مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" للشيخ المجاهد أبي محمد ...

مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"



مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"
للشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


"فاستعينوا بالله وحده، وتوكلوا عليه وحده، وأخلصوا لله نياتكم، فإنه لا عملَ بغير نية، واحتسبوا فإنه لا أجر بغير حُسبة، وأكثروا من الدعاء فإنه هديُ الأنبياء، وإياكم والعُجب فإنه لا يجتمعُ مع التوكل في قلب، واجتنبوا المعاصي، ولا تصطحبوا عاصي، فمن ارتكبها سراً فليتُب، ومن كان مصراً أو مجاهراً فلا يُصحب، وأطيعوا أمراءكم تُنصروا، وإياكم والاجتهاد فإنه من آفاتِ الجهاد، واحذروا كل الحذر من التنازع والاختلاف، وكونوا على قلب رجلٍ واحدٍ في التعاون والائتلاف، وأصلحوا ذات بينكم واحرصوا على سلامة صدوركم تجاه بعضكم، ولا تكثروا من الضحك فتذهب هيبتكم، وقللوا من المزاح فإن كثرته تُذهبُ المروءة وتُولد الضغائن وتُفسد الودَّ بينكم، ولا تغُلُّوا يسلم لكم جهادكم، واقبلوا عُذر من اعتذر إليكم، وتخلقوا بأحسنِ الأخلاق فإنكم لا تمثلون أنفسكم، واحذروا أن تُكادوا كما تكيدون، ولا تتكبروا على عدوكم فتحقروه، فإن من حقر عدوه تهاون بأمره، ومن تهاون بأمرِ عدوه قلَّ احتراسه، ومن قلَّ احتراسه سَهُل افتراسه.

ولا تصدنكم عن جهادكم كثرةُ عَددٍ ولا عُدد، فإن قوة الإيمان يتلاشى في جنبها كلُّ عَدد، فجموعهم المعسكرة مُكسَّرة، وعزَماتُهمُ المؤنثةُ مُصغَّرة، وإن كانت ذواتهم مذكرةٌ مكبرة، وقد وعدَ الله ناصره بالنصرِ والتثبيت، والعدوَّ بالتعس والتشتيت، ولا ترتدوا على أدباركم لضعفٍ من بعض أفرادكم، فإن المرء لو جاهد لله وحده لصدقَ وعده وأعز جنده، فلا تنكسرنَّ قلوبكم لقلة عدد، ولا تجبُنوا لضعفِ مدد، بل ليقاتل أحدكم ولو وحده، منتظرًا بالنصرِ وعده، فقد قال تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة- 249]

ولا تقدموا الشهادة على النصر، لا تقدموا الشهادة على النصر، فاللهَ اللهَ عباد الله، خلِّصوا أنفسكم وأعراضكم من أيدي الكفار، واغسلوا ملابس مروءتكم من العار، فابذلوا في سبيل الله النفس والمال، وثوروا، فما كذبنا.. فالآن الآن جاءَ القتال، فعاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، وطيبوا عن أنفسكم نفسًا، وامشوا إلى الموتِ مشياً، فإن لكلِّ امرئٍ منكم مِيتةٌ هو ميتٌ بها، وما من ميتةٍ والله بأفضل من الشهادة فاغتنموها، فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها.

ودَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش، جيش مؤتة، وحضر الناس يودعون الأمراء، فبكى عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فقالوا: ما يبكيك؟! فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابةٌ بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 71] فلستُ أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفعَ عنكم، وردَّكُم إلينا صَالحين غانمين.

فقال عبد الله بن رواحة: لا والله
لكنّني أسألُ الرحمن مغفرةً
وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا
أو طعنةً بيدي حران مجهزة
بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقالَ إذا مروا على جدثي
يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

وتحرك الجيشُ الذي قوامه ثلاثة آلافٍ حتى نزلوا معانَ من أرضِ الشام، فجاءهم الخبرُ بأن هرقل نازلٌ بمآبَ من أرض البلقان في مئةِ ألفٍ من الروم، وانضم إليه مئةُ ألفٍ من قبائل العرب، فحار المسلمون وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم وينظرون ويتشاورون، فمنهم من قال نرجع، ومنهم من قال نمضي، ثم قالوا: نكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبرهُ بعددِ عدوِّنا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا فنمضي لأمره، فقام عبد الله بن رواحة يحرضُ الناس فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدينِ الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهورٌ وإما شهادة، فقال الناس: قد واللهِ صدقَ ابنُ رواحة.وفي ذلك الموقف يقولُ ابن رواحة:
جلبنا الخيلَ من أجأٍ وفرعٍ
تُغرُّ من الحشيش لها العكومُ
حذوناها من الصُّوان سبتاً
أزلَّ كأنَّ صفحته أديمُ
أقامت ليلتين على معانٍ
فأعقبَ بعد فترتها جمومُ
فَرُحنا والجياد مسوّماتٍ
تنفس من مناخرها السَّمومُ
فلا وأبي مآبَ لنَأتِيَنْها
وإن كانت بها عربٌ ورومُ
فعبَّأنا أعِنَّتَها فجاءت
عوابِسَ والغبارُ لها بَريمُ
بِذي لَجَبٍ كأنّ البِيضَ فيه
إذا برزت قوانِسُها النجومُ
فراضيةُ المعيشةِ طلَّقَتْها
أسنّتُنا فتَنكِحُ أو تَئِيمُ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدتُ مؤتة، فلما دنا منا المشركون رأينا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به من العدة والسلاح والكِراعِ والديباج والحرير والذهب، فبرَقَ بصري، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة، قلت: نعم، قال: إنك لم تشهد بدراً معنا.. إِنَّا لم نُنصر بالكثرة، ثم التقى الناسُ واقتتلوا، فقاتل زيدُ بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاطَ في رِماحِ القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فقاتل بها، حتى إذا ألحمَهُ القِتالُ اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها ثم قاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول:
يا حبّذا الجنةُ واقترابها
طيبة وبارداً شرابها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابُها

وروى ابنُ هشام أن جعفر بن أبي طالبٍ أخذ اللواءَ بيمينه فقُطعت، فأخذهُ بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطيرُ بهما حيث شاء، فلما قُتل جعفر أخذَ عبدُ الله بن رواحةَ الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزلُ نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه
مطاوعةً أو فلتكرهنّه
إن أجلبَ الناسُ وشدوا الرنّة
مالي أراكِ تكرهين الجنة
قد طالَ ما قد كنت مطمئنة
هل أنت إلا نطفة في شنّة
وقال أيضا:
يا نفسُ إن لا تقتلي تموتي
هذا حياض الموتِ قد صليتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ
إن تفعلي فعلهما هديتِ
وإن تأخرتِ فقد شقيتِ

ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عمٍ له بعظمٍ من لحمٍ فقال: شُد بها صُلبكَ فقد لقيتك أيامك هذه ما لقيت، فأخذهُ من يدهِ فانتهسَ منه نهسة، ثم سمِع الحطمة في ناحيةِ الناس فقال مخاطباً نفسه: أنتِ في الدنيا، ثم ألقاه بيده وأخذ سيفهُ فتقدم فقاتلَ حتى قُتل.

وإنا كذلك نقول: قد جاءكم ما قد تمنيتم، فإن تفعلوا فعلهم فقد هديتم، وإن تتأخروا فقد شقيتم، فقوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وعليكم بتقوى اللهِ والجدِّ والحزمِ والصبر، وإنا والله لنعلم أنكم لعلى حق، وإن عدوكم لعلى باطل، فلا يغلب باطلهم حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم.

والله لا يقتلُ أحدٌ منكم أحداً منهم إلا أدخل الله القاتِلَ جنات عدن، وأدخل المقتول ناراً تلظى خالداً فيها أبداً، ولا يقتلون أحداً منكم إلا أدخله الله الجنة إن شاء الله".


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: حصائد ألسنتهم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...

مقال: حصائد ألسنتهم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد.

فكما أن حسن الكلام يُعلي قائله أعلى عليين فكذلك سوءُ الكلام وفحشُه يَحطُّ المرءَ أسفل سافلين، ولعل كلمة لفظها العبد فكان من المنافقين، ولعل كلمة جعلته من أصحاب الجحيم، تلك حقيقة قد خفيت على كثير من الناس، حتى على معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) [الترمذي]. فحصائد الألسن تودي بأقوام فيسحبون إلى النار على وجوههم ومناخرهم، أي يدخلون النار مهانين، فإن أنف الإنسان رمز كرامته واجتراره عليه أشد طرق المهانة، فمِمَّ ذاك ولِمَ هذا؟! إنه بسبب اللسان، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

قال ابن الجوزي رحمه الله: "وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بنيّ، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم.
وأنشدوا:

احفظ لسانك أيها الإنسان
لا يقتلنك إنه ثُعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الشجعان

ويقال: إن جميع الأعضاء تبكّر كل يوم للسان، وتقول له: ناشدتك الله تعالى أن تستقيم، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا.

وقال بعض الحكماء: احبس لسانك قبل أن يطول حبسك، وتتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من اللسان ليقصر على الصواب ويسرع إلى الجواب" [بحر الدموع].


• المفلسون يوم القيامة!

ولو أيقن المرء أن كل كلمة ينطقها تُكتب عليه لما تردد في تقييد لسانه، وطوبى لمن حبس لسانه إلا فيما ينفع، فعن عيسى بن عقبة قال: قال عبد الله: والذي لاَ إله إلا هو ما على ظهر الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان. [الزهد للإمام أحمد]، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه، غفر الله لك، فقال أبو بكر: "إن هذا أوردني الموارد". [الموطأ].

ومُطلق لسانه بالسوء من المفلسين يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار) [الترمذي].

فما يعمله المفلس من صلوات وزكوات وأعمال صالحات إنما أجهد نفسه ليأخذ غيره حسناته.


• "لسان الحكيم وراء قلبه"

وإن كان العبد يكره أن يسمع فحش الكلام فإن من سواه يكرهون ذلك أيضا، فلا يكلف المرء غيره ما لا يبذله، ومن أصول المعاملة أن يعامل المرء غيره بما يحب أن يعاملوه به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يُحب أن يؤتى إليه) [مسلم].

والعاقل يحذر لسانه فلا يقول إلا ما يَحسُن عاقبته، فعن الحسن قال: كانوا يقولون: لسان الحكيم وراء قلبه، فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبه فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك، وإن الجاهل قلبه في طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه، ما جرى على لسانه تكلم به، قال أبو الأشهب: كانوا يقولون ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه! [الزهد للإمام أحمد].

ومن لم يتحرَّ الكلمة الطيبة حرم نفسه خيرا عظيما وصدقات عديدة، قال صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة) [متفق عليه]، وإن من عباد الله من يرفعه الله ويكتب عليهم رضوانه؛ لأنهم موفّقين في انتقاء كلامهم خوفا منه سبحانه، وابتغاء مرضاته، فتكون لهم صدقة وأجرا ووقاية من نار جهنم، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق التمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) [النسائي]

فكيف يبخل المرء على نفسه بالأجور الكثيرة، ويغفل عما أنعم الله عليه من النطق والبيان فيقول ما يفسد عليه دينه ودنياه؟!• انتقوا كلامكم في هذه المواطن

ومن المواطن التي يجب فيها انتقاء الكلام؛ الدعوة إلى الله تعالى، قال الله عز وجل: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] جاء في تفسير القرطبي: "فيه مسألة واحدة، هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم" [التفسير].

وليحرص من أراد أن يألف ويؤلف، أن يكون موازنا لما يقول ويصدر عنه من كلمات، وليكن سريع العودة عند الزلل، ومن ابتلى بقسوة أو فظاظة، فإنه يستطيع أن يعوّد نفسه المحاسبة ولين القول وحُسنه؛ ومتى اعتادت النفس شيئا تطبّعت عليه، قال عيسى عليه السلام: (طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى من ذكر خطيئته) [الزهد للإمام أحمد].

ومن هذه المواطن ميدان نصرة المجاهدين في الشبكة العنكبوتية، فإن نصرتهم لا تكون إلا بحسن القول والخلق والمعاملة، وصاحب الحق لا يلزمه أن يسب أو يشتم أو يطعن أو يجرح، فذلك دأب الباطل وسمته، وإنما أعلى الله تعالى ذكر المجاهدين بحسن فعالهم وطيب خصالهم وحرصهم وشفقتهم على أمتهم، فليحرص أنصار المجاهدين على انتقاء عباراتهم وكتاباتهم وضبطها على الكتاب والسنة ومنهاج النبوة، فذلك أدعى للتأثير في الآخرين وأسلم وأنفع، وما سوى ذلك يضر ولا ينفع.

ومن إيذاء المؤمن إسماعه ما يكره وخاصة حال بلائه ومصابه، فهو شديد على صاحب البلاء ولربما يزيد سوءُ القول أهلَ البلاء بلاءً وصاحب المصيبة مصيبة.


• لا صبر ولا أجر!

ومن شر الكلام ما سبب إرجافا في الجهاد لما فيه من توهين للهمم وتثبيط للعزائم، وهو من صفات المنافقين، قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]، والواجب في هذا الموطن الدعوة للثبات وذكر الله ورفع همم المؤمنين، ومن ذلك ما قاله سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم حين استشارهم قبل بدر: "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك والذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه، فأشرق وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال له خيرا ودعا له".

ومن الخذلان أن يُصاب بعض الناس ببلاء عام؛ فتقسوا قلوبهم عن حكمة ذلك، فيتكلم بعضهم بالتضجر ومالا ينفع من الكلام وما يفتّ من عضد قائله وسامعه ويذهب عنه أجر الصبر، وسيذهب ذلك البلاء ولا يبقى إلا أجر الصبر، وإنما حكمة البلاء التضرع وتفقد النفس وذنوبها والتوبة منها، قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43].

وعن علقمة الليثي، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله عز وجل، ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة) قال: فكان علقمة يقول: "كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث" [الزهد للإمام أحمد].

اللهم أعنا على أنفسنا واجعل كلامنا قربة وسائر عملنا طاعة، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - مقال: أوهام النصارى في إفريقية في عام 1406 هـ بلغ عدد دعاة النصرانية في بلاد ...

صحيفة النبأ - مقال: أوهام النصارى في إفريقية


في عام 1406 هـ بلغ عدد دعاة النصرانية في بلاد إفريقية أكثر من مئة ألف "مُنَصِّر" كان شعارهم يومها: "إفريقية كلها نصرانية بحلول عام ألفين"، واليوم بعد مرور واحد وعشرين عاما على الميعاد الذي ضربوه لتنصير كل إفريقية؛ وجحيم النصارى هناك لا مثيل له على أيدي أجناد الخلافة وكماتها الأبطال، وسوق الجهاد مستعرة، وضرام الغارات مشتعلة، ورهبانهم ورعاياهم وميليشياتهم بين قتيل وشريد، فأضحى النصارى الكافرون بحال لم يلقوه منذ نحو قرنين أو يزيد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

فكيف كان الحال وكيف تبدّل؟ وأين ذهبت جهود التنصير الكبيرة التي بذلوها، وأين تلك الميزانيات الضخمة التي أنفقوها؟ وأين أحلام المؤتمرات التي عقدوها وأوهام المؤامرات التي حاكوها؟ لقد تحطمت وتبددت حين جدّد المصلحون دعوة التوحيد في حياة المسلمين، وأعلنوا الجهاد في سبيل الله وتعالت صيحاتهم بالتكبير.

وذلك بعد عقود طويلة من الشرك والبدع والانحرافات، وسقوط حكم الشريعة في إفريقية بالغزو الصليبي الفرنسي والبرتغالي والإسباني وغيرها من دول أوروبا الصليبية، وسنيِّ العِجاف والاستضعاف، عمل النصارى الحاقدون خلالها على سلخ المسلمين عن دينهم، كما قال الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}. [البقرة: 217].

وقد اتبع النصارى لتحقيق مآربهم التنصيرية في إفريقية شتى الوسائل الخبيثة من إرساليات وبعثات تنصيرية، وتعددت أساليبهم في ذلك بين القهر والإجبار أو الترغيب والإغراء أو عن طريق التعليم ومدارس الإفساد -التي ما يزال شرها إلى اليوم-، أو تحت غطاء الطب والعلاج حتى بلغ بهم الحال في بعض بلاد إفريقية أنهم لا يبدؤون بالعلاج حتى يركع المرضى ويطلبوا من المسيح أن يشفيَهم!

كما استغلوا الفقر المدقع للناس هناك لصرفهم عن دينهم مقابل فتات الطعام، وكثفوا جهودهم، وبذلوا الأموال وعقدوا المؤتمرات والاجتماعات وكل ذلك كان بهدف تحويل قارة إفريقية إلى قارة نصرانية صرفة!، حتى إن الطاغوت الصليبي "بولس الثاني" قال مؤكدا على ذلك في كلمة ألقاها في "مؤتمر روما" أمام وفد من أساقفة إفريقية: "ستكون لكم كنيسة إفريقية منكم وإليكم، وآن لإفريقية أن تنهض وتقوم بمهمتها الربانية، وعليكم أيها الأساقفة تقع مسؤولية عظيمة، ألا وهي تنصير إفريقية كلها".

وقد تزامنت تلك الحملات التنصيرية مع الحملات العسكرية والغزو الصليبي لبلاد المسلمين مصحوبة بعمليات التجسس تحت ستار الجمعيات والمؤسسات الإغاثية.

وكان من أبرز مساعيهم في تلك الحملات أيضا تفرقة المسلمين وتفكيك وحدتهم على أساس القوميات والعرقيات والحدود الموهومة، يشهد لذلك قول أحد قساوستهم: "إن التنصير عامل مهم في كسر شوكة الوحدة الإسلامية… حتى تستطيع النصرانية أن تتغلغل بين المسلمين".

وحين كانت حملة التنصير في إفريقية على أشُدِّها وما تلاها من نكبات ومآسٍ للمسلمين هناك؛ كان الطواغيت الحاكمون لبلاد المسلمين الأخرى في صمتٍ مطبق، بل في تواطؤٍ في كثير من الأحيان مع الدول الصليبية.

وقد مرّ على أمة الإسلام زمان كان أعظم جهد يبذله الباذلون فيه كتابا في التحذير من خطر التنصير، أو خطبة رنانة تندد بجرائم النصارى، وأحسنهم حالا من سعى يجمع لفقراء المسلمين بعض الصدقات والأموال لمزاحمة النصارى في مشاريعهم.

غير أنه بدأ خيرٌ يدبّ بين المسلمين بعد بزوغ دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في جزيرة العرب، والتي استخلصها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد كان لهذه الدعوة المباركة الأثر البالغ في نشر التوحيد بين أهالي إفريقية والتصدي لمؤامرات ومكائد النصارى فيها، حيث كثر تدريس الناس العقيدة الصحيحة التي تصون دينهم من التبديل والخرافات والبدع، وتبصّرهم بسبيل العز ودرب النجاة الذي أمرهم الله تعالى باتباعه، كما ساعد في ذلك أيضا اهتمام أهل السنة في إفريقية بالقرآن الكريم وتعلّقهم به، فحيث ما دوّى كتاب الله ونُوديَ بالعمل به فالتوفيق ثَمَّ.

وتلك كانت أرضية خصبة ساهمت بشكل كبير في سرعة التحاق المسلمين في إفريقية بركب الخلافة وإعلان بيعتهم للدولة الإسلامية بفضل الله تعالى، وحينها تبدلت أحوال المسلمين هناك بعد سلوكهم طريق الجهاد، فشنوا حربا شعواء على النصارى تدق رقابهم وتحرق قراهم، وتذيقهم من العذاب ألوانا ومن الرعب أصنافا، فدخلت إفريقية بذلك مرحلة جديدة للتصدي لأطماع النصارى وقتال الجيوش الحامية لهم.وانتقل المسلمون في إفريقية من الاستضعاف إلى حد اقتحام البلدات والقواعد العسكرية للمرتدين والنصارى وميليشياتهم والتنكيل بهم وتشريد جموعهم، وتُوِّج ذلك بما امتن الله به عليهم من تحكيم شرع الله تعالى فيما مكنهم الله فيه من البلاد، وكلها هالات بشرى لأمة الإسلام لفجر مشرق لاح نوره، وما ذلك إلا بفضل الله تعالى ثم بصبر جنود الخلافة -كما نحسبهم- وأخذهم لأسباب النصر والتمكين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

كما بيّنت هذه الأحداث دناءة طواغيت العرب والخليج المرتدين الذين ما تحركوا لمآسي المسلمين في إفريقية ولا التفتوا إليهم طيلة حملات التنصير والقتل والتهجير، واليوم يتحركون لنصرة إخوانهم المرتدين والنصارى ضد المجاهدين بدعم الحملات العسكرية وإمداد جيوش التحالف الإفريقي بالآليات والأموال، والتي عادت -بفضل الله وتدبيره- غنائم بأيدي أوليائه المجاهدين؛ لتكون زادا وعُدّة للملاحم القادمة بإذن الله.

وليعلم النصارى الكافرون أن زمان تجبّرهم على المسلمين في إفريقية قد ولّى إلى غير رجعة -إن شاء الله تعالى-، بعد قيام الدولة الإسلامية وانتشار جنودها في مناطق عديدة بأرض إفريقية، وهذا خير عظيم ومرحلة متقدمة من مراحل الصراع بين أمة الإسلام وأمة الصليب، وما جرى في مناطق وبلدات ولايتي غرب ووسط إفريقية يسيرٌ أن ينتقل إلى بلدان أخرى ما زالت ترزح تحت سلطان النصارى واضطهادهم، وما ذلك على الله بعزيز.

وعلى المسلمين في سائر إفريقية أن يأخذوا بالجادة "عقيدة سليمة وجهاد في سبيل الله"، فإنها الموصلة لخير عقبى إن شاء الله، قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 22 - 23]، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: الغنيمة الباردة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع ...

مقال: الغنيمة الباردة


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد.

فمن توفيق الله لعبده المؤمن أن يعلم أنه وُجد في هذه الدنيا لطاعة ربّه وعبادته، وأن داره ومستقره في الآخرة، فهمُّه كيف يُزيّن جنته وكيف يُعلي درجته، وكلما مرّ عليه موسم من مواسم الطاعة شمّر، ومِن رحمة الله بعباده المؤمنين أن قدّر لهم مواسم عبادات يتقرّبون فيها إليه سبحانه، ليغتنموا أوقاتها بالأعمال الصالحة وينالوا رضاه.

ومِن هذه المواسم فصل الشتاء فهو بستان العابدين، وربيع المؤمنين، فبه كانوا يستبشرون، ومما يُحزنهم من الدنيا يفارقون، والغنيمة الباردة لأهل الآخرة كما جاء في شرح الأحوذي: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء؛ لوجود الثواب بلا تعب كثير، وفي الفائق: الغنيمة الباردة هي التي تجيء عفوا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاء، وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد... والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسّه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم".


• الشتاء غنيمة العابدين

فمن تيسير الله لعباده أن ليل الشتاء طويل؛ فنومٌ أوله أو بعضه وقيامٌ آخره، فيطول وقت خلوة العابدين بربهم جلّ وعلا، ونهارَه بارد قصير فيسهل الصيام، قال ابن رجب رحمه الله: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنّه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات ويُنْزِّه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: مرحباً بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام، وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا". وقال ابن رجب: "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر". [لطائف المعارف].

وهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال أيضا: "اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر وقيام الليل ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء في حلق الذكر"، و"عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه أنه لما نزل به الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال ما أبكي حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء". [العاقبة في ذكر الموت]

فلأجل هذا كانوا يفرحون بالشتاء رحمهم الله، خلافا لأهل الغفلة الذين يقتلون أوقات الشتاء بالسمر ومجالس القيل والقال والنوم الطويل.


• الشتاء ذكرى للمؤمنين

وفي هذا الموسم عظة وذكرى للمؤمن تزيد من خشيته ربه، إنها "الزمهرير" وشدة البرد، الذي هو من عذاب جهنم، وهو كشدة الحر في الصيف، فيدفعه ذلك إلى تذكّر الآخرة وأهوالها، ويحثه على الإكثار من الطاعات، رغبة في الجنة وخوفا من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم". [لطائف المعارف]، وهذا حال المؤمنين الذين حيِيَت قلوبهم، فنعيم الدنيا يذكّرهم نعيم الجنة، وعذاب الدنيا يذكّرهم عذاب النار، فهم مشفقون من الآخرة يعيشون بين الخوف والرجاء.

قال الله تعالى عن أهل الجنة: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الانسان:١٣]، قال ابن رجب رحمه الله: "فنفى عنهم شدة الحر والبرد". [لطائف المعارف]


• سنن وأدعية في الشتاء

وهناك سنن وأدعية يأخذ بها المؤمن أيام الشتاء، فمنها: "حسر الرأس وبعض الأعضاء" وقت هطول الأمطار، فعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: (اللهم صَيِّبًا نافعًا)، وروي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقُلنا: لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: (إنَّه حديث عهدٍ بربه) [رواه مسلم]، قال الإمام النووي: "معنى (حسر): كشف، أي كشف بعض بدنه، ومعنى (حديث عهد بربه) أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفي هذا الحديث دليل لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه أن يسأله عنه ليعلمه فيعمل به ويعلمه غيره". [شرح النووي]ومنها: إذا طال وقت هطول المطر وخيف من ضرره، يقول كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر). [متفق عليه]

ومنها: أن يشكر المؤمن ربَّه على نعمته وينسب الخير له سبحانه، فيقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، لما ورد في حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (وأمَّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب). [متفق عليه]


• وصايا ولطائف

ومِن حسن التدبير التزود للبرد بما يقي منه، ونخص بذلك المجاهدين وأهلنا الصابرين الثابتين على الحق في مخيمات الأهوال، روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: "كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية: إن الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارا ودثارا؛ فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه". [لطائف المعارف]

ومن المعلوم أن الناس تَعمَد إلى النار فتصطلي بها من برد الشتاء، لذا وردت أحاديث في النهي عن ترك النار مشتعلة عند النوم، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون) [رواه البخاري]، وعن أبي موسى الأشعري قال: احترق بيتٌ بالمدينة على أهله، فحُدِّث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نِمتُم فأطفئوها عنكم). [رواه البخاري]، وبوّب الإمام البخاري على الحديثين: "باب لا تُترك النارُ في البيت عند النوم"، وحكمةُ النهي هي خشيةُ الاحتراق كما قال الحافظ، ثم قال: "قيّده بالنوم لحصول الغفلة به غالباً، ويُستنبط منه أنه متى وُجِدت الغفلة حصل النهي" [فتح الباري]، وقال القرطبي: "في هذه الأحاديثِ أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يُؤْمَن معه الاحتراق، وكذا إنْ كان في البيت جماعةٌ، فإنّه يتعين على بعضهم، وأَحقُّهم بذلك آخرهم نوماً، فمَن فرّط في ذلك كان للسُّنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً" [التفسير]، قال الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم: "وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون) هذا عامٌ تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأمَّا القناديل المعلَّقة في المساجد وغيرها فإن خِيفَ حريقٌ بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أُمِن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لابأس بها؛ لانتفاء العلة". ونحو هذا المدافئ التي يؤمن منها الإحراق، فإن لم يؤمن فيجب إطفاؤها، والله أعلم.

اللهم جازِ المجاهدين ومَن في حكمهم ورثة آل ياسر، عن الإسلام خير الجزاء، اللهم أطعمهم مِن جوعٍ وآمِنهم مِن خوف، اللهم قِهم برد الشتاء وحر الصيف، اللهم أبدل خوفهم أمنا وضعفهم قوة ولمّ شعثهم وارحمهم رحمة تغنيهم بها عن رحمة مَن سواك، إنك نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى- عزم في ...

صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي



أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى-
عزم في الحياة وكرامة بعد الممات

لم تظهر تلك الصور والإصدارات التي رفعت همم المؤمنين وأغاظت الكافرين وزلزلت أروقة الطواغيت؛ إلا وخلفها فرسان أباة حملوا معداتهم وسط المعامع وسوح النزال، بين رهج السنابك وأزيز الرصاص لينقلوا لأمة التوحيد تضحيات وبطولات أبنائها المجاهدين في الميادين، ويحققوا وصف النبي صلى الله عليه وسلم للطائفة المنصورة (على الحق ظاهرين)، فكان الظهور بتلك الأنامل الصادقة، التي رسمت لأمة الإسلام لحظات تاريخية بقيت عالقة في الأذهان والقلوب، أولئك الذين مضوا يحثون الخطى ويشقّون شواهق الجبال ولهيب الصحراء ومستنقعات الغابات، ما حملهم على ذلك هوايةً يهوونها أو مغامرات يبيعونها، إنما حملهم على ذلك إيمانٌ بالله ربهم وجهادٌ في سبيله.

ومِن أولئك الفرسان الذين استعذبوا العسرة والجلد في أرض الصومال، لإخراج ما تبصره الأجيال من صنيع الأبطال، الفارس المتجلّد عمر أحمد محمد (أبو العزم الإعلامي) -تقبله الله-


• حفظ القرآن صبيا

ولد الأخ أبو العزم في منطقة (وبحو) في (جلجدود) وسط الصومال عام 1416 هـ، وأكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم في ريعان طفولته، ثم انتقل إلى تعلّم العلوم الشرعية في حِلَق المساجد ثم الانضمام إلى بعض المعاهد الشرعية في (مقديشو).

دخل النور قلب أبي العزم تقبله الله صغيرا فاستمكن منه، فكان غيورا على دينه، حتى اشتهر بكرهه لعلماء السوء بلاعمة الطواغيت، وكان قوّالا للحق يردّ عليهم في مجالسهم، ثم صار يحذر أصدقائه مِن أخذ العلم عنهم أسوة بسلف الأمة الصالحين، وبعد انتهائه من دراسته الثانوية التحق بإحدى الجامعات الخاصة (بقسم الإعلام)، وتزامن ذلك مع إعلان الخلافة الإسلامية حيث كان -تقبله الله تعالى- متابعا لما يجري في الشام، وما تعرضت له دولة الإسلام من مؤامرات، حينها شعر الأخ تقبله الله بواجبه العيني تجاه إخوانه، فبدأ يبحث عن طريق للهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية القريبة، فحاول بداية اللحاق بولايتي اليمن أو ليبيا، حيث لم تكن حينها ولاية الصومال قد قامت بعد، ولكن شاء الله أن لا تتم تلك المحاولات.

وفي إحدى الليالي سمِعَ من الإذاعات المحلية خبرا كاد يطير به فرحا، وهو إشاعة خبر بيعة (حركة الشباب) وانضمامها للخلافة، فعزم تقبله الله تعالى أن لا يأتي الصباح إلا وقد التحق بأقرب نقطة يكون فيها الإخوة المبايعون، لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة وعرف أنّ المبايعين كانوا ثلّة قليلة من مجاهدي الصومال يقودهم الشيخ عبد القادر مؤمن -حفظه الله- وكان ذلك في بداية عام 1437 هـ، ومِن هنا أدرك تقبله الله تعالى أنّ القلّة هي من الصفات اللازمة لأهل الحق فلم يفتّ ذلك في عزمه بل عهد على نفسه أن يكون من السبّاقين للخير والذين تقام الخلافة على جماجمهم بإذن الله، فبدأ يبحث عن طريق للوصول إلى تلك الثلّة المؤمنة، وقبل أن يجد الأخ طريق الهجرة كان تقبله الله يتواصل مع أصحاب له في صفوف (حركة الشباب) يحرّضهم على اللحاق بجماعة المسلمين وترْك فرقة الفصائل والجماعات، وكان يفنّد الشبه والأباطيل التي روّجها قادة الحركة بشأن الدولة الإسلامية، وقد يسّر الله للأخ أبي العزم إقناع بعض أصدقائه من جنود الحركة لينضموا لاحقًا إلى الدولة الإسلامية، بفضل الله.


• نفر عروسا وطلّق الدنيا!

وفي بداية عام 1438 هـ وجد الأخ أبو العزم طريقة للتواصل مع إخوانه المجاهدين في شرق الصومال، فبايع برفقة أخ له، وبسبب انقطاع الطرق اضطرّ الأخوان للبقاء والتريث ريثما تسنح لهم الفرصة للنفير، ومع ذلك لم يجلسا دون عمل بل قاما ببعض الأعمال التي كُلّفوا بها داخل (مقديشو)، فيسّر الله لهما إنجازها وإتمامها. وما إن أُتيحت الفرصة لأبي العزم للهجرة حتى تحرّك صوب ثغور الشرق، وقد كان يومها عروسا حديث الزواج، فما ماطل أو تباطأ بل ودّع أهله وبدأ يستعد للنفير في سبيل الله. حاول أبو العزم السفر نحو شرق الصومال عبر مطار (مقديشو)، لكن المرتدين في المطار شكّوا في أمره وبدأو يستجوبونه، وأخيرا منعوه من السفر، واضطرّ أن يعود أدراجه حزيناً لانسداد باب الهجرة أمامه، لكنه لم ييأس فبعد فترة حاول مرّة أخرى وأتى المطار فيسّر الله له هذه المرة الخروج، فانطلق حتى وصل إلى (بوصاصو)، وللأسف كان المرتدون في المطار له بالمرصاد، فقاموا باستجوابه لكونه غريبا عن المنطقة؛ فهو من أهل الجنوب، فقدّر الله أن يؤسر ويسجن بسبب شكّهم فيه، فلبث في السجن بضعة أيام ثم خرج والتحق بإخوانه.• ابتداء بابتلاء

لم يتوقف ابتلاء أبي العزم عند رحلة النفير، بل صاحبه ذلك في بداية التحاقه بالمجاهدين، فما إن وصل مناطق المجاهدين حتى التحق بمعسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني) تقبله الله، وشارك في دوراته الشرعية والعسكرية، وبعد الانتهاء من المعسكر تمّ نقله مع الإخوة إلى إحدى القواطع في الولاية، وفي تلك الأثناء كانت الطائرات المسيّرة الأمريكية تحلّق في الأجواء بكثافة، فمنذ انحياز جنود الخلافة من (قندلا) كان الصليبيون قلقين مِن تصاعد نشاط جنود الخلافة على الشريط الساحلي، لذا عمدوا إلى تركيز المراقبة عن بُعد بواسطة طائراتهم بعد أن عجز وكلاؤهم عن القيام بدورهم، فاضطرّ الصليبيون إلى استخدام طائراتهم لمواجهة المجاهدين وشنّوا عدّة حملات جوية على مقرّاتهم، وفي هذا السياق قدّر الله أن تقصف طائرة بدون طيار موقعاً كان يوجد فيه الإخوة المتخرّجين من معسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني)، فصار كلهم بين قتيل ومصاب -تقبلهم الله جميعا- سوى الأخ أبو العزم الإعلامي، ويومها لم يستطع أبو العزم أن يتمالك نفسه وبكى بكاءً شديداً حسرة أن فاتته الشهادة في سبيل الله مع إخوانه، ولكنّ الله أبقاه لحكمة يعلمها سبحانه، وما زادته تلك المحنة إلا صلابة وإصرارا على درب الجهاد وحرصا على نيل الشهادة -كما نحسبه-.


• مهمّة انغماسية في (قندلا)

لم يثنِ القصف عزيمة أبي العزم وظلّ يتنقل بين الجبهات حتى تم اختياره مع بعض إخوانه لتنفيذ مهمّة خاصة، وهي الانتقام من حكومة (بونتلاند) المرتدة، وذلك عبر تنفيذ عمليات نوعية داخل بلدة (قندلا) وأطرافها، حيث توجد قواعدهم وطرق تنقلاتهم، وقد كان دور أبي العزم حينها هو توثيق تلك العمليات بكاميرته التي كانت لا تفارقه.

انطلق الإخوة متجهين نحو بلدة (قندلا) سيرًا على الأقدام والتي كانت تبعد عنهم قرابة 100 كم، وليست كأي مسافة أخرى، فالمنطقة جبلية وعِرة وتعتبر من أعلى المرتفعات في أرض الصومال، ساروا في طريق شاقّ بلا ماء إلا ما ندر، مع شدّة الحرارة التي كانت في ذروتها، حتى وصلوا أخيرا بفضل الله إلى المكان المحددّ، وكانت تلّة من التلال التي تطلّ على البلدة، فهناك رابطوا أياما وليالي، يراقبون ويرصدون قواعد العدو وتحركاته، وفي إحدى اللّيالي تمكن المجاهدون من زرع عبوة ناسفة على الطريق قرب إحدى تمركزات العدو في البلدة، ليستهدفوا إحدى دوريات العدوّ لكن شاء الله أن تنفجر العبوة بعد مرور الدورية لخلل فني، ومع ذلك دبّ الرعب في قلوب المرتدين، ما اضطرّهم إلى استدعاء إمداداتٍ ومؤازراتٍ وأعلنوا تعقبهم للمجاهدين الذين تسللّوا إليهم ووصلوا عقر سيطراتهم، ولكن المجاهدين ومعهم أبو العزم تمكنوا من الانسحاب سالمين بفضل الله.


• في مواجهة مرتدّي القاعدة

كان لأبي العزم من اسمه نصيب، فهو ذو عزم وشدة على الأعداء، وكان رمزا للإخلاص والوفاء، وفي أيام الحرب ضدّ مرتدي القاعدة، كلفه إخوانه بالعمل في المجال العسكري بدل الإعلام، وذلك لشجاعته وصبره ومعرفته للطرق، فعمل مع القائد (منصور الصومالي) تقبله الله في مهام الاستطلاع والبحث عن آثار العدو، فكان يواصل الليل بالنهار ذهابا وإيابا، متنقلا من مجموعة لأخرى، ومن ثغر إلى آخر رافعا همم إخوانه ومحرضا للقتال والدفاع عن الولاية مِن صيال مرتدّي (حركة الشباب)، وفي إحدى جولات الاستطلاع وجد الأخ أبو العزم برفقة الأخ المدرب (داود الصومالي) تقبلهما الله أثرَ عناصر القاعدة، فما إن تتبعوا أثرهم حتى لحقوا بعشرات المرتدين إبّان وصولهم قرب بئر (ميرالي)، وقد نزلوا تحت الأشجار ليستريحوا من عناء السفر الطويل بهدف الهجوم على مواقع المجاهدين التي لم تكن بعيدة عن المنطقة، لكن بفضل الله ثم بجهد الأخوَين فشلت مخطّطات العدو، ورفعوا خبر وصول المرتدين للأمراء لتبدأ بعد ذلك استعدادات المجاهدين للإغارة عليهم.


• أميرا للإسناد في معركة (ميرالي)

وفي يوم المعركة كان أبو العزم أمير الإسناد يردف إخوانه بالرجال والذخيرة، وفي تلك المعركة أبلى الأخ بلاء حسنا، وكان محرضا لإخوانه على الانغماس في صفوف المرتدين، وقبيل انتهاء المعركة وبعد انكفاء قطعان المرتدين وانهزامهم ومطاردة أسود الخلافة لفلولهم؛ نزل أبو العزم تقبله الله من مقرّ القيادة ليلحق بعض إخوانه في إحدى جبهات المعركة لمساندتهم، وما إن اقترب منهم حتى أصابته رصاصة في صدره ليقع على الأرض جريحا، فأخبر أميره عبر (اللاسلكي) أنه أصيب إصابة طفيفة، لئلا يحزن عليه إخوانه، وظلّ ينزف مضرجاً بدمه دون أن يعرف أحد أين سقط، وبعد انتهاء المعركة وهزيمة مرتدي القاعدة، دخل الليل وحان وقت التحرّك من موقع المعركة والعودة، وأثناء تحرّك مجموعة من الإخوة سمعوا في طريقهم صوتا يناديهم بأسمائهم فوجدوا الأخ وقد نزف نزفا شديدا ومرت ساعات من جرحه، فحملوه، وقد كان يقول ضعوني لا تحملوني، وبعدها بدقائق فاضت روحه إلى بارئها ليودع دار الفناء -شهيدا كما نحسبه- إلى دار البقاء، ملتحقا بمن سبقه من إخوانه.• كرامة ونور بعد الممات

ومن عجيب ما يُروى أن الإخوة دفنوا أبا العزم تقبله الله في موضع عين ماء ينبع في فصل الشتاء وهم لا يعلمون بذلك، وبعد مرور قرابة عام على مقتله، نزل عند قبره مجموعة من البدو الرحّل، وعندما بدأوا بحفر العين، وجدوا قبر أبي العزم تقبله الله، وهنا كانت المفاجأة، فقد وجدوا أبا العزم تقبله الله في قبره مضرجا بدمه كأنه دُفن حديثا، فاختلفوا في أمره وماذا يفعلون به، ومتى قتل ومن يكون ومن دفنه؟ ثم عرفوا لاحقا أنه أحد جنود الخلافة، فأخرجوه وصلّوا عليه، ثم حفروا له قبرا جديدا بعيدا عن العين، وبعدها اتصلوا بالإخوة يستفسرون عن ذلك الشخص، فأخبرهم الإخوة أن هذا أخ لنا قتل في إحدى المعارك قبل سنة تقريبا، فجعل الله هذه الكرامة سببا لهداية كثير من أهل تلك المنطقة والحمد لله تعالى، فكان موته حياة لغيره من المسلمين، فرحمه الله وتقبله في الصالحين، وجعل درجته في المهديين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ ...

مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"



مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"
للشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


"أيها المسلمون، إننا لا نجاهد لحماية أرض، ولا لتحرير أو السيطرة على أرض، لا نقاتل لسلطة أو مناصب زائلة بالية، أو حُطام دُنيا دنيّة فانية، لو كان هدفنا إحدى هذه الرُّكام والحُطام لما قاتلنا العالم معاً بجميع الملل والنِّحل والأقوام، لو استطعنا أن نحيّد عنّا مقاتلاً واحداً لفعلنا وجنّبنا أنفُسنا العناء، إلا أن قرآننا يحتّم علينا مقاتلة العالم بلا استثناء، وما زدنا على أن نقيم شرع ربّنا، ولو كنّا مخيّرين لاخترنا وغيّرنا، لو كان ما نتّبعه أو نقاتل عليه رأيًا لتراجعنا، لو كان هوىً لبدّلنا، لو كان دستوراً لعدّلنا، لو كان حظًّ لساومنا، لو كان نصيباً لرضينا، ولكنّه القرآن وهدي نبيّنا العدنان صلى الله عليه وسلم.

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْ رَّبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، إنّ دافعنا ما جاءنا عن ربنا، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} {قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

سنُقاتل ونُقاتل ونُقاتل حتّى يكون الدّين كلّه لله.

لن نتوسّل الناس ليقبلوا دين الله والحُكم بشرع الله، فمن رضي فهذا شرعُ الله، ومن كره وسخط وأبى فسنُرغم أنفه وهذا دين الله، سنكفر المرتدين ونتبرأ منهم، ونُعادي الكفّار والمشركين ونُبغضهم {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.

فلا يسعنا موالاة الكفار والمرتدين من المجالس العسكرية الوطنية، أو الفصائل الديمقراطية والعلمانية كما وَسع المُرتدّين من الجماعات المُسمّاة إسلاميّة، فنتحالف معهم ونُظاهرهم، قال تعالى : {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.

ولا يُمكننا أن نداهنهم ونُسارع فيهم، فلا نكفُر بشركهم، ولا نُعلن لهم العداوة والبَغضاء، ونُظهر لهم الإخاء والمحبّة والولاء، كما تفعل قاعدة الشّام جبهة الردّة الخاسرة، فإن لم نُظهر للكفار العداوة والبَغضاء ضاع الولاء والبراء، وذهب معه الدّين واختلط الكافرون بالمؤمنين.

تظنُّونَ أنّ الدّين لبَّيكَ في الفَلاَ
وفِعلُ صلاةٍ والقتالُ مع المَلاَ
وسالِمْ وخالِطْ من لِذا الدّين قد قَلاَ
وما الدّين إلا الحبّ والبُغضُ والوَلاَ
كذاك البرا من كلّ غاوٍ وآثمِ

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، ولو علمنا أن سلفًا صالحاً سلَّم شِبراً للكُفّار بحُجّة حاضنة أو الحفاظ على المباني من الدّمار أو حقن الدّماء أو أي مصلحة مزعومة، لفعلنا كما فعلت قاعدة سفيه الأُمّة، ولكنّه قرآن عزيز كريم، سُنّة مُطهّرة ومَنهجٌ قويم ودين حنيف لا يَقبل التنازل أو التحريف، نُقاتل حتّى الموت، وإن فَنيَت الزّروع وإن هُدّمت البيُوت وإن هُتكت الأعراض وزُهقت الأنفُس وسالت الدّماء، فإما نحيَا بعزّة ديننا سادةً كُرماء أو نموت عليه شُرفاء.ويا جنود الدولة الإسلامية، لا يَخفى عليكم أنّ أمريكا الصّليبيّة وحُلفاءها، وأمم الكفر قاطبة وراءها، والمرتدّين من بني جلدتكم أمامها، جَمَعوا وحشَّدوا لكم يتوعّدونكُم، وكلّ يوم يزعمون أن القضاء على الدولة قريب، وأنّ هذه الحملة هي القاصمة لا ريب، ويهدّدونكم ويخوّفونكم، وقد قال عزّ وجلّ ربُّكم : {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ}. بلى، إنّ الله كافٍ عباده، وإنّ الله عزيز ذو انتقام، وإنّ القوّة لله جميعًا، فإن كنتم مؤمنين بالله عاملين له لن يخيفكم شيء سوى الله مهما يكون، فكلّ ما سِوى الله دونْ، كلّ ما سِوى الله قوّة ضئيلة، ضعيفة هزيلة، ومنذ لحظة إعلاننا قيام دولة الإسلام، والمرتدون والصليبيون والملحدون يُمنُّون أنفسهم بالقضاء عليها في بضعة أيّام ويشنّون الحرب إثر الحرب ويُتبعون الحملة بالحملة والفَرّة بالكَرّة، ويخسؤون ويخيبون ويُخزيهم الله كل مرّة.

فما تهديدهم بجديد وما خزيهم ببعيد، ثم إنّ الأيام دُول والحربُ سجال، ومن ظنّ اننا نقاتل للحفاظ على أرض أو سلطة أو أنّ النصر بذلك فقد أبعَدَ في الضَلال، نقاتل طاعةً لله وقُربة إليه، وإنّ النصر أن نحيا بعزة ديننا أو نموت عليه، سواءً إن منَّ الله علينا بالتمكين أو بِتنا في الصحراء والعَراءِ مشرّدين مطاردين، سواءً إن أفضى أحدُنا إلى السجن أسيرا، أو باتَ في سِربه آمنا مسرورَا، سواءً سلمنا وغنمنا، أو كُلمنا أو قُتلنا، فما النصر عندنا إلا أن نحيا موحّدين، نكفر بالطاغوت ونحقق الولاء والبراء ونقيم الدّين، فإن وُجد فإننّا المنتصرون، على أيّ حال منتصرون.

فهذه الحقيقة والله ماهي بشعارات، سطّرها الصادقون بدمائهم من جنود الدولة والقيادات، ومن بات على غير هذا من صفّنا فليس منّا، ولا بُدّ أن يُلفظ أو يخرُجَ ولو بعد حين من بيننا، {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

وعن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ).

فيا جنود الدولة الإسلامية راجعوا وتعاهدوا النيّة، وأصلحوا الطويّة وأبشروا فإنكم منصورون والله، فإنّنا على بيّنة وما كُذبنا، والله ما كُذبنا، وبشّروا آل سلول بما يسوؤهم قريبا بإذن الله فإنهم أول المهزومين إن شاء الله.

روى مسلمٌ عن نافع بن عُتبة رضي الله عنه قال، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ).

ولئن اختلف الفقهاء قديما بمعنى فتح جزيرة العرب فقد بات اليوم واضحاً وصدق نبيّنا صلى الله عليه وسلم وما كذَبْ، فالهمّة الهمّة إنّما تقارعون الأمم عنِ الأمّة، وإن تصمدوا فزتُم، وإن تَنكُلوا خبتم وخسرتم، وإنّ أمامكم مشاهد لا يقوم لها مفلس أو جبان، وارداتٍ ليس لها مصادر إلا النزال والطِعان، وأنتم لها بإذن الله".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر) الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على ...

مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر)


الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واتباع للحق في قليل أو كثير، وبعد.

فإننا في زمن تلاطمت فيه الفتن وتفنّن الطواغيت في إفساد دين العباد، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [رواه مسلم]، ويصبح البُعداء من الفتن غرباء كما قال عليه الصلاة والسلام: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) [رواه مسلم].

ومِن الغربة التي نعيشها اليوم؛ مسارعة كثير من المنتسبين للإسلام إلى إرضاء الكافرين علنًا والتحالف معهم لمحاربة كل من يريد إقامة شرع الله؛ كرها لشرع الله ومحبة للكافرين، وقد قال الله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

وهناك من يزعم أنه مسلم ويصلي ويصوم ويحسب أنه من المؤمنين ومن المحبين لدين الله؛ لكنه يقول للذين كرهوا ما نزل الله "سنطيعكم في بعض الأمر"، "سنعاونكم في بعض الشيء"! فما حال ومآل هؤلاء؟ قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28]

قال ابن كثير رحمه الله: "{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، {مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي: زين لهم ذلك وحسنه، {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: غرهم وخدعهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي: يعلم ما يسرون وما يخفون، الله مطّلع عليه وعالم به، كقوله: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، ثم قال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} الآية [الأنفال: 50]". [التفسير]

فمن تأمل هذه الآيات وتدبرها علِم الوعيد الشديد لمن اتبع الطواغيت في أحكامهم الكفرية وقوانينهم الجاهلية، أو في معاونتهم في حربهم على المسلمين في أي مكان، وكفى بحالهم شرا ما حكاه الله عن خاتمتهم السيئة بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم والعياذ بالله.

وقد حذر العلماء قديما وحديثا من اتباع سبيل الطواغيت ومؤازرتهم على الباطل وطاعتهم فيما يخالف دين الله.

وهذا حكم الله فيمن قال: سنطيعكم في البعض، فكيف بمن قال لهم: سنطيعكم في كل الأمر؟!

وسبب هذا المنزلق الذي وقعوا فيه هو تسويل الشيطان لهم، فهو الذي زيّن لهم الكفر والردة، ومنّاهم بطول الأعمار {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}؛ لأن طول الأمل يقود الإنسان إلى التعلق بالدنيا والافتتان بها والوقوع في المعاصي والكفر، وبعضهم يقول: إنا لا نريد الكفر ونعرف أن هذه الحكومات على باطل، لكن فقط نحتاج إلى راتبهم وأموالهم من دخولنا معهم أو انتسابنا إليهم، وبعضهم يقول: هم يلزموننا بالتجنّد معهم ونحن نخاف منهم وسيضيقون علينا في أمور المعيشة والخدمات.وهذا كله ليس عذرا لهم؛ لأن أنظمة الكفر والردة وأحكامهم الجاهلية وحربهم لشرع الله ما قام إلا على أكتاف هؤلاء الجنود والمعاونين، قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم: أنهم من بعد ما تبين لهم، ارتدوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة: غرهم الشيطان وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيراً من المشركين يعرفون الحق، ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به؛ محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرياسات، ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فأخبر تعالى: أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر". [الدلائل]

وبعضهم إذا قيل لهم انفروا للجهاد وانصروا المجاهدين وحكّموا شرع الله يأبون، وإذا جاءهم الطاغوت دخلوا معه واحتجوا بالاستضعاف، وهذا أيضا ليس بعذر لهم، قال الشيخ سليمان أيضا: في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} "أي: في أي فريق كنتم، أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين: "بالاستضعاف" فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ولا يشك عاقل: أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، صاروا مع المشركين وفي فريقهم وجماعتهم.

هذا مع أن الآية نزلت: في أناس من أهل مكة أسلموا، واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر؛ فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطّؤوهم، وظهر فيهم: سبهم، وشتمهم، وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؛ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. [الدلائل]

وكأنما يخاطب الشيخ -رحمه الله- أهل زماننا هذا، ولا عجب فطريق الشيطان واحدة وأسلوب أوليائه واحد وحججهم واحدة؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53]، وهذه فتوى أئمة التوحيد من القديم، فإياك إياك أخي المسلم وفتاوى دعاة السوء أحباب الطواغيت، فيذهب دينك لدنيا غيرك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - مقال: أئمة الهدى يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه انتحال المبطلين، ...

صحيفة النبأ - مقال: أئمة الهدى


يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين". بهذا النص النبوي يُعلم دور حفَظَة الدين، إذْ حَمْلُ هذا الدين ليس علوما مجرّدة؛ لأنه ليست الغاية من العلم أن يدرك ويُعْلم فحسب، إنما يراد به العمل والاتباع فبه يكون الانتفاع.

وتلك الأوامر والنواهي الإلهية في القرآن لن تظهر حتى يقوم بها الناس، وإن هذا الدين دين عمل قال الله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، ولذا كره الله من يقول ولا يفعل فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، قال عباد بن عباد الخواص الشامي: "فإن الكتاب لا ينطق حتى ينطق به وإن السنة لا تعمل حتى يعمل بها... وقال: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} قال العمل بما فيه، ولا تكتفوا من السنة بانتحالها بالقول دون العمل بها، فإن انتحال السنة دون العمل بها كذب بالقول مع إضاعة العلم" [سنن الدارمي]

وتحكيم شرع الله لن يكون إلا برجال يقومون به ويقاتلون في سبيله ليقيموه على عز وسؤدد؛ لأنه إن لم تكن للإسلام دولة فما للإسلام ولا لأحكامه هيبة ولا نفوذ، هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وذا فقْه مشايخ دولة الإسلام؛ الذين لم يكتفوا بالعكوف على حِلَق تعليم القرآن ومدارستها حتى عزموا أن ينقلوا أحكام القرآن بين العباد، فامتطوا أجاود العز ليُحيوا أمتهم الجريحة.

وهم الذين أخذوا كتاب الله بقوة ودخلوا في السلم كافّة، وكان الرجل منهم بأمة لا بألف، وما حظيت الأمة بالخلافة إلا على عواتقهم الصلبة التي حملت ما عجزت عنه الجبال الرواسي.

فالشيخ أبو مصعب الزرقاوي تقبله الله وضع اللَّبِنة الأولى للدولة الإسلامية وقد جمع المجاهدين على عقيدة أهل السنة والجماعة وكان حوله أشياخ الصدق وأمراء الصبر.

ثم جاء الشيخ أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر -تقبلهما الله- فأقاما دولة الإسلام بوزاراتها وسلطانها وكان الشرع سائدا حَكَما في أيامهم، حتى انحازت الدولة بعد فتنة الصحوات المرتدين.

ثم أعقبهما الشيخ الكرار هادم الأسوار أبو بكر البغدادي إبراهيم بن عوّاد البدري تقبّله الله، الذي كان بدرا لأُمَّتِه، فحين تسلّم الشيخ قياد دولة العراق الإسلامية تسلّمها على أشد حال يتولى فيه أمير من الأمراء في شدة ومحنة ما يقوم لها إلا خُلّص أهل العزم، فكان خير رُبّان لسفينة الجهاد في بلاد الرافدين فتوكّل على الله في أمره فدَهَمَ الخطوبَ وبدّدها وتصدّى للمحن وجرَّدها، وواصل بجنده الأبرار جهاد الكفار.

ثم امتد الأمر إلى الشام، وقد كان فيها من الضباع المبطلين الذي يريدون انتحال الجهاد وتحريف هدفه والذين لم يحكموا بشريعة الله فيما تمكّنوا فيه ولم يكونوا عازمين، فتركوا الأمر لقضاة الدساتير ومُحامِيهم.

بينما وفّق الله تعالى الشيخ البغدادي ليحفظ لهذه الأمة دينها وتضحياتها، فحكم بشرع الله في كل شبر تمكّن فيه، حتى إذا ما اتسعت رقعة دار الإسلام، أعلنها الشيخ صريحة مدوّية رغم أنوف طواغيت الشرق والغرب "خلافة على منهاج النبوة"، رغم أنها خطوة في غاية الخطورة والتكلفة الشديدة له ولجنوده ولرعيته، ولكنها المُثُل العُليا لمجددي الإسلام والملّة، الذين استقاموا لربهم، يتقحّمونها متوكّلين على الله، فتوافد عليها أبطال الإسلام من كل أرجاء الأرض شيبا وشبانا عربا وعجما أفرادا وجميعا، وفتح الطريق لطلاب الشهادة في سبيل الله، وانقشع ضباب خيّم في العقول والأذهان من سنين.

وتلك خطوة تقهقر عندها كل الزعماء الذين أحسوا بفقد ما هم فيه من المناصب والمكاسب ليس بتأييدهم للشيخ البغدادي فحسب! بل حتى لو سكتوا عنه، فهم في اضطراب مما سيلحقهم من أمم الكفر ولوم الغثاء، فأنى لهم إذا أن يطالوا مقامَه أو يدنوا أخمص قدميه!.

وقد أقام الشيخ البغدادي تقبله الله أحكام دين الإسلام -كما نحسبه- حتى التي غُيبت من سنين ولم يكن لها ذكر إلا في المجلدات والرفوف كالقسامة والاسترقاق وضرب الجزية، التي ظن كثير من الناس أنها ليست من الدين وادّعى آخرون أن زمانها انتهى.

بينما لم يستطع الغاوون ممن مُكّن من الأرض كفَّ دعاة الإلحاد أو إزالة مظاهر الشرك أو منع أهل الرفض من الطعن في أمهات المؤمنين وصحابة خير النبيين رضي الله عنهم، فهم لم يُقيموا حتى التوحيد ومعالمه الصريحة فضلا عن حَمْلِ الناس على أحكام هذا الدين التي ما عرفوها ولا ألفوها.

كما حفظ الشيخ البغدادي ومَن حوله من رجال الإسلام للمسلمين أموالهم من التزييف والغش، فأمَرَ -تقبله الله- بصك العملة الذهبية ليُعز أهل الإسلام ويحفظ أموالهم وحقوقهم في دنياهم؛ لئلا يكون المسلمون عالة على أمم الصليب ليسلبوهم دينهم بالاتفاقيات والتوقيعات.وخاض الشيخ البغدادي تقبله الله حربا لم يُدوَّن مثلُها في التاريخ فكان في خندق والعالم كله وِجاهه في خندق، ولم يزدد إلا تحريضا للمؤمنين على القتال، وبعثا لسرايا الفرسان من أحفاد محمد بن مسلمة وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهم ليقهروا أمم الكفر في عقر ديارهم جزاء جرائمهم في أمة الإسلام.

وعلّم الأمة درسا في الفقه والعبودية لله وامتثال أمره سبحانه على كل حال، يوم قال: "إن الله عز وجل أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر" ليُجلي للأمة معنى مهمّا وهو التعبّد لله بالجهاد كونه عبادة، دون اشتراط حال أو نتائج على الله.

وإن مشايخ وأمراء دولة الخلافة -أعزها الله- كان لهم الفضل -بعد الله- في حفظ سبيل الحق من أن ينتحله المبطلون بالمداهنات أو الصفقات أو معاهدات الخذلان، أو أن يحرفه الغالون الجاهلون، فتضيع دماء الصادقين من أبناء هذه الأمة.

وإنا لنحسبهم ممن يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)، فلقد رفعهم الله في ذرى المجد وجعلهم أئمة هدى ومصابيح دجى.

وقد مضى الشيخ البغدادي وأسلم الراية من بعده للشيخ المجاهد المفضال أمير المؤمنين أبي إبراهيم الهاشمي القرشي، لتبقى الأمة على منارات صدق وأمانة يحفظون الدين ومعالم الملة ويستمر الجهاد على أيديهم سيرا على خطى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه في آخر حياته أوصى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتحريض الناس للغزو مع المثنى بن حارثة فقال له: "اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفَّى رسول الله وما صنعت ولم يُصَب الخلق بمثله".

فبمثل هؤلاء القادة الخلفاء تبقى لأمة الإسلام مكانتها وتُفجّر طاقات أبنائها في مشارق الأرض ومغاربها إعلاء لكلمة الله، وسيرا على طريق العزة والتضحية لدين الله، فجزاهم الله عن أمتهم خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.




• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

كرروا ضرباتكم شرعًا وواقعًا ويقينًا، لا توجد قوة بشرية في الأرض قادرة على منع المسلم من ممارسة ...

كرروا ضرباتكم


شرعًا وواقعًا ويقينًا، لا توجد قوة بشرية في الأرض قادرة على منع المسلم من ممارسة فريضة الجهاد وإرهاب الكافرين والثأر لإخوانه المسلمين، وقد رأينا كيف فعل "السكين" ومن قبله "الفأس" ومن قبله "الدهس" برعايا ألمانيا وغيرها من الدول الصليبية، وما زلنا ننتظر من أبناء الإسلام أنْ يكرروا ضرباتهم ويعمّقوها ويتقصدوا اليهود وكُنسهم وأحياءهم وحاناتهم بالقتل والحرق شفاء لصدور المؤمنين.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية النبأ العدد 458
"جهادٌ في أوروبا"
...المزيد

التعاطف الكاذب مع غزة من زاوية أخرى، كشفت بعض ردود الأفعال على "هجوم سيدني" حقيقة التعاطف ...

التعاطف الكاذب مع غزة


من زاوية أخرى، كشفت بعض ردود الأفعال على "هجوم سيدني" حقيقة التعاطف الكاذب مع غزة، فكثير ممّن أعاروها عواطفهم كانوا أول من استنكر الهجوم وخوّن منفّذيه، فالثوار مثلا ردّدوا في "عيد تحريرهم" في شوارع سوريا: "غزة شعار" لكن سرعان ما بان كذب هذا الشعار بعد أيام فقط في شوارع "سيدني" إلى درجة أنهم اتهموا اليهود بتدبير الهجوم!! لأسباب يندى جبين كل عاقل لمجرد مناقشتها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 526
"مفخرة سيدني"
...المزيد

صراع الطواغيت في السودان مَكْمَنُ الفساد في الأرض باستبدال الذي هو أدنى من "الأحكام والقوانين ...

صراع الطواغيت في السودان


مَكْمَنُ الفساد في الأرض باستبدال الذي هو أدنى من "الأحكام والقوانين البشرية" بالذي هو خير "شرع الله المنزل"، واتخاذ آلهة دون الله في العبادة والحكم والتشريع، قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} قال ابن جرير رحمه الله: "لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له (لَفَسَدَتا) يقول: لفسد أهل السماوات والأرض".

وهذا الفساد كفيل بأن يتجرعه كل من ذاق تسلّط الطواغيت الذين جعلوا أنفسهم آلهة من دون الله بتشريع أحكام مخالفة للشرع أو بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو عزل الدين بالكلية عن الحكم وسياسة الناس.

ومن عادة الطواغيت أن كل طاغوت منهم لا يرضى بحكم طاغوت غيره، بل يرى نفسه أقدر وأجدر وأحق أن يُعبد، وهكذا يتيه الناس في الفساد العريض ولا يقوم لهم نظام في دينهم ولا دنياهم، وتكثر فيهم الاضطرابات والانقلابات، فانقلاب على المنقلِب، ثم انقلاب المنقلِب الجديد على مَن انقلَب معه، وهذا ما جرى في السودان؛ فقد جاء الطاغوت "البشير" بانقلاب على حكومة الطاغوت "الصادق المهدي" التي لم تحكم بشرع الله، ثم انقلب "البشير" نفسه على الهالك "حسن الترابي" الذي سانده في الانقلاب وأقصاه حتى لا ينقلب عليه، وأثناء حكم "البشير" حاول "الترابي" الانقلاب عليه فلم يفلح، فجعل يدعم كل مناوئِي حكم "البشير" من الحركات، ورغم وعود الطاغوت "البشير" بالحكم بالشريعة طوال فترة حكمه التي امتدت إلى 30 عاما، إلا أن حكومته لم تحكم بشرع الله تعالى، وهذا دأب حكومات الإخوان المرتدين الذين يمتنعون عن إقامة الشريعة، بل ويستبدلون بها المجالس الشركية، كما فعلوا في تركيا ومصر وفلسطين وتونس وليبيا واليمن.

وبعد سنين من حكم الإخوان المرتدين في السودان بغير شرع الله، يتجرع "البشير" كأس الانقلاب والإطاحة به على يد ضباط جيشه، فألقي في السجن ذليلا ليلقى نفس مصير نظيره الطاغوت الهالك "مرسي" وبنفس الطريقة، مع محاكمته على انقلابه السابق، نعوذ بالله من الخسران.

وما إنْ تسلط "المنقلبون الجدد" على الحكم في السودان تحت دعاوى الإصلاح، حتى أظهروا العداء لدين الله صراحة وتباهوا بذلك ليرضى عنهم اليهود والنصارى، فنادوا بفصل الدين عن الدولة، وموالاة اليهود والاعتراف بدويلتهم بلا خجل، ولم تتوقف موجة الانقلابات في السودان عند هذا الحد، فقد سلّط الله المرتدين بعضهم على بعض فانقلب أحد رأسيْ الانقلاب على الآخر! ما تسبب بزيادة الشرخ والتشرذم ليس في السودان وحسب بل حتى بين الدول التي دعمت الانقلاب.

وقد تدخّل الصليبيون واليهود وحلفاؤهم بشكل لافت في مجرى الانقلاب، وأبدى الطاغوت الأمريكي "بايدن" انتقاده لما جرى، ودعت بريطانيا إلى عقد "جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان" للنظر في شأن السودان، وأرسل اليهود وفودهم الاستخبارية لعقد مباحثات غامضة في الخرطوم… هذا وغيره الكثير من الخطوات التي ظهرت أو لم تظهر بعد، فما سرّ اهتمام هؤلاء بأزمة السودان؟ هل يقلقهم مصير الأطفال والنساء والشيوخ؟! أم تُحزنهم أنّات الأرامل والثكالى والمساكين؟!إن القضية قضية حرب صليبية يهودية وغزو غير مباشر لبلاد المسلمين، فمتى كانت أمريكا وبريطانيا واليهود يهمّهم أمر المسلمين؟ ولو عدنا للوراء قليلا لرأينا أن بريطانيا كانت قد غزت السودان خلال القرن الماضي ثم خرجت وأوعزت للمرتدين بإدارة البلاد فهي ترى أن لها أولويات في شؤون السودان، إضافة إلى أطماع اليهود في ثروات السودان، وسعيهم الحثيث لإتمام مشروعهم -المبدد إن شاء الله- "من النيل إلى الفرات"! وتنفيذا لما أطلقوا عليه مشروع "السلام الإبراهيمي" بعد ضمانتهم دويلة "جنوب السودان" التي خططوا وشاركوا بقوة في انفصالها، كل هذا الحرص حتى لا تتفلّت الأوراق من أيديهم، لذلك لم يُؤثروا الانزواء عن هذه الأحداث، وفي النهاية أعادوا الطاغوت المرتد "حمدوك" باتفاق شراكة جديد حظي بترحيب من بريطانيا و"الاتحاد الأوروبي" الصليبي، ونال أيضا قَبولا من "المجتمع الدولي"، وهذا فصل من فصول استمرار الفساد بالحكم بغير شرع الله وإشغال الناس بخصومات الشركاء المتشاكسين وصرفهم عن حقيقة ما يراد، وبأي وصف كان المتسلط "عسكريا" أو "مدنيا" فهو ضامن لهم ألا يحكم بشرع الله! وأن يوالي اليهود والصليبيين ويدعم مخططاتهم وينفّذ أجندتهم ويحمي مصالحهم.

وإنّ الحل لكل هذه المؤامرات التي تُحاك لأهل الإسلام في السودان؛ أن يعتصموا بحبل الله جميعا ويوجهوا طاقاتهم للجهاد في سبيل الله، فلن يدرك الناس سلامة دينهم وسعادة دنياهم إلا بشرع الله وإقامته، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِّنْ رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66].

ولم يجعل الله من طريق ليعلو به شرعه الديار ويحكم إلا طريقا واحدا هو الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، فلن تزول الفتنة إلا بالقتال، والفتنة الشرك وتحكيم قوانين الكفر، ولو قُتل الناس في سبيل إزالة الفتنة وجهاد جنود الطاغوت والدستور وأعوانهم ما كان ذلك كبيرا، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، فإن من قُتل في سبيل الله تعالى وإقامة شرعه في الأرض فهو الشهيد بإذن الله تعالى ولن يضيع دمه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4- 6].

وقد حذّرت الدولة الإسلامية على لسان قادتها وأمرائها من تضييع الجهود في الهتافات والمظاهرات، فإنها لم تأتِ لأصحابها إلا بطواغيت جدد أشدّ جُرما وفتكًا بالمسلمين، يحكمونهم بغير شرع الله ويحاربون كل من يسعى إلى ذلك.

فيا أهل السودان كفاكم ضياعا تحت حكم الطواغيت، وكفاكم خسارة في سبيل السلمية المقيت، اغضبوا لدين الله تعالى وشرعه المعطّل، وجاهدوا في سبيله حقّ جهاده، قاتلوا الطواغيت وجنودهم وأولياءهم، واجعلوا التوحيد غايتكم والجهاد سبيلكم، فبه وحسب نجاتكم مما أنتم فيه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 315
الخميس 27 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (9) - الصدق - الحمد لله ولي المتقين، وهادي المؤمنين، لسبل الهداية ومنازل ...

مقال: جاه الأكارم (9) - الصدق -


الحمد لله ولي المتقين، وهادي المؤمنين، لسبل الهداية ومنازل الصادقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

فقوة كل شيء أكثره وضوحا للعدو والصديق، وبتطابق الأقوال والأفعال والسرائر والبواطن في الأخلاق تتأصّل الفضيلة، وهذه المطابقة تسمى صدقا، والصدق هو حلية المؤمن في منطقه، وهو علامة له تميزه عن غيره، وهو في الأعمال سبب للقبول، وفي الأخلاق واجب حميد، ويزيد وضاءة القلوب والوجوه، ويغرس المحبة في قلوب العباد، ويُعلي الله به ذكر صاحبه بين العالمين من غير تكلّف منه لذلك، والصادق يؤخذ ما يصدر عنه محمل الجد فقوله مفعول، ووعده نافذ وتهديده أكيد، فيحظى بهذا مكانة عند المُحب وحذرا من العدو.

والصدق هو الخصلة التي توصل المؤمنين إلى البر، الذي يوصل لرضى الكريم المنان سبحانه فيدخلهم أعالي الجنان، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [متفق عليه].


• صدق العزيمة والفعل

والصّدق له عدة أبواب أجلّها الصدق مع الله جل جلاله، والعبد الصدوق ينال خير الدنيا والآخرة بصدقه مع ربه، قال ابن القيم رحمه الله: "ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره؛ صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه وتوكله". [الفوائد]

وهذا الصدق هو ما رفع أبا بكر رضي الله عنه فسمي "صدّيقا" وصار خير الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو صادِق في إيمانه بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكن يشك طرفة عين في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يذكره من أمور الغيب، وهذا أكسبه تلك العزيمة التي ترجمتها أفعاله رضي الله عنه.


• الصدق في الأعمال

ومن الصدق في الأعمال، ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب :٢٣]، فعن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}. [البخاري]

وهذا الصدق هو الواجب حين اشتداد الأمور فلن ينجي إلا هو، قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} [محمد:٢٠-٢١]

ومن الصدق في الأفعال، صدق الباطن وعزمه على الامتثال لأمر الله مهما كلف الثمن، وهو ما ذكره الله عن أصحاب بيعة الرضوان رضي الله عنهم، فقال: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:١٨]ومن أعظم ما جاء في الصدق في الأفعال قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر) غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه. [رواه النسائي]


• الصدق في الأقوال

أما صدق الأقوال، فهي خصلة ممدوحة بالفطرة وقبل الإسلام، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصدق قبل النبوة ما جعل قومه يلقبونه بـ"الصادق الأمين"، لما كان يعرفه أهل الجاهلية للصادقين، وقد امتنع أبو سفيان رضي الله عنه عندما كان مشركا من الكذب أمام هرقل؛ حتى لا يُعيّر به عند قومه فقال: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه".

ومنه الصدق مع الجليس، فلا يقول إلا حقا وإن كان مازحا، وإن التمادي في الكذب مُزاحا يفضي للكذب في غيره ثم يكون الهلاك في الدين وذهاب الإيمان.

وفي قصة الصحابة الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب تخلّفهم عنه يوم تبوك أكبر عبرة ودليلا على عِظَمِ الصدق مع الله تعالى ومع الخلق، فعند البخاري ومسلم أن الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك فصدق في تبيين سبب تخلّفه ولم يكذب؛ خوفا من الله تعالى ورجاء عفوه، فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟" فقال: يا رسول الله إني والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلا -أي فصاحة وقوة في الإقناع- ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه -تغضب عليّ بسببه- إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر في حين تخلفت عنك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق". فأنزل الله توبته بعد مدة، قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ثم أعقبها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} إذ فيه أمر للمؤمنين أن يصدقوا في أقوالهم ويكونوا مع أهل الصدق.

والصدق منجاة في الدنيا والآخرة ولا نجاة يوم القيامة إلا للصادقين في إيمانهم وأعمالهم مع ربهم عز وجل، وهم الذين أعد الله لهم أعظم الأجر والجزاء، قال سبحانه: {هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة المائدة:١١٩]

اللهم زيّن أعمالنا وأقوالنا بالصدق واجعلنا من الصادقين وبلغنا منازلهم، أنت ولينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً