.

والفرق بين هذا الوجه والوجه الذى قبله: أن الاستعاذة فى الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.

وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة، لحظ هذا المعنى، وهو لعَمر الله ملحظ جيد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في القراءة، وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف، وهو محصِّلة للأمرين.

ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فى حديث أُسيد ابنُ حضَير لما كان يقرأ، ورأى مثلَ الظُّلة فيها مثل المصابيح، فقال النبىّ عليه الصلاة والسلام: (تِلْكَ المَلائِكُة) [رواه مسلم].

والشيطان ضد الملَك وعدوُّه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى تحضره خاصتُه وملائكته، فهذه وليمة لا تجتمع فيها الملائكة والشياطين.

ومنها: أن الشيطان يُجلب على القارئ بخيله ورَجله، حتى يَشغَله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبُّره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ بالله منه.

ومنها: أن القارئ مُناجٍ لله بكلامه، والله تعالى أشد أَذَناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن مِن صاحب القينة إلى قينته، والشيطان إنما قراءتُه الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته لله، واستماع الربِّ قراءته.

ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيَّته، والسلف كلُّهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان فى تلاوته، كما قال الشاعر فى عثمان:

تَمنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ
وَآخِرَهُ لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ

فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟
ولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخبط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة.

ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهُم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شيطانا تفلت على البارحة، فأراد أن يقطع على صلاتي" الحديث [رواه البخاري]، وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر.... فالشيطان بالرَّصد للإنسان على طريق كل خير..
فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذى يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولا، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع في سيره.

ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتي به بعدها القرآن، ولهذا لم تُشرع الاستعاذة بين يدي كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلام الله، ثم شُرع ذلك للقارئ، وإن كان وحده، لما ذكرنا من الحِكم وغيرها. فهذه بعض فوائد الاستعاذة. انتهى كلامه - بتصرف


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً