الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
Muhsen Mohamed
إعادة المشاركة منذ 2026-03-12تفسير سورة النبأ (عم) بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} هذا استفهام من الله تعالى للتعجيب والتهويل، أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون ويتجادلون؟ إن تساؤلهم هذا يدل على أن أمراً عظيماً قد وقع. والمراد بهذا التساؤل ما كان بين قريش حين بعث النبي ﷺ، إذ جعلوا يتساءلون فيما بينهم: ما الذي جاء به محمد؟ ما هذا الأمر الذي يدعو إليه؟ (الطبري، ابن كثير). ثم بيَّن الله تعالى أن تساؤلهم هو {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}. والنبأ هو الخبر الذي له شأن كبير وخطب جليل. ووصفه بـ "العظيم" لعظم شأنه وجلالة قدره. والمقصود بهذا النبأ العظيم هو: خبر البعث والقيامة، وخبر القرآن العظيم، وخبر الرسول ﷺ، ويوم القيامة نفسه. فهو نبأ يشمل كل ما أخبر الله به من أمر المبدأ والمعاد، وأعظمه البعث بعد الموت (الطبري، القرطبي، الرازي). ثم وصفهم بقوله: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي كانوا مختلفين فيه، فمنهم مصدق ومنهم مكذب، وقيل كانوا مختلفين في القرآن: قائل سحر، وقائل كهانة، وقائل شعر، وقائل أساطير الأولين. وهذا الاختلاف لم يكن عن دليل، بل عن جهل وهوى وعناد (ابن كثير، البغوي). ثم جاء الردع الإلهي والتهديد: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}. "كلا" هنا حرف ردع وزجر، ومعناها: ليس الأمر كما يعتقدون ويتمنون، سيعلمون عاقبة تكذيبهم واختلافهم. وتكرير التهديد تأكيد وتشديد للوعيد، وقيل: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} في الدنيا بما يرون من العذاب يوم بدر وغيره، {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} في الآخرة بعذاب النار (الطبري، القرطبي، السعدي). وهذا التهديد يشمل عذاب الدنيا والآخرة، وهو أسلوب بليغ يدل على شدة الوعيد، وفيه إيقاظ للغافلين، وتذكير للناسيين، وإقامة للحجة على المعاندين (الشعراوي، الظلال). {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)} بعد أن ذكر تعالى إنكار المشركين للبعث وتساؤلهم عنه استهزاءً، شرع يذكر الأدلة العقلية والنقلية على قدرته التامة، ليقيم عليهم الحجة، وليبين أن من قدر على خلق هذه المخلوقات العظيمة وتدبيرها، فهو قادر على إعادة الخلق وبعثهم من قبورهم، بل الإعادة أهون من البدء (الرازي، ابن كثير). فقال مستفهماً تقريراً: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} أي أليس الله هو الذي جعل الأرض ممهدة لكم، مبسوطة كالفراش، تصلح للاستقرار والسكنى والحرث والبناء، وذللها لعباده ليسلكوا فيها طرقاً فجاجاً؟ هذا مع أنها في الأصل كروية، لكن الله بسطها في حس الإنسان ورؤيته، لتكون صالحة للحياة (الطبري، القرطبي، السعدي). {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} أي جعل الجبال كالأوتاد للأرض، تثبتها وتمنعها من الاضطراب والميدان، كما تثبت الأوتاد الخيمة. وللجبال وظائف أخرى: خزن المياه على شكل ثلوج، وتنظيم المناخ، واستخراج المعادن. ففي خلقها من المصالح ما لا يخفى (ابن كثير، الرازي، الظلال). {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} أي خلقناكم أصنافاً: ذكراً وأنثى، ليتزاوجوا ويتناسلوا، وتستمر الحياة. وفي خلق الإنسان ذكراً وأنثى آية عظيمة على قدرة الله، فهما مختلفان في التكوين والوظيفة مع أنهما من أصل واحد (البغوي، القرطبي، الشعراوي). {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} أي جعلنا نومكم راحة لأبدانكم، يقطع به التعب، ويجدد النشاط، والسبات في اللغة: القطع والراحة. وفيه نموذج مصغر للموت ثم اليقظة التي تشبه البعث، ولهذا كان النبي ﷺ يقول عند استيقاظه: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (الطبري، ابن كثير، السعدي). {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} أي جعلنا الليل يغشى الناس بظلامه ويسترهم، كما يستر اللباس الجسد، وفيه من الراحة والسكون ما يعين على الحياة، وفي مقابله: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} أي جعلنا النهار وقتاً ينتشر فيه الناس لطلب أرزاقهم، والسعي في مصالح معاشهم، من تجارة وصناعة وزراعة. وفي تعاقب الليل والنهار آيات بينات على قدرة الله ورحمته (القرطبي، الرازي، الظلال). {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} أي وخلقنا فوقكم سبع سماوات محكمة الخلق، وثيقة البنيان، رفعها بغير عمد، وأتقنها بأبدع نظام. ووصفها بـ"الشداد" أي القوية المحكمة، وهذا يتوافق مع ما أخبر به العلم الحديث من قوى الجاذبية التي تمسك هذا الكون الهائل (الطبري، ابن كثير، السعدي). {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} أي وجعلنا الشمس مصباحاً متقداً متوهجاً، يضيء الكون ويدفئه. والوهاج: الشديد التوهج والإضاءة. ولولا الشمس لما كانت حياة على الأرض، فهي سبب نمو النبات، وتغيير الفصول، ونظام الليل والنهار (البغوي، القرطبي، الشعراوي). {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} "المعصرات" هي السحب التي تعصر الماء فتمطره، أو الرياح التي تعصر السحاب. و"الثجاج" هو الماء الكثير الغزير المنصب بشدة. وفي هذه الآية إشارة إلى دورة الماء في الطبيعة: تبخر ثم تكثف ثم نزول مطر (الطبري، الرازي، الظلال). {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} أي لنخرج بهذا الماء من الأرض: {حَبًّا} مما يدخر ويتقوت كالحنطة والشعير والذرة، {وَنَبَاتًا} مما يؤكل طرياً كالخضروات، {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} أي بساتين ملتفة بالأشجار متشابكة الأغصان، فيها من الفواكه والثمار ما لا يعد ولا يحصى. وهذا تنوع في العطاء: قوت، وخضرة، وجمال (ابن كثير، القرطبي، السعدي). فهذه الآيات الكونية المتتابعة، وهذه النعم المتعددة، كلها تدل دلالة قاطعة على كمال قدرة الله، وأنه إذا كان قد خلق هذه المخلوقات العظيمة ابتداء، فإن إعادتها بعد فنائها أسهل وأهون، فمن أنكر البعث فقد أنكر قدرة الله وكذب بآياته (الرازي، الشعراوي، الظلال). {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)} بعد أن أقام الله الأدلة على قدرته، عاد إلى الحديث عن اليوم الذي أنكره المكذبون، مؤكداً أنه آتٍ لا ريب فيه. فقال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} أي إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الخلائق، ويميز بين المحسن والمسيء، وبين المؤمن والكافر، كان وقتاً محدداً معلوماً عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، يجتمع فيه الخلق كلهم للحساب والجزاء (الطبري، ابن كثير، السعدي). ثم وصف سبحانه ذلك اليوم بثلاثة أوصاف هائلة: الأول: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} أي يوم ينفخ إسرافيل عليه السلام في القرن النفخة الأخيرة التي بها تقوم الأموات من قبورهم، فيخرجون أحياءً، ويساقون إلى المحشر جماعات متفرقة، كل أمة مع نبيها، وكل صنف مع شاكلته. وقيل: يأتون راكبين ومشاة، وقيل: المؤمنون أفواجاً والكافرون أفواجاً (القرطبي، البغوي، الرازي). الثاني: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} أي تصدعت السماء وانشقت، فصارت ذات أبواب وطرق، لنزول الملائكة منها إلى الأرض. قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} (ابن كثير، القرطبي، الظلال). الثالث: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} أي أزيلت الجبال عن أماكنها، ونسفت، وصارت هباءً منثوراً، ثم صارت كالسراب الذي لا حقيقة له، مع أنها كانت في الدنيا أوتاداً ثابتة. وهذا أعظم دليل على زوال الدنيا وكل ما فيها، وأن الآخرة هي دار القرار (الطبري، السعدي، الشعراوي). فهذا المشهد يصور انقلاب الكون وتغير نظامه، ليدل على عظمة ذلك اليوم، وأنه ليس كأيام الدنيا. {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)} لما ذكر تعالى حال يوم القيامة، ذكر ما أعده فيه للفريقين، فبدأ بذكر حال الأشقياء: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} أي معدة للطاغين، تترقبهم وتنتظرهم، كالكمين لأعداء الله، لا يفلت منهم أحد ممن استحقها. وقيل: إن عليها ثلاث قناطر: قنطرة فيها الرحمة، وقنطرة فيها الصراط، وقنطرة فيها الميزان، فهي مرصاد لهم (الطبري، القرطبي، ابن كثير). وهي {لِلطَّاغِينَ} الذين تجاوزوا حدود الله، وعتوا عن أمره، واستكبروا عن عبادته، وكفروا بآيآياته {مَآبًا} أي مرجعاً ومصيراً نهائياً. كما أن الجنة مآب المتقين (البغوي، السعدي). {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} أي ماكثين فيها دهوراً متطاولة لا تنقطع. والحقب: ثمانون سنة، أو سبعون، أو مدة غير محدودة. والمراد الخلود الدائم في النار، وذكر الأحقاب ليدل على أن عذابهم مستمر لا ينقطع، كلما مضى حقب جاء حقب آخر (الطبري، الرازي، القرطبي). ثم وصف حالهم فيها فقال: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} أي لا يجدون ما يبرد حر النار، من ماء بارد، أو هواء بارد، أو ظل يقي حر السموم، {وَلَا شَرَابًا} يروي عطشهم، {إِلَّا حَمِيمًا} وهو الماء الحارق الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، حتى صار كالمهل يقطع الأمعاء، {وَغَسَّاقًا} وهو ما يسيل من صديد وقيح أهل النار، وهو شراب خبيث منتن يزيدهم عذاباً (ابن كثير، البغوي، الشعراوي). ثم بين تعالى أن هذا العذاب {جَزَاءً وِفَاقًا} أي موافقاً لأعمالهم ومطابقاً لها؛ فكما طغوا في الدنيا وتجاوزوا الحدود، جوزوا عذاباً شديداً. فهو جزاء وفاق، لا ظلم فيه ولا جور (الطبري، السعدي، الظلال). ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} أي لا يخافون يوم الحساب، ولا يتوقعون مجازاة الله لهم، بل كانوا منكرين للبعث جاحدين له، {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} أي تكذيباً شديداً متكرراً، ليس مجرد تكذيب عابر، بل تكذيب مستمر مع العناد والاستكبار (الرازي، القرطبي، ابن كثير). ثم أخبرهم أن كل أعمالهم كانت محصاة عليهم {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} أي أحصيناه وكتبناه في اللوح المحفوظ، وفي صحائف الأعمال، فلا يغيب عنا شيء من أفعالهم، صغيرها وكبيرها. وهذا تهديد شديد، فكل أعمالهم مسجلة محفوظة، وسوف يقرؤونها يوم القيامة (البغوي، السعدي، الظلال). وعندئذ يقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} أي ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم به تستهزئون، ولن تزدادوا مع الأيام إلا عذاباً فوق عذاب، وشدة فوق شدة. وهذا أشد ما يكون من التهديد والوعيد، وفيه إشارة إلى أنهم في الدنيا كانوا يطلبون زيادة من المال والولد، فجوزوا بزيادة العذاب (الطبري، ابن كثير، السعدي). {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)} لما ذكر حال الأشقياء، ثنى بذكر حال السعداء المتقين، ليكتمل التصور، وتظهر العدالة الإلهية: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} أي مكان فوز ونجاة، جمع لهم فيه النجاة من النار والفوز بالجنة. والمتقون هم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، وخافوا مقام ربهم ونهوا النفس عن الهوى (الطبري، ابن كثير، السعدي). ثم فسر هذا المفاز فقال: {حَدَائِقَ} أي بساتين ذات أشجار وأنهار، محاطة بسياج، فيها من كل زوج كريم. {وَأَعْنَابًا} وخص العنب بالذكر مع دخوله في الحدائق لشرفه وكثرة منافعه، ولأنه كان من أشهر فواكه العرب وأحبها إليهم، فذكره الله ليكون أقرب إلى فهمهم (القرطبي، البغوي، الرازي). {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} أي نساء نواهد الثدي، متقاربات في السن، على أكمل صورة وأحسن هيئة. والكواعب: هن اللواتي تكعَّب ثدييهن ونهد. والأتراب: المتساويات في السن، اللواتي لداتهن من ثلاث وثلاثين سنة. وفي هذا إشارة إلى دوام الشباب والجمال (ابن كثير، القرطبي، السعدي). {وَكَأْسًا دِهَاقًا} أي خمراً مملوءة متتابعة، يتعاطونها في مجالسهم لذة للشاربين. والكأس: إناء الشراب المملوء. والدهاق: المملوءة المتتابعة الملء. وخمر الجنة ليست كخمر الدنيا، فهي لا تذهب العقل، ولا تسبب الصداع، ولا تورث الألم (الطبري، البغوي، الشعراوي). ومن تمام نعيمهم أنهم {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} أي كلاماً ساقطاً لا فائدة فيه، ولا باطلاً يؤذي السامع، {وَلَا كِذَّابًا} أي تكذيباً من بعضهم لبعض، ولا كذباً. بل كلامهم كله سلام وتسليم، وقول سلام سلام (الرازي، ابن كثير، الظلال). ثم أخبر أن هذا النعيم {جَزَاءً مِن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} أي هو جزاء أعمالهم، ولكن ربك تفضل عليهم فزادهم عليه، وأعطاهم عطاءً كافياً وافياً، حتى حسبوا أنهم أعطوا أكثر مما يستحقون. وفيه معنيان: أنه كثير وافر، وأنه على قدر الأعمال بالعدل ويزيد عليها بالفضل. وهذا من كرمه سبحانه وجوده (الطبري، القرطبي، السعدي). واعلم أن مقابلته بين حال الفريقين فيها أعظم عبرة وأبلغ موعظة؛ ليرى الإنسان مصيره الذي ينتظره، فيختار لنفسه ما يليق به (الشعراوي، الظلال). {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} هذا الجزاء وهذا المصير هو من رب العالمين، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، وهو المالك المتصرف في هذا الكون العظيم، خالقه ومدبره ورازقه. وهو {الرَّحْمَٰنِ} ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، ولكن رحمته ليست طبيعة ثابتة، بل هي تفضل وجود منه على من يشاء (الطبري، ابن كثير، السعدي). وفي ذلك اليوم العظيم، يستوي الجميع في الخضوع والخشوع؛ {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} أي لا يملك أحد من الخلائق أن يخاطب الله تعالى يوم القيامة إلا بإذنه. وقيل: لا يملك أحد خطاباً يصدر منه إليهم، ولا خطاباً يصدر منهم إليه، فالكل خائف صامت (القرطبي، الرازي، البغوي). ويوم {يَقُومُ الرُّوحُ} وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح على أقوال كثيرة: فقيل هو جبريل عليه السلام، وهو أشهر الأقوال. وقيل هم أرواح بني آدم. وقيل خلق عظيم من خلق الله ليسوا بملائكة ولا بشر. والذي عليه المحققون أن الروح هنا هو جبريل عليه السلام، خص بالذكر لشرفه وعظمته. {وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} أي يقفون جميعاً صفاً واحداً بين يدي الله، خاشعين خاضعين، {لَا يَتَكَلَّمُونَ} هيبة وإجلالاً لله، {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ} في الكلام من الشفعاء وغيرهم، {وَقَالَ صَوَابًا} أي قال قولاً حقاً موافقاً للشرع، كالشهادة بالتوحيد: "لا إله إلا الله" (الطبري، ابن كثير، القرطبي، السعدي). فهذا المشهد المهيب يصور كمال الذل والانقياد لله، وعظمته التي تخضع لها كل المخلوقات، حتى أعظمها كجبريل والملائكة الكرام. وفيه إشارة إلى أن الكلام في ذلك اليوم ليس حقاً لأحد، بل هو إذن خاص من الله لمن يشاء (الرازي، الشعراوي، الظلال). {ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40)} بعد أن استوفت السورة عرض مشاهد القيامة ومصير الفريقين، تختم بتقرير أن ذلك اليوم هو {الْحَقُّ} الثابت الذي لا ريب فيه، الذي وعد الله به، ولا خلف في وعده. فهو حق في أخباره، حق في وقوعه، حق في جزائه (الطبري، ابن كثير، السعدي). وبعد أن تبين الحق، ودلت الأدلة على صدقه، جاء دور الاختيار: {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا} أي من شاء النجاة والفوز فليتخذ إلى ربه طريقاً يرجع به إليه، بالإيمان والعمل الصالح، والتوبة والإنابة. فهذه الآية ترغيب عظيم في العمل الصالح، وتحريك للنفوس إلى طلب مرضات الله، وإثبات للمشيئة الإنسانية في إطار المشيئة الإلهية (القرطبي، الرازي، الظلال). ثم نختم السورة بهذا الإنذار المهيب الذي يقرع القلوب: {إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا}؛ إنه قريب لأن كل آت قريب، ولأن الموت لا يعلم أحد متى يأتيه، فكأنه قريب من كل إنسان، ولأنه واقع لا محالة. وقد قرب زمانه بظهور أشراط الساعة وبعثة النبي ﷺ (البغوي، ابن كثير، الشعراوي). ذلك العذاب يوم {يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي يرى كل إنسان أعماله مصورة أمامه، فيرى المؤمن حسناته فتقر بها عينه، ويرى الكافر سيئاته فيسوءه ذلك، وتظهر ندامته. وتخصيص اليدين بالذكر لأن أكثر الأعمال تزاول بهما، أو هو تعبير عن المباشرة (الطبري، القرطبي، السعدي). وحينها {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} تمنياً للعدم، وحسرة على ما فرط، وغيرة من المؤمنين الذين فازوا بالجنة، وغيرة من الحيوانات التي تبعث ثم تصير تراباً بعد أن تقتص لبعضها من بعض. وقيل: إن الدواب تبعث يوم القيامة وتقتص لبعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فتكون تراباً. فإذا رأى الكافر ذلك تمنى أنه كان من البهائم (ابن كثير، القرطبي، الرازي). فهذه السورة على إيجازها، قد احتوت على أصول الدين الكبرى: إثبات البعث والجزاء، ودلائل القدرة الإلهية في الكون، ووصف اليوم الآخر بأهواله، وتفصيل مصير السعداء والأشقياء، وبيان عظمة الله وهيبة الموقف، وختمت بالدعوة إلى اتخاذ المآب إلى الله، والإنذار من عذابه. فهي سورة جامعة لأصول العقيدة الإسلامية، تصلح أن تكون نواة للإيمان في قلب كل مسلم (الظلال، الشعراوي، السعدي). الخاتمة: من يتأمل سورة النبأ يلاحظ أن السورة لا تسير على طريقة العرض المباشر للأفكار، بل تبني مشهداً بعد مشهد حتى تقود الإنسان إلى الحقيقة في نهاية الطريق. إنها أشبه برحلة تبدأ بالجدال وتنتهي باليقين. تبدأ السورة بصورة مألوفة من صور الحياة: جماعة من الناس يتحدثون ويتساءلون. حديث يدور بينهم حول قضية البعث، لكن حديثهم ليس بحثاً جاداً عن الحقيقة، بل هو جدل واستخفاف. عند هذا المشهد يأتي السؤال القرآني الذي يكشف حالهم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ إنهم يتساءلون عن الخبر العظيم، خبر البعث والقيامة، وهو أمر جلل، ومع ذلك يتعاملون معه وكأنه موضوع للحديث والجدال. وفجأة يقطع القرآن هذا المشهد بردٍ قصير لكنه شديد الوقع: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ إنه ردع وزجر، ومعناه أن الحقيقة التي يسخرون منها الآن ستنكشف لهم، وسيأتي وقت يعلمون فيه عاقبة هذا التكذيب علماً لا يقبل الجدل. لكن السورة لا تدخل بعد ذلك في نقاش مباشر معهم، بل تأخذهم إلى مجال أوسع. تنتقل بهم من مجلس الجدل الضيق إلى مشهد الكون الفسيح، فتلفت أنظارهم إلى آيات الخلق من حولهم: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ تتوالى هذه المشاهد لتذكّر الإنسان بنظام الحياة من حوله: الأرض الممهدة، والجبال الراسية، وتعاقب الليل والنهار، وحياة البشر أنفسهم. وكلها دلائل على قدرة الخالق. فإذا كان الله قد أوجد هذا الكون البديع، فإعادة الإنسان بعد موته ليست أمراً بعيداً. وبعد أن تستقر هذه الدلائل في النفس، تنتقل السورة إلى مشهد أعظم وأشد هيبة: مشهد يوم القيامة. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ هنا يتغير وجه الكون كله؛ السماء تنشق، والجبال التي كانت ثابتة تزول وتتحول، ويجتمع الناس للحساب. إنه يوم الفصل الذي تنكشف فيه الحقائق وعند هذه المرحلة يظهر المصير الذي ينتظر الناس. فالسورة تعرض صورتين متقابلتين: صورة الطغاة الذين أعدت لهم جهنم وما فيها من العذاب، وصورة المتقين الذين أعدت لهم الجنة بما فيها من النعيم والحدائق. هذه المقابلة بين الفريقين تجعل المعنى واضحاً؛ طريقان مختلفان يقود كل منهما إلى نهاية مختلفة. ثم تأتي الخاتمة التي تعود بالقارئ إلى بداية السورة. فالسورة بدأت بسؤال فيه جدل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ لكنها تنتهي بمشهد إنساني مؤلم، حين يرى الكافر الحقيقة بعد فوات الأوان فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ وهكذا تنتقل السورة بالإنسان من مشهد السخرية في بداية الطريق إلى مشهد الحسرة في نهايته وفي أثناء ذلك تظهر مفارقة لطيفة: في أول السورة الناس يتحدثون ويتجادلون، أما في يوم القيامة فالموقف مختلف: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ﴾ فالكلام الذي كان سهلاً في الدنيا يصبح في ذلك اليوم أمراً لا يكون إلا بإذن الله. بهذا البناء المتدرج تقود سورة النبأ القارئ من الشك إلى اليقين، ومن الجدل إلى الحقيقة، في رحلة قصيرة لكنها عميقة الأثر في القلب والعقل.