فصل: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟

منذ 9 ساعات

إخواني: اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر. إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم.

 

الحمد له والصلاة والسلام على رسول الله

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:
إخواني: اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر.
إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم.
ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق. وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته.
ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته - مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم - فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير.
ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام فإذا زاغ مال عنه اللطف.
ولولا عموم الستر وشمول رحمة الكريم لافتضح هؤلاء المذكورون.
غير أنه في الأغلب أو تلطف في العقاب كما قيل:
ومن كان في سخطه محسناً ... فكيف يكون إذا ما رضي
غير أن العدل لا يحابى. وحاكم الجزاء لا يجوز. وما يضيع عند الأمين شيء.
أيها المذنب: إذا أحسست نفحات الجزاء فلا تكثرن الضجيج، ولا تقولن قد تبت وندمت، فهلا زال عني من الجزاء ما أكره ! فلعل توبتك ما تحققت.
وإن للمجازاة زماناً يمتد امتداد المرض الطويل. فلا تنجع فيه الحيل حتى ينقضي أوانه.
وإن بين زمان: وعصى إلى إبان: فتلقى مدة مديدة.
فاصبر أيها الخاطيء حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس. فإذا عصرته كف الأسى، ثم تكررت دفع الغسلات حكم بالطهارة.
بقي آدم يبكي على زلله ثلاث مائة سنة.
ومكث أيوب عليه السلام في بلائه ثماني عشرة سنة.
وأقام يعقوب يبكي على يوسف عليهما السلام ثمانين سنة.
وللبلايا أوقات ثم تنصرم، ورب عقوبة امتدت إلى زمان الموت.
فاللازم لك أن تلازم محراب الإنابة، وتجلس جلسة المستجدي. وتجعل طعامك القلق، وشرابك البكاء، فربما قدم بشير القبول فارتد يعقوب الحزن بصيراً.
وإن مت في سجنك فربما ناب حزن الدنيا عن حزن الآخرة، وفي ذلك ربح عظيم.