فضائل الجهاد 1. الجهاد سبب لتكفير جميع الذنوب: لقوله تعالى: "فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ...

فضائل الجهاد

1. الجهاد سبب لتكفير جميع الذنوب:
لقوله تعالى: "فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ..." وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". وقوله: "وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ". وجاء عند مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْن". وجاء عند الترمذي، بإسنادٍ حسنٍ صحيح، من حديث المقدام بن معد يكرب: "للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دفعة...".

2. الجهاد سبب النجاة من النار:
لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ". وحديث أبي عبس عند البخاري: "ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". وحديث أبي هريرة عند الترمذي وقال: حسن صحيح: "لا يلِجُ النارَ رجلٌ بكى من خشيةِ اللهِ حتى يعودَ اللَّبَنُ في الضَّرعِ، ولا يجتمعُ غبارٌ في سبيلِ اللهِ ودخانُ جهنَّمَ". وحديث أبي هريرة عند مسلم: "لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وقاتِلُهُ في النَّارِ أَبَدًا". وحديث ابن عباس عند الترمذي بإسناد حسن: "عينانِ لا تمَسُّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله".

3. الجهاد سبب دخول الجنة:
لقوله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ". وقوله: "لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". وقوله: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ... " وقوله: "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ". وجاء عند الترمذي بإسناد من حسن من حديث أبي هريرة: "من قاتل في سبيل الله فواقَ ناقةٍ وجبت له الجنةُ". وجاء عند البخاري حدیث عبدالله بن أبي أوفى: "واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ". وحديث أبي هريرة عند مسلم: "تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهادًا في سَبيلي، وإيمانًا بي وتَصْدِيقًا برُسُلِي فَهُو عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلى مَسْكَنِهِ الذي خَرَجَ منه نائِلًا ما نالَ مِن أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".

4. الشهادة سبب الوقاية من فتنة القبر وعذابه:
لما جاء عند مسلم من حديث سلمان الفارسي: "رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإن مات جرى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتَانَ". وجاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب : "للشهيد عند الله ست خصال... وذكر منها: "ويجار من عذاب القبر".

5. الشهادة سبب الوقاية من الفزع الأكبر يوم القيامة:
لقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَرْعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ". والمجاهد الشهيد لا شك أنه أولى الناس ممن سبقت لهم الحسنى في الدنيا، وجاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب: "للشهيد عند الله ست خصال.. وذكر منها: "ويأمن من الفزع الأكبر". وجاء عند ابن ماجه وصححه الالباني من حديث ابي هريرة: "من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى عليْهِ أَجرَ عملِهِ الصّالحِ الَّذي كان يعملُ وأجرى عليْهِ رزقه وأمن من الفتّانِ وبعثَهُ اللَّهُ يومَ القيامة آمنا من الفرع". واختلفوا في تفسير الفزع الأكبر، فقيل: هي النار حين تنطبق على أهلها، وقيل: هو الموت حين يذبح بين الجنة والنار، وقيل: هو العرض على النار، وقيل: هي النفخة في الصور.

6. الشهيد يشفع يوم القيامة لسبعين من أهله:
لما جاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب: "للشهيد عند الله ست خصال.. وذكر منها: "ويشفع في سبعين من أقاربه". وجاء عند ابي داوود وصححه ابن حبان والالباني من حديث أبي الدرداء: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته".

7. الشهيد درجته في الجنة بعد درجة النبوة:
لقوله تعالى: "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا". وجاء عند ابن حبان من حديث عتبة السلمي: "القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتّى إذا لقي العدوّ قاتلهم حتى يُقتَلَ فذلك الشَّهيدُ الممتحَنُ في خيمةِ اللهِ تحت عرشه ولا يفضُلُه النَّبيُّون إلّا بفضل درجةِ النُّبوَّةِ".

8. المجاهدين أولى الناس وأحقهم برحمة الله:
لقوله تعالى: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله..." وقوله: "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا". وقوله: "الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ".

9. المجاهدين هم أحباب الله:
لقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ". وقوله: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".

10. الفوز بالجنة والنجاة من النار:
وهي غاية كل مسلم، والمجاهد قد فاز بذلك بل وأكثر من ذلك، من الطمأنينة والراحة، وما يحصل له من الغنائم والرزق في الدنيا، والأمن وانتفاء الخوف والحزن في الآخرة، ثم النعيم المقيم، كما في قوله تعالى: "فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور". والمجاهد قد فاز بذلك في قوله: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".

11. المجاهدين هم أول الناس دخولا في الطائفة المنصورة:
لحديث جابر بن سمرة عند مسلم: "لَنْ يَبْرَحَ هذا الدِّينُ قائِمًا، يُقاتِلُ عليه عِصابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وحديث المغيرة بن شعبة عند البخاري: "لا يَزالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وهُمْ ظَاهِرُونَ".

12. أجور المجاهدين عظيمة ومضاعفة:
لقوله تعالى: "وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا". وقوله: "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ". وجاء عند البخاري من حديث البراء بن عازب: "أَتي النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُقاتِلُ أَوْ أَسْلِمُ؟ قال: أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: عَمِلَ قَلِيلًا، وأُجِرَ كَثِيرًا". وجاء من حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داوود وأصلحه: " قفلةٌ كغَزوة " أي: رجوع المجاهد بعد انتهاء المهمة تساوي غزوة في الأجر. وقوله: "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة". وقوله: "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ". وحديث خريم بن فاتك عند الترمذي بإسناد حسن: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف". وأخرج الضياء من حديث عثمان: "يَوْمٌ في سَبيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن أَلْفِ يَوْمٍ فيما سواه". أي: أن جهاد يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه، وذلك يشمل مكة والمدينة، وجاء عند مسلم من حديث أبي هريرة: "قيل للنبي: ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ؟ قال: لا تَسْتَطِيعُونَهُ قالَ: فأعادوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلانَّا كُلُّ ذلك يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآياتِ اللهِ لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ، وَلا صَلاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ المُجاهِدُ في سَبيلِ اللهِ تعالى". وجاء عند الترمذي بإسناد حسن من حديث أبي هريرة: "مقام أحدكم في سبيل الله أفضلُ منْ صلاتِهِ في بيته سبعين عام".

13. أن دم المجاهد يأتي يوم القيامة كهيئته يشهد لصاحبه:
لما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ". أي يكونُ يوم القيامة على حالته التي جُرح به في الدُّنيا عندما طُعِنَ، يَسِيلُ ويَتفَجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لَوْنُهُ لَوْنَ الدَّمِ إِلَّا أَنَّ عَرْفَه -يعني: رائحته - تكونُ طَيِّبةً مِثل رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامة على هيئتِه أَنَّه يَشْهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتله بفعله، وفائدة رائحته الطَّيِّبة أن تنتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضيلته أيضًا، ومِن ثَمَّ لَم يُشْرَعْ غَسْلُ شَهِيدِ المعركة.

14. الجهاد سبب لحصول خيرات الدنيا والآخرة:
لقوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". وقوله: "لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". وقوله: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ".

15. تفضيل المجاهدين على جميع القاعدين لغير عذر:
لقوله تعالى: "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيل اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا".

16. نفي الله التسوية بين الجهاد وبين غيره من الأعمال:
لقوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

17. الجهاد سبب الفلاح في الدنيا والآخرة:
لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". وقوله: "لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون.

18. الجهاد سبب لرضوان الله:
لقوله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مقِيمٌ". وقوله: "فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ". وقوله: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ". وقوله: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا".

19. أن الشهداء أحياء في البرزخ حياة خاصة:
لقوله تعالى: "وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء..." وهذه الحياة يرزقون فيها لقوله في آية أخرى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". وقد جاء عند أحمد وأبي داوود وأصله عند مسلم: "لما أصيب إخوانكم -يعني: يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مدللة في ظل العرش... " ولا شك أن الشهداء لهم هذه المزية، وهي أن أرواحهم باقية، وأنها في أجساد، وأنها تتنعم، أما أرواح غيرهم فلم يذكر أنها في أجساد، بل تكون بدون جسد، وكذلك لم يرد أنهم يرزقون كالشهداء.

20. الشهادة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها:
لقوله تعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ". أي ولئن قتلتم في سبيل الله أو متُّم - أيها المؤمنون - ليَغْفرنَّ الله لكم مغفرة عظيمة، ويرحمكم رحمة منه، هي خير من هذه الدنيا وما يجمع أهلها فيها من نعيمها الزائل. وحديث أنس بن مالك عند البخاري: "لَرَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها..." أي أنَّ المشي في سَبيلِ اللهِ في الغزو في وقتِ الصَّباحِ أو وقتِ المساءِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا جميعًا، «ولقابُ قَوسِ أحدِكم» والقَوسُ: الآلة التي يرمى بها السهام، والمعنى: قَدْرُ طُولها أو ما بين الوَثَرِ والقَوسِ، والمراد: أنَّ فَضْلَ استعماله في سبيل الله تعالى يجازى عليه صاحِبُه مَنزِلةً في الجنَّة، وتلك المنزِلةُ خير مِنَ الدُّنيا وما فيها، وفي رواية عند البخاري: «قيد» وهو السوط الذي يُساقُ به الفَرَسُ الذي يُجاهَدُ به في سَبيلِ اللهِ، يجازى عليه في الجنَّةِ بمنزلة وقَدرِ هذا القَوسِ، خَيْرٌ من الدُّنيا وما فيها؛ وذلك لأنَّ الدُّنيا فانيةٌ، وكُلَّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ وإِن صَغُرَ في التَّمثيل لنا، وليس فيها صغير-هو أدْوَمُ وأبْقى مِنَ الدُّنيا الفانيةِ المُنقَطِعَةِ، فَكانَ الدَّائِمُ الباقي خَيرًا مِنَ المُنقَطِعِ.

21. الشهداء في البرزخ فرحين مستبشرين بإخوانهم:
لقوله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". وأخرج أبو داوود من حديث عباس بإسناد صحيح في سبب نزول الآية: "لما أُصيب إخوانكم بأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أرواحهم في أجوافِ طَيرٍ خُضرٍ ترِدُ من أنهار الجنَّةِ وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم فقالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنَّةِ نُرزَقُ؟ لئلا يزهدوا في الجهاد وينكلوا عن الحرب، فقال اللهُ عزَّ وجل: أنا أُبلغهم عنكم فأنزلَ اللَّهُ: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتا" الآيةَ.

22. النبي يتمنى الشهادة في سبيل الله ثلاث مرات:
لما جاء عند مسلم من حديث ابي هريرة: والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو في سَبيلِ اللهِ فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْرُو فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْرُو فَأَقْتَلُ.

23. أن الموت في سبيل الله من أفضل الميتات:
لما جاء عند الضياء من حديث عبدالله الخثعمي: أنَّ النبي ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانُ لا شَكٍّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحَجَّةٌ مَبْرورةٌ، قيلَ: فأَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ القِيامِ، قيل: فأيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، قيل: فأَيُّ الهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَن هَجَرَ ما حَرَّمَ اللهُ عليه، قيل: فأَيُّ الجِهادِ أَفْضَلُ؟ قالَ: مَن جَاهَدَ المُشْرِكِينَ بماله ونَفْسِه، قيلَ: فأَيُّ القَتْلِ أَشْرَفُ؟ قالَ: مَن أُهرِيقَ دَمُهُ وعُقِرَ جَوادُه.

24. أجر المرابط مستمر بعد موته لا يتوقف:
لما جاء عند الترمذي بإسناد حسن صحيح من حديث فضالة بن عبيد: كلُّ ميّتٍ يُحْتَمُ على عَمِلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مرابطًا في سبيل الله فإنَّه ينمي لَهُ عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر.

25. الشهيد يتمنى الرجوع الى الدنيا لما يرى من النعيم:
لما جاء عند البخاري من حديث أنس بن مالك: "ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ له عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا وأنَّ له الدُّنْيا وما فيها، إلّا الشَّهِيدَ؛ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى". وجاء عند البخاري من حديث أنس بن مالك أيضا: "ما أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا وله ما على الأرْضِ مِن شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنِّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرِى مِنَ الكرامة". ولم يستثن في تمني الرجوع الى الدنيا أحد من الأنبياء والعلماء مع عظيم منازلهم غير الشهيد لما يراه من الكرامة.

26. المجاهد يأتيه رزقه وهو مقيم في أشرف العبوديات:
لما جاء عند أحمد وأخرجه البخاري بصيغة التمريض من حديث عبدالله بن عمر: "وجَعَل رِزْقي تحتَ ظِلَّ رمحي". ولتعلم أخي أن أفضل الرزق على الإطلاق هو رزق المجاهد، ثم انظر كيف يأتيه رزقه وهو يتعبد لله بقتل الكفار.

27. المجاهد من أطيب الناس عيشاً:
لما جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة: مِنْ خَيْرِ معاش النّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنانَ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ اللهِ، يَطِيرُ على مَتْنِهِ، كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَرْعَةً طَارَ عليه، يَبْتَغِي القَتْلَ والْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ من هذه الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وادٍ مِن هذه الأوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ ، ويُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، ليسَ مِنَ النَّاسِ إِلّا في خَيْرٍ.

28. أن الله عقد صفقة مع المجاهدين بأن جعل الجهاد بالنفس والمال بمنزلة الثمن وجعل الجنة بمنزلة السلعة مع كونه الخالق لهم تكرماً منه سبحانه ووعد على ذلك بالجنة: لقوله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ". وهذا كقوله: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".

29. أن الجهاد يعظم أجره بحسب الاحوال العارضة، فالجهاد في زمن ضعف المسلمين وقلة النصير أعظم من الجهاد في غيره: لقوله تعالى: "لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْح وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى..." والمجاهد الذي يخفق ويصاب أعظم من المجاهد الذي يسلم ويغنم، كما قال تعالى: "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ". وحديث عبدالله بن عمرو عند مسلم: "ما مِن غازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتَغْنَمُ وتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تُخْفِقُ وتُصابُ، إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ". والجهاد في زمن الفتن والشدة أعظم من الجهاد في غيره، كما جاء عند الترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني: "فإنَّ من ورائِكُم أَيّامًا، الصَّبِرُ فِيهِنَّ مِثلُ القَبْضِ على الجَمْرِ لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثلَ عَمَلِكُمْ".

30. أنه قد ثبت للحور العين للشهيد ما لم يثبت لغيره من المسلمين تكرماً من الله وفضلاً منه سبحانه للشهيد:
وأقل ما جاء لكل مسلم في الجنة هو زوجتان من الحور العين، كما جاء عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: "إِنَّ أَدْنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً... إلى أن قال: "ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عليه زَوْجَتاهُ مِنَ الحُورِ العِينِ..." وجاء ذكر (الاهل) دون التحديد بعدد معين في حديث أبي موسى الأشعري عند البخاري: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةٌ لُؤْلُؤًةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُها سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنْها أَهْلُ ما يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيهِمُ المُؤْمِنُونَ، وجَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ؛ آنِيَتُهُما وما فيهما، وجَنَّتَانِ من گذا؛ آنِيَتُهُما وما فيهما، وما بينَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِداءُ الكِبْرِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ". ولم يأتي التصريح بالعدد في غير الشهيد كما جاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب: "للشهيد عند الله ست خصال..." وذكر منها: ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين".

31. أن الأعمار والآجال مقدرة ومكتوبة بيد الله ولا يعلم الإنسان هل سيموت اليوم أو غداً والفرار من الموت لا يقدم الأجل ولا يؤخره: لقوله تعالى: "إذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون". وقال تعالى عن المنافقين: "قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا". وقال سبحانه: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ". والكل سيموت، لكن شتان بين من يموت مقبلاً على الله تاركًا الدنيا خلفه يقتحم المهالك والردى، ويطلب الموت في مظانه، ليزيل راية الشرك والكفر، ويعلي راية التوحيد، وينصر دين الله، وبين من لا يكترث ولا يرفع بذلك رأسًا ولا يهتم، فهو غارق في دنياه، لا يطلب غيرها ولا يريد سواها.

32. من نوى الجهاد وكان صادقا ثم عجز فله أجر المجاهد:
لما جاء عند مسلم من حديث أنس مالك: "من طَلَبَ الشَّهادَةَ صادِقًا أُعْطِيَها ولو لَمْ تُصِبْهُ". وحديث سهل بن حنيف عند مسلم: "مَن سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ، بَلَغَهُ اللَّهُ مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ". وحديث أنس بن مالك عند البخاري: "أَنَّ رَسولَ اللَّهِ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنا مِنَ المَدِينَةِ، فقالَ: إِنَّ بالمَدِينَةِ أقوامًا، ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كانوا معكُمْ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: وهُمْ بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ". وحديث أبي هريرة عند مسلم: "من ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ على شُعْبَةٍ مِن نِفاق".

33. أن القتل في سبيل الله هو زبدة وخلاصة الايمان:
لما أخرج الضياء في الاحاديث المختارة من حديث عبد الله الخثعمي : أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الأعمال أفضل؟ قال : إيمان لا شكّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجَّةٌ مَبرورة قيل : فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: جُهد الْمُقِلّ. قيل : فأيُّ الهجرة أفضلُ؟ قال: من هجر ما حرم الله. قيل : فأيُّ الجهاد أفضلُ؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله. قيل فأيُّ الجهاد أشرفُ؟ قال: من أُهريق دمه، وعُقِرَ جواده. فانظر كيف جعل قتال الكفار والقتل في سبيله من افضل اعمال الايمان على الإطلاق وجعله زبدة الاعمال.

34. أن الله يحب طلب معالي الامور ويكره سفسافها:
لما أخرج الطبراني وغيره : إنَّ الله تعالى يُحِبُّ مَعالي الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها. والجهاد من أعلى الاعمال وأشرفها، ولا يقبل عليه إلا أصحاب الهمم العالية، والنفوس الشريفة الزكية، ولا ينبغي لصاحب الهمة العالية أن يرضى بما دون النجوم.

35. الجهاد من أحب الاعمال الى الله:
والصادق في المحبة لا يتقرب لحبيبه إلا بأحب الأشياء إليه، فكيف إذا كان المحبوب هو الله جل جلاله؟ وقد روى الترمذي والحاكم، وصححه الذهبي، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتذاكرنا، وقلنا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه. فأنزل الله تعالى: "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ".

36. المجاهد في ضمان الله وكفالته منذ خروجه من بيته:
لما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق بكلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة". وفي رواية: (انتدب الله)، وفي رواية مسلم: (تضمن الله)، ومعنى الكفالة والضمان هنا تحقيق الموعود من الله تعالى، فإن الضمان والكفالة مؤكدان لما يضمن ويتكفل به وتحقيق ذلك من لوازمها. وأخرج الترمذي وحسنه من حديث ابي هريرة: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمُكاتَبُ الذي يريدُ الأداء، والناكحُ الذي يُرِيدُ العفافَ".

37. الجهاد ذورة سنام الإسلام:
لحديث معاذ عند الترمذي وقال حسن صحيح: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير، لأن ذروة السنام وهي أعلاه لا يعادلها شيء من أجزاء البعير، كذلك الجهاد لا يعادله شئ من أعمال الإسلام.

38. الجهاد سياحة أمة محمد:
لما جاء عند أبي داوود والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الالباني في صحيح الجامع: إنَّ سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى. قال ابن النحاس في المشارع: "لما كانت السياحة هي السير في الأرض على سبيل الفرار من الأغيار والنظر إلى الآثار بعين الاعتبار، سمي الجهاد في سبيل الله سياحة لأنه فرار من الوجود وسير إلى المعبود على قدم الإيمان والتصديق بالموعود، ونظر للنفس بعين الإنصاف في تسليمها إلى المشتري خروجا من عالم الخلاف، وشتّان بين من هو سائر بنفسه ينزّهها، وبين من هو مجتهد عليها ليتلفها، هذا هو السائح يقينا، والبائع نفسه بالربح الأعظم فوزا مبينا".

39. الجهاد باب من أبواب الجنة:
لما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: مَن أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأَشْياءِ فِي سَبيلِ اللَّهِ، دُعِيَ مِن أبواب، - يَعْنِي الجَنَّةَ - يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ، فَمَن كَانَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِن بابِ الصَّلاةِ، ومَن كَانَ مِن أَهْلِ الجهادِ دُعِيَ مِن بابِ الجِهادِ، ومَن كَانَ مِن أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ، ومَن كانَ مِن أَهْلِ الصَّيامِ دُعِيَ من باب الصِّيامِ، وبابِ الرَّيّانِ ، فقال أبو بَكْرٍ: ما على هذا الذي يُدعى مِن تِلكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ، وقال: هلْ يُدعى مِنْها كُلَّها أَحَدٌ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تكون منهم يا أبا بَكْرٍ.

40. الجهاد يذهب الله به الهم والغم:
لما أخرجه الضياء، والحاكم، وابن حبان، وصححه الألباني، من حديث عبادة بن الصامت: عليكم بالجهاد في سبيل الله؛ فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم.

41. الجهاد من أسباب حسن الخاتمة:
وذلك أن المجاهد ينتظر الموت في كل وقت، فلا يكاد يخلو وقته من التزود لدار المعاد بالتوبة والاستغفار، والتزود قبل الرحيل، بسبب كثرة ذكره للموت، وهذا يوجب له حسن الخاتمة، بخلاف غيره من أهل الدنيا، الذي قد يدركه الموت وهو غارق في الذنوب والآثام. ولذلك أمر النبي بالإكثار من ذكر الموت، كما جاء عند الترمذي، وحسَّنه، من حديث أبي هريرة: أكثروا ذكر هادم اللذات.

42. بالشهادة يسبق اللاحق ويدرك السابق:
وهذه فرصة عظيمة لكل مسلم ضيّع عمره في الباطل، وأراد الاستدراك والسبق واللحاق بمن قد سبقه في الخير، فعليه بالجهاد وطلب الشهادة. وقد أمر الله بالسبق والمسارعة في الخير، كما في قوله: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ". وقوله: "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ". وقوله: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون". وقد ذكر سبحانه أن السابقين في الدنيا هم المقربون عند الله في الآخرة: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ".

43. أن الشهيد بين أمرين إما الشهادة أو النصر:
لقوله تعالى: "قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ". قال السعدي: أي: قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر: أي شيء تربصون بنا؟ فإنكم لا تتربصون بنا إلا أمرًا فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين: إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي، وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق وأرفع المنازل عند الله.

44. منة الشهداء على الناس أجمعين:
فأما منة الشهداء على المسلمين، فهو ما يحصل بسببهم من العز والتمكين والرفعة بالدين، وإزالة الذل والهوان والعجز، وأما منتهم على الكافرين، فهو إنقاذهم من الخلود في النار، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

45. أن النبي كان يدعو لأصحابه بالشهادة:
لما رواه احمد، وصححه الالباني في صحيح الجامع: "اللَّهمَّ اجْعَلْ فَناءَ أُمَّتِي قتلا في سبيلكَ بالطَّعنِ والطاعون". وجاء عند ابن ماجه، وصححه الالباني، من حديث ابن عمر: "أَنَّ رسولَ اللَّهِ رأى على عُمر قميصا أبيض، فقال: ثوبُكَ هذا غسيل أم جديد؟ قال: لا، بل غسيل. قال: البَس جديدًا، وعِش حميدًا، ومت شهيدًا".

46. المجاهد من أفضل الناس:
لما جاء عند البخاري، من حديث أبي سعيد الخدري: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره.

47. الجهاد سبب الهداية وصلاح البال وتيسير الأمور:
لقوله تعالى: "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ". قال البغوي في تفسيره: (سَيَهْدِيهِمْ) أي في أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات، (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) يُرْضِي خُصَمَاءَهُمْ ويقبل أعمالهم.


48. لا يمكن دخول الجنة إلا بعد الجهاد والصبر عليه:
لقوله تعالى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ". وقوله: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". وقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أخْبَارَكُمْ".

49. الشهيد يعطي نوراً يسير به في ظلمة الصراط:
لقوله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ". وذلك حين ينطفئ نور المنافقين قبل الصراط، كما أخبر الله عنهم: "يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ".

50. المجاهدون هم الصادقون:
لقوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ". وقوله: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا". وقوله: "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ". وقوله: (وحين البأس) أي: في وقت اشتداد القتال والإلتحام مع الأعداء.

51. المجاهد جمع بين الفوز الدنيوي والأخروي:
لقوله تعالى: "فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". فجمع لهم بين جزاء الدنيا وجزاء الآخرة. وقوله: "الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ". ولم يقل: فائزون بالآخرة فقط، ليعم كل فوز يخطر على البال.

52. أن كره الجهاد والتثاقل والتثبيط عنه من صفات أهل النفاق، وحب الجهاد والمسارعة إليه من صفات أهل الإيمان: لقوله تعالى: "فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ". وقوله: "وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ". وقوله: (أولوا الطول) أي: أصحاب الغنى والسعة والقدرة. وقوله: (الخوالف) أي: النساء والاطفال والشيوخ القاعدين عن الجهاد، فهم رضوا بالقعود مع هؤلاء وتخلفوا عن الجهاد. وقوله: "وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فإن أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا". قوله: (ليبطئن) أي: يتثاقل عن الجهاد ويثبط غيره. وقوله: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ".

53. الشهادة في سبيل الله هي الصراط المستقيم:
لقوله تعالى: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". وذكر في آية أخرى أن الشهداء داخلون في جملة من أنعم الله عليهم، وهو صراطهم وطريقهم، في قوله تعالى: "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا". وهذا تفسير للصراط ببعض أفراده.

54. استحباب سؤال الشهادة وتمنيها خلافاً للموت:
لا يجوز تمني الموت ولا الدعاء به شرعًا، كما في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لا يتمنَّين أحدكم الموت من ضرّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأما الشهادة فيُشرع سؤالها والدعاء بها وتمنيها، فقد أباح الشارع ذلك بل استحبه ورغّب فيه، وخصّه من عموم النهي، لما في الشهادة من الفضائل والكرامات والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

55. الشهداء أفضل من العلماء:
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، ورجح بعضهم أن الشهداء أفضل، واستدلوا على ذلك بأنه ورد في الشهداء من الفضائل والخصائص مالم يرد في العلماء، لا كثرة ولا عظمة. وحديث أنس عند مسلم: "ما نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة". والنفس هنا تعم العالم وغيره، فبان بذلك فضل الشهيد على من سواه. واستدلوا كذلك بقرب الشهداء من منزلة النبوة كما سبق، ولا فضل أعلى من ذلك. واستدلوا كذلك بأن من أسباب تفضيل الوسيلة هي الغاية التي توصل إليها، والجهاد الموصل الى الشهادة أفضل من طلب العلم الموصل إلى درجة العالمية. والحق في ذلك أن الأفضلية نسبية، ولا ينبغي إطلاق الأفضلية دون اعتبار للأمور المؤثرة في تفضيل العمل، من الاحوال العارضة، وحاجة الناس، والزمان والمكان، والإخلاص، والمشقة في العمل، وغير ذلك من الأمور، وقد يكون العمل الفاضل في مكان وزمان مفضولا وقد يكون المفضول فاضلا، وكذا العمل يختلف بحسب الاشخاص وما يقدرون عليه، إذ قد يصلح لزيد ما لا يصلح لعمرو، وعلى كلٍ، فالمقصود هو التنبيه على فضل الجهاد. قال ابن القيم: " فأعلى هذه المراتب النبوة والرسالة، ويليها الصديقية، فالصديقون هم أئمة أتباع الرسل، ودرجتهم أعلى الدرجات بعد النبوة، فإن جرى قلم العالم بالصديقية، وسال مداده بها كان أفضل من دم الشهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصديقية، وإن سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان أفضل من مداد العالم الذي قصر عنها. فأفضلهما صديقهما . فإن استويا في الصديقية استويا في المرتبة". والله اعلم.

56. الشهيد لا يشعر بآلام القتل ولا سكرات الموت:
لما جاء عند الترمذي، من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح: ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة. والقرصة قيل: هي عضة النملة، وقيل: هو أخذ لحمة الإنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، وقيل: لسع البراغيث، وكلها آلامها متقاربة لا يكاد يذكر، ولا يجزع منها حتى الطفل.قال الزبيدي في الإتحاف: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرًا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيق بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده، كما قال بعض الحكماء: "كربٌ بيد سواك لا تدري متى يغشاك".

57. الشهيد يرى مقعده من الجنة قبل أن يموت:
الجنة ونعيمها وما أعدّ للشخص فيها أمر غيبي لا يُرى إلا بعد الموت، والمؤمن بعد موته يُعرض عليه مقعده فيها ومنزلته في قبره بالغداة والعشي. وأما الشهيد فإنه يرى مقعده من الجنة قبل موته، كما عند الترمذي بإسناد حسن صحيح من حديث المقدام بن معديكرب: "للشهيد عند الله ست خصال، يُغفر له في أول دفعة، ويُرى مقعده من الجنة...". والمقعد هو المنزلة ومحل قعود الشخص ونزوله في الجنة. ومن رأى ذلك هان عليه الموت، مع أنه يهون على الشهيد أصلًا. ولعل هذا من أسباب ابتسام كثير من الشهداء عند الاحتضار. وهذا أنس بن النضر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري، قبل أن يُقتل يوم أحد بقليل، شمّ ريح الجنة فقال: "يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد". وهذه الفضيلة هي رؤية حقيقية يراها الشهيد عيانًا قبل موته وخروج روحه، وليست منامًا ولا خيالًا، وهي من كرامة الله لهم، وتعجل للشهداء قبل موتهم وخروج أرواحهم، ثم بعد ذلك يغدون إلى الجنة حقيقة بأجساد غير أجسادهم.

58. يضحك الله من الشهيد:
لما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: "يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ: يُقاتِلُ هذا في سَبِيلِ اللَّهِ، فيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ على القاتِلِ، فيُسْتَشْهَدُ". وجاء عند أحمد، وصححه الالباني، من حدیث نعيم الغطفاني: " أفضلُ الشهداء الذين يُقاتِلونَ الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتَلَبَّطونَ في الغَرفِ الغلى من الجنة، يضحك إليهم ربُّك، فإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه". وفي هذا شرف أي شرف؛ أن يضحك الله سبحانه بعظمته وسلطانه إلى ذلك الشهيد. وكم ترى من الناس من يتزلفون إلى المشاهير وغيرهم، ليأخذ لقطة معهم أو قميصاً، وربما يطير فرحاً إذا ظفر بذلك، فكيف إذا كان الله بجلاله يضحك إلى هذا الشهيد!

59. يعجب الله من الشهيد ويباهي به الملائكة:
لما جاء عند ابن أبي داوود وأصلحه من حديث ابن مسعود: عجِب رَبُّنا عزّ وجلَّ مِن رجُلٍ غزا في سبيل الله فانهزم - يعني أصحابه - فعَلم ما عليه، فرجع حتّى أُهرِيق دَمُهُ، فيقولُ اللهُ تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي حتّى أُهرِيق دَمُهُ .

60. الشهيد تظلله الملائكة بأجنحتها:
لما جاء عند البخاري، من حديث جابر رضي الله عنه قالَ: لَمّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عن وجْهِهِ أَبْكِي، ويَنْهَوْنِي عنه، والنبي ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطمة تَبْكِي، فَقَالَ النبي ﷺ تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ ما زالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بأَجْنِحَتِها حتَّى رَفَعْتُموهُ .

61. الشهيد لا تأكله الارض ولا يتعفن:
قد كتب الله سبحانه على ابن آدم عند موته أن يتعفن جسده، وتأكله الأرض والديدان ، ولا يبقى شئ من جسده إلا عجب الذنب كما عند مسلم من حديث ابي هريرة - قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب". وهناك أناس اختصهم الله بكرامته كالانبياء فلا تأكلهم الارض، كما جاء عند أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة من حديث أوس بن أوس: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء". أما الشهيد، فقد ثبت أن الصحابة المقتولين زمن النبي كشفت قبورهم، ووجدت أجسادهم محفوظة لم يصبها أي تغيير، وقد وردت قصص كثيرة تدل على بقاء الشهداء كما جاء عند أنس في المستدرك: "أنَّ أبا طلحةَ قَرَأَ القرآن:(انفِرُوا حِفافًا وَثِقالًا). [التوبة: ٤١]، فقال: أرى أن نُستَنفَرَ شُيوخًا وشُبّانًا فقالوا: يا أبانا، لقد غَزَوتَ مع النبي ﷺ حتى مات ومع أبي بكرٍ وعُمَرَ، فنحن نغزو عنك، فأبى، فرَكِبَ البحر حتّى مات، فلمْ يَجِدوا جَزيرةً يَدفنوه إلّا بعد سبعة أيّامٍ، قال: فما تَغَيَّرَ.

62.الشهيد يدخل الجنة حالاً من قتله ومآلاً في الآخرة :
أعد الله الجنة لعباده المؤمنين جزاء لهم على أعمالهم، وجعل فيها من أصناف النعيم وأنواعه ما لا يحده الوصف، ولا يخطر على قلب بشر، والشهيد له مع الجنة حال آخر، ووضع خاص وكرامة عظيمة، فهو من حين يقتل يدخل الجنة حالا ومباشرة ويعجل له دخولها ونعيمها قبل يوم القيامة، ويبقى فيها إلى أن ينفخ في الصور نفخة البعث وترجع الأرواح إلى أجسادها، وذلك لكرامته على الله، ولعلو منزلته عنده، فالجنة تثبت للشهيد حالا.

63. الشهيد راض بعطاء الله:
لقوله تعالى: "لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ". وجاء عند البخاري من حديث أنس: "أنَّ رِعْلًا، وذكوانَ وعُصَيَّةً ، وبَنِي لَحْيانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ على عَدُوٌّ ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهارِ، ويُصَلُّونَ باللَّيْل، حتى كانُوا بِبِثْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو في الصُّبْحِ على أحْياءٍ مِن أحياءِ العَرَبِ، على رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيانَ قالَ أَنَسٌ : فَقَرَأْنا فيهم قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذلكَ رُفِعَ: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أَنا لَقِينَا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنَّا وأَرْضانا" .

64. الشهداء لهم ما يشتهون في البرزخ:
لما جاء عند مسلم من حديث ابن مسعود: أنَّ مَسروقَ بنَ الأجدَعِ قال: سَألنا عَبدَ اللهِ عن هذه الآيةِ: ﴿ولا تَحسَبَنَّ الذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتًا بَل أحياءٌ عِندَ رَبِّهم يُرزَقونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: أما إنّا قد سَألنا عن ذلك، فقال: أرواحُهم في جَوفِ طَيرٍ خُضرٍ، لَها قَناديلُ مُعَلَّقةٌ بالعَرشِ، تَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شاءَت، ثُمَّ تَأوي إلى تلك القَناديلِ، فاطَّلَعَ إليهم رَبُّهمُ اطِّلاعةً، فقال: هل تَشتَهونَ شيئًا؟ قالوا: أيَّ شَيءٍ نَشتَهي ونَحنُ نَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شِئنا؟ ففَعَلَ ذلك بهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فلَمّا رَأوا أنَّهم لَن يُترَكوا مِن أن يُسألوا، قالوا: يا رَبِّ، نُريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتّى نُقتَلَ في سَبيلِكَ مَرَّةً أُخرى، فلَمّا رَأى أنْ ليس لهم حاجةٌ تُرِكوا.

65. علو درجات المجاهدين :
لقوله تعالى: "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا". وأخرج احمد والنسائي، وصححه ابن حجر وغيره، من حديث كعب بن مرة: "من بلغ العدو سهمًا رفعه الله درجةً، فقال عبد الرحمن بن أُمِّ النَّحَامِ: وما الدرجة يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست بعَتَبةِ أُمِّكِ ولكن ما بين الدرجتين مائة عام".
...المزيد

مقاصد الجهاد 1. حفظ المقاصد الضرورية الخمسة: وهي المقاصد الكلية التي جاء الدين لحفظها، وهي: ...

مقاصد الجهاد

1. حفظ المقاصد الضرورية الخمسة:
وهي المقاصد الكلية التي جاء الدين لحفظها، وهي: الدين، النفس، العقل، النسل، المال. وحفظها يكون من وجهين:
الأول: الحفظ من جانب الوجود، وذلك يتمثل في جهاد الطلب، وهو طلب الكفار في عقر دارهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
الثاني: الحفظ من جانب العدم، وذلك يتمثل في جهاد الدفع، وهو دفع الكفار عن بلاد المسلمين، وحماية دولة الإسلام.

الأول: حفظ الدين:
ويدل حديث سعيد بن زيد عند الترمذي وغيره: ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ. وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}. والآية نزلت في فتح مكة، ووجه الدلالة أن دخول الناس في الدين جاء بعد الفتح. وعند أبي داود، وسكت عنه، من حديث ابن عمر، وأخرجه غيره: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". ووجه الدلالة: أنه جعل ترك الجهاد تضييعًا للدين، وذلك لأن المجاهد، في الحقيقة، يذب عن دين الله، ويحمي المسلمين من ورائه، ولولا بقاء الجهاد لم يبق عالمٌ يتعلم، ولا عابدٌ يتعبد، ولا أذانٌ يُرفع، ولا أمرٌ بالمعروف، ولا نهيٌ عن المنكر.

الثاني: حفظ النفس:
ويدل عليه حديث سعيد بن زيد عند الترمذي وغيره: ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ. وقوله: "وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ". والتهلكة هي ترك الجهاد والإنفاق فيه، كما جاء في سبب النزول. وحديث ثوبان عند أبي داود: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت". ووجه الدلالة : أن حب الدنيا وكراهية الموت مستلزمان لترك الجهاد، الذي هو سبب تداعي الأمم على الأمة الإسلامية واستئصالها.

الثالث: حفظ العقل:
ويدل عليه قوله تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ، وَالْغَوْا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ". ووجه الدلالة أن الكفار يصدون غيرهم، ممن يريد الاستماع للحق ومعرفة الدين الصحيح، بالتشويه الإعلامي والتضليل والكذب، فيلبسون على عقول الجهال، ولا تحصل هدايتهم إلا بإزالة هذه الحواجز التي تحول بينهم وبين الحق، ولا يكون ذلك بغير الجهاد. ويدل عليه أيضًا أن حفظ العقل من المسكرات ونحوها، كالخمر، منوط بقيام الشريعة وإقامة الحدود، وقيام الشريعة وإقامة الحدود لا يحصلان بغير الجهاد والتمكين.

الرابع: حفظ النسل:
ويدل عليه حديث سعيد بن زيد عند الترمذي وغيره: ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ. وذلك أن اختلاط الأنساب، بالزنا وغيره، له أسباب، ومنها: الفقر، والبطالة، وغلاء المهور، وغير ذلك من المشاكل التي ترجع، في الأصل، إلى غياب الشريعة، وقيام الشريعة وإقامة الحدود لا يحصلان بغير الجهاد والتمكين. ومن ذلك أن الشارع أباح لأفراد الأمة النكاح والتسري بسبب القتال من النساء، وذلك لحفظ أعراض المسلمين الذكور وتكثير نسلهم، ومن المعلوم أن العدل في المبيت، والمساواة في النفقة، لا يشترطان في الإماء، كما أنه لا يشترط للمسلم والمقاتل أن يقف عند عدد معين من الإماء، مما قد يمكن الراغب في تكثير نسله أن يجد بغيته.

الخامس: حفظ المال:
ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري: مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ. وذلك أن الجهاد وإقامة الشريعة المستلزم للجهاد من أعظم أسباب جلب المال وحفظه وبركته ودوامه للدولة الاسلامية، فيدخل في ذلك الغنائم، كما في قوله: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ". ويدخل الفيء، لقوله: "مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، فَلِلَّهِ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ". وسلب القتيل، لحديث أبي قتادة بن ربعي في المتفق عليه: "من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه". ويدخل فيه الجزية، لقوله: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صَاغِرُونَ". وكذلك العشر الذي يؤخذ من أموال أهل الحرب الداخلين بلاد المسلمين للتجارة.

2. إعلاء كلمة الله :
لحديث أبي موسى الاشعري في المتفق: "مَن قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ". وقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ". ولا يحصل استعلاء الإسلام على غيره إلا بالجهاد والسيف. وقوله: "وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا". ويدل على ذلك أيضًا أن بقاء الذمي الكافر في بلاد المسلمين مشروط ببقائه تحت حكم الإسلام ليكون حكم الإسلام هو المستعلي على غيره من الأديان.

3. الطاعة والامتثال لأمر الله ورسوله :
لقوله تعالى: "فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ"، وقوله: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ"، وقوله: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، وقوله: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا"، وقوله: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"، وقوله: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، وقوله: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ"، وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"، (والخطاب للنبي خطاب لأمته)، وجاء عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".

4. تعبيد الناس لله وحده ، وتخليصهم من الشرك:
لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"، ذكر الطبري عن قتادة في قوله: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" قال: حتى لا يكون شرك، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" قال: الشرك، وعن ابن عباس: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" قال: شرك. وقوله: (حتى) حرف غاية يفيد استمرار القتال إلى غاية وهي زوال الشرك، فإذا بقي شيء من الشرك ولو كان قليلاً فإن القتال واجب حتى يزول الشرك بالكامل من الأرض. والمعنى: "وقاتلوهم حتى لا يكون شرك وحتى تكون الطاعة والانقياد لله وحده دون ما سواه من الطواغيت والأنداد، مع إزالة الحواجز المادية المتمثلة في سلطان الطواغيت، وفي الأوضاع القاهرة للأفراد، فلا يكون هناك سلطان في الأرض لغير الله، ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله.. فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية تُرك الناس أفرادًا يختارون عقيدتهم أحرارًا من كل ضغط؛ على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى، ويفتن بها من يسعى للتحرر من سلطان الطواغيت الأرضية ليكون عبدا حراً لله وحده .." قال الشاطبي رحمه الله : المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا.

5. إزالة الفتنة من الأرض :
لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"، وقوله: "وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ"، وقوله: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". والمراد بالفتنة في الآيات يشمل العذاب الدنيوي، كالأمراض، والقحط، واضطراب الأحوال، وتسلط الظلمة، وعدم الأمان، وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التي تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب، وإقرارهم للمنكرات، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشمل الشرك، وصد المؤمن عن دينه بالتعذيب، والأذى، والمطاردة، والإخراج من الوطن، ويدخل فيه افتتان الكافر بدينه واعتقاده أنه على الحق بسبب ضعف المسلمين، ويدل عليه قول الله: "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، أي: لا تسلِّطهم علينا بذنوبنا فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتتنون أيضًا بأنفسهم؛ فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة ظنوا أنهم على الحق وأنّا على الباطل، فازدادوا كفرًا وطغيانًا.

6. حصول التمايز والتمحيص :
لقوله تعالى: "وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ"، وقوله: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ"، وقوله: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، وقوله: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ". وهذه سنة الله في الخلق أنه لا بد من التمحيص حتى يتبين الصادق من الكاذب، ويتبين المؤمن من المنافق، كما قال تعالى عن المنافقين: "فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ". إذ إن المسلمين في حال الرخاء والسعة قد ينضم إليهم غيرهم ممن يطمعون في تحقيق مكاسب دنيوية ولا يريدون رفع كلمة الله على كلمة الكفر، وهؤلاء قد يخفى أمرهم على كثير من المسلمين، ولا يتضح أمرهم ولا ينكشف نفاقهم إلا في ساحات الوغى وصليل الصوارم وشدة القتال، فهناك يتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وطلاب الدنيا من طلاب الآخرة.

7. اتخاذ الشهداء :
لقوله تعالى: "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ". قال الطبري: وأما قوله: "ويتخذ منكم شهداء" فإنه يعني: "وليعلم الله الذين آمنوا، وليتخذ منكم شهداء"، أي: ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها.

8. رد عدوان المعتدي الصائل على المسلمين :
لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"، وقوله: "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ"، وقوله: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، وقوله: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". وقد أجمع العلماء على أن رد اعتداء الكفار على المسلمين فرض عين على القادر عليه، وعلى هذا فالرد على المعتدي حق لكل إنسان، ولو كان المعتدي مسلمًا فإن قتاله ودفعه واجب ولو أدى إلى قتله، ولو قُتلت وأنت تدافع عن نفسك أو دينك أو أهلك أو مالك فأنت شهيد، كما جاء عند أبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ". فكيف إذا اجتمع في العدو الواحد وصف الكفر، والحرابة، والصيال، والإفساد، والتخريب، والتدمير، والسرقة، والنهب لخيرات المسلمين، واحتلال بلاد المسلمين، وتمكين الطواغيت لتكون أدوات رخيصة في قمع الشعوب واستذلالها واستعبادها، ودعم اليهود بكل ما لديه من سلاح ومال وإعلام ونفوذ لقتل المسلمين؟ فهل يشك أحد أن قتال هذا الصائل وطرده من ديار المسلمين أنه من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض؟!

9. تحكيم الشريعة :
وهذا مفهوم من قوله تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ". إذ كيف يكون الدين، والطاعة، والانقياد لله، في ظل حكم الجاهلية؟ وكيف يكون الدين لله، في ظل علوِّ أحكام الجاهلية من قوانين الأمم الكافرة، والدساتير الفاسدة الكفرية؟! وقوله تعالى: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ"، وقوله: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ"، وقوله: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، وقوله: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا".

10. إرهاب أعداء الله :
لقوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ". فإرهاب العدو من مقاصد الجهاد العظيمة، كالتفجيرات وغيرها التي تحصل بها النكاية في العدو وكفِّ شرِّ الكفار عن المسلمين، ولولا خيار الردع لتمادى العدو في التقتيل والتنكيل والتسلط على المسلمين والمستضعفين، كما يحدث ولا يزال يحدث من تقتيل المسلمين واستهانة بدمائهم حتى أصبحت دماء المسلمين كدماء البعوض لا قيمة لها ولا وزن لغياب الردع. أما إذا علم العدو حجم الخسائر التي ستلحقه من جراء اعتدائه فإنه سيتراجع أو يكف شره قليلًا، وربما ينسحب انسحابًا نهائيًا ولا يعود مرة أخرى.

11. حفظ العالم من الفساد :
لقوله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"، وقوله: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ". فلولا جهاد قلة من المؤمنين، وتسليط الله الكفار بعضهم على بعض مما يبقي مفهوم التدافع قائمًا، لعمّ الفساد في الأرض وخَلَت الساحة لأعداء الله.

12. تحريض المسلمين على القتال :
لقوله تعالى: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا"، وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ". وهذا التحريض يحصل به التنشيط للمسلمين والتشجيع على القتال، ويكون بذلك قدوة لغيره من المسلمين، ويكون له أجر من سار على طريقه؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم: "مَن دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا". وهذا التحريض قد يكون من خلال الاشتباك المباشر مع العدو بتوجيه ضربات، أو من خلال الإعلام، أو غير ذلك.

13. تحرير الأسارى :
لحديث أبي موسى الأشعري عند البخاري: «فُكُّوا العَانِيَ، يَعْنِي: الأَسِيرَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ». ويا للحسرة! كم في سجون الطواغيت من النخب والقيادات والعلماء، من المسجونين ظلمًا وعدوانًا، بلا تهم أصلًا أو بتهم ملفقة. ولك أن تعلم، بحسب مصادر أجنبية، أن عدد السجناء في مصر وحدها 120 ألفًا، وهذا هو الرقم المعلن فقط في ظل تكتم النظام عن الأرقام الحقيقية، وهذا في مصر وحدها دون بقية الدول العربية.

14. نصرة المستضعفين :
لقوله تعالى: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا"، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حَضٌّ عَلَى الْجِهَادِ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ تَخْلِيصَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسُومُونَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنِ الدِّينِ، فَأَوْجَبَ تَعَالَى الْجِهَادَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِنْقَاذِ الْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَلَفُ النُّفُوسِ. وَتَخْلِيصُ الْأُسَارَى وَاجِبٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِمَّا بِالْقِتَالِ وَإِمَّا بِالْأَمْوَالِ، وَذَلِكَ أَوْجَبُ لِكَوْنِهَا دُونَ النُّفُوسِ إِذْ هِيَ أَهْوَنُ مِنْهَا. وقوله: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". فقوله: (فعليكم النصر) أي: وإن ظلمهم الكفار فطلبوا منكم النصر، فوجب عليكم النصر؛ لأن (على) للوجوب. فتأمل هذه الآيات، وتأمل أحوال المسلمين في العالم، ستجد أن الآيات كأنها نزلت في زماننا هذا.

15. دفع المفاسد في الدنيا والآخرة :
إذ إن ترك الجهاد تحصل به من المفاسد في الدنيا والآخرة ما هو خارج عن الحصر، من الذل والهوان، والفقر، وتسلط الأعداء، والاشتغال بالدنيا والغفلة عن الآخرة، والترف، وغلبة الكفر، والحرمان من ثواب الجهاد، وعلو الباطل والشرك والكفر، والصد عن دين الله، ثم حصول سنة الاستبدال والوعيد الأخروي، وغيرها الكثير؛ كما قال تعالى: "إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، ولم يذكر هل العذاب دنيوي أو أخروي، ولا نوع العذاب، ليشمل كل أنواع وصنوف العذاب: من تسلط الأعداء، والفقر، والذل، والجوع، وغير ذلك، وقوله: "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"، وقوله: "وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، والتهلكة هي الاشتغال بالدنيا وترك الجهاد والإنفاق فيه كما جاء في سبب النزول.
...المزيد

كيف تدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب ؟ الاول: تجنب الصفات المذكورة في حديث ابن عباس عند البخاري: ...

كيف تدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب ؟

الاول: تجنب الصفات المذكورة في حديث ابن عباس عند البخاري: يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ: لا يسترقون.. أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولا يتطيرون... أي لا يتشاءمون بغير سبب محقق، ولا يكتوون... أي لا يستعملون الكي كعلاج لأنفسهم وهذا محمول على غير حال الضرورة، وعلى ربهم يتوكلون... أي يفوضون أمرهم إلى الله مع بذل الأسباب

الثاني: المسارعة في الخيرات من واجبات ومستحبات وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات لحديث ابي الدرداء عند أحمد وهو ضعيف وله شواهد : سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ قال فأمّا الذين سبقوا فأولئكَ الذين يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ وأمّا الذينَ اقتصدُوا فأولئكَ الذين يُحاسَبونَ حسابًا يسيرًا وأمّا الذينَ ظلَموا أنفُسَهم فأولئكَ الذين ظلَمُوا أنفُسَهم في طولِ المحشرِ ثم هم الذين يَتَلَقّاهم اللهُ عزَّ وجلَّ برحمتِهِ فهم الذين يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ

والمؤمنون ثلاث طبقات في الآخرة :
الطبقة الأولى : الذين سلموا من الشرك ، وقد لا يسلمون من الذنوب التي هي دون الشرك ، وهم الظالمون لأنفسهم ، وهم معرضون للوعيد .
الطبقة الثانية : المقتصدون الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات ، وقد يفعلون بعض المكروهات ويتركون بعض المستحبات ، وهم الأبرار .
الطبقة الثالثة : التي سَلِمَت من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع ، وتركت المحرمات والمكروهات وفضول المباحات ، واجتهدت في الطاعات من واجبات ومستحبات ، وهؤلاء هم السابقون بالخيرات ، ومن كان بهذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب " انتهى من " إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد " (1/74-75)
...المزيد

أسباب النجاة من الصراط 1. أداء الامانة وصلة الرحم : لحديث أبي هريرة وحذيفة عند مسلم: وتُرْسَلُ ...

أسباب النجاة من الصراط

1. أداء الامانة وصلة الرحم :
لحديث أبي هريرة وحذيفة عند مسلم: وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرَّحِمُ، فَتَقُومانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ قالَ: قُلتُ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي أيُّ شيءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قالَ: ألَمْ تَرَوْا إلى البَرْقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بهِمْ أعْمالُهُمْ ونَبِيُّكُمْ قائِمٌ على الصِّراطِ يقولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حتّى تَعْجِزَ أعْمالُ العِبادِ، حتّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلّا زَحْفًا، قالَ: وفي حافَتَيِ الصِّراطِ كلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ به، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، ومَكْدُوسٌ في النّارِ. والذي نَفْسُ أبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا.

2. كثرة العمل الصالح + المسارعة في الخيرات :
لحديث ابي هريرة وأبي سعيد عند البخاري: وفي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، هلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدانِ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: فإنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ غيرَ أنَّه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النّاسَ بأَعْمالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَن يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومِنْهُمْ مَن يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو... وحديث ابي هريرة عند الترمذي وحسنه: في] قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها قال رسولُ اللهِ ﷺ: يَرِدُ الناسُ النارَ ثم يَصْدُرُونَ عنها بأعمالِهم فأَوَّلُهُم كَلَمْحِ البَرْقِ ثم كالرِّيحِ ثم كحُضْرِ الفَرَسِ ثم كالراكِبِ في رَحْلِهِ ثم كَشَدِّ الرَّجُلِ ثم كمَشْيِهِ... وعن ابن مسعود في قول الله (يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورا من نوره على إبهامه يطفئ مرة ويُقدّ مرة أهـ (١) .

3. تفريج الكروب :
لحديث ابي هريرة عند مسلم: مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، وَمَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ...
...المزيد

موانع الشفاعة 1. الشرك: لقوله: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ مَا ...

موانع الشفاعة

1. الشرك:
لقوله: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ وقوله:
﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر: 18]. وقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين....

2. اللعن:
لحديث ابي الدرداء عند مسلم: إنَّ اللَّعّانِينَ لا يَكونُونَ شُهَداءَ، ولا شُفَعاءَ يَومَ القِيامَةِ.

3- الظلم والغلو في الدين:
لقوله: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ وحديث أبي أمامة الباهلي عند الطبراني: ((صِنْفان من أُمَّتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، وكل غالٍ مارق))؛

4- الإحداث في الدين:
لحديث ابن عباس عند البخاري: ((ألا وإنه سيُجاء برجال من أُمَّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

5-التكذيب بالشفاعة:
عن أنس بن مالك موقوفا: (من كذب بالشفاعة فليس له فيها نصيب)؛ وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح، ولأن الجزاء من جنس العمل كما في قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ...
...المزيد

أسباب الشفاعة يوم القيامة 1. التوحيد لحديث أبي هريرة عند مسلم: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ ...

أسباب الشفاعة يوم القيامة

1. التوحيد
لحديث أبي هريرة عند مسلم: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتي شَفاعَةً لِأُمَّتي يَومَ القِيامَةِ، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ مَن ماتَ مِن أُمَّتي لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا. وحديث أبي هريرة عند البخاري: أسْعَدُ النّاسِ بشَفاعَتي يَومَ القِيامَةِ، مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، خالِصًا مِن قَلْبِهِ، أوْ نَفْسِهِ.

2. قراءة القرآن وخاصة سورتي البقرة وآل عمران
لحديث أبي أمامة الباهلي عند مسلم: اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ، وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجّانِ عن أصْحابِهِما.

3. الدعاء بالوسيلة بعد الآذان
لحديث جابر عند البخاري: مَن قال حين يسمع النداء: اللهم ربِّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته - حلت له شفاعتي يوم القيامة. وحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولوا مِثْلَ ما يقولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فإنَّه مَن صَلّى عَلَيَّ صَلاةً صَلّى اللَّهُ عليه بها عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فإنَّها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ، لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ مِن عِبادِ اللهِ، وأَرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فمَن سَأَلَ لي الوَسِيلَةَ حَلَّتْ له الشَّفاعَةُ.

4. كثرة السجود
لما رواه أحمد عن خادِمٍ للنَّبيِّ ﷺ:
كان النبي.. كان يقول له : «ألك حاجةٌ؟»، قالَ: حتّى كانَ ذاتَ يَوْمٍ فقالَ : حاجتي أن تَشفَعَ لي يَوْمَ القِيامةِ، قالَ: «فأَعنِّي بكَثْرةِ السُّجودِ».

5. كثرة المصلين على الميت
لحديث ابن عباس عند مسلم: ما من رجلٍ مسلم يموتُ فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفَّعهم الله فيه.

6. الصبر على لأواء المدينة وشدتها والموت بها
لحديث أبي هريرة عند مسلم: لا يَصْبِرُ على لَأْواءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِها أَحَدٌ مِن أُمَّتِي، إِلّا كُنْتُ له شَفِيعًا يَومَ القِيامَةِ، أَوْ شَهِيدًا. وحديث ابن عمر عند الترمذي وقال حسن غريب: مَنِ استَطاعَ أنْ يَموتَ بالمَدينَةِ فلْيَمُتْ، فإنِّي أشفَعُ لِمَن يَموتُ بها.

7. الصبر في موت الأبناء الذين لم يبلغوا الحنث
لحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري: أنَّ النِّساءَ قُلْنَ للنبيِّ ﷺ: اجْعَلْ لَنا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ، وقالَ: أَيُّما امْرَأَةٍ ماتَ لَها ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كانُوا حِجابًا مِنَ النّارِ، فقالتِ امْرَأَةٌ: واثْنانِ؟ قالَ: واثْنانِ.

8. مصاحبة أهل الإيمان
لحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري: وفيه أنهم يقولون : ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من إيمان فأخرجوه...إلخ

9. الشهادة في سبيل الله
لحديث المقدام بن معديكرب عند الترمذي وقال حسن صحيح: للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ وذكر منها: ويُشفَّعُ في سبعينَ منْ أقاربِهِ.
...المزيد

كيف تكون ممن يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه؟ يوم القيامة يومٌ عظيم، يجمع الله فيه ...

كيف تكون ممن يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه؟

يوم القيامة يومٌ عظيم، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وتدنو الشمس من الخلائق حتى تكون منهم مقدار ميل، كما جاء في حديث أبي هريرة في «المتفق عليه»:
«يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولا يَحْتَمِلُونَ».
وفي ذلك الموقف العصيب، هناك أصنافٌ من الناس يُظلُّهم الله سبحانه في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، وقد ذكرهم النبي ﷺ في الأحاديث، وهم:
الأصناف السبعة المشهورة المذكورة في حديث أبي هريرة في المتفق:
سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ:

1) إمامٌ عادلٌ

2) شابٌّ نشأ في عبادة الله

3) رجلٌ قلبُه معلَّقٌ في المساجد

4) رجلانِ تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه

5) رجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إنّي أخاف الله

6) رجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفق يمينُه

7) رجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه

8) المتصدّق
لحديث عقبة بن عامر عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان:
«كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته، حتى يُفصَلَ بين الناس»
أو قال: «يُحكَمَ بين الناس».

9) المُنظِر عن المُعسِر والواضع عنه
لحديث كعب بن عمرو عند مسلم:
«مَن أنظرَ مُعسِرًا أو وضع عنه، أظلَّهُ الله في ظلِّه».
...المزيد

أسباب النجاة من عذاب القبر: 1) التوحيد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ...

أسباب النجاة من عذاب القبر:

1) التوحيد
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

وفي حديث البراء عند البخاري:
«المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، فَذلكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾».

وفي حديث أنس بن مالك عند البخاري:
«إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عنْه أصْحابُهُ، وإنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، أتاهُ مَلَكانِ فيُقْعِدانِهِ، فَيَقُولانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ؟ فأمّا المُؤْمِنُ، فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّه عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ، فيُقالُ له: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النّارِ قدْ أبْدَلَكَ اللَّهُ به مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَراهُما جَمِيعًا».


2) الاستقامة
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

وفي حديث أنس بن مالك عند الترمذي (وقال: حسن صحيح):
«إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملَهُ».
فقيل: كيف يستعمله يا رسولَ اللَّه؟
قال: «يُوفِّقُهُ لعملٍ صالحٍ قبلَ الموتِ».

وقال قتادة في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قال: من الكرب عند الموت.


3) التعوّذ من عذاب القبر

لحديث أبي هريرة عند مسلم:
«إذا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ، يقولُ:
اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجّالِ».


4) الرباط
لحديث سلمان الفارسي عند مسلم:
«رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ مِن صيامِ شهرٍ وقيامِه، وإن ماتَ جرى عليه عملُه الذي كان يعملُه، وأُجري عليه رزقُه، وأمِنَ الفتّان».


5) الشهادة
لحديث المقدام بن معديكرب (وقال: حسن صحيح):
«للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ:
يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ،
ويرى مقعدَهُ من الجنةِ،
ويُجارُ من عذابِ القبرِ،
ويأمنُ من الفزعِ الأكبرِ،
ويُوضعُ على رأسِهِ تاجُ الوقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ من الدنيا وما فيها،
ويُزوَّجُ اثنتين وسبعين زوجةً من الحورِ العينِ،
ويُشفَّعُ في سبعين من أقاربِه».


6) الموت بداء البطن
لحديث سليمان بن صرد أو خالد بن عرفطة عند الترمذي (وحسّنه):
قال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ:
«من يقتله بطنه فلن يُعذَّب في قبره»؟
فقال الآخر: بلى.


7) قراءة سورة الملك كل ليلة
لما رواه الحاكم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود بإسناد صحيح وله حكم الرفع:
«يُؤتى الرجلُ في قبره فتُؤتى رجلاه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قِبَلي سبيلٌ، كان يقرأ بي سورةَ المُلكِ.
ثم يُؤتى من قِبَلِ صدره – أو قال: بطنه – فيقول: ليس لكم على ما قِبَلي سبيلٌ، كان يقرأ بي سورةَ المُلكِ.
ثم يُؤتى رأسُه فيقول: ليس لكم على ما قِبَلي سبيلٌ، كان يقرأ بي سورةَ المُلكِ».
قال:
«فهي المانعة، تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة: سورة الملك، ومن قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب».
...المزيد

أسباب عذاب القبر 1. الشرك لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه عند مسلم: «بينما النبي ﷺ في حائطٍ ...

أسباب عذاب القبر

1. الشرك
لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه عند مسلم:
«بينما النبي ﷺ في حائطٍ لبني النجار على بغلةٍ له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تُلقيه، وإذا أقبرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، تعوذوا بالله من عذاب القبر».

2. الكفر
لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل عند أحمد، في شأن الكافر:
«ويأتيه ملكان فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاها لا أدري. فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: هاها لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاها لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من حرِّها وسمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه».

3. النفاق
قال تعالى:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.
قال قتادة والربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: إحداهما في الدنيا، والأخرى عذاب القبر.

4. النميمة وعدم الاستبراء من البول
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري:
«مرَّ بقبرين يُعذَّبان، فقال: إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدةً رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبرٍ واحدة. فقالوا: يا رسول الله، لِمَ صنعت هذا؟ قال: لعله أن يُخفف عنهما ما لم ييبسا».

5. الغيبة
قال البخاري رحمه الله:
[باب: عذاب القبر من الغيبة والبول].
والغيبة داخلة في النميمة؛ لأن النميمة غيبة وزيادة.

6. الغلول من الغنيمة قبل القسمة
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في المتفق عليه، وقول النبي ﷺ فيمن غلَّ الشملة:
«والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تُصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا».

7. رفض القرآن والنوم عن الصلاة المكتوبة
لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند البخاري:
«أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة».

8. الكذب
لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند البخاري:
«وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق».

9. الزنا
لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند البخاري:
«وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني».

10. الربا
لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند البخاري:
«وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقم الحجر، فإنه آكل الربا».

11. جر الثوب خيلاء
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري:
«بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خُسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».

12. أمر الناس بالبر ونسيان النفس
لحديث أنس رضي الله عنه عند أحمد:
«رأيت ليلة أُسري بي رجالًا تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم».

13. الإفطار في رمضان بغير عذر
لحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عند النسائي، وصححه غير واحد:
«ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يُفطرون قبل تحلة صومهم».

14. ترك قضاء الدين مع القدرة
لحديث جابر رضي الله عنه عند البيهقي، وفيه أن رجلًا توفي وكان عليه ديناران، فقضى أبو قتادة دينه، فأخبر النبي ﷺ، فقال:
«الآن بردت عليه جلده».

15. حبس الحيوان وتعذيبه
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في المتفق عليه:
«دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تُطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض».
...المزيد

علامات حسن الخاتمة 1. النطق بالشهادة لحديث معاذ رضي الله عنه عند أبي داود، وصححه غير واحد: «من ...

علامات حسن الخاتمة

1. النطق بالشهادة
لحديث معاذ رضي الله عنه عند أبي داود، وصححه غير واحد:
«من كان آخرُ كلامِه لا إلهَ إلا اللهُ دخلَ الجنةَ».

2. الموت برشح الجبين
لحديث بريدة رضي الله عنه عند الترمذي وابن ماجه وأحمد:
«موتُ المؤمنِ بعَرَقِ الجبينِ».

3. الموت بأحد أسباب الشهادة
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم:
«ما تَعُدُّونَ الشهيدَ فيكم؟»
قالوا: يا رسولَ الله، من قُتِلَ في سبيلِ الله فهو شهيد.
قال: «إنَّ شهداءَ أمتي إذًا لقليلٌ».
قالوا: فمن هم يا رسولَ الله؟
قال: «من قُتِلَ في سبيلِ الله فهو شهيد، ومن مات في سبيلِ الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريقُ شهيد».
وحديث سعيد بن زيد رضي الله عنه عند الترمذي، وقال: حسن صحيح: «من قُتِلَ دونَ مالِه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دونَ دينِه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دونَ دمِه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دونَ أهلِه فهو شهيد».
...المزيد

أسباب وموانع حُسن الخاتمة 1) التوحيد سبب، والشرك مانع قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ...

أسباب وموانع حُسن الخاتمة

1) التوحيد سبب، والشرك مانع
قال تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.

وفي حديث البراء عند البخاري:
«المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ؛ فذلك قولُه تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾».

وقال تعالى:
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.



2) الاستقامة سبب، وعدمها مانع
قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.

وعن أنس بن مالك – عند الترمذي، وقال: حسن صحيح – أن النبي ﷺ قال:
«إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملَه».
قيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟
قال: «يُوفِّقُه لعملٍ صالحٍ قبل الموت».

وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾:
أي من الكرب عند الموت.



3) المسارعة في التوبة سبب، وتسويفها مانع
قال تعالى:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

وقال تعالى:
{حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، قَالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا؛ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.



4) الاستعداد للموت سبب، وطول الأمل مانع
عن أبي هريرة – عند الترمذي، وحسَّنه – أن النبي ﷺ قال:
«أكثِرُوا ذكرَ هادِمِ اللذّاتِ».

وقال تعالى:
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ... وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا}.



5) الزهد في الدنيا سبب، والحرص عليها مانع
في حديث البراء بن عازب – عند أحمد –:
«إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ بيضُ الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحنوطٌ من حنوط الجنة... فيقول ملك الموت: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان».

وعن كعب بن مالك – عند الترمذي، وقال: حسن صحيح – أن النبي ﷺ قال:
«ما ذئبانِ جائعانِ أُرسلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حرصِ المرءِ على المالِ والشرفِ لدينه».



6) فعل المأمور المقدور سبب، وتركه مانع
قال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ؛ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}.

وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.



7) الرفيق الصالح سبب، ورفيق السوء مانع
عن أبي هريرة – عند الترمذي، وحسَّنه – أن النبي ﷺ قال:
«الرجلُ على دينِ خليله؛ فلينظر أحدُكم من يُخالِل».

وفي حديث المسيب عند البخاري:
أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، فقال:
«يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله».
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا به حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.



8) إصلاح القلب سبب، وفساده مانع
عن النعمان بن بشير – عند البخاري – أن النبي ﷺ قال:
«ألا وإن في الجسد مضغةً؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».

وعن سهل بن سعد الساعدي – عند البخاري –:
«إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار...».

وقال تعالى:
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.



9) الرجاء وحسن الظن سبب، والقنوط وسوء الظن مانع
عن جابر – عند مسلم – قال:
سمعت النبي ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول:
«لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسن بالله الظن».

وعن أبي هريرة – عند البخاري – أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه:
«أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء».



10) تعلُّق القلب بالله سبب، وتعلُّقه بغيره مانع
عن جابر – عند مسلم – أن النبي ﷺ قال:
«يُبعث كلُّ عبدٍ على ما مات عليه».

وقال ﷺ لابن عباس:
«تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة».


11) الإقبال على الله سبب، والإعراض عنه مانع
عن أبي هريرة – عند مسلم – أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه:
«وإن تقرَّب مني شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة».

وقال تعالى:
{وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا...}.

وقال تعالى:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}.

نسأل الله حُسن الخاتمة، والثبات على الحق حتى الممات.
...المزيد

لماذا نجاهد ؟؟ 1. الجهاد سبب لتكفير جميع الذنوب : لقوله تعالى: " فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ...

لماذا نجاهد ؟؟

1. الجهاد سبب لتكفير جميع الذنوب :
لقوله تعالى: " فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ " وقوله : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " وقوله : " وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " وقوله: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " وجاء عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: " يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْن " وجاء عند الترمذي بإسناد حسن صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب: للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة...

2. الجهاد سبب النجاة من النار :
لقوله تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ " وحديث أبو عبس عند البخاري : " ما اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النار " وحديث أبو هريرة عند الترمذي بإسناد حسن : " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبَنُ في الشَّرعِ ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنَّمَ " وحديث أبو هريرة عند مسلم: " لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وقاتِلُهُ في النَّارِ أَبَدًا " وحديث ابن عباس عند الترمذي بإسناد حسن: عينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله .

3. الجهاد سبب دخول الجنة :
لقوله تعالى : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ " وقوله : " لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " وقوله : " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ " وقوله : " وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ " وجاء عند الترمذي بإسناد من حسن من حديث أبي هريرة : " من قاتل في سبيل الله فواقَ ناقةٍ وجبت له الجنةُ " وجاء عند البخاري حدیث عبدالله بن أبي أوفى : " واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ " وحديث أبي هريرة عند مسلم : " تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهادًا في سَبيلي، وإيمانًا بي وتَصْدِيقًا برُسُلِي فَهُو عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلى مَسْكَنِهِ الذي خَرَجَ منه نائِلًا ما نالَ مِن أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ " .

4. الشهادة سبب الوقاية من فتنة وعذاب القبر :
لما جاء عند مسلم من حديث سلمان الفارسي : " رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإن مات جرى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتَانَ " وجاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب :
" للشهيد عند الله ست خصال... وذكر منها ويجار من عذاب القبر .

5. الشهادة سبب الوقاية من الفزع الأكبر يوم القيامة :
قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَرْعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ " والمجاهد الشهيد لا شك أنه أولى الناس ممن سبقت لهم الحسنى في الدنيا، وجاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب : " للشهيد عند الله ست خصال.. وذكر منها: ويأمن من الفزع الأكبر وجاء عند ابن ماجه وصححه الالباني من حديث ابي هريرة : " من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى عليْهِ أَجرَ عملِهِ الصّالحِ الَّذي كان يعملُ وأجرى عليْهِ رزقه وأمن من الفتّانِ وبعثَهُ اللَّهُ يومَ القيامة آمنا من الفرع "واختلفوا في تفسير الفزع الأكبر، فقيل: هي النار حين تنطبق على أهلها، وقيل: هو الموت حين يذبح بين الجنة والنار، وقيل: هو العرض على النار، وقيل: هي النفخة في الصور .

6. الشهيد يشفع يوم القيامة لسبعين من أهله :
لما جاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب : " للشهيد عند الله ست خصال.. وذكر منها: ويشفع في سبعين من أقاربه " وجاء عند ابي داوود وصححه ابن حبان والالباني من حديث أبي الدرداء: " يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته .

7. أن الشهيد درجته في الجنة بعد درجة النبوة :
قال تعالى: " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " وجاء عند ابن حبان من حديث عتبة السلمي : " القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتّى إذا لقي العدوّ قاتلهم حتى يُقتَلَ فذلك الشَّهيدُ الممتحَنُ في خيمةِ اللهِ تحت عرشه ولا يفضُلُه النَّبيُّون إلّا بفضل درجةِ النُّبوَّةِ " .

8. الجهاد هو طاعة وامتثال لأمر الله ورسوله :
لقوله تعالى: " فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ " وقوله: " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا " وقوله: " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " وقوله: " وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا " وقوله: " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " وقوله : " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " وقوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةٌ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " وقوله : " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " وقوله: " يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " والخطاب للنبي خطاب لأمته، وجاء عند أبي داوود وغيره بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " .

9. المجاهدين أولى الناس وأحقهم برحمة الله :
لقوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله " وقوله: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " وقوله : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ " .

10. المجاهدين هم أحباب الله :
لقوله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ " وقوله: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " .

11. غاية كل مسلم هو الفوز بالجنة والنجاة من النار :
والمجاهد قد فاز بذلك بل وأكثر من ذلك من الطمأنينة والراحة وما يحصل له من الغنائم والرزق في الدنيا والأمن وانتفاء الخوف والحزن في الآخرة ثم النعيم المقيم كما في قوله تعالى: " فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " والمجاهد قد فاز بذلك في قوله: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " .

12. المجاهدين هم أول الناس دخولا في الطائفة المنصورة :
لحديث جابر بن سمرة عند مسلم : " لَنْ يَبْرَحَ هذا الدِّينُ قائِمًا، يُقاتِلُ عليه عِصابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " وحديث المغيرة بن شعبة عند البخاري: " لا يَزالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وهُمْ ظَاهِرُونَ " .

13. أجور المجاهد عظيمة ومضاعفة بأضعاف كثيرة :
كما قال تعالى: " وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " وقوله: " الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ " وجاء عند البخاري من حديث البراء بن عازب:
" أَتي النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُقاتِلُ أَوْ أَسْلِمُ؟ قال: أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: عَمِلَ قَلِيلًا، وأُجِرَ كَثِيرًا " وجاء من حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داوود وأصلحه: " قفلةٌ كغَزوة " أي رجوع المجاهد بعد انتهاء المهمة تساوي غزوة في الأجر وقوله: " ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة " وقوله: " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " وحديث خريم بن فاتك عند الترمذي بإسناد حسن " من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف " وأخرج الضياء من حديث عثمان : " يَوْمٌ في سَبيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن أَلْفِ يَوْمٍ فيما سواه " أي أن جهاد يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه، وذلك يشمل مكة والمدينة، وجاء عند مسلم من حديث أبي هريرة : " قيل للنبي : ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ؟ قال: لا تَسْتَطِيعُونَهُ قالَ: فأعادوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلانَّا كُلُّ ذلك يقولُ : لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآياتِ اللهِ لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ، وَلا صَلاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ المُجاهِدُ في سَبيلِ اللهِ تعالى " وجاء عند الترمذي بإسناد حسن من حديث أبي هريرة:
" مقام أحدكم في سبيل الله أفضلُ منْ صلاتِهِ في بيته سبعين عام " وأخرج احمد والنسائي وصححه ابن حجر وغيره من حديث كعب بن مرة : " من بلغ العدو سهمًا رفعه الله درجةً، فقال عبد الرحمن بن أُمِّ النَّحَامِ: وما الدرجة يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست بعَتَبةِ أُمِّكِ ولكن ما بين الدرجتين مائة عام " .

14. أن دم المجاهد يأتي يوم القيامة كهيئته يشهد لصاحبه :
كما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: " والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ " أي يكونُ يوم القيامة على حالته التي جُرح به في الدُّنيا عندما طُعِنَ، يَسِيلُ ويَتفَجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لَوْنُهُ لَوْنَ الدَّمِ إِلَّا أَنَّ عَرْفَه -يعني: رائحته - تكونُ طَيِّبةً مِثل رائحةِ المِسْكِ. وقيل : الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامة على هيئتِه أَنَّه يَشْهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتله بفعله، وفائدة رائحته الطَّيِّبة أن تنتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضيلته أيضًا، ومِن ثَمَّ لَم يُشْرَعْ غَسْلُ شَهِيدِ المعركة .

15. الجهاد سبب لحصول خيرات الدنيا والآخرة :
قال تعالى : " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " وقوله: " لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " وقوله: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " .

16. أن الله فضل المجاهدين على جميع القاعدين لغير عذر :
كما قال تعالى: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أولى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيل اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا " .

17. نفي الله التسوية بين الجهاد وبين غيره من الأعمال :
كما قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

18. الجهاد سبب الفلاح في الدنيا والآخرة :
لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " وقوله: " لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون " .

19. الجهاد سبب لرضوان الله :
لقوله تعالى: " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مقِيمٌ " وقوله: " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ " وقوله: " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " وقوله : " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " .

20. أن الشهداء أحياء في البرزخ حياة خاصة :
لقوله تعالى: " وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء " وهذه الحياة يرزقون فيها لقوله في آية أخرى: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " وقد جاء عند أحمد وأبي داوود وأصله عند مسلم: " لما أصيب إخوانكم -يعني: يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مدللة في ظل العرش " ولا شك أن الشهداء لهم هذه المزية، وهي أن أرواحهم باقية وأنها في أجساد وأنها تتنعم أما أرواح غيرهم فلم يذكر أنها في أجساد، بل تكون بدون جسد وكذلك لم يرد أنهم يرزقون كالشهداء .

21. أن الشهادة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها :
لقوله تعالى : " وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ
الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " أي ولئن قتلتم في سبيل الله أو متُّم - أيها المؤمنون - ليَغْفرنَّ الله لكم مغفرة عظيمة، ويرحمكم رحمة منه، هي خير من هذه الدنيا وما يجمع أهلها فيها من نعيمها الزائل، وحديث أنس بن مالك عند البخاري:
" لَرَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها " أي أنَّ المشي في سَبيلِ اللهِ في الغزو في وقتِ الصَّباحِ أو وقتِ المساءِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا جميعًا،
«ولقابُ قَوسِ أحدِكم» والقَوسُ : الآلة التي يرمى بها السهام، والمعنى: قَدْرُ طُولها أو ما بين الوَثَرِ والقَوسِ، والمراد: أنَّ فَضْلَ استعماله في سبيل الله تعالى يجازى عليه صاحِبُه مَنزِلةً في الجنَّة، وتلك المنزِلةُ خير مِنَ الدُّنيا وما فيها، وفي رواية عند البخار موضع قيد» وهو السوط الذي يُساقُ به الفَرَسُ الذي يُجاهَدُ به في سَبيلِ اللهِ، يجازى عليه في الجنَّةِ بمنزلة وقَدرِ هذا القَوسِ، خَيْرٌ الدُّنيا وما فيها؛ وذلك لأنَّ الدُّنيا فانيةٌ، وكُلَّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ وإِن صَغُرَ في التَّمثيل لنا، وليس فيها صغير-هو أدْوَمُ وأبْقى مِنَ الدُّنيا الفانيةِ المُنقَطِعَةِ، فَكانَ الدَّائِمُ الباقي خَيرًا مِنَ المُنقَطِعِ .

22. الشهداء في البرزخ فرحين مستبشرين بإخوانهم :
لقوله تعالى: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " وأخرج أبو داوود من حديث عباس بإسناد صحيح في سبب نزول الآية: " لما أُصيب إخوانكم بأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أرواحهم في أجوافِ طَيرٍ خُضرٍ ترِدُ من أنهار الجنَّةِ وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم فقالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنَّةِ نُرزَقُ؟ لئلا يزهدوا في الجهاد وينكلوا عن الحرب فقال اللهُ عزَّ وجل أنا أُبلغهم عنكم فأنزلَ اللَّهُ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتا " الآيةَ .

23. النبي يتمنى الشهادة في سبيل الله ثلاث مرات :
كما جاء عند مسلم من حديث ابي هريرة: " والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو في سَبيلِ اللهِ فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْرُو فَأَقْتَلُ، ثُمَّ أَغْرُو فَأَقْتَلُ " .

24. أن الموت في سبيل الله من أفضل الميتات :
كما جاء عند الضياء من حديث عبدالله الخثعمي: أنَّ النبي ﷺ سُئِلَ : أَيُّ الأَعْمالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانُ لا شَكٍّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحَجَّةٌ مَبْرورةٌ، قيلَ: فأَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ القِيامِ، قيل: فأيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، قيل: فأَيُّ الهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَن هَجَرَ ما حَرَّمَ اللهُ عليه، قيل: فأَيُّ الجِهادِ أَفْضَلُ؟ قالَ: مَن جَاهَدَ المُشْرِكِينَ بماله ونَفْسِه، قيلَ: فأَيُّ القَتْلِ أَشْرَفُ؟ قالَ: مَن أُهرِيقَ دَمُهُ وعُقِرَ جَوادُه» .

25. أجر المرابط مستمر بعد موته لا يتوقف :
كما جاء عند الترمذي بإسناد حسن صحيح من حديث فضالة
بن عبيد: كلُّ ميّتٍ يُحْتَمُ على عَمِلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مرابطًا في سبيل الله فإنَّه ينمي لَهُ عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر .

26. الشهيد يتمنى الرجوع الى الدنيا لما يرى من النعيم :
كما جاء عند البخاري من حديث أنس بن مالك: " ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ له عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا وأنَّ له الدُّنْيا وما فيها ، إلّا الشَّهِيدَ؛ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى " وجاء عند البخاري من حديث أنس بن مالك أيضا: " ما أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيا وله ما على الأرْضِ مِن شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنِّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرِى مِنَ الكرامة " ولم يستثن في تمني الرجوع الى الدنيا أحد من الأنبياء والعلماء مع عظيم منازلهم غير الشهيد لما
يراه من الكرامة .

27. المجاهد يأتيه رزقه وهو مقيم في أشرف العبوديات :
كما جاء عند أحمد وأخرجه البخاري بصيغة التمريض من حديث عبدالله بن عمر: " وجَعَل رِزْقي تحتَ ظِلَّ رمحي " ولتعلم أخي أن أفضل الرزق على الإطلاق هو رزق المجاهد ، ثم انظر كيف يأتيه رزقه وهو يتعبد لله بقتل الكفار .

28. المجاهد من أطيب الناس عيشاً :
كما جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة: مِنْ خَيْرِ معاش النّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنانَ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ اللهِ، يَطِيرُ على مَتْنِهِ، كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَرْعَةً طَارَ عليه، يَبْتَغِي القَتْلَ والْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ من هذه الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وادٍ مِن هذه الأوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ ، ويُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، ليسَ مِنَ النَّاسِ إِلّا في خَيْرٍ .

29. بالجهاد نرهب أعداء الله :
لقوله: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"، وإرهاب العدو من مقاصد الجهاد العظيمة التي يحصل بها كف شر الكفار عن المسلمين، ولولا خيار الردع، لتمادى العدو في التقتيل والتنكيل والتسلط على المسلمين والمستضعفين، كما يحدث ولا يزال يحدث من تقتيل المسلمين، واستهانة بدمائهم حتى أصبحت دماء المسلمين كدماء البعوض لا قيمة لها ولا وزن، لغياب خيار الردع أما إذا علم العدو حجم الخسائر التي ستلحقه من جراء اعتدائه فإنه سيتراجع، أو يكف شره قليلاً، وربما ينسحب انسحابًا نهائيًا، ولا يعود مرة أخرى .

30. بالجهاد نحرر الأسارى :
لحديث أبي موسى الأشعري عند البخاري: " فُكُوا العاني، يَعْنِي: الأسِيرَ وأَطْعِمُوا الجائع، وعُودُوا المريض". ويا للحسرة كم في سجون الطواغيت من النُّخب والقيادات والعلماء من المسجونين ظلمًا وعدوانًا، بلا تهم أصلًا أو بتهم ملفقة. ولك أن تعلم، بحسب مصادر أجنبية، أن عدد السجناء في مصر
وحدها ۱۲۰ ألفًا، وهذا هو الرقم المُعلن فقط، في ظل تكتم النظام عن الأرقام الحقيقية. وهذا في مصر وحدها، دون بقية الدول العربية.

31. بالجهاد نحكّم شريعة الله :
وهذا مفهوم من قوله تعالى: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ". إذ كيف يكون الدين، والطاعة، والانقياد لله، في ظل حكم الجاهلية؟ وكيف يكون الدين لله، في ظل علو أحكام الجاهلية من قوانين الأمم الكافرة، والدساتير الفاسدة الكفرية؟! ولا يلزم من ذلك إنكار التأني قليلًا في التطبيق لا في التشريع - حتى يتمكن المسلمون من ذلك، ولكن لا ينبغي أيضًا التساهل بترك التطبيق بدعوى عدم القدرة والتمكن حتى يؤدي ذلك مع الوقت - إلى إسقاط
تحكيم الشريعة من أساسه .

32. بالجهاد نحمي بيضة الإسلام :
وذلك أن المجاهد في الحقيقة يذب عن دين الله ويحمي
المسلمين من ورائه ولولا بقاء الجهاد لم يبق عالم يتعلم ولا عابد يتعبد، ولا آذان يرفع، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولعم الفساد والخراب في الارض، ولذلك يدفع الله الكفار والمشركين بالمجاهدين، كما قال تعالى: " الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٌّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " .

33. أن الجهاد تحصل به من المصالح في الدنيا والآخرة ما هو خارج عن الحصر من اتخاذ الشهداء، وتكفير الذنوب، ورفعة الدرجات، وإزالة الشرك، وإرهاب الاعداء، وردع المعتدين، وعلو الإسلام وظهوره على غيره من الأديان، وتحرير السجناء، ونصرة المستضعفين، ودحض الباطل، وتطهير الأرض من الكفار والمجرمين، وتحقيق العدل، وتحقيق الأمن، وتمييز الصفوف من المنافقين والمرتدين، وغير ذلك من المقاصد المبثوثة في النصوص كما في قوله : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " وقوله: " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ " وقوله: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " وفسرت الفتنة بالشرك، وقوله: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ " فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، وقوله: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " فإرهاب العدو من مقاصد الجهاد كالتفجيرات وغيرها التي تحصل بها النكاية في العدو، وقوله: " وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سبيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا " وقوله: " وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَا تَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون" وقوله: "وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ "وقوله : " وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقِّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ " .

34. أن الله عقد صفقة مع المجاهدين بأن جعل الجهاد بالنفس والمال بمنزلة الثمن وجعل الجنة بمنزلة السلعة مع كونه الخالق لهم تكرماً منه سبحانه ووعد على ذلك بالجنة : كما قال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " وهذا كقوله في الآية الأخرى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " .

35. أن الجهاد يعظم أجره بحسب الاحوال العارضة فالجهاد في زمن ضعف المسلمين وقلة النصير أعظم من الجهاد في غيره : كما قال تعالى: " لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْح وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى " والمجاهد الذي يخفق ويصاب أعظم من المجاهد الذي يسلم ويغنم، كما قال تعالى: " الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ " وحديث عبدالله بن عمرو عند مسلم: " ما مِن غازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتَغْنَمُ وتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تُخْفِقُ وتُصابُ، إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ " والجهاد في زمن الفتن والشدة أعظم من الجهاد في غيره، كما جاء عند الترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني: " فإنَّ من ورائِكُم أَيّامًا، الصَّبِرُ فِيهِنَّ مِثلُ القَبْضِ على الجَمْرِ لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثلَ عَمَلِكُمْ " .

36. أنه قد ثبت للحور العين للشهيد ما لم يثبت لغيره من المسلمين تكرماً من الله وفضلاً منه سبحانه للشهيد :
وأقل ما جاء لكل مسلم في الجنة هو زوجتان من الحور العين كما جاء عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: " إِنَّ أَدْنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً... إلى أن قال: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عليه زَوْجَتاهُ مِنَ الحُورِ العِينِ.. وجاء ذكر (الاهل) دون التحديد بعدد معين في حديث أبي موسى الأشعري عند البخاري: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةٌ لُؤْلُؤًةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُها سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنْها أَهْلُ ما يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيهِمُ المُؤْمِنُونَ، وجَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ؛ آنِيَتُهُما وما فيهما، وجَنَّتَانِ من گذا؛ آنِيَتُهُما وما فيهما، وما بينَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِداءُ الكِبْرِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ " ولم يأتي التصريح بالعدد في غير الشهيد كما جاء عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب : " للشهيد عند الله ست خصال..وذكر منها: ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين " .

37. أن الأعمار والآجال مقدرة ومكتوبة بيد الله ولا يعلم الإنسان هل سيموت اليوم أو غداً والفرار من الموت لا يقدم الأجل ولا يؤخره : كما قال تعالى: " إذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون " وقال تعالى عن المنافقين: " قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا " وقال سبحانه: " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ " والكل سيموت، لكن شتان بين من يموت مقبلاً على الله تاركاً الدنيا خلفه، يقتحم المهالك والردى، يطلب الموت في مظانه ليزيل راية الشرك والكفر ويعلي راية التوحيد وينصر دين الله وبين من لا يكترث ولا يرفع بذلك رأساً ولا يهتم، فهو غارق في دنياه، لا يطلب غيرها ولا يريد سواها .

38. من نوى الجهاد وكان صادقا ثم عجز فله أجر المجاهد :
كما جاء عند مسلم من حديث أنس مالك: " من طَلَبَ الشَّهادَةَ صادِقًا أُعْطِيَها ولو لَمْ تُصِبْهُ " وحديث سهل بن حنيف عند مسلم: " مَن سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ، بَلَغَهُ اللَّهُ مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ " وحديث أنس بن مالك عند البخاري: " أَنَّ رَسولَ اللَّهِ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنا مِنَ المَدِينَةِ، فقالَ: إِنَّ بالمَدِينَةِ أقوامًا، ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كانوا معكُمْ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: وهُمْ بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ " وحديث أبي هريرة عند مسلم: " من ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ على شُعْبَةٍ مِن نِفاق " .

39. أن القتل في سبيل الله هو زبدة وخلاصة الايمان :
كما أخرج الضياء في الاحاديث المختارة من حديث عبد الله الخثعمي : أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الأعمال أفضل؟ قال : إيمان لا شكّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجَّةٌ مَبرورة قيل : فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: جُهد الْمُقِلّ. قيل : فأيُّ الهجرة أفضلُ؟ قال: من هجر ما حرم الله. قيل : فأيُّ الجهاد أفضلُ؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله. قيل فأيُّ الجهاد أشرفُ؟ قال: من أُهريق دمه، وعُقِرَ جواده " فانظر كيف جعل قتال الكفار والقتل في سبيله من افضل اعمال الايمان على الإطلاق وجعله زبدة الاعمال .

40. أن الله يحب طلب معالي الامور ويكره سفسافها :
كما أخرج الطبراني وغيره : إنَّ الله تعالى يُحِبُّ مَعالي الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها. والجهاد من أعلى الاعمال وأشرفها ، ولا يقبل عليه إلا أصحاب الهمم العالية والنفوس الشريفة الزكية، ولا ينبغي لصاحب الهمة العالية أن يرضى بما دون النجوم .

41. أن الجهاد من أحب الاعمال الى الله :
والصادق في المحبة لا يتقرب لحبيبه إلا بأحب الاشياء إليه، فكيف إذا كان المحبوب هو الله جل جلاله، وروى الترمذي والحاكم وصححه الذهبي عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فتذاكرنا وقلنا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ .

42. المجاهد في ضمان الله وكفالته من خروجه من بيته :
كما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق بكلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة " وفي رواية: (انتدب الله)، وفي رواية مسلم: (تضمن الله)، ومعنى الكفالة والضمان هنا تحقيق الموعود من الله تعالى، فإن الضمان والكفالة مؤكدان لما يضمن ويتكفل به وتحقيق ذلك من لوازمها وأخرج الترمذي وحسنه من حديث ابي هريرة: " ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمُكاتَبُ الذي يريدُ الأداء، والناكحُ الذي يُرِيدُ العفافَ " .

43. أن الجهاد ذورة سنام الإسلام :
لحديث الترمذي وقال حسن صحيح من حديث معاذ: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير، لأن ذروة السنام وهي أعلاه لا يعادلها شيء من البعير، كذلك الجهاد لا يعادله شئ من أعمال الإسلام .

44. الجهاد سياحة أمة محمد :
كما روى أبو دواوود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي
وصححه الالباني في صحيح الجامع : إنَّ سياحة أمتي
الجهاد في سبيل الله تعالى . قال ابن النحاس في المشارع: " لما كانت السياحة هي السير في الأرض على سبيل الفرار من الأغيار والنظر إلى الآثار بعين الاعتبار، سمي الجهاد في سبيل الله سياحة لأنه فرار من الوجود وسير إلى المعبود على قدم الإيمان والتصديق بالموعود، ونظر للنفس بعين الإنصاف في تسليمها إلى المشتري خروجا من عالم الخلاف، وشتّان بين من هو سائر بنفسه ينزّهها، وبين من هو مجتهد عليها ليتلفها، هذا هو السائح يقينا، والبائع نفسه بالربح الأعظم فوزا مبينا" انتهى كلامه .

45. الجهاد باب من أبواب الجنة :
كما عند البخاري من حديث ابي هريرة: مَن أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأَشْياءِ فِي سَبيلِ اللَّهِ، دُعِيَ مِن أبواب، - يَعْنِي الجَنَّةَ - يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ، فَمَن كَانَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِن بابِ الصَّلاةِ، ومَن كَانَ مِن أَهْلِ الجهادِ دُعِيَ مِن بابِ الجِهادِ، ومَن كَانَ مِن أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ، ومَن كانَ مِن أَهْلِ الصَّيامِ دُعِيَ من باب الصِّيامِ، وبابِ الرَّيّانِ ، فقال أبو بَكْرٍ: ما على هذا الذي يُدعى مِن تِلكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ، وقال: هلْ يُدعى مِنْها كُلَّها أَحَدٌ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تكون منهم يا أبا بَكْرٍ .

46. الجهاد يذهب الله به الهم والغم :
كما أخرج الضياء والحاكم وابن حبان وصححه الالباني من حديث عبادة بن الصامت: عليكم بالجهاد في سَبيلِ اللهِ؛ فإنَّه بابٌ مِن أبواب الجنَّةِ يُذهِبُ الله به الهَمَّ والغَمَّ .

47. الجهاد من أسباب حسن الخاتمة :
وذلك أن المجاهد ينتظر الموت في كل وقت، فلا يكاد يخلو وقته من التزود لدار المعاد بالتوبة والاستغفار والتزود قبل الرحيل بسبب كثرة ذكره للموت، وهذا يوجب له حسن الخاتمة، بخلاف غيره من اهل الدنيا الذي قد يدركه الموت وهو غارق في الذنوب والآثام، ولذلك أمر النبي بالإكثار من ذكر الموت كما جاء عند الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة: أكثروا ذكر هادم اللذات .

48. بالشهادة يسبق اللاحق ويدرك السابق :
وهذه فرصة عظيمة لكل مسلم ضيع عمره في الباطل وأراد الاستدراك والسبق واللحاق بمن قد سبقه في الخير، فعليه بالجهاد وطلب الشهادة، وقد أمر الله بالسبق والمسارعة في الخير كما في قوله: " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " وقوله: "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ " وقوله: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " وقد ذكر سبحانه أن السابقون في الدنيا هم المقربون عند الله في الآخرة : " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ " .

49. أن الشهيد بين أمرين إما الشهادة أو النصر :
كما في قوله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ. قال السعدي: أي: قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر: أي شيء تربصون بنا؟ فإنكم لا تربَّصون بنا إلا أمراً فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين: إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي، وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخَلْق وأرفع المنازل عند الله .

50. منة الشهداء على الناس أجمعين :
فأما منة الشهداء على المسلمين، فهو ما يحصل بسببهم من العز والتمكين والرفعة بالدين وإزالة الذل والهوان والعجز وأما منتهم على الكافرين فهو إنقاذهم من الخلود في النار وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

51. أن النبي كان يدعو لأصحابه بالشهادة :
كما روى احمد وصححه الالباني في صحيح الجامع: " اللَّهمَّ اجْعَلْ فَناءَ أُمَّتِي قتلا في سبيلكَ بالطَّعنِ والطاعون " وجاء عند ابن ماجه وصححه الالباني من حديث ابن عمر : " أَنَّ رسولَ اللَّهِ رأى على عُمر قميصا أبيض فقال : ثوبُكَ هذا غسيل أم جديد؟ قال: لا، بل غسيل . قال : البَس جديدًا، وعِش حميدًا، ومت شهيدًا " .

52. المجاهد من أفضل الناس :
كما جاء عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: قيل : يا رَسولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مُؤْمِنٌ يُجاهِدُ في سَبيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قالوا: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشُّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّه .

53. الجهاد سبب الهداية وصلاح البال وتيسير الأمور :
لقوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ. قال البغوي في تفسيره: (سَيَهْدِيهِمْ) أَيَّامَ حَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَرْشَدِ الْأُمُورِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الدَّرَجَاتِ، {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ يُرْضِي حُصَمَاءَهُمْ وَيَقْبَلُ أَعْمَالَهُمْ} .

54. لا يمكن دخول الجنة إلا بعد الجهاد والصبر عليه :
لقوله تعالى: " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " وقوله : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " وقوله: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أخْبَارَكُمْ " .

55. الشهيد يعطي نوراً يسير به في ظلمة الصراط :
لقوله تعالى: " وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ " وذلك حين ينطفئ نور المنافقين قبل الصراط كما أخبر الله عنهم : " يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ " .

56. المجاهدون هم الصادقون :
لقوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " وقوله: " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " وقوله: " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " وقوله: (وحين البأس) أي في وقت اشتداد القتال والإلتحام مع الأعداء .

57. المجاهد جمع بين الفوز الدنيوي والأخروي :
لقوله تعالى: " فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " فجمع لهم بين جزاء الدنيا وجزاء الآخرة، وقوله: " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ " ولم يقل فائزون بالآخرة فقط ليعم كل فوز يخطر على البال .

58. أن كره الجهاد والتثاقل والتثبيط عنه من صفات أهل النفاق وحب الجهاد والمسارعة إليه من صفات أهل الإيمان :
لقوله تعالى: " فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ " وقوله: " وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ " وقوله: أولوا الطول أي أصحاب الغنى والسعة والقدرة. وقوله: (الخوالف) أي النساء والاطفال والشيوخ القاعدين عن الجهاد فهم رضوا بالقعود مع هؤلاء وتخلفوا عن الجهاد، وقوله: " وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فإن أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا " وقوله: (ليبطئن) أي يتثاقل الجهاد ويثبط غيره، وقوله : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " .

59. الشهادة في سبيل الله هي الصراط المستقيم :
لقوله تعالى: " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " وذكر في آية أخرى أن الشهداء هم الذين أنعم الله عليهم، وصراطهم أي طريقهم هو طريق الشهادة وهو الصراط المستقيم في قوله : " وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " وهذا تفسير للصراط ببعض أفراده .

60. أن ترك الجهاد تحصل به من المفاسد في الدنيا والآخرة ما هو خارج عن الحصر من الذل والهوان والفقر، وتسلط الأعداء، والاشتغال بالدنيا والغفلة عن الآخرة، وغلبة الكفر، والحرمان من ثواب الجهاد، وعلو الباطل والشرك والكفر، والصد عن دين الله، ثم حصول سنة الاستبدال والوعيد الأخروي، وغيرها الكثير : كما قال تعالى: " إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ولم يذكر هل العذاب دنيوي أو أخروي ولا نوع العذاب ليشمل كل أنواع وصنوف العذاب: من تسلط الأعداء والفقر والذل والجوع وغير ذلك، وقوله: " قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " وقوله: " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " والتهلكة الإشتغال بالدنيا وترك الجهاد والإنفاق فيه كما جاء في سبب النزول .

61. استحباب سؤال الشهادة وتمنيها خلافاً للموت :
لا يجوز تمني الموت ولا الدعاء به شرعا، لما جاء عند البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لا يتمنّين أحدكم الموت من ضرّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. وأما الشهادة فيُشرع سؤالها والدعاء بها وتمنيها، فأباح الشارع ذلك، بل واستحبّه، ورغب فيه وخص ذلك من عموم النهي، ، لما في الشهادة من الفضائل والكرامات والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة .

62. الشهداء أفضل من العلماء :
وهذه المسألة اختلف فيها في العلماء ورجح بعضهم أن الشهداء أفضل واستدلوا على ذلك بأنه ورد في الشهداء من الفضائل والخصائص مالم يرد في لا كثرة ولا عظمة، وحديث أنس عند مسلم "ما نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة " والنفس هنا تعم العالم وغيره فبان بذلك فضل الشهيد على من سواه واستدلوا كذلك بقرب الشهداء من منزلة النبوة كما سبق، ولا فضل أعلى من ذلك واستدلوا كذلك بأن من أسباب تفضيل الوسيلة الغاية التي توصل إليها والجهاد الموصل الى الشهادة أفضل من طلب العلم الموصل إلى درجة العالمية . والحق في ذلك أن الأفضلية نسبية، ولا ينبغي إطلاق الأفضلية دون اعتبار للأمور المؤثرة في تفضيل العمل من الاحوال العارضة وحاجة الناس والزمان والمكان الأمور، والإخلاص والمشقة في العمل وغير ذلك من الأمور، وقد يكون العمل الفاضل في مكان وزمان مفضولا وقد يكون المفضول ،فاضلا وكذا العمل يختلف بحسب الاشخاص وما يقدرون عليه إذ قد يصلح لزيد ما لا يصلح لعمرو، وعلى كل فالقصد هنا هو التنبيه على فضل الجهاد. قال ابن القيم: " فأعلى هذه المراتب النبوة والرسالة ، ويليها الصديقية ، فالصديقون هم أئمة أتباع الرسل ، ودرجتهم أعلى الدرجات بعد النبوة فإن جرى قلم العالم بالصديقية ، وسال مداده بها ،
كان أفضل من دم الشهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصديقية وإن سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان أفضل من مداد العالم الذي قصر عنها. فأفضلهما صديقهما . فإن استويا في الصديقية استويا في المرتبة " والله اعلم .

63. الشهيد لا يشعر بآلام القتل ولا سكرات الموت :
كما جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة وقال حسن صحيح : ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مَس القَرْصَةِ. والقرصة قيل: هي عضة النملة ، وقيل : هو أخذ لحمة الإنسان بأصبعيك حتى تؤلمه ولسع البراغيث وكلها ألمها متقارب، لا يكاد يُذكر، ولا يجزع منه حتى الطفل. قال الزبيدي في الإتحاف: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ، ولا هول ولا عذاب ، سوى سكرات الموت بمجردها ، لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ، ويتكدر عليه سروره ، ويفارقه سهوه ، وغفلته وحقيق بأن يطول فيه فكره ، ويعظم له استعداده ، لا سيما وهو في كل نفس بصدده ; كما قال بعض الحكماء : " كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك .

64. الشهيد يرى مقعده من الجنة قبل أن يموت :
الجنة ونعيمها وما أعد للشخص فيها أمر غيبي لا يرى إلا بعد الموت والمؤمن بعد موته يعرض عليه مقعده فيها ومنزلته في قبره بالغداة والعشي ويراها.وأما الشهيد فإنه يرى مقعده من الجنة قبل موته، كما عند الترمذي بإسناد حسن صحيـح من حديث المقدام بن معديكرب : " للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ویری مقعده من الجنة ... إلخ، والمقعد هو المنزلة ومحل قعود الشخص ونزوله في الجنة، ومن رأى ذلك هان عليه الموت مع أنه يهون على الشهيد أصلا، ولعل هذا الأمر من أسباب ابتسام كثير من الشهداء عند الاحتضار ، وهذا أنس بن النضر كما رواه البخاري قبل أن يقتل بقليل يشم ريح الجنة، فقال: (يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد) وهذه الفضيلة هي رؤية حقيقية يرونها عيانا قبل موتهم ولا منامية ولا خيالية، وتعجل للشهداء قبل موتهم وخروج أرواحهم، ثم بعد ذلك يغدون إلى الجنة حقيقة بأجساد غير أجسادهم .

65. يضحك الله من الشهيد :
كما جاء عند البخاري من حديث ابي هريرة: " يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ: يُقاتِلُ هذا في سَبِيلِ اللَّهِ، فيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ على القاتِلِ، فيُسْتَشْهَدُ " وجاء عند أحمد وصححه الالباني من حدیث نعيم الغطفاني: " أفضلُ الشهداء الذين يُقاتِلونَ الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتَلَبَّطونَ في الغَرفِ الغلى من الجنة، يضحك إليهم ربُّك، فإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه " وفي هذا شرف أي شرف، أن يضحك الله سبحانه بعظمته وسلطانه إلى ذلك الشهيد، وكم ترى من الناس من يتزلفون إلى المشاهير وغيرهم ليأخذ لقطة معهم أو قميص وربما يطير فرحاً إذا ظفر بذلك فكيف إذا كان الله بجلاله يضحك إلى هذا الشهيد!! .

66. يعجب الله من الشهيد ويباهي به الملائكة :
كما جاء عند ابن أبي داوود وأصلحه من حديث ابن مسعود: " عجِب رَبُّنا عزّ وجلَّ مِن رجُلٍ غزا في سبيل الله فانهزم - يعني أصحابه - فعَلم ما عليه، فرجع حتّى أُهرِيق دَمُهُ، فيقولُ اللهُ تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي حتّى أُهرِيق دَمُهُ " .

67. الشهيد تظلله الملائكة بأجنحتها :
كما عند البخاري من حديث جابر قالَ : لَمّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عن وجْهِهِ أَبْكِي، ويَنْهَوْنِي عنه، والنبي ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطمة تَبْكِي، فَقَالَ النبي ﷺ تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ ما زالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بأَجْنِحَتِها حتَّى رَفَعْتُموهُ .

68. الشهيد لا تأكله الارض ولا يتعفن :
قد كتب الله سبحانه على ابن آدم عند موته أن يتعفن جسده، وتأكله الأرض والديدان ، ولا يبقى شئ من جسده إلا عجب الذنب كما عند مسلم من حديث ابي هريرة - قال:
" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب " وهناك أناس اختصهم الله بكرامته كالانبياء فلا تأكلهم الارض، كما جاء عند أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه ابن خزيمة من حديث أوس بن أوس: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء " أما الشهيد فقد ثبت أن الصحابة المقتولين زمن النبي كشفت قبورهم ووجدت أجسادهم محفوظة لم يصبها أي تغيير، وقد وردت قصص كثيرة تدل على بقاء الشهداء كما جاء عند أنس في المستدرك: " أنَّ أبا طلحةَ قَرَأَ القرآن:انفِرُوا حِفافًا وَثِقالًا). [التوبة: ٤١]، فقال: أرى أن نُستَنفَرَ شُيوخًا وشُبّانًا فقالوا: يا أبانا، لقد غَزَوتَ مع النبي ﷺ حتى مات ومع أبي بكرٍ وعُمَرَ، فنحن نغزو عنك، فأبى، فرَكِبَ البحر حتّى مات، فلمْ يَجِدوا جَزيرةً يَدفنوه إلّا بعد سبعة أيّامٍ، قال: فما تَغَيَّرَ " .

69.الشهيد يدخل الجنة حالاً من قتله ومآلاً في الآخرة :
أعد الله الجنة لعباده المؤمنين جزاء لهم على أعمالهم، وجعل فيها من أصناف النعيم وأنواعه ما لا يحده الوصف، ولا يخطر على قلب بشر، والشهيد له مع الجنة حال آخر، ووضع خاص وكرامة عظيمة، فهو من حين يقتل يدخل الجنة حالا ومباشرة ويعجل له دخولهاونعيمها قبل يوم القيامة، ويبقى فيها إلى أن ينفخ في الصور نفخة البعث وترجع الأرواح إلى أجسادها، وذلك لكرامته على الله، ولعلو منزلته عنده، فالجنة تثبت للشهيد حالا .

70. الشهيد راض بعطاء الله :
قال تعالى: " لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ " وجاء عند البخاري من حديث أنس: " أنَّ رِعْلًا، وذكوانَ وعُصَيَّةً ، وبَنِي لَحْيانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ على عَدُوٌّ ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهارِ، ويُصَلُّونَ باللَّيْل، حتى كانُوا بِبِثْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو في الصُّبْحِ على أحْياءٍ مِن أحياءِ العَرَبِ، على رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيانَ قالَ أَنَسٌ : فَقَرَأْنا فيهم قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذلكَ رُفِعَ: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أَنا لَقِينَا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنَّا وأَرْضانا " .

71. الشهداء لهم ما يشتهون في البرزخ :
كما جاء عند مسلم من حديث ابن مسعود : أن مسروق بن الأجدع قال : سَأَلْنا عَبْدَ اللهِ عن هذِهِ الآيَةِ: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، قال: أما إنّا قد سَأَلْنا عن ذلك، فَقالَ : أَرْواحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلى تِلكَ القَنادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيهِم رَبُّهُمُ اطلاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شيئًا؟ قالوا: أَيَّ شَيءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا؟ فَفَعَلَ ذلكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا من أَنْ يُسأَلُوا، قالوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْواحَنا في أَجْسادِنا حتَّى نُقْتَلَ في سَبيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأَى أَنْ ليسَ لَهُمْ حاجَةٌ تُركُوا .

72. دار الشهداء هي أحسن الدور في الجنة :
كما جاء عند البخاري من حديث سمرة بن جندب : رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيانِي، فَصَعِدا بي الشَّجَرَةَ فأدْخَلاني دارًا هي أَحْسَنُ وأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ منها، قالا: أما هذه الدّارُ فَدارُ الشُّهَداء . فإذا كانت دار عامة المؤمنين كما قال - صلى الله عليه وسلم (لم أرى دارا قط أحسن منها فكيف بدار الشهداء التي صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها أفضل وأحسن من دار عامة المؤمنين .

73. الشهيد يوضع على رأسه تاج الوقار :
فالشهيد ملك في الجنة كما سبق، فيتوج كما يتوج الملوك، وليس بأي تاج، بل تاج الوقار والعظمة والكرامة الدال على عظمة صاحبه، وأنه مكرم عند الله تعالى وعند ملائكته وخلقه، فإن الشهيد عظيم عند الله تعالى وعند الخلق وكريم على الله تعالى وعلى الخلق، وهذا التاج مكون ومرصع بالياقوت، والياقوتة منه خير الدنيا وما فيها، فكيف به كله كما جاء عند الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب وقال حسن : للشهيد عند الله ست خصال...وذكر منها: ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها .

74. الشهيد يرجى له النجاة من نفخة الصعق :
كما قَالَ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامُ يَنْظُرُونَ. ونفخة الصعق يَمُوتُ بِسَبَبِهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَقِيلَ : هُمُ الشُّهَدَاءُ، وَقِيلَ: الانبياء، وقيل غير ذلك .

75. بالجهاد نطهر الارض من نجاسة الشرك :
كما قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. وذكر الطبري عن قتادة في قوله : "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" قال: حتى لا يكون شرك. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" قال:الشرك ويكون الدين لله. وعن ابن عباس: "وقاتلوهم لا تكون فتنة" يقول : شرك. وقوله: (حتى) حرف غاية يفيد استمرار القتال إلى غاية وهي زوال الشرك، فإذا بقي شيء من الشرك ولو كان قليلاً فإن القتال واجب حتى يزول الشرك بالكامل من الارض .

76. بالجهاد يكون الدين لله وحده :
لقوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. والدين معناه الطاعة الطاعة والانقياد وقد يرد لمعاني أخرى بحسب السياق، قال صاحب المقاييس: فَالدِّينُ: الطَّاعَةُ يُقَالُ دَانَ لَهُ يَدِينُ دِينًا، إِذَا أَصْحَبَ وَانْقَادَ وَطَاعَ. وَقَوْمٌ دِينٌ، أَيْ مُطِیعُونَ مُنْقَادُونَ. والمعنى: وقاتلوهم حتى لا يكون شرك وحتى تكون الطاعة والانقياد لله وحده دون ما سواه من الطواغيت والأنداد، مع إزالة الحواجز المادية المتمثلة في سلطان الطواغيت، وفي الأوضاع القاهرة للأفراد، فلا يكون هناك سلطان في الأرض لغير الله، ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله . . فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفراداً يختارون عقيدتهم أحراراً من كل ضغط على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى ، ويفتن بها الذين يتحررون فعلا من كل سلطان إلا سلطان الله .

77. بالجهاد نرد على المعتدي :
لقوله تعالى: " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " وقوله: " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ " وقوله: " الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " وقوله: " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وعليه فالرد على المعتدي حق لكل إنسان، ولو كان المعتدي مسلماً فإن قتاله ودفعه واجب ولو أدى لقتله، ولو قتلت وأنت تدافع عن نفسك أو دينك أو أهلك أو مالك لكنت شهيدا، كما جاء عند أبي داوود والترمذي وقال حسن صحيح: " منْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُو شَهِيدٌ، ومِنْ قُتل دُونَ دمِهِ فَهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهُو شهيد، ومنْ قُتِل دُونَ أَهْلِهِ فَهُو شهيد " رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. فكيف إذا اجتمع في العدو الواحد وصف الكفر، والحرابة والصيال والإفساد والتخريب، والتدمير، والسرق والنهب لخيرات المسلمين، وتمكين الطواغيت، واحتلال بلاد المسلمين، ودعم اليهود بكل ما لديه من سلاح ومال وإعلام ونفوذ لقتل المسلمين، فهل يشك أحد أن قتال هذا الصائل وطرده من ديار المسلمين أنه من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض !! .

78. بالجهاد نرهب أعداء الله :
لقوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم. وإرهاب العدو مقاصد الجهاد العظيمة التي يحصل بها كفُّ شرّ الكفار عن المسلمين، ولولا خيار الردع لتمادى العدو في التقتيل والتنكيل والتسلط على المسلمين من المستضعفين، كما يحدث ولا يزال يحدث من تقتيل المسلمين، واستهانة بدمائهم، حتى أصبحت دماء المسلمين كدماء البعوض لا قيمة لها ولا وزن، لغياب خيار الردع أما إذا علم العدو حجم الخسائر التي ستلحقه من جراء اعتدائه فإنه سيتراجع، أو يكف شره قليلاً، وربما ينسحب انسحابًا نهائيًا، ولا يعود مرة أخرى .

79. بالجهاد نحرر الأسارى :
لحديث أبي موسى الأشعري عند البخاري: فُكُوا العاني، يَعْنِي: الأسِيرَ ، وأَطْعِمُوا الجائع، وعُودُوا المَرِيض. ويا للحسرة كم في سجون الطواغيت من النُّخب والقيادات والعلماء من المسجونين ظلمًا وعدوانًا، بلا تهم أصلًا أو بتهم ملفقة. ولك أن تعلم، بحسب مصادر أجنبية، أن عدد السجناء في مصر وحدها ۱۲۰ ألفًا، وهذا هو الرقم المعلن فقط، في ظل تكتم النظام عن الأرقام الحقيقية. وهذا في مصر وحدها، دون بقية الدول العربية .

80. بالجهاد نحرض المسلمين على القتال :
لقوله تعالى: " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا " وقوله: " يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ " وهذا التحريض يحصل به التنشيط للمسلمين والتشجيع على القتال، ويكون بذلك قدوة لغيره من المسلمين، ويكون له أجر من سار على طريقه لحديث أبي هريرة عند مسلم: " مَن دَعا إلى هدى، كان له مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من أُجُورِهِمْ شيئًا " وهذا التحريض قد يكون من خلال الاشتباك المباشر مع العدو بتوجيه ضربات أو من خلال الإعلام أو غير ذلك .

81. بالجهاد نحكّم شريعة الله :
وهذا مفهوم من قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. إذ كيف يكون الدين والطاعة والانقياد لله في ظل حكم الجاهلية؟ وكيف يكون الدين لله، في ظل علوّ أحكام الجاهلية من قوانين الأمم الكافرة، والدساتير الفاسدة الكفرية؟! ولا يلزم من ذلك إنكار التأني قليلًا في التطبيق – لا في التشريع - حتى يتمكن المسلمون من ذلك، ولكن لا ينبغي أيضًا التساهل بترك التطبيق بدعوى عدم القدرة والتمكن، حتى يؤدي ذلك مع الوقت - إلى إسقاط
تحكيم الشريعة من أساسه .


رابط تحميل كتاب لماذا نجاهد النسخة الكاملة :
https://drive.google.com/file/d/1GaDaZgjn9OjaXiRZNZPuDfJPJE4pxvlK/view?usp
rivesdk
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً