توصية رسالة.. ورسالة توصية

منذ 2017-03-20

ما قلته منذ أكثر من خمسة عشر عامًا في توصية هذه الرسالة؛ لايزال - في قناعتي- هو الوصية .. وهو الرسالة.

 

..بعد إنهاء خُلاصات رسالتي للماجستير (الحُكم والتحاكم في خطاب الوحي) ختمتها بتوصية .جاء فيها :
" .. وأخيراً ظهر لي أن الفساد الواقع والمتوقع من جراء الانحراف عن شرع الله؛ قد جرَّ الأمة ، بل الناس جميعاً - إلا من رحم الله - إلى مشارف هوة سحيقة، تطالع البشرية فيها مصيرها النكِد في شقاء الآخرة بعد ضَنك الدنيا الذي تحياه بعيدةً عن سبيل الله. وفي مثل هذه الفترات التي تظلم بالجهالات تارةً، وتكفَهِر بالصراعات أخرى؛ تحت الغيوم الملبَّدة بالقلق والحيرة والترقب؛ كان يُتوقع في تاريخ الأمم السابقة أن يبعث الله نبياً أو رسولاً، يرفع الظلام عن الأرض، ويدفع الانتقام الإلهي عن الناس..
ولكن النبوة قد خُتمت ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - فهل ضاعت آمال البشرية في العودة إلى حياة القرار والطهر والسعادة لعدم قدوم نبي جديد؟... كلا؛ 
إن شمس الرسالة المحمدية لم تنكسف، وغطاء رعايتها للعالم لم ينكشف، فلا زال الدين حيًا والكتاب محفوظًا، ولن تزال في الأمة طائفة على الحق الواضح ، يصلح الله تعالى بها أمرها؛ كلما دهمتها الفتن أو ضربتها المحن..
فالحاجة إذن ليست ماسةً إلى منقذ من الأنبياء جديد، ولكنها ماسة إلى منهج إحياء وتجديد – علماً وعملًا - ، يقوم عليه علماء ودعاة مخلصون، يتَرسَّمون خُطا الأنبياء، ويستلهمون مناهج الإصلاح التي جاءوا بها في العلم والعمل والدعوة والجهاد ، ويصبرون على ذلك ويُصابرون، حتى تتجمع تيارات الخُلصاء من الأمة معهم في سيل إصلاحي جارف، فسيل الانحراف الذي أحدثه المبدلون لشرع الله في الأمة؛ لا يمسكه إلا سيل معاكس يصده ثم يرده، لأن تيارات الأهواء لا تدفعها إلا موجات أقوى منها، تستمد قوتها من الهُدى لا الهوى، ومن الاستقامة على الشريعة، دون انحراف عنها أو انحراف بها عن مسارها .
لا أمل في إيقاف مسيرة التقهقر في الأمة إلا بدفعها إلى سيرة معاكسة تتقدم نحو الإصلاح – أفقيًا ورأسيًا - بكفاح جاد، وجهدٍ مستبصِر، وخُطىً لا تتردد، حتى يتحول المجرى مرةً أخرى لصالح الإسلام والمسلمين ، كما أخبر سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم - في قوله «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [ رواه البخاري] . .

وقوله – عليه الصلاة والسلام - « لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ ‏ ‏مَدَرٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏وَبَرٍ ‏ ‏إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» [أخرجه أحمد في مسنده برقم ( 16998) والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين برقم ( 8326)] .
إن هذا العمل الكبير – أعني تصدير الشريعة في التغيير- هو في الحقيقة خليق بالأنبياء، وهم الجديرون به، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «العلماء ورثة الأنبياء» [ رواه الترمذي وصححه]  .

فقَدَرُ هؤلاء العلماء وقَدْرهم – وكل الصادقين معهم - أن يقوموا بمثل ما كان يقوم به الأنبياء؛ عندما كانت غُربة الدين تشتد وسيطرة الباطل تطغى. وعليهم أن يستجمعوا في ذوات أنفسهم صفات الربانيين المصلحين، مع صدق اللجوء إلى الله، وكمال الاستعانة به، وجميل التوكل عليه ، وقوة اليقين في نصرته وتأييده ...
فإذا رأى الله تعالى في قلوب خواص الأمة تغييراً نحو الصلاح، غيَّر أحوالهم إليه، وغيّر بهم حال الأمة، وغيّر بالأمة وجه الدنيا، لتعود مرةً أخرى إلى نعيم الحياة تحت ظلال شريعة الله بعد طول شرود. كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}   [الرعد11] ...انتهى.
(تعقيب) ..
ما قلته منذ أكثر من خمسة عشر عامًا في توصية هذه الرسالة؛ لايزال - في قناعتي- هو الوصية .. وهو الرسالة..