عجبًا لمن عطَّل الجهاد منتظرًا المهديّ! وعجبا لمن أصيب بداء الرافضة فعطّل الجهاد منتظرا "مهديا" ...

عجبًا لمن عطَّل الجهاد منتظرًا المهديّ!

وعجبا لمن أصيب بداء الرافضة فعطّل الجهاد منتظرا "مهديا" يقاتل معه، فأمثال هؤلاء المنتظِرين لن يجاهدوا اليوم ولن يجاهدوا غدا، وهم كحال بني إسرائيل: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}، أو كحال يهود المدينة مع بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- كما روى ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا: "إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم! فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" [السيرة]. ...المزيد

مؤسسة الفرقان: مقتطفات قد تبيّن الرّشد من الغيّ • للشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري (حفظه ...

مؤسسة الفرقان: مقتطفات قد تبيّن الرّشد من الغيّ


• للشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري (حفظه الله تعالى)


* وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام "ردع العدوان" فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء.


* وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات، كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل، من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان، قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.


* أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولم تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم فتوبوا إليه، والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية؛ تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.

* وفي مقام النصح أيضًا، نخاطب أهلنا المسلمين في الشام، يا قوم: لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم: لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه، يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري؛ فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا اللهم فاشهد.

* أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم، تهابكم الدول وتخافكم الجيوش؛ الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم، لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم -كما فعل غيركم- لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

تهنئة وتذكرة • من أمير المؤمنين الشَّيخ أَبي حَفْص الهَاشِمِي (حفظه الله تعالى) "إلى ...

تهنئة وتذكرة


• من أمير المؤمنين الشَّيخ أَبي حَفْص الهَاشِمِي (حفظه الله تعالى)

"إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين، نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفص الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين".


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

مؤسسة الفرقان: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي ...

مؤسسة الفرقان: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}



تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}



الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [متفق عليهما].

وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [البخاري].

إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين، نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفص الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.

إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة.

ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين، فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.

وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول: ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم فلقد أبقاه الله تعالى حربا لكم، وفضحا لغيكم، وإزهاقا لباطلكم.

أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها، ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة، بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري، واستبداله سريعا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي؛ عينوا له زعيما صوريا جديدا، استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب.

وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات، كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل، من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان، قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرأوه علينا، وجعلوه حفيد الفاتحين، ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم، كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل!

وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام "ردع العدوان" فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء.ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم، فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك؛ فمهما تردى في مهاوي الردة، فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري وقد حرس حدود اليهود لعقود، ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.

إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم، وجعل ذلك أولويتهم، وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.

أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولم تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم فتوبوا إليه، والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية؛ تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.

وفي مقام النصح أيضًا، نخاطب أهلنا المسلمين في الشام، يا قوم: لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم: لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه، يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري؛ فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا اللهم فاشهد.

ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار، على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب، أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين؛ أن يعير الموحدين الصابرين؟، يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم، هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه، واستنزفوه وحيروه وأعيوه، حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.

أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق

أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم، تهابكم الدول وتخافكم الجيوش؛ الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم، لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم -كما فعل غيركم- لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.

روى ابن إسحاق في السير قال: "لمّا اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قَالَ الْعَبّاسُ بنُ عُبَادَةَ: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ؛ فَمِن الآنَ؛ فَهُوَ وَاللَّهِ -إِنْ فَعَلْتُمْ- خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ فَخُذُوهُ؛ فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ نَحنُ وَفّينَا؟ قَالَ: (الْجنَّةُ) قَالُوا ابْسُطْ يَدَك، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايعُوهُ".

وتأملوا -إخواننا- خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}.

وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا، سلقونا بألسنة حداد أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم، على أرائك الترف والوهم.

‌أفِي ‌السِّلْمِ ‌أعْياراً ‌جَفاءً ‌وغِلْظَةً؟
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِفلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية -بفضل مولاها- نجاحًا باهرًا مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم، وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت، ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.

لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم، والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟

كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عقابها، يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام، في الوقت الذي كان فيه الجهاديون تحت التنظير والاستقطاب الرافضي، كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.

وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية -بفضل الله تعالى-، شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان، وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر: "دولة الإسلام مرت من هنا"، ونقشوا على وجنة الجوزاء: "نحن لها، نحن لها"، واسألوا جيف اليهود في "سيدني"، والنصارى في "أورليانز"، سلوا الروس في "موسكو" وأذنابهم في "القوقاز"، سلوا معابد الرّافضة في "كرمان" و "عمان"، وسلوهم في "خراسان" و "باكستان"، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.

وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات، إخواننا لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك؛ الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب؛ كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.

ومما تسلقنا به الألسنة الحداد، أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة، ولا غي مثل الديمقراطية؛ فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب، فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة، فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام؛ فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها، ولتسلم لنا عقائدنا، نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات، وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.

ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا: محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا: مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا: مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا: هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا: يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر، قالوا: واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا: متشددون، وإن صمتنا قالوا: غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.وحاصل الأمر: أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة، وكل ظفر بها فوزًا، ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة، تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.

وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال؟ محضن الرجال وقلعة الأبطال، أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات، وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال "مسكاد" بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى؟ أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟ فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.

ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا، ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم؛ تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.

شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ

ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية فأبادوا من فيها، ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار "نيامي"، يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة؛ طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.

ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية، فأحرقوا المعسكرات والثكنات، وسلبوهم الأسلحة والمعدات، في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين.

وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك، لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد، وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد.

لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف، وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح، في صورة جلية للأخوة الإيمانية، وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية، فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، والله نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية، فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.

أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ)، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين".

وعملًا بنصوص الوحي، فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا، وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا الله في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.

وفي هذا المقام، نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال، وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون، وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم فالهجرة باقية، والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.

ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا، فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية، يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.وفي ميدان التضحية والشّهادة، ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد، قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام، خلال العامين الماضيين اللذين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب، لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.

أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا

وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا

ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة، حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم، وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.

مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ

فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم، واستلهموا الهمّة من دمائهم، وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم، وكونوا خير خلف لخير سلف.

وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند نقول لهم: إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة، وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها، وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

فاجتهدوا في نصرة المجاهدين، وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات، وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية فعندها طلبه، فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات؛ لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.

وقبل الختام، نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا:

أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه، ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه، فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ" أهـ، فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة، لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}.

واعلموا أيها المجاهدون، أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده، وما أعده للصابرين في دار كرامته، وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها.

كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا، وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات، فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا؛ اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا؛ تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان، فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين؛ فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان.. ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء".

كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم؛ وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك؛ تخطفتك سهامهم.

ومما يتصل بالأمن، قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك: التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا، ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة.

ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته: الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.

وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة، تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه، والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر، وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ

تفريغ كلمة صوتية:
للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}
...المزيد

مقال: (سُجَّدًا وَقِيَامًا) خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما ...

مقال: (سُجَّدًا وَقِيَامًا)


خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما مواقيت الصلاة والنسك والذكر والتفكر، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، فالمؤمن عبد لله في الليل والنهار، وقد خصّ الله الليل بأن جعله وقت السكن والخلوة، لكن أهل الغفلة جعلوه وقت الصخب والشقوة.

أما عباد الرحمن فهم يتحينون قدومه بشوق كبير للخلوة بربهم والوقوف بين يديه سبحانه، والمرابطة على بابه واللوذ بجنابه، يناجونه طمعا فيما عنده وخوفا مما عنده، يصفّون لله أقدامهم بعيدا عن أعين الناس طلبا لمرضاته، فقد عرفوا فضل قيام الليل وقيمته فاغتنموه وانشغلوا به فيما ينفعهم عمّا لا ينفعهم، وقد قيل للحسن البصري: "ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره". [قيام الليل للآجري].


• كان فرضا أول الأمر

في بداية الإسلام كان قيام الليل فريضة على المسلمين، لقوله عز وجل مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم- في أول سورة المزمل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، وروى مسلم في صحيحه أن سعد بن هشام قال لعائشة رضي الله عنهما: "أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْل تَطَوُّعًا بعدَ فَرِيضَتِهِ"، فنسخ آخرُ السورة أولها وأصبح نافلة رحمة ورأفة من الله عز وجل بعباده المؤمنين، فأصبح أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما في الحديث الصحيح: (أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم].


• قيام الليل في القرآن

ولقد أثنى الله عز وجل على المتهجدين المجتهدين في الليل بأحسن الثناء، في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الإمام البغوي: "المعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة (سُجدا) على وجوههم، و (قياما) على أقدامهم".

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، قال ابن عباس: "لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا، وقال قتادة: قلّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله عز وجل؛ إما من أولها وإما من أوسطها، وقال مجاهد: قلَّما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون". [التفاسير].

وقال سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفُرش الوطيئة، خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه".

وقد وصف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في القيام فقال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أنّ ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع• قيام الليل في السنة

وكما هي الآيات القرآنية، فقد ازدحمت الأحاديث النبوية في بيان فضل قيام الليل والترغيب فيه، ولو لم يكن من ذلك إلا أنه وقت إجابة الدعوات وتنزُّلِ رب البريات؛ لكفى، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَك وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟).

ومنه أيضا ما أخرجه أحمد والترمذي -بإسناد حسن- عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا)، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: (لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وأدام الصِّيامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).


• بين الجهاد والقيام

وفي الجمع بين مقام الجهاد والقيام، أخرج أبو داود وأحمد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الاِنْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَجَاءً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ).


• معينات على قيام الليل

وبعد أن تعرفنا على هذه الفضائل العظيمة لهذه العبادة الجليلة، فلا بد من معرفة الأمور التي تعين العبد عليها في عصر اللهو والغفلة، فمن المعينات على قيام الليل: ترك الذنوب والخطايا فإنها تحجب العبد عن الطاعة، فمن عصى في النهار نام في الليل! كما قال الحسن البصري: "إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل". [التهجد لابن أبي الدنيا].

ومما يعين على القيام: التبكير إلى النوم وترك مجالس السهر واللغو والقسوة، فقلّما يسهر المرء في هذا العصر في خير وطاعة، ومن ذلك أيضا: الاستعانة بالقيلولة في النهار، فإن لها أثرا وبركة تبلغ العبد في الليل، ومن ذلك: ترك الإفراط في الأكل والشرب، فإنه يورث الكسل ويثقل البدن عن القيام، ومن ذلك أيضا: النوم على طهارة، والاضطجاع على الشق الأيمن كما كان يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه أدعى لليقظة كما بيّن ابن القيم في زاده، ومن ذلك: الحذر من وثارة الفراش وما تعلّق به، فإنه يدعو إلى طول النوم، ومن ذلك بذل الأسباب المادية التي تعين على اليقظة كالمنبّهات السمعية ونحوها.

وملاك ذلك كله: مجاهدة العبد نفسه على القيام وترويضها وأطرها، فهي تميل إلى الراحة، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يعينه ويوفقه إلى القيام فهو والله رزق يسوقه الله إلى طلاب آخرته.

وبعد أخي المسلم، ها قد انقضت العشر الأوائل من رمضان سريعا سريعا، وبدأ العابدون يستعدون للعشر الأواخر من الآن، وقد سقنا بعضا من فضائل قيام الليل حثّا وتشجيعا -لأنفسنا وإياكم- على اغتنام هذه العبادة في هذه الأيام المباركة التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، فلوذوا أيها المؤمنون بربكم سبحانه، أحيوا ليلكم سُجدا وقياما بين يديه، ولا تبرحوا عتبته، فمنه وحده التوفيق والرحمة والنجاة، اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك.



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
...المزيد

الاستقطاب الرافضي للجهاديين في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء ...

الاستقطاب الرافضي للجهاديين


في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء على الانحراف القديم في الساحات الجهادية، ولعل أكثر ما استوقفنا حديثه عن وقوع الجهاديين "تحت التنظير والاستقطاب الرافضي" وليس العكس، وقد يمر البعض على هذه العبارة دون فهم لها، أو يظن بعضهم أنها مبالغة أو مغالطة، بينما سيُقنع القاعديون أنفسهم بأنها فرية باطلة، لأنها صدرت عن الخصم الوحيد الذي "لا يتوقفون" في مفاصلته ولا يسيغون موادعته ولا يجيزون مداهنته أو حتى تحييده كما يفعلون مع طوائف الردة شرقا وغربا.

ولكي نفهم هذا الشطر من الخطاب، نعود بالذاكرة إلى حقبة سقوط طالبان بعد الغزو الأمريكي، ونزوح كثير من قيادات وعوائل القاعدة باتجاه المثلث الحدودي بين إيران وأفغانستان وباكستان وخاصة في (زاهدان)، وهناك بدأت مرحلة التنظير والاستقطاب الإيراني للقاعدة، وهذا ثابت أقرّ به غير واحد من قادة القاعدة المعتبرين الذين قُتلوا في صفوفها، ناهيك عن شهادات من فارقها.

حيث استغلت إيران حالة التشريد والحصار المفروض على القاعدة، وفتحت لهم أبوابها لاحتوائهم واستيعابهم كسلاح وظيفي ضمن "محورها" الذي استوعب العديد من الحركات الإسلامية غيرها، كما حدث مع التنظيمات الفلسطينية التي أُبعدت في التسعينيات إلى "مرج الزهور" في الجنوب اللبناني؛ فهرع إليهم قادة "حزب الشيطان" ومارسوا تنظيرا واستقطابا، أفرز هذا الاصطفاف الفصائلي الفلسطيني الصارخ، خلف المحور الإيراني حتى آخر رمق.

التجربة ذاتها كررتها إيران مع القاعدة، حتى وصف بعض قادة التجربتين الدور الإيراني بـ "الاستضافة الكريمة!"، وللمصداقية؛ فقد رفض بعض صقور القاعدة هذا المسلك الإيراني لدواع متباينة ليست منهجية صرفة، بينما خضع قادة آخرون وأذعنوا، فاحتوتهم إيران لسنوات وادخرتهم ليومها الأسود، وصاروا اليوم رأس الهرم القاعدي.

وصرنا نقرأ لـ "القيادة العامة" للقاعدة بيانات ظاهرها الاصطفاف السُّني وباطنها الاصطفاف الإيراني، وكأنها صادرة عن أحد أفرع "محور المقاومة"، لكن بالتِفافة مبتذلة باسم الأمة ومصير الأمة، ومعروف أن مصطلح الأمة عند القاعدة مصطلح زئبقي تحشد خلفه كل التناقضات المنهجية، وكل ما لا تحتمله الأمة من الطوائف المحاربة لها.

ويجدر بنا التنبيه، بأننا لا نقصد بالاستقطاب الرافضي هنا الاستقطاب المنهجي عبر التشيع، فلم تفرض إيران على أذرعها وبيادقها "السنيّة" التشيع، فإيران لا تريدهم حشدا رافضيا، بل بيدقا وظيفيا يقف معها في وجه "القطب الوحيد" كما أسماه بيان القاعدة الأخير.

بيان القاعدة الأخير الذي جاء بعد بلوغ التوتر الأمريكي الإيراني ذروته، وجاء متزامنا مع بيانات أخرى لأذرع "محور المقاومة"؛ روّج أن هذه الحشود الأمريكية "ليست لمحاربة دولة بعينها" وأن هذه "الأحداث تعنيها وتعني كل مسلم" وأن "الكل مستهدف" وأن "الموقف الشرعي هو وجوب القتال" ولا يحتمل "الصمت أو التفرج".

ولم نجد عشر معشار هذا الاستنفار القاعدي ولغة الحسم والقتال، إبّان الحملة الصليبية المسعورة على حواضر الدولة الإسلامية في العراق والشام، بل كانت خطاباتها الماراثونية تفيض حقدا وتحريضا على المجاهدين في ذروة الهجمة الصليبية عليهم، ولم تكن تلك الهجمة العالمية عند القاعدة "تستهدف الكل" و "توجب القتال!" ولم تكن تلك الهجمة الشرسة "تعني القاعدة!" بينما صارت "تعنيها" اليوم عندما اقتربت النار من السفينة الإيرانية وشارفت على الغرق.

هذا هو الاستقطاب والتنظير الإيراني للجهاديين، وقد ظهر في هذا المحك بكل وضوح حتى تندّر به الصحفيون الصليبيون واستهجنوه، بينما انقسم منه أتباع القاعدة فرقا وشيعا، فريق أنكره بالكلية مُنكرا بذلك سِفرا طويلا من تاريخ قادته، وفريق تعامى عنه، وفريق راح يبرر ويشرعن هذا الاصطفاف مستدعيا نفس الطرح الذي تبنّته المنابر الإخوانية في أوج الحرب على غزة، التي روجت خطابا مفاده أن إيران ومحورها حائط الصد الأخير عن أمة الإسلام!! وهو ما يُفهم ضمنيا من بيان القاعدة الأخير الذي خاطب "حكومات المنطقة" بأنهم "سيؤكلون يوم أُكل غيرهم" فمن هو هذا "المأكول" الذي تخاف القاعدة عليه، وتخوّف به خصومه؟!

واستخفافا بعقول أتباعها، حاولت القاعدة تبرير اصطفافها الإيراني؛ بإقحام أفغانستان في السياق، وأن أمريكا "عينها شاخصة على خراسان والإمارة!" تلك الإمارة التي منحها الصليبيون لطالبان تحت أجنحة الطائرات الأمريكية، تماما كما منحوا مَن قبلها الحكم على ظهر الدبابة الأمريكية.
كما حاولت "القيادة العامة" جاهدة تبرير اصطفافها خلف إيران، من خلال عقد مقارنة بين المبررات الأمريكية للحملة على أفغانستان قديما، والحملة على إيران حديثا، وأن أمريكا رفعت سابقا شعار "الحرب على الإرهاب" و "تحرير شعوب المنطقة" كما تفعل اليوم، وفي البيان كلام محذوف تقديره: "كما ترفع اليوم شعار الحرب على إيران".والأبعد من ذلك مخاطبة القاعدة من أسمتهم "العقلاء في دوائر صنع القرار، أن يتحلوا بالحكمة والعقلانية في الحفاظ والدفاع عن البلاد والعباد!" ولا نعلم أن مصطلح الطواغيت صار له نحتا جديدا في قاموس القاعدة ليصبح "العقلاء في دوائر صنع القرار"، فهل تستعد القاعدة للالتقاء أو التحالف أو التعاون مع الطواغيت "العقلاء في دوائر صنع القرار؟!" وقد سبق أن خاطبت القاعدة "الجيل الواعي" بـ "ألا يتهرب من الخدمة العسكرية" في الجيوش المرتدة ودعته "لاستثمارها".

كما زعمت القاعدة أن قتالها في العقود الماضية "شكّل درعا متينا.. استفادت منه كبرى دول المشرق في منافسة القطب الوحيد!"، واستنكرت "تصنيف جماعات سلمية بالإرهاب" و "الانقلاب" على ما أسمتها "حكومات تنتسب للعمل الإسلامي"، وهي بذلك تعاتب السعودية وأخواتها في خطاب "براغماتي" فج، ولسان حالها: أن التقارب مع الإسلاميين كان بإمكانكم أن تجعلوه درعا لكم في وجه التهديدات الحالية، كما كنا نحن درعا لدول في وجه دول أخرى.

كل هذه المصائب المنهجية نطق بها بيان واحد لـ "القيادة العامة" للقاعدة التي يقولون إنها في أفغانستان، دفعنا للحديث عنه لفتة الشيخ الأنصاري في معرض حديثه عن الاستقطاب الرافضي للجهاديين، الذي أنتج اصطفافا قاعديا مؤقتا خلف إيران، لأن القاعدة تدمن الانتقال بين المحاور والاصطفافات، وقد كادت أن ترفع شارة "رابعة" يوم فوز "مرسي" بالحكم وصار الحصاد المر حلوا، فلما غرقت سفينة الإخوان؛ عاد حكماء القاعدة لانتقادهم في نفس السلسلة المرئية الطويلة التي افتتحوها بالتقارب معهم!

واليوم يلوذ بعضهم بإيران كاصطفاف سياسي مشفوع بالمبررات التي بان في كل مرحلة بطلانها شرعا وإخفاقها واقعا، وغدا بعد غرق السفينة الإيرانية ستعود القاعدة لتسب وتشتم إيران، وستبقى القاعدة تقفز من مركب إلى آخر حتى يدركها الغرق، فمتى تنجو بنفسك -أيها التائه- وتلحق بقوارب النجاة.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ ...

مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية



تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ



الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».

إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.

إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.

فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.

وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.

قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].

ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.

إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.

أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.

ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.

أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق

أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.

روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].

وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.

‌أفِي ‌السِّلْمِ ‌أعْياراً ‌جَفاءً ‌وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ

فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.

لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.

كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.

وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.

وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.

ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.

ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.

وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.

وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.

ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.

شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ

ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.

ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.

لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.

فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.

أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".

وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.

وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.

ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.

وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.

أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا

ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.

مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ

فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.

وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].

فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.

فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.

فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.

وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.

ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.

ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.

ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.

وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447
...المزيد

مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ ...

مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية



تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ



الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».

إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.

إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.

فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.

وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.

قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].

ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.

إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.

أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.

ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.

أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق

أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.

روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].

وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.

‌أفِي ‌السِّلْمِ ‌أعْياراً ‌جَفاءً ‌وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ

فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.

لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.

كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.

وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.

وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.

ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.

ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.

وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.

وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.

ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.

شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ

ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.

ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.

لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.

فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.

أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".

وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.

وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.

ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.

وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.

أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا

ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.

مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ

فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.

وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].

فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.

فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.

فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.

وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.

ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.

ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.

ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.

وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447
...المزيد

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات ...

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية


لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات وكسوفات، عن فيضانات تُغرق مدنا كبرى، وعواصف مطرية أو نارية تأكل الأخضر واليابس، زلازل تتكاثر وأراض تنهار، جفاف يغزو بقعا وسيول تُغرق أخرى، وآيات تزداد وتتوالى حينا بعد حين، تُنذرنا وتخوّفنا، وتُذكّرنا بضعفنا والغاية من خلقنا.


• {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

إن من حكم إرسال الآيات على الناس تخويفهم ليعودوا ويتوبوا، لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، قال الإمام ابن كثير: "قال قتادة: إن الله خوّف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".

فعلى مر العصور كانت الآيات تأتي تذكيرا وتخويفا للناس، وإيقاظا لهم من سباتهم خصوصا عند شيوع الغفلة، فمنهم من يتذكر ويتوب، وأكثرهم يعرض ويصر على غفلته، ويرى هذه الآيات المؤدِّبات أحداثا بيئية عادية كحال الكثيرين في هذا الزمان، الذي تتابعت فيه النذر وتكاثرت وما تزال في ازدياد شديد، تقابلها غفلة عالمية عارمة؛ فتجد الناس مثلا عند حدوث آية الكسوف أو الخسوف، بدل أن يصطفوا لله مصلّين وجلين قانتين؛ يصطفون خلف الشاشات والمناظير لاهين عابثين محلّقين في "الظاهرة الفلكية" غافلين عن الآيات الإلهية، وكذا تسمعهم عند حدوث أي فيضان أو إعصار مدمر، يقولون إن ذلك ناجم عن "التطرف المناخي" أو "هشاشة البنية التحتية" متغافلين متعامين عن قدرة الله تعالى، وعن حقيقة أن الدول التي كانت تفتخر بقوتها وتطورها، لم تصمد أمام جنود الله القاهرة من زلازل وبراكين مدمرة، وسيول جارفة ورياح عاصفة، وأعاصير مغرِقة وأخرى محرقة، وهكذا تراهم مع كل آية يرسلها الله تذكرة ونذيرا؛ يزداد إعراضهم وطغيانهم كما وصفهم سبحانه إذ يقول: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.


• {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

كانت عاد تتبجح بقوتها فعاثت فسادا وطغت وتجبرت، فأرسل الله عليهم ريحا عاتية اجتثتهم عن بكرة أبيهم فما أغنت عنهم قوتهم شيئا أمام جندي واحد من جنود الله، وبعدها ثمود ما اتعظوا بأسلافهم فأهلكهم الله كما فعل بمن قبلهم، وتعاقبت خلفهم أمم وأقوام كثيرة أتتهم النذر فما استجابوا لربهم وما أقلعوا عن غيّهم، فقلع الله مساكنهم وأبنيتهم وخرّت عليهم سقوفهم من فوقهم وأتاهم الموت من كل مكان، وذاك فرعون كم طغى وبغى وتجبر، واستضعف الخلق واستباح دمهم واستكبر، فأنذره الله بالرسل وخوّفه بالآيات، فما زاده ذلك إلا غيا، حتى جاءت القاضية فغرق في لجج البحر وصار لمن بعده آية.

وفي عصرنا أبت عاد وأخواتها إلا أن تترك أحفادا أشرّ منها، قد تعلموا في مدرستها ثم تتلمذوا على يد فراعنتها، فصاروا في الغي والبغي سيان، بل تفوقوا عليهم وغدوا معلمين لا متعلمين!، دول وأقوام صاروا للكفر رأسا وللباطل أصلا، طغوا وبغوا واستباحوا الحُرم والدم ولسان حالهم اليوم كحال أسلافهم بالأمس: من أشد منا قوة؟، فجاءتهم نذر العقاب والغضب، من غزو الأعاصير المدمرة التي تشل قواهم البحرية والجوية، والعواصف الثلجية التي تحبسهم في دورهم وتعطل حياتهم، والسيول التي تغرق طرقهم وتجرف منازلهم وآلياتهم، والزلازل التي تضربهم وتشردهم وتثقل اقتصادهم، حتى باتوا يقرون بأن ما يجري في العالم "ليس عاديا" وأنها "تغيرات غير مسبوقة" إلى غيرها من عبارات واعترافات العجز أمام قوة الله تعالى التي يصفونها جحودا وإلحادا بـ "قوة الطبيعة"، فأين هي إذًا قوتهم التي يتبجحون أنهم "طوّعوا" الطبيعة بها؟ وأين ترساناتهم التي يفتخرون بها؟ أين بُناهم التحتية وحصونهم الأرضية التي يحتمون بها؟ وأين قلاعهم العاجية التي يتطاولون بها؟ وغيرها الكثير من الآيات والنذر الإلهية، التي تتتابع وتشتد عليهم يوما بعد يوم، وما زال حال أكثرهم اليوم كحال أكثرهم بالأمس كما أخبر تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.• {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}

وما يزال أهل الكفر وأربابه يمكرون السيئات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبثون سمومهم من شهوات وشبهات لإغواء الخلق وإضلالهم، يفسدون في الأرض ولا يصلحون يحاربون الإسلام وهم في غيهم يعمهون، وتمادى بهم الطغيان حتى ظنوا أنهم على الأرض قادرون، وأمنوا على أنفسهم من مكر الله القائل: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.

وما يزال سبحانه ينذرهم ويخوّفهم بآيات بيّنات مُحرقات مُغرقات عاصفات ناسفات لا يجحدها أو ينكرها إلا مستكبر جحود، سيول تجرف عمرانا وأعاصير تجتاح حصونا، بلدان يغزوها عسكر الجفاف وأخرى تدكها جيوش الزلازل والبراكين، الأرض صارت تنتفض! والسماء تضطرب! ولا تكاد النذر تتوقف! والجحود والغفلة العالمية في ازدياد.

ومن معالم هذا الجحود بين أهل هذا الزمان، إصرارهم على رد الأمر إلى الأسباب المادية البحتة المجردة عن الإيمان بالخالق وقوته وجبروته وغضبه وعقابه، فيبررون ما يجري بـ "الاحتباس الحراري" و "النمو السكاني" وغير ذلك من المبررات والتفسيرات الصماء، ونسوا أن الله أرسل على أسلافهم من الأمم الغابرة -مِن أمثال هذه الآيات- ما أبادهم وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ولا يخفى على كل ذي لب أن معاصي الأمم السالفة قاطبة، قد اجتمعت في هذا العصر من كفر وشرك وفسوق وشذوذ، وربا وتطفيف، بل ظهر في عصرنا من الذنوب والفواحش المصادمة للفطرة البشرية ما لم تعرفه الجاهلية الأولى، ومع ذلك ما زال الناس في سكرة مطبقة وفي أمن رهيب من بأس الله وعقابه يوشك أن يحل بهم ويأخذهم على حين غرة كما فُعل بأشياعهم، قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


• اركب معنا

أمام طوفان الكفر الجارف وعواصف الذنوب المهلكة، كان لا بد من سبيل للنجاة من غضب الجبار سبحانه، فرارا منه إليه جل شأنه، وكان لزاما على كل مسلم البحث عن سفينة نجاة توصله إلى بر الأمان، سفينة شراعها التوحيد ووقودها الجهاد، يركبها المؤمنون فيأمنون وينجون.

فيا أيها المسلمون القابعون في ديار الكفر، قد رأيتم ما رأيتم من علو الطغاة وفشو الخبث بين ظهرانيكم، ووصلكم من النذر الإلهية ما يقرع الأسماع ويقتلع القلوب، فما الذي يمنعكم عن اللحاق بركب النجاة؟ ألم يطرق مسامعكم ما أجاب به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- زينب -رضي الله عنها- حينما سألته: "أنهلك وفينا الصالحون؟". قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري]، فإن تعذّر بعضكم بالدعوة والإصلاح، نقول لكم: حتى الإصلاح في الأوساط الجاهلية اليوم لا سبيل إليه بغير قوة وشوكة، ولا سبيل إليه دون الأسر والقتال والصدام مع الطواغيت وعسكرهم ودعاتهم! وقد جربناه قبل النفير إلى ميادين الهداية والرشاد، وهل يترك الطغاة داعيا إلى الحق حرا معافا؟!

ولو كان ما يمنعكم عن اللحاق بإخوانكم حب الدنيا وزهرتها وكراهية الموت، فالموت إذا جاء لن يرده عنكم أحد وهو قريب منكم حيث أنتم على أسرّتكم وبين أهليكم، فاتقوا الله، ولا تأمنوا مكره، واعلموا أنكم تخلفتم عن فريضة من أعظم فرائض العصر، وركنتم إلى الفانية، وعرّضتم أنفسكم لسخط الله ووعيده لمن قعد عن سبيله وتخلف عن تلبية ندائه، فانفضوا عن أنفسكم غبار القعود والتخلف عن ركب الهدى، والتحقوا بسفينة الإيمان لعلكم تنجون، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532 • الشبيحة والهول! ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي ...

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532


• الشبيحة والهول!


ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.

وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشاهدي زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.

لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي وبين أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

مقال: العشر الأوائل أيام عبادة وأجور مِن رحمة الله بعباده، أنْ أتاح لهم فرصًا لمضاعفة ...

مقال: العشر الأوائل أيام عبادة وأجور


مِن رحمة الله بعباده، أنْ أتاح لهم فرصًا لمضاعفة الأعمال والأجور، فخصص بعض الأمكنة والأزمنة يكون العمل فيها أضعاف غيرها، ومِن الأزمنة المباركة التي يتضاعف فيها العمل الصالح، هي الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، فهي أفضل أيام العام كلها، وهي الأيام المعلومات التي أمرنا الله تعالى أن نذكره فيها، وقد كان السلف الصالح يدركون أهمية هذه الأيام ويعملون على استغلالها، ويتفرغون للطاعات فيها، والموفّق مَن وفّقه الله لاغتنامها، لزيادة رصيده من الأعمال الصالحة، لليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.


• أفضل أيام العام

أخرج البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، ولعظيم فضلها أقسم ربنا سبحانه بها فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنها عشر ذي الحجة قال ابن كثير: وهو الصحيح" [تفسير ابن كثير].

وفيها يوم عرفة الذي أكمل الله تعالى فيه الدين وأتمّ به النعمة على المؤمنين، بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، والذي صيامه يكفّر سنتين كما جاء في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفّر السّنة الّتي قبله، والسّنة الّتي بعده) [مسلم].

ويغفل كثير من المسلمين عن أهمية هذه الأيام المباركة، فتراهم يجتهدون في الطاعات أيام رمضان، ويغفلون عن عشر ذي الحجة، وقد "سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية: عن عشر ذي الحجّة والعشر الأواخر من رمضان، أيّهما أفضل؟ فأجاب: أيّام عشر ذي الحجّة أفضل من أيّام العشر من رمضان، واللّيالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجّة" [مجموع الفتاوى]، وعلّق ابن القيّم على ذلك فقال: "وإذا تأمّل الفاضل اللّبيب هذا الجواب، وجده شافيا كافيا، فإنه ليس من أيّام العمل فيها أحبّ إلى الله من أيّام عشر ذي الحجّة، وفيها: يوم عرفة ويوم النّحر ويوم التّروية، وأمّا ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحييها كلّها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التّفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجّة صحيحة". [بدائع الفوائد]


• حال السلف الصالح

وكان السلف الصالح يجتهدون في عشر ذي الحجة لا كما يجتهدون في غيرها، فيكثرون ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، ويصومون هذه الأيام ويعتكفون فيها، وينقطعون للعبادة استغلالا لأوقاتها، فقد كان محمد بن سيرين وغيره من أئمة التابعين يصومون أيام العشر، وكان سعيد بن جبير يقول: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" حثّا منه على قيام لياليها، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فيها، كما قال الإمام البخاري -رحمه الله-: "وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السّوق في أيّام العشر يكبّران ويكبّر النّاس بتكبيرهما"، وكان بعض الأئمة يوقفون الدروس تفرّغا للعبادة في هذه الأيام المباركة، قال الأثرم -تلميذ الإمام أحمد-: "أتينا أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- في عشر الأضحى فقال: قال أبو عوانة: كنا نأتي سعيد الجريري في العشر فيقول: "هذه أيام شغل وللناس حاجات، وابن آدم إلى الملال ما هو"، وكأن الإمام أحمد أعجبه هذا الفعل وأراد التأسي به في ترك الدروس والانقطاع للعبادة.• والعقاب يُضاعف!

وكما أن أجر الطاعة يضاعف في الأوقات الفاضلة فإن المعصية فيها هي انتهاك لحرمتها، والذنب فيها أشد من غيرها، قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ...} [التوبة]، قال القرطبي رحمه الله: "لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظَّم شيئاً من جهةٍ واحدةٍ صارت له حرمةٌ واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهاتٍ صارت حرمتُه متعددةً فيضاعف فيها العقاب بالعمل السيئ، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال" [الجامع لأحكام القرآن]، ولذلك كان بعض الأئمة يتجنبون ما قد يؤخذ عليهم في أيام العشر من ذي الحجة تعظيما لها، لأنها في الأشهر الحُرم التي نهى الله تعالى المسلمين أن يظلموا فيها أنفسهم، فهذا الإمام أبو زرعة الرازي -رحمه الله- روى أحد تلاميذه أنه سأله عن حديث ابن أبي هالة في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- في عَشْرِ ذي الحجة، قال: فأبى -يعني أبا زرعة- أن يقرأه علي، وقال لي: فيه كلامٌ أخاف أن لا يصحّ، فلما ألححت عليه، قال: فأخِّرْه حتى تخرج العشر، فإني أكره أن أُحَدِّثَ بمثل هذا في العَشْر".


• الجهاد في هذه الأيام

وقد تقدّم أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل أيام العام، وأن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا إنْ خرج المسلمُ بنفسه وماله ولم يرجع بشيء من ذلك، كما جاء في الحديث، والمتأمل للحديث يجد أنه جاء بلفظ "العمل الصالح" ليشمل كل الأعمال الصالحة التي يستطيعها المسلم، ومن تلك الأعمال الصالحة بل على رأسها هو الجهاد في سبيل الله تعالى، فالمقصود من الحديث هو عمل الصالحات من غير الجهاد في هذه الأيام هو أفضل من الجهاد في غيرها، أما إن كان الجهاد فيها فهو بلا شك أفضل القربات وأجل الطاعات، قال ابن القيم -رحمه الله-: "والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبّد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين" [مدارج السالكين]، فالجهاد المتعيّن أفضل من سائر الأعمال الصالحة في هذه الأيام وغيرها، وقال -رحمه الله-: "إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد؛ وإنْ آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن"[مدارج السالكين]، فعلى المجاهدين اليوم أن يشكروا الله تعالى على ما وفقهم إليه من هذه العبادة العظيمة في هذه الأيام العظيمة، وأن يبادروا لزيادة الأجر واغتنام الفرصة في التقرب إلى الله تعالى في هذه الأيام بأعمال سوى جهادهم في سبيل الله، فيُكثروا من التكبير والتحميد والتهليل وقراءة القرآن وقيام الليل وصيام النهار والاستغفار، وأن يستشعروا أنهم إنما يقاتلون عدوهم بالأعمال الصالحة، فكلما زاد رصيدهم منها اقتربوا من النصر على عدوهم، وزادهم الله قوة وثباتا.

نسأل الله أن يعيننا على اغتنام مواسم الطاعة، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وألا يكلنا لأنفسنا طرفة عين، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

سجون الحرمين صبرا يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا ...

سجون الحرمين صبرا


يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا بمحاربة الشريعة، وموالاة اليهود والنصارى، ونشر الفساد في أرض الوحي؛ بل زادوا على ذلك بأن تسلّطوا على العباد بالبطش والتعذيب، فزجّوا في سجونهم النساء والرجال، والصغار والكبار، وملؤوا الأرض المقدسة جورا وظلما لن يوقفه غير الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو ما يحتّم على المسلمين الذين تهوي أفئدتهم إلى بلاد الوحي ويأتونها من كل فج عميق، أنْ ينتصروا لها وينزلوها منزلتها ويناصروا المستضعفين فيها، شأنها شأن سائر ديار المسلمين التي ترزح تحت ظلم طواغيت العرب والعجم.

ولقد تواترت أخبار جرائم جنود الطاغوت في هذه السجون، حيث التعذيب الجسدي والنفسي إلى الحد الذي يستحيي المرء مِن ذكره وبسط القول فيه، والذي لا يستحي هؤلاء المرتدون مِن ارتكابه، وكيف يستحون وقد شهد عليهم مَن كان تحت أيديهم أنهم يسبّون الله العظيم! ودينه القويم! ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-!، فلا عجب إذن من تعذيبهم الرجال واجترائهم على النساء وانتهاك حرماتهن، ومعاملتهن معاملة أسيادهم الصليبيين لنساء المسلمين في سجونهم، فليس بعد الكفر بالله ذنب ولا جرم.

وكثير من هذه السجون أنشأها طواغيت آل سلول نيابة عن أسيادهم الصليبيين لمحاربة المسلمين، فلا يسمعون بمجاهد غار على دينه وأراد أن يتحرك لنصرته، إلا سارعوا إلى الإيقاع به بشتى الطرق ليأسروه ويرموه في غياهب سجونهم، نصرة لأسيادهم وإبقاءً -في المحصلة- على ملكهم.

ومن حكمة الله تعالى، أنْ خرجت أخبار هذه السجون إلى العلن لتكون حجة أخرى على من يجادل عن هؤلاء الطواغيت وجنودهم، ويصبغ عليهم صفة الإسلام، مِن بلاعمة العصر المضلين، الذين ينبشون صغار السيئات في الناس ويتعامون عن الكفر الصراح عند أوليائهم! فتراهم يرقّعون لجنود الطاغوت؛ بالجهل تارة، وبالتأويل تارة، وبلقمة العيش تارة أخرى، دون أي اعتبار لدين الله تعالى، ودماء العباد وأعراضهم وأموالهم!، متجاهلين أنّ جنود الطاغوت هم يده ورجله وعينه، وحكمهم حكمه سواء بسواء، لقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

ومن أقدار الله وحكمته أيضا، أنّ أيديهم طالت في الآونة الأخيرة كثيرًا من دعاة الضلالة الذين كانوا يبايعونهم "ولاةَ أمر للمسلمين"، ويحرّمون الخروج عليهم، ويفتون بقتل المجاهدين ويسفّهون جهادهم، ويتقربون بذلك لآل سلول، حتى إذا طال عليهم الأمد، أوقعهم الله في شرّ أفعالهم، وأراهم "ولاة أمرهم" على حقيقتهم، فباتوا اليوم في السجون جنبًا إلى جنب مع مَن كانوا بالأمس يحاربونهم ويفتون بخارجيتهم، مع الفارق الكبير بين الفريقين.

ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب القتال لاستنقاذ المستضعفين من المسلمين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ..}، والأسرى من المستضعفين، كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفكاك الأسرى بقوله: (فُكُّوا العانِيَ) [رواه البخاري]، لأن السجن فتنة وعذاب، وبُعد عن الأهل والأحباب، وقد قال يوسف -عليه السلام- بعد أن خرج من الأسر: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف]، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) [البخاري] وفيه إشارة إلى مدى المحنة والصبر الذي بذله يوسف -عليه السلام- داخل السجن.

ولذلك، فعلى المسلمين في بلاد الحرمين وخارجها، أنْ يدركوا أنّ إخوانًا لهم خلف قضبان سجون آل سلول؛ يستنصرونهم ليفكّوا قيودهم، ويحرروهم من عذابات الأسر ومرارته، ويخلّصوهم من ظلم طواغيت آل سلول المجرمين، فما تسلط هؤلاء الطواغيت على رقاب المسلمين إلا لأنهم لم يجدوا مَن يردعهم، ويجاهدهم في الله حق الجهاد، فالطريق الصحيح في هذا الزمان قد بدأه إخوانهم قبل سنين قليلة، حين قتل أحد أبطال الإسلام في بلاد الحرمين خاله (العقيد) المرتد واغتنم سيارته وتوجّه بها صوب (سجن الحائر)، وفجّر حزامه الناسف عند أسوار السجن على عساكر الطاغوت، ليرسم البداية كما رسمها من قبله الشيخ أبو أنس الشامي -رحمه الله- على أسوار (سجن أبي غريب)، ليُكمل المسير إخوانه بعد سنين قليلة ويتموا استنقاذ إخوانهم من الأسر في ملاحم بطولية سطّرها التاريخ.

وفي هذا المقام، نذكّر برسالة الخليفة أبي بكر البغدادي -رحمه الله- التي خاطب بها أهل الجزيرة قائلا: "يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم؟ أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟… ثبوا من رقادكم وسكرتكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول -قبّحهم الله- بخاف حتى على صبيانكم! وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة، سعيًا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم".وقال ابن عقيل -رحمه الله-: "إذا أردتَ أنْ تعلم محلّ الإسلام مِن أهل الزمان؛ فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بـ(لبيك)!، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة". فعلى المسلمين في بلاد الحرمين والوافدين إليها من كل حدب وصوب، أن يضعوا هذا الكلام نصب أعينهم، وأن يدركوا أن مقياس حبهم للإسلام هو نصرتهم لهذا الدين العظيم ومعاداتهم ومجاهدتهم لأعداء الله تعالى، وطواغيت آل سلول اليوم هم من ألدّ أعداء الله تعالى، وحربهم على دينه لا تخفى على أحد، وموالاتهم لليهود والنصارى صارت حديث الساعة، وقد طغوا وبغوا وفعلوا ببلاد الحرمين وأهلها ما لم يفعله طاغوت قبلهم.

أما إخواننا الأسرى في سجون بلاد الحرمين، فنذكرهم بأنهم في الأسر يُبتلون على قدر إيمانهم، وأنّ الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، فنوصيهم بالاحتساب والصبر فهم أهله، وأن يعلّقوا قلوبهم بالله تعالى، وأن يُدركوا أنه ما عاداهم وأسرَهم الطواغيت إلا لأنهم كفروا بهم كما أمرهم ربُّهم، فهم في السجون في سبيل الله تعالى كما إخوانهم يجاهدون الطواغيت في سبيل الله، فهي طريق واحدة وغاية واحدة، وليكونوا على يقين بأن فرج الله تعالى قريب، وأن الله تعالى لن يضيع أعمالهم وجهادهم بل هو سبحانه يهيؤهم لقادم الأيام، وأن الله تعالى سيرغم آل سلول وجنودهم وأحبارهم المرتدين، طال الزمان أم قصر، على أيدي عباد الله المجاهدين الذين عملوا بما علموا، وستعود بلاد الحرمين منارا لدين الله كما يرضاه الله، وما ذلك على الله بعزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً