رمضان.. خير زائر بسم الله التواب الرحيم، الذي هدى عباده للسبيل القويم، والصلاة والسلام على ...

رمضان.. خير زائر


بسم الله التواب الرحيم، الذي هدى عباده للسبيل القويم، والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وبعد.

إن الله قد أنعم علينا بالنِّعم المتوالية، وأجلّها نعمة الإسلام، الذي لا يقوم إلا بأركانه الخمسة، ومنها ركن الصيام في شهر رمضان، فصيامه من فرائض الدين، وقدومه رحمة للمؤمنين، وها قد أشرف علينا فحي هلا ومرحبا بخير زائر، ومِن حق الزائر أن يُستبشر به ويُفرح بقدومه، وأن يُوسّع له في القلوب والأوقات ويُعطى الإقبال في الوجوه والأعمال، فكيف بزائر أيامه معدودات، ولياليه لآلئ نيّرات؟!، النفوس فيه طيبة والجود فيه سمة، تصومه جوارح المؤمنين وتتزكّى به أرواحهم، ويكون القرآن دوّي أصواتهم.

وزائر بهذا الوصف لا بد من استقباله بما يليق به، استقبال بتجديد الإيمان وتهيئة النوايا الصادقة لبذل الوسع للاجتهاد فيه، فإن تجديد الإيمان هو الدافع للاستقامة في رمضان وإن كان الشخص مؤمنا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136]. ويقوى الإيمان بذكر الله وأعظمه قراءة القرآن وتدبر معانيه فهو علاج للنفوس المضطربة التي أصابها الوهن والتعب والوحشة من عالم ملئ فِتنا كقطع الليل المظلم، وإن قرأ القارئ حرفا واحدا منه ضاعف الله له حسناته، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فلهُ حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) [الترمذي] فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء، وإياك أن لا تنتفع من القرآن في شهر القرآن فإن ذلك قمة الحرمان.


• تعظيم رمضان

ويستقبل شهر رمضان بتعظيمه إذ هو من شعائر الله الواجب تعظيمها، وتلك علامة لتقوى القلوب، قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

ومن تعظيمه معرفة الغاية من الصيام وهدفه الجليل، إذ ليس المراد من الصيام أن تجوع البطون أو تظمأ العروق، إنما يريد الله من عباده التقوى قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 183]. فشُرع الصيام ليكون المؤمن تقيا خائفا من الله مراقبا لله متقيّدا بما يأمره ربه منتهيا عما نهاه عنه وحرّمه عليه، والصيام من أوضح صور التقوى -لو أدركها العبد- وذلك أن الصائم حرمت عليه أمور هي في الأصل مباحة، ولكنه يتركها طاعة لله، فكيف إذا بما كان حراما أصلا أليس بأولى بالاجتناب والترك؟ وكيف إذا كان الأمر كفرا وشركا من موالاة الكافرين وتحكيم غير شرع رب العالمين؟! فإن من اقترفها ويزعم أنه صائم فقد أجهد نفسه فقط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) [البخاري]

ويستقبل رمضان بتهيئة النفس على الصبر، فالصيام خير أبواب الصبر، قال ابن رجب الحنبلي: "وأفضل أنواع الصبر: الصيام، فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه صبرٌ على طاعة الله عز وجل، وصبرٌ عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل يقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي)، وفيه أيضاً صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش". [جامع العلوم والحكم]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهر، يذهبن وَحَرَ الصدر) [رواه أحمد] ووَحَر القلب قيل إنه شدة الغضب وبلابل الصدر ووساوس الشيطان، وقيل إنه الحقد والغيظ.

وفي الصيام أيضا يكتسب العبد الصدق مع الله تعالى ومراقبته، حيث إن الصائم لا يمنعه من معصية الله تعالى شيء غير جدار المراقبة، قال ابن القيم رحمه الله: "فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذُّذاتها؛ إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم" [زاد المعاد]

ويستقبل رمضان بتهذيب الأخلاق مع عباد الله، بترويض النفس وكف الأذى وغض البصر ولجم اللسان عمّا حرم الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) [البخاري]، فلا بد من الحرص على تخلية العبادة مما يخدشها ويقلل أجرها.• النفقات والجهاد بالمال

ويُستقبل رمضان بالنفقات والجهاد بالمال لمن رزقهم الله من فضله، وتفقد أسر الشهداء والأسرى؛ لأنه شهر تتضاعف فيه الحسنات، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم جوادا كريما وكان أجود ما يكون في رمضان فيكثر فيه من الصلاة والذكر والصدقة وقراءة القرآن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة" [رواه البخاري]، قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث فوائد منها: بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم، ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم؛ للتأثر بلقائهم" [شرح صحيح مسلم]، ونخص منهم نساء المسلمين في سجون الأهوال والمخيمات فإن لهن حقا في أموال المسلمين أينما كانوا، والسعيد من لم يمض عليه رمضان إلا وقد جعل نصيبا من ماله في سبيل الله.

ويستقبله المجاهدون برسم الخطط لضرب العدو في مفاصله؛ فإن رمضان شهر الجهاد والفتوحات، فاغتنموه أيها المجاهدون في ضعضعة الطواغيت وجيوشهم من جهة، وفي نشر الهدى والعلم لعامة المسلمين من جهة أخرى، وواصلوا الليل بالنهار فإن رمضان من مواسم أهل الآخرة، وكله مبارك والأجور فيه أضعاف مضاعفة.


• غيّروا أيها المسلمون

وأهم ما يعزم عليه المؤمن في رمضان أن يغيّر من نفسه ليكون حاله خيرا من عامه الماضي، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] فمن كان عاصيا فليتب، ومن كان قاعدا فليعقد العزم ألا يمر عليه رمضان بعد هذا إلا وهو في صفوف المجاهدين.

ونوصي عوام المسلمين أن يسعوا إلى التخلص مما هم فيه من الاستضعاف وتسلط الأعداء عليهم، ولن يكون ذلك إلا بالجهاد في سبيل الله وحمل السلاح ومقارعة الطواغيت والتضحية لهذا الدين المتين، وخير أيام اليقظة والعودة والتوبة إلى الله في رمضان.

كما نخص شباب الأمة الذين أخذت بهم الغفلة واللهو كل مبلغ أن يتوبوا إلى الله في رمضان ويرجعوا إليه فإن الله يحب التوابين، وعليهم بالجهاد فإنه باب يذهب الله به الهم والغم ويكفر الله به الخطايا والسيئات.

وليحمد الله تعالى من أطال الله عمره ليشهد هذا الشهر الكريم فكم ممن توفاه الله تعالى ولم يدرك هذه الأيام، والموفق من كان قوّاما ذاكرا لله متعبدا مجتهدا مجاهدا.

اللهم اجعلنا ممن يصوم ويقوم رمضان إيمانا واحتسابا، وممن يُتقبل عنه أحسن ما يعمل، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 332
الخميس 28 شعبان 1443 هـ
...المزيد

معركتنا مع اليهود إسلامية بحتة! لم تجد الفصائل الفلسطينية المموّلة إيرانيًا طريقةً لمحاولة ...

معركتنا مع اليهود إسلامية بحتة!


لم تجد الفصائل الفلسطينية المموّلة إيرانيًا طريقةً لمحاولة نفي صلة الدولة الإسلامية بالهجوم الانغماسي شمال فلسطين غير قولها إنّ العدو "يسعى إلى ربط العملية بأهداف غير مشروعة وغايات يرفضها الجمهور، وبالتالي نزع الشرعية الوطنية عن الشهداء، والحقيقة أن الشهداء قاموا بتنفيذ العملية، بدوافع وطنية بحتة!"... زعموا.

ولقد أجرى الله تعالى على ألسنة هؤلاء ما في قلوبهم، فإن الحقيقة التي تظهر لكل من يقرأ هذه الهرطقات يُدرك أن هذه الفصائل تسعى إلى نزع الصبغة الإسلامية عن القتال في فلسطين! وسلخ عقيدة الولاء والبراء مِن قلوب أبناء المسلمين، وإخراج جيل وطني بحت! يقاتل وطنيّةً وقوميّةً وحميّةً؛ جيل يقاتل لأهداف "غير مشروعة في الإسلام" ذكرها الحديث الصحيح الذي رواه أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- حيث قال: "سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياء؛ أيّ ذلك في سبيل الله؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [متفق عليه]، وقال ابن حجر -رحمه الله- معلِّقا على الحديث: "وفي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو مِن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنه لو أجابه بأنّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله؛ احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعدَل إلى لفظٍ جامعٍ عدَل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة" [فتح الباري]

لقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجواب الشافي المسألة إلى يوم الدين بقوله: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، وهو قيدٌ أخرجَ سائر المقاصد والبواعث والدوافع الباطلة غير المشروعة للقتال، فالغاية الوحيدة من القتال أن يكون في سبيل الله تعالى نصرة لدينه وإعلاءً لكلمته وإقامةً لشرعه، سواء رفضها الجمهور أم قبلها! فنحن لا نقدِّم عرْضا لما يطلبه المشاهدون! ولسنا مطالبين بإرضاء الجمهور فلم يكلّفنا الله بذلك، بل نحن مطالبون بإرضاء الله تعالى وحده، فإنْ رضي -سبحانه- فلا نبالي بعدها بما يكون، كما إنّ الذي يُحدّد الأهداف المشروعة مِن غيرها هو شرع الله تعالى، وليست عقول البشر القاصرة وأمزجتهم المتقلّبة ومصالحهم المتوهمة.

ومعلوم أن القتال انطلاقا من "دوافع وطنية بحتة" يدخل تحت قوله: (يقاتل حميّة) أي: حمية عن وطنه أو قومه أو حزبه، فهو يقاتل حميةً لا حِسبة!، وهو مخالف أيضا لمراد الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيِّنا حقيقة المعركة مع اليهود وجاء فيه: (… حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله) [متفق عليه]، فلا اعتبار للوطنية والقومية في هذه المعركة وكل معارك الإسلام، ولو كانت المعركة وطنية؛ لما انطلقت جيوش الصحابة الفاتحين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من الجزيرة العربية إلى بيت المقدس! ولو كانت المعركة وطنية لما أتاها صلاح الدين الأيوبي من أقصى الأرض فاتحا مكبّرا.

إن هؤلاء يجتهدون في إبعاد الإسلام عن سير المعركة مع اليهود وحصْرها في سياقات وطنية وقومية نتنة! هروبًا مِن ضريبة الإيمان، بينما تسعى الدولة الإسلامية إلى تصحيح هذه الخطيئة الكبرى التي توارثتها الأجيال جراء عقود وحقب طويلة من التحريف والتضليل.

إن معركتنا مع اليهود معركة إسلامية عقدية بحتة! وإن الشرعية التي ينطلق منها جنود الخلافة في كل معاركهم، هي شرعية الكتاب والسنة، فوا عجبا لأقوام يأنفون الإسلام وسمته ورسمه وصبغته، ثم يتوهمون أن النصر سيتنزل عليهم.

ولنا مع العملية المباركة وقفات؛ لقد انتظر المسلمون بيعةً من فلسطين لأمير المؤمنين الشيخ أبي الحسن الهاشمي -حفظه الله تعالى- فجاءت ولكن بطريقة خاصة!، جاءت موقّعة بدماء أسدين من أبناء الإسلام أبيا إلا أن يلتحقا بموكب النور فكفَّيا ووفَّيا وأعذرا وأفرحا قلوب المسلمين في كل مكان، وأغاظا اليهود والمنافقين وآخرين من دونهم.

لقد حاول المرتدون إقناع الناس أن الدولة الإسلامية لا تقاتل اليهود لأنها لا تريد ذلك!، وظلوا يُشْرعون هذه الفرية في وجه كل مَن يسعى للالتحاق بها، متناسين أن الحكومات والتحالفات والفصائل والميليشيات كلها تشاركت خلال العقد الأخير في الحيلولة دون وصول جنود الخلافة أو مفارزهم إلى فلسطين أو حتى إلى نقاط التماس مع اليهود، وتقاطعت أهدافهم ومصالحهم مع اليهود في منع وقوع ذلك، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ووقع ما كانوا يحذرون!، فصاروا كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ كلما سمعوا بوقوع أي عملية داخل فلسطين خشية أن تكون لجنود الخلافة! وباتوا لا يباركون أو يثنون حتى يتأكدوا أنها تمت بدوافع ومنطلقات بعيدا عمّا يكرهون ويبغضون!، فإن وقعت عملية للمجاهدين أصبحت "مشبوهة!" وإن وقع بعدها بساعات عملية لغيرهم صارت "بطولية"… فذرهم وما يفترون.لقد سبق وأوضحت الدولة الإسلامية موقفها من الصراع في فلسطين في خطابات أمرائها وقادتها كما تناولت ذلك أيضا في مقالات سابقة منها: "بيت المقدس.. إنْ أولياؤه إلا المتقون"، و"بيت المقدس.. قضية شرعية أولا"، و"الطريق إلى القدس"؛ شرحت فيه التوصيف الشرعي الصحيح للقتال في فلسطين بعيدا عن الإفراط والتفريط، ولم تدخر الدولة الإسلامية جهدا في محاولة إيصال الموت إلى اليهود أو تجنيد المفارز التي تسعى لذلك، واليهود يعرفون ويُخفون أكثر مما يقولون، وحسبنا أن الله يعلم وغدا ستعلمون.

ومما نود الإشارة إليه أيضا أنّ ما يجري في المنطقة بأسرها، لا ينبغي أن يدفعنا إلى الخوض في التخريفات والتخرّصات البدعية كتحديد مواعيد وأيام للنصر! كما انتشر مؤخرا على ألسنة "المخرِّفين" و"المنجِّمين" الذين فتنوا الناس في دينهم وفتحوا للملحدين بابا للطعن والتشكيك في الإسلام، فإنه لو صحّ تحديد موعد للنصر لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقّ الخلق بذلك، بل جرت سنة الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب فعاش بدرا وأحدا والأحزاب، وتُوفي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه أنه ضرب لأصحابه أجلا وموعدا للنصر.

وختاما، نتوجه إلى الشباب في فلسطين ومحيطها أن ينفضوا عنهم غبار القعود ويخرجوا من دائرة التيه والعبث، ويصوِّبوا عقائدهم ويصحِّحوا مساراتهم ويحرِّروا أنفسهم مَن رقّ الوطنية إلى سعة الإسلام، ويُدركوا أنّ الحل ليس في مجرد القتال، بل في القتال المجرّد الخالص لله تعالى الذي لا يقبل بغير الشريعة حكما، وبغير مرضاة الله غاية، ومِن أخص خصائصه وسماته: الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين، ذلك الدين القيّم، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 332
الخميس 28 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: السعيُ المشكور بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: السعيُ المشكور


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.

تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.

وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]


• خالِف نفسك واحذر الشيطان!

ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.

والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]


• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا

وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.ولقد جاء في التفسير ذكر الشرط الثاني الذي يعد شرطا ملازما للإخلاص لأن من ضل عن هدى النبي صلى الله عليه وسلم لن تقبل أعماله، ومن أحب الله تعالى وأراد رضوانه، وخاف عقابه لا بد له من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، قال ابن جريج: "كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربّنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علمًا لحبه". [تفسير الطبري]، فبالإخلاص والمتابعة يصحح المرء توجيه عمله فيكون كل ما يعمله صوابا مشكورا مقبولا.


• اجتهادٌ بعد صحة العمل

وبعد أن يحقق العبد هذين الشرطين، يبدأ بالتشمير عن ساعد الجد الذي سيوصله لجنات النعيم المقيم وجنات الفردوس وجنة المأوى ويستظل تحت شجرة طوبى ويلبس الحلل من السندس والإستبرق، وينزع من صدره كل ما يعكر صفو قلبه مِن غل وغيره، قال ربنا جل في علاه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]

عن السدي قال: "إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نَضْرة النعيم"، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوا بعدها أبدًا". [تفسير الطبري]

فيا من تريد ما عند الله تعالى، عُد إليه وأطعْ أمره وتمسك بالأعمال الصالحة وخاصة في مواسم الطاعة فإن العمل فيها عظيم، وما تُحصّله فيها من خير فإنه يعود إليك، فاعمل وتذكّر هذا النداء: {إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَّشْكُورًا} [الإنسان: 22]

ولا شك أن الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال وسبيله أقصر السبل إلى الجنة، فبابه أعلى أبواب الجنة وقد بشّر الله أهله بالرحمة والرضوان والنعيم، قال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21 - 22]، ويكفي مِن ذلك أن الشهداء فرحون وهم عند ربهم يرزقون أحياء غير أموات قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 -171]

اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، واجعل سعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

السكينةُ في الجهاد لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، ...

السكينةُ في الجهاد


لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، وكذلك لن تكون له في الآخرة إلا بذلك، والمسلم يقضي كل حياته سعيًا في الظفر برحمة الله تعالى فهي منْيته وأقصى رجاه وأعلى مبتغاه، ومعلوم أن الهجرة والجهاد بعد صحة التوحيد مِن أوسع أبواب الرحمة بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، قال المفسّرون: "هذه الأعمال الثلاثة -الإيمان والهجرة والجهاد-؛ هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية... فمن قام بها على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشدّ قياما بها وتكميلا، فحقيقٌ بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله".

وقد حفّ الله تعالى المجاهدين والمهاجرين -في سبيله- برحمته وغشيهم بسَكينته وخصّهم بها بين كثير مِن عباده، فالمجاهد مِن أول خطوة يخطوها مِن عتبة بابه قاصدا أرض الجهاد، والرحمات تحفّه والسكينة تغشاه حتى في أحلك الظروف.

فبرغم كل المخاطر والصعوبات والمحن والابتلاءات التي يتعرض لها المجاهد في رحلته الشاقة، إلا أنه يشعر بسكينة وطمأنينة عجيبة لا تكاد تفارقه في سائر مراحل جهاده، يعرفها كل مَن ذاقها، تصاحبه حتى ينتهي به المطاف إلى السعادة والراحة الأبدية في جنات النعيم -بإذن الله تعالى-.

وقد ذكر القرآن الكريم بعضا مِن محالّ السكينة ومواطنها التي تصاحب المجاهد في طريقه، لتكون المعالم واضحة لكل سائر في هذا الطريق، ومِن ذلك حين تصدُق القلوب مع ربها وتُخرِج كلَّ ما فيها من شوائب فتصفو حتى لا يبقى فيها إلا البذل والتضحية لدين الله تعالى، ويستقر الصدق في سويداء القلوب وأعماقها، فيرى الله ذلك في قلوب عباده فينزل السكينة عليهم، كما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية حين أتاهم خبر مكذوب عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الموت، فشهد الله تعالى على صدقهم واستعدادهم للقتال حتى الموت؛ فرضي عنهم، وقال فيهم: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، وأنزلها مرة أخرى عند إبرام الصلح، ليتم مراده سبحانه ويقضي أمرا كان مفعولا، فقال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}، وكان من أسباب نزول السكينة عليهم كما بيّنه المفسرون: "أنهم صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين".

ومِن مواطن نزول السكينة، حينما تنقطع السبل بالعبد ويحيط الكرب به مِن كل جانب، فلا يكون له ملجأ مِن الله إلا إليه عندها تَحِل السكينة عليه؛ ليعلم عبد الله أن إلهه حيٌ قريبٌ على كل شيء شهيد، وقد وقع ذلك ليلة الغار لنبينا صلى الله عليه وسلم، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]، فنالت أبو بكر سكينةٌ أسكنت كلّ روعٍ في قلبه حتى يوم الردة لمّا ثبت شامخا صلبا، فقيل له: "لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام".

ومن مواطن السكينة أيضا، احتدام القتال وشدة الطعان بعد أن تضيق الأرض بالمؤمنين، فتأتي السكينة لتكشف الغمة، كيوم حنين، قال الله جل وعلا فيه: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 - 26]

وربما تنزل السكينة معها النعاس رحمةً مِن الرحمن لأوليائه؛ ليزول قلقهم وتهدأ نفوسهم ويشتد تركيزهم في ذلك الموطن، وهذا كثيرا ما يحدث مع المجاهدين فينامون في أشدّ ساعات القصف أمنةً ورحمةً من الله لهم، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154]وهذه كلها دلائل وبراهين على أنّ الله تعالى لن يضيع عباده المؤمنين، فلو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله لعباده فرجا ومخرجا.

ومن عجيب نزول السكينة على المؤمنين في أيامنا، ما يقع حينما يتسابق المجاهدون إلى الموت فتراهم يقترعون لركوب العربات المفخخة، وتراهم يلحّون على الله تعالى بالدعاء أن يرزقهم عملية استشهادية في صفوف العدو، ومِن ذلك أيضا ما يُرى عليه الاستشهاديون والانغماسيون مِن الفرح والاستبشار قبيل تنفيذ عملياتهم وركوبهم مطايا الموت!، وهو الأمر الذي لم يكن تستوعبه عقول الجمادييّن طلاب الدنيا وعبيدها، فكانوا يصفون طلاب الشهادة بكل أوصاف الجنون والاستهزاء... ولا عجب! فالفرق بين الفريقين كبير! واقرأوا إنْ شئتم قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

هذه السكينة هي التي جعلت عمير بن الحمام -رضي الله عنه- يرى الدنيا طويلة طويلة إن بقي فيها ليأكل بضع تمرات في يديه لا يستغرق أكلها دُقيْقات! وهي السكينة التي تجعل أحفاد عمير اليوم يتقدمون لا يُحجمون والموت يطلبهم في كل واد، وكيف يُحجمون أو يتأخرون وجنةُ الخلد تهيأت وتزينت لطلابها؟!، هناك حيث المستقر لا ضيق ولا كدر، لا تعب ولا نصب! فبها يتواعدون ويتواصون ولها يُعدّون ويعملون.

إن السكينة التي يجدها المجاهد في طريقه تهوّن عليه كل صعب وتيسّر عليه كل عسير، فتُحيل الصحاري المقفرة في عين يقينه مرابع خضراء! وتملأ عليه المغارات الموحشة أُنْسا لا يجده سكان القصور!

إن الوحشة والقسوة والكدر والقلق والضيق والهمّ وكثير من أدواء العصر التي يعاني منها أكثر المسلمين المتخلّفين اليوم عن الجهاد، طبُّها ودواؤها في ساحات الجهاد، فهلموا أيها المسلمون إلى نجاتكم وسعادتكم في الدارين، والتحقوا بميادين الجهاد -على منهاج النبوة-، فإن رحمة الله ظلال للمجاهدين وسكينته رياح تسوقهم وترتحل معهم أينما رحلوا، وتحِلّ معهم حيث حلّوا، والله ولي المتقين، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر ...

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل


في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإلى عصر أبي بكر وأبي إبراهيم -رحمهم الله-، نسلٌ كريمٌ على نهج الراشدين الأُوَل مضوا وأمضوا وعودهم وأوفوا ببيعتهم فقاتلوا حتى قُتلوا، ولم يُسْلِموا الراية لعدوِّهم، بل سلّموها لمن يأخذها بحقّها بإذن الله تعالى.

قصةٌ تتكرر في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، خليفةٌ يعقبه خليفة، وإمامٌ يسلِّم الراية إلى آخر، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق دامت خلافته عامين فقط حتى توفي بمرض قيل: إنه بالسُّم وقيل غير ذلك، فخلَفه الفاروقُ عمر الذي توسّعت الفتوحات في عهده وبلغت قوة الدولة الإسلامية ما بلغت، ثم قُتل وهو يؤمّ الناس بصلاة الفجر في مسجده وبين أصحابه بطعنات غرٍّ مجوسي قتلَ معه سبعة من الصحابة في نفس الواقعة!، ليخلفه ذو النورين عثمان فتموج فتنٌ في أواخر عهده ويُحاصر ويُقتل في منزله وبين أصحابه!، ثم خلَفه عليٌّ بن أبي طالب ودامت خلافته خمس سنوات حتى قتله الشقيُّ الخارجي ابن ملجم وهو في صلاة الفجر أيضًا وبين أصحابه.

هكذا قُتل الخلفاء الراشدون المهديون وما يزال قادة الخلافة المعاصرة يُقتلون على نفس نهج الراشدين الأول، فعلامَ يُلامون؟ علامَ يلمزهم الشانئون؟ علامَ ينكر هؤلاء علينا شرفا لم يبلغوه؟ ومجدا لم يدركوه؟ أيعيِّرونا بالثبات أم بالقتل ثابتين؟! علامَ ينتقدون موت الخليفةِ أبي إبراهيم في ملحمة بطولية بات الناس ليلتهم وكلٌّ يدَّعي وصلاً بها! كلٌّ يقول: هذا أميرنا وهذا قائدنا! حتى إذا ما انفلق الإصباح عن جثة الشيخ المسجّى بدّلوا كلامهم وقالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا! وتنقّصوه!! في نفاقٍ بلغ الآفاق! ولو كان هذا المشهد المهيب في عصر الراشدين الأوَل لقالوا فيه: "يا أرشد الله من غاز وقد رشدا".

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، ثم كرر ذلك مجددا في آل عمران فقال جلّ شأنه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. قال المفسّرون في تفسيرها: أي "لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواتها مَن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته". وتأمل قوله تعالى: {عند ربهم} وما يقتضيه ذلك من علو المكانة والقرب من المولى سبحانه.

ولقد أغرق البعض في التحليلات والتكهنات حول أسباب تأخّر الإعلان عن مقتل الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- وتنصيب الخليفة أبي الحسن -حفظه الله-، وما علموا أنَّ التنصيب والبيعة لم تتأخر، والذي أُرجئ هو فقط إعلان ذلك في الإعلام لأسباب تخصّ الميدان، فالميدان هو الذي يحكم الإعلامَ ويوجّهه وليس العكس، بل لم ينقضِ يوم الجمعة التالي للملحمة، حتى أدركنا البيعة للشيخ أبي الحسن الهاشمي -بفضل الله تعالى-، وعلى إثرها بايعت دواوين الجند والإعلام والمفارز في سائر الولايات.

ولقد وثّقت المكاتب الإعلامية على مدار أسبوع متواصل عشرات البيعات من جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية في بقاع الأرض، في مشهد أغاظ الصليبيين والمرتدين وهم يرون كلَّ محاولاتهم لوقف عجلة الجهاد والقضاء على دولة الخلافة تذهب أدراج الرياح.

ولقد استغرب الصديق والعدو مِن إعلان الدولة الإسلامية مقتل الشيخ أبي حمزة القرشي -تقبله الله- وهو ما لم تعلم به أمريكا الصليبية ولا كلّ مخابرات العالم، ولا وسائل الإعلام ولا محلليها ومخرِّصيها على كثرتهم وكثرة كذبهم، وفي ذلك رسالة إلى من يظنون أنّ المخابرات العالمية تتحكم في الكرة الأرضية! وأنه لا يخفى عليها شيء في الأرض!، فلقد خفي عنها مقتل الشيخ المتحدث الرسمي أبي حمزة القرشي -تقبله الله تعالى-، والذي وصفه خلَفه الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله- بقوله: "الشيخ الخفي التقي" ولا نزيد.

وننتهز الفرصة لنخاطب إخواننا المناصرين فنقول: إنَّ عليهم أنْ لا ينشغلوا بالرد على مَن طمس الله بصيرته فلم يتوقف إلى اليوم عن بثّ الأراجيف والشبهات حول هوية الخليفة ومَن يكون، فلقد خاضوا كثيرا مِن قبل في الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله- حتى خرج إليهم جهارًا نهارًا في خطبة الجمعة على الملأ! فقالوا كيف يخرج وأين طائرات الصليبيين عنه؟ فلما قُتل قالوا أين جثته؟! وهكذا لن يتوقف هؤلاء المنافقون عن الخوض في ذلك؟ فذلك دأبهم وتلك شنشنتهم.

فإياكم أن تنشغلوا بهم أو يشغلوكم، بل ترفّعوا عنهم فقد قيل: إن الصقور تُحلّق عاليًا كي لا تشتبك مع الغرانيق! فترفّعوا -رفع الله قدركم- عن هؤلاء، وفي المقابل اخفضوا جناح الذل والرحمة للمسلمين الباحثين عن الحق ولينوا لهم وترفّقوا بهم، وعِظوهم وادعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والفرق بين الباحث عن الحق والمرجف المنافق لا يخفى.كما كان واضحا نقمة الناس وحنقهم على بيادق المخابرات التركية والدولية في (إدلب)، وكيف عكفت الحواضن على انتقادهم ووصفهم بالغدر والخيانة حتى اضطر هؤلاء إلى إصدار بيانات خانعة على استحياء تدين قتل الأطفال وتخنس عن قتل الأبطال في صورة تغني عن كثير مقال لأولي الألباب والنهى.

وليتأمل العاقل كيف تُساق الحجج على هؤلاء مِن حيث لا يدرون! وكيف يُحسن الله تعالى خاتمة أوليائه ويكشفها للعباد ليعتبروا ويتدبروا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما أمريكا العجوز التي حاول أخرقُها البائس أن يُسابق الزمن لتسجيل نصر موهوم يُغطّي بغربال على فرحة المسلمين بملحمة غويران التي كانت مِن "آخر البطولات وأشرف الإنجازات" في عهد الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- "في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها".

لقد بحثت أمريكا العجوز مجددا بين أكوام الركام في (أطمة) عن النصر الذي زعمته من قبل في (باريشا)! وهو نفس النصر الذي بحثت عنه بين جثث الأطهار البررة في الباغوز والموصل، وهو نفس النصر الذي ادَّعته كثيرا من قبل؛ يوم قتلت أبا مصعب وأبا عمر وأبا حمزة وأبا محمد وأبا بكر وأبا الحسن وغيرهم -تقبلهم الله جميعا-، فأين نصركِ أمريكا؟! وأيّ نصر هذا الذي تزعمينه منذ نحو عقدين من الزمان وتبحثين عنه بين الركام، فلا تجدين غير الحطام؟!

بل نقول وبالله التوفيق: إن دولة الخلافة اليوم تقاتل المشركين في صف واحد عربا وعجما يأتمرون بأمر إمام واحد من الشام إلى الهند ومن العراق إلى موزمبيق، في الوقت الذي انقسمت فيه صفوف الصليبيين انقسامًا لن يلتئم بل سيتصاعد بإذن الله.

فهذه صفوفكِ أمريكا وصفوف حلفائكِ مبعثرة منقسمة، وصفوفنا على منهاج النبوة مجتمعة وبحبل الله تعالى مستمسكة، وسيواصل جنود الخلافة طريقهم على هذا النهج المبارك نهج الراشدين المهديين حتى يسلِّموا الراية إلى عيسى عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 330
الخميس 14 شعبان 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

الشهر الذي يغفل الناس عنه! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله ...

الشهر الذي يغفل الناس عنه!


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

كنتَ وما زلتَ بين الشهور والأيام شامة لأنك لرمضان آية وعلامة، فطوبى لمن حقق فيك الاستقامة، ويا حسرة من حظه منك التفريط والندامة.

إن المواسم والأوقات الفاضلة في حياة المسلمين لها اهتمام خاص، ومن هذه المواسم شهر شعبان وهو شهر يغفل عن فضله الكثيرون وسمي شعبان لأن العرب كانوا يتشعبون فيه للغزو.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام وهذا أولى من الذي قبله وقيل فيه غير ذلك" ا.هـ. [فتح الباري]

وذكر ابن كثير رحمه الله عن السخاوي أنه قال في سبب تسميته "شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات".ا.هـ [التفسير]

ولهذا الشهر فضائل كثيرة ومزايا عديدة منها:

أن الأعمال ترفع فيه، وأن الناس يغفلون عن العبادة فيه وعبادة الله في أوقات الغفلة لها عند الله شأن عظيم، ففي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، قال الإمام النووي رحمه الله: "المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" ا.هـ [شرح مسلم]

والذي يدل على أن الأعمال ترفع في شعبان وأن الناس في غفلة عنه ما رواه أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه أبو داود والنسائي].

ومما يبين فضل هذا الشهر كثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم فيه لحديث أسامة السابق ولحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [متفق عليه].

وفي رواية لمسلم: "كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا". قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء وإنما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه" ا.هـ [شرح مسلم]

ومن فوائد صيام هذا الشهر أن صاحبه يأتيه رمضان وقد تمرن على الصيام واعتاده. قال ابن رجب رحمه الله: "وقد قيل: في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن" ا.هـ [لطائف المعارف]

ومن فضائله أن صوم يوم من شعبان يعدل يومين من غيره ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له -أو لآخر-: (أصمت من سرر شعبان؟) قال: لا، قال: (فإذا أفطرت، فصم يومين). والصحيح أن معنى سرر أي آخر الشهر. غير أنه يحرم تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لمن لم تكن له عادة بالتطوع بل يصومه احتياطا لرمضان؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم)، قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام" ا.هـ [شرح مسلم]

وكذلك يحرم صيام يوم الشك لمن لم يكن له عادة في صيامه فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". [ذكره البخاري تعليقا ووصله غيره وهو حسن].

قال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي رحمه الله: "وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك على معنى الاحتياط للعبادة؛ وذلك لأن العبادة إنما يحتاط لها إذا وجبت، وقبل ألا تجب لا احتياط شرعا، وإنما تكون بدعة ومكروها".ا.هـ [أحكام القرآن]

وقال ابن القيم رحمه الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه". [إعلام الموقعين]

ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الناس الهلال في ليلته، قال الأمير الصنعاني رحمه الله: "واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليله بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه" ا.هـ [سبل السلام]وكذلك يحرم تخصيص عبادة معينة في يوم معين في هذا الشهر كتخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ونهارها بصيام؛ لأن في هذا زيادة في الدين لم يشرعها رب العالمين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} قال ابن كثير رحمه الله: "هذه أكبر نعم الله، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم" ا.هـ [التفسير]

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد)، قال الإمام النووي رحمه الله: "الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات" ا.هـ [شرح مسلم]

وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح بل حديثها موضوع مصنوع.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله: "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها".ا.هـ. [أحكام القرآن]

"قال أهل التعديل والتجريح: وليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح. فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، واستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صح أنه كذب، خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدمة الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله به من سلطان".ا.هـ [الباعث على إنكار البدع والحوادث]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتى عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان" ا.هـ [المجموع]

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها -أي من الأحاديث الموضوعة- أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان". ا.هـ [المنار المنيف]

وخير من هذه البدع والمنكرات كلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

وهذا من فضل الله تعالى وكرمه ورحمته بهذه الأمة أن جعل ذلك في كل ليلة من العام فله الحمد أولا وآخرا. والعجب كل العجب ممن يترك الصحيح الصريح ويبحث عن الضعيف ويعمل بالموضوع والله المستعان.

وأخيرا فمن كان عليه قضاء من رمضان فلا يجوز له تأخيره حتى دخول رمضان الذي يليه من غير عذر فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" [مسلم]. قال الإمام النووي رحمه الله: "وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه" ا.هـ [شرح مسلم]

فطوبى لمن اجتهد في عمله فيما يستقبل من هذه الأيام الفاضلة بما يدخره من دنياه لآخرته والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ...

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية


استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد أصبحت بلدانهم أكوامًا من الركام والجثث، وكان الموت والدمار هو القاسم المشترك الأكبر بينهم، فقرروا أن لا يسمحوا باندلاع هذه الحروب مجددا داخل بلدانهم، فأنشأوا "الهيئات" وأقاموا "الاتحادات" بهدف تجنيب بلدانهم الحروب وتصديرها وجعلها حكرا على بلاد المسلمين، ودعموا لسنوات طويلة "حروبا بالوكالة" وخاضوا في أسوأ الظروف "حروبا باردة"؛ وكل ذلك لتجنّب الصدام الدموي المباشر داخل ديارهم حتى أتاها شبح الحرب يُهدِّدها مِن جديد، وهكذا هم في عداوة دائمة مهما حاولوا أن يوقفوها أو يؤخّروها، ولله الأمر مِن قبل ومِن بعد.

وقد قال الحكيم الخبير سبحانه واصفًا أحوالهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[المائدة:14]؛ قال ابن كثير رحمه الله مفسّرا الآية: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة"، وقال القرطبي رحمه الله: "{فَأَغْرَيْنَا} أي: هيّجنا، وقيل: ألصقنا بهم"، وقال غيرهم من المفسرين: "أي: سلّطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة".

وما يجري اليوم من حرب دموية مباشرة بين الصليبيين الأرثوذكس -روسيا وأوكرانيا-، ما هو إلا مثال على هذه العقوبة المسلّطة عليهم الملتصقة بهم، ولن نخوض تخريصا أو رجما بالغيب حول نتيجة ومجريات الحرب الدائرة حاليا، مِن حيث استمرارها وتوسّعها لتدخل فيها دول صليبية أخرى، أو تتوقف بسيطرة روسيا على أوكرانيا ووضع حكومة موالية لها… أيّا ما كانت النتيجة فإن مما لا شكّ فيه أنّ هناك تبعات كبيرة لهذه الحرب ستغيّر كثيرا من قوانين "السلم والحرب" بين هذه الدول.

علمًا أن الخطوة الروسية بالهجوم على أوكرانيا ليست مفاجئة، وهي ترجمة عملية لحالة التنافس المتصاعد بين أمريكا وروسيا على السيطرة على دول "أوروبا الشرقية" خصوصًا بعد سياسة "الدعم والاحتواء" التي اتبعتها أمريكا تجاه تلك الدول وزادت مؤخرا، وهو ما اعتبرته روسيا "تهديدا كبيرا" يهدف في النهاية إلى "إسقاط نظام الحكم في موسكو واستبداله بنظام صديق لأمريكا".

ميدانيًا، فإن هذه الحرب "الروسية - الأوكرانية" طالت أو قصرت ما هي إلا بداية وتوطئة لـ"الحروب الصليبية - الصليبية" المقبلة، وما صور الدمار والموت الذي أصاب الطرفين إلا مشهد صغير جدا لما ستكون عليه الأوضاع عند اندلاع الحروب الكبرى بينهم، وما نراه اليوم في أوكرانيا الصليبية سيمتد إلى عواصم صليبية أبعد وأعمق -بإذن الله- حاولت لسنوات أن تنجو من ذلك، ولكن هيهات.

شرعيًا، فإن ما جرى وسيجري بين الصليبيين؛ إلى جانب أنه عقاب مسلّط عليهم لكفرهم بالله تعالى؛ فإنّه أيضا "سنة كونية" لا تستطيع كل قوى الكفر أن توقفها ولو اجتمعت، ألا وهي "سنة التدافع" والتي تكون بين الحق والباطل، وتكون أيضا بين الباطل والباطل، حيث يتصارع الكافرون على الدنيا وحطامها وبسط سيطرتهم عليها، وهو تدافع خاص يتفرع عن سنة التدافع العام لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، ويعبّر عن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن زيد رحمه الله: "أي: نسلّط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله" [تفسير القرطبي].

ولقد رأينا مِن أحوال الناس بُعدا كبيرا عن ميزان الولاء والبراء، فيما يتعلق بموقفهم من هذه الحرب، فبعضهم يؤيّد أوكرانيا الصليبية ضد ما أسموه "الاحتلال الروسي!" وبعضهم يؤيّد روسيا الصليبية باعتبارها حليفًا لـ"محوره المقاوم!" وعدوا لأمريكا! وآخرين ينتظرون وضوح نتيجة المعركة ليحسم موقفه من الانحياز إلى أحد الفريقين الصليبيين!

وكان مِن غير المستغرب انخراط ميليشيات الردة الشيشانية في القتال إلى جانب روسيا الصليبية ووصف البلاعمة لهم بـ"المجاهدين!"، ومثاله انخراط ميليشيات الكفر من دول أوروبا الصليبية للقتال إلى جانب أوكرانيا، بل إن هذا الاصطفاف خلف ما يسمّونه "المحور الأمريكي والروسي" سيزداد حدة وتصاعدا في السنوات القادمة، وستكشف هذه الحرب والحروب التي تليها أنه في كل بلد "قاديروف" مرتد يقاتل على منهاج بوتين! تماما كما كشفت حروبٌ خلت أنّ في كل بلد "كرزاي" مرتد يقاتل على منهاج بوش!

على الهامش، ها هم الصليبيون يأكلون صنم "ديمقراطيتهم" ويطحنونه بألسنتهم في سبيل مصالحهم، في حين ما يزال مرتدةُ الأعراب تطوف بذلك الصنم! وتنادي بحمايته وإدامة التضرع إليه والتوسل به! في إصرار عجيب على الحنث العظيم.ومما ينبغي التحذير منه في مثل هذه الأوقات، تصاعد نشاط الدجاجلة الصغار ووسائل إعلامهم في تهوين الكفر للناس، كما رأينا من دعوتهم للمسلمين القاطنين في روسيا وأوكرانيا للالتحاق والمشاركة في هذه الحرب قتالا في سبيل الطاغوت!

ونود أن نشير هنا إلى لفتة مهمة، وهي أنه مهما تعقّد المشهد وتصاعدت الأحداث وتداخلت المواقف، فإن شيئا لن يُغيّر حقيقة أن الله تعالى إلهٌ واحدٌ لا شريك له وأن العبودية حقٌ له وحده، وأن الحق حقٌ والباطل باطلٌ، وأن الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ، وأن على المسلمين أنْ يختاروا الانحياز والتبعية المطلقة لدين الله تعالى وحده، والولاء للمؤمنين فقط والبراءة من الكافرين كافة بغض النظر عن محاورهم القديمة أو الجديدة، وأن تعليق الآمال هو فقط على الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله تعالى المشركين كافة، والتي كانت كل هذه الأحلاف قبل بضع سنوات تقاتلها كتفا إلى كتف في حلف صليبي عالمي انقسم على نفسه أو يوشك بإذن الله تعالى.

كما ينبغي على المسلم أن يُغلّب جانب الاعتبار وهو يرى مشاهد الحرب والدمار الذي ما يزال في بدايته، وأن يتذكر أن هذه الدنيا كلها إلى خراب وزوال، وأن أهوال الحروب مهما عظمت فإنها لا تقارن بأهوال يوم القيامة، يوم تزلزل الأرض والقلوب وتُدك الجبال وتتطاير الصحف، ويكون دعاء الأنبياء: "اللهم سلِّم سلِّم!"، فيسارع المسلم إلى التوبة والأوبة والالتحاق بمركب النجاة قبل أن يُقال: لا عاصم!

وعودا على ذي بدء، فإن الحروب "الصليبية - الصليبية" ما زالت في بدايتها، فاللهم أدِم حروبهم وخالف بين قلوبهم، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق، وانصرنا عليهم أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم ...

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر


الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.

فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]

إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.

وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]

البيعة في العسر واليسر

ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]


• أكلوا أوراق الشجر!

وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]

وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!

وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]


• جاعوا وخافوا يوم الخندق!

وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]


• جيش العسرة يوم تبوك

وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]

وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]


• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية

أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]

وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!

وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.

وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.

فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".

وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ • مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ ...

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ



• مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"
للشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


صبر وثبات ويقين بوعد الله، رغم المحن والصعاب، رغم تكالب الأحزاب، رغم هدير الراجمات وقصف الطائرات، يقف الواثقون الموقنون بنصر ربهم، صامدين صابرين محتسبين مقبلين غير مدبرين، لم توهنهم الزلازل فيقفوا عاجزين حائرين أو تائهين خائرين، بل أسرجوا في ليل الظلمة نور الحق وأوقدوا بدمائهم مشاعل الهداية وجانبوا سبل الغواية، من كتاب ربهم نهلوا، وبسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ساروا وعملوا، علموا أن النصر من عند الله وما كان يوما بكثرة عَدد ولا عُدد، لأن الله عزيز لا يغالبه مغالب، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العُدد ما بلغوا، حكيمٌ حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها، حكيمٌ في تدبيره ونَصْرِهِ مَنْ نَصَرَ وخذلانه مَنْ خَذَل من خلقه، لا يدخل تدبيرَه وهنٌ ولا خللٌ، قال وقوله الفصل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].

نعم، إنه وعد الله الحق وأمره لعباده المؤمنين، فسنته وحكمته في خلقه ماضية، يُنزل البلاء متى شاء ويرفعه متى شاء، عليمٌ حكيمٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال وقوله الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وإن سنة الله اقتضت، أن النصر لا يتحقق بدون استقامة على أمره -سبحانه- وعودة صادقة إليه، فمن كان أنصر لدين الله وأعظم جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله، كان أعظم نصرة وطاعة وحرمة.

… فالدولة الإسلامية هي من تقارع وتدافع عن دار الإسلام، وتستنهض أهل الإيمان وتشحذ همم أبناء الإسلام للانعتاق من رق العبودية والتبعية لأمم الكفر، وهي تخوض حربا ضروسا طاحنة عن أمتها، التي ما ادخرت جهدا في حربها والصد والتنفير عنها وبكل ما أوتيت من قوة وبشتى الطرق والوسائلّ، ودولة الخلافة -بفضل الله ومَنِّه- ما فتئت تجر المسلمين للعودة لدينهم بالسلاسل، وعلماء الطواغيت وأبواق الشر يصدُّون ويندُّون ويأبون إلا أن يكون أهل الإسلام أذلة صاغرين تسوسهم أمم الصليب وأذنابهم من الحكام المرتدين، إلا أن دولة الخلافة وبتوفيق الله لها، قد أدركت الداء وعلمت الدواء، وهي ماضية على دربها بإذن الله، ولن تأخذها في الله لومة لائم، حتى تُسلِّم الراية إلى عيسى بن مريم، عليه السلام.

أمة الإسلام: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وما اعتز بدينه إلا من حقق التوحيد، وأحيا الولاء والبراء وأصبحا سمة ملازمة له في جميع شؤون حياته وتقلب أحواله، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، عند تكالب الأعداء وتفاقم اللأواء، لا إلى الأستانة يمَّم وجهه ولا إلى الطواغيت فاء، كلا بل لزم غرز الملة السمحاء واقتدى بأبي الأنبياء، وقال لأمم الكفر: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]. هذا سبيل المؤمنين المهتدين وما سواه سبيل الكافرين المعتدين من حرَّفوا وبدَّلوا شرعة رب العالمين.فيا جنود الخلافة وآساد الإسلام: اعلموا أن رحمة الله وجنته لا تنال بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الثابتين الصابرين الصادقين المصدِّقين بما وعدهم، أما تتلون قول ربكم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

وأصل الشراء بين الخلق كما قال القرطبي، رحمه الله: "هو أن يُعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانيه المُعوَّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومِن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء".

يا جنود الخلافة: ربح البيع وربِّ الأرض والسماء، وإنا لا نقيل ولا نستقيل بإذن الله، فاصدقوا عند اللقاء، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فتلك هي التجارة الرابحة التي خصَّ الله بها عباده المؤمنين البائعين نفوسهم رخيصة في سبيله، لإعلاء كلمته وإقامة شرعه، وإن غاية ما يصبو إليه المجاهد في سبيل الله، هو أن ينال رضى ربه وعفوه وإحسانه وتوفيقه وامتنانه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومقارعة أعدائه في كل ساح وموطن، حتى يكون الدين كله لله، وأن تُحكم الأرض كل الأرض بشرع الله، فإن عاش، عاش كريما و إن مات مات عزيزا، هكذا كان حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة الأخيار من القرون المفضلة، وهذه بشرى نبيكم صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل) [رواه مسلم].

...فإياكم إياكم يا جنود الخلافة أن تلينوا لعدوكم، فهذا لم نعهده عليكم، وهو عين ما تدركه أمم الكفر وعلى رأسها أمريكا، التي ما حفلت -بفضل الله- بنصر مذ أقحمت نفسها في حرب الإسلام والمسلمين، ونحن اليوم -بفضل الله- بتنا في زمان جديد سما وعلا صرح الخلافة فيه، فمهما أزبد الكفر وأرعد فلن يرى منا إلا ما يسوؤه، بحول الله وقوته، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وإن الله ناصرنا عليهم، نعم، إن الله ناصرنا عليهم، وما هذه إلا بارقة الملاحم وأولاها، الغالب فيها من صبر وصدق لا من سبق، وإنما العبرة بالخواتيم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً