حديث ذات العماد.. مشاهدات من طرابلس الغرب

منذ 2013-01-01

(ذات العماد) هو اسم للمبنى الذي عقد فيه مؤتمر (تحديات ما بعد الربيع العربي) في العاصمة الليبية طرابلس، وقد شهد فعاليات في يومي السبت والأحد 9 و10 صفر لمناقشة أحوال البلد ...


(ذات العماد) هو اسم للمبنى الذي عقد فيه مؤتمر (تحديات ما بعد الربيع العربي) في العاصمة الليبية طرابلس، وتيسر لي حضور فعالياته يومي السبت والأحد 9 و10 صفر من هذا الأسبوع، وأتيحت لي فيه الفرصة للاطلاع على شيء من أحوال البلد واللقاء بكثير من فضلائها. واسم (ذات العماد)، كما هو معلوم، ورد في القران الكريم وصفا لمساكن قوم عاد في سياق الذم، واختيار هذا الاسم، لهذا المبنى ولغيره من المقرات المماثلة في ليبيا، ينبئ عن نمط ونسق سار عليه نظام العقيد معمر القذافي، الذي حكم ليبيا بالحديد والنار لأربعين سنة حتى أطاحت به الثورة الليبية بانطلاقها يوم 17 فبراير 2011م، ونجحت في القضاء عليه حين خلفته قتيلاً يوم 20 أكتوبر من نفس العام.

ذلك النسق الذي كان يسعى لتصنع العظمة والكبر والظهور بمظهر القوة الزائف، بدءاً من الاسم الرسمي للبلد (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى) مروراً بلقب القذافي نفسه (ملك ملوك أفريقيا) ومشروع (النهر العظيم)، وإسباغ ذلك على كل شكل من أشكال الحياة في ليبيا، في قناع خادع مزيف يخفي وراءه بؤساً وهلكة وفقراً وعوزاً على جميع الأصعدة.

ذلك البؤس والعوز الذي عاشته ليبيا طويلاً في ظل نظام القذافي، ومغامراته ومقامراته الخاسرة، رغم الثروة البترولية المتدفقة، ورغم قلة عدد السكان، رأيناه ظاهراً بادياً في جوانب كثيرة، طالت الحياة السياسية والاجتماعية والتنظيمية والمعيشية والتعليمية.

فمن يوم أن تطأ قدمك أرض المطار ترى الصالات والمرافق موحشة كئيبة، كأنما هي مهجورة، تغيب عنها وسائل التقنية الحديثة في العمل والتنظيم، وتجزم انه لم يطرأ على مرافق المطار وأثاثه وتجهيزاته جديداً منذ عقود.

ثم تخرج في الطريق إلى وسط العاصمة طرابلس فترى الطريق الرئيسي هو المسفلت الوحيد وعلى جانبيه تتناثر البيوت بطرازها القديم، تربطها طرق ترابية دون مرافق.

وفيما عدا وسط العاصمة، حيث ترى بعض الأبنية الحديثة وسوقاً مركزية واحدة، تم افتتاحها بعد الثورة، فإن معظم الأحياء التي مررنا بها في العاصمة طرابلس تبدو فيها مظاهر البساطة والافتقار لمرافق الحياة الحديثة من المحلات والمؤسسات والمتاجر والوكالات ومكاتب الخدمات، فكأن الزمن توقف في هذا البلد لأربعين عاماً.

طارق الهاشمي، شاب قابلناه في المؤتمر، يتقد نشاطا وحيوية، أحد الشباب الناشطين في تجمع (الأصالة) وهو تشكيل سياسي سلفي، يرأسه الدكتور علي السباعي، وهو من القيادات الشابة المميزة التي لها ثقلها وأثرها في الساحة السياسية الليبية في مرحلة ما بعد الثور. نشأ تجمع (الأصالة) في ليبيا بعيد الثورة ضمن عدة تجمعات وأحزاب بجميع أشكال الطيف السياسي والفكري، تشكلت بعد سقوط النظام في سباق مع الزمن، لتدارك عمل سياسي وحزبي منظم افتقدته ليبيا على مدى عقود ماضية.

طارق يدرس الآن الماجستير في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو بهذا يعد من المحظوظين القلائل الذين سنحت لهم فرصة التعليم الشرعي في السعودية، إذ كان ذلك من أشد المحرمات التي سنها نظام القذافي، حتى أنه كان يطلق على المتدينين والمشتغلين بالدعوة والعلم الشرعي لفظ (الزنادقة)، وأنشأ النظام وحدة حكومية خاصة لمحاربتهم وتتبعهم، ومنع أي شكل من أشكال التعليم الديني وخاصة للمراحل الجامعية والمراحل العليا، وعلى الأخص ما كان له صلة بالسعودية وعلمائها ومناهجها الشرعية.

يذكر لنا الشيخ غيث الفاخرى وهو يعد ثاني رجل تقريباً من رجالات ليبيا وعلمائها الشرعيين بعد المفتي العام الشيخ صادق الغرياني، ويرأس الآن هيئة علماء ليبيا، وقد ناهز الستين من العمر، أنه كان ضمن أخر دفعة تخرجت من الجامعة الإسلامية الليبية التي أنشاها الإمام الإدريسي في الجبل الأخضر في فترة الستينات.

تلك الجامعة أغلقها نظام القذافي بعد وصوله للحكم بشكل متدرج حين دمجها أولا مع إحدى كليات العلوم الإنسانية في بنغازي، ثم أغلقت نهائيا عام 1978م، فانقطع من ذلك الوقت مسار التعليم الجامعي للعلوم الشرعية في ليبيا.

كما انقطعت الحلقات القرآنية ومجالس العلم في المساجد. غير أن ذلك لم يمنع ظهور الصحوة الإسلامية في صفوف الشباب الليبي منذ عام 1980م ثم زيادة وتيرة الصحوة ونشاطها في فترة التسعينات الميلادية، كما كان عليه الأمر في بقية البلدان العربية.

ولرغبة الشباب وتعطشهم للعلم، كانوا يلتفون حول من له أدنى حد من العلوم الشرعية ما ساهم في ظهور بعض الانحرافات والتوجيهات غير المنضبطة بضوابط العلم الشرعي فيما بينهم.

هذا التجفيف المستمر على مدى أربعين سنة لمنابع العلم الشرعي ومصادره، والملاحقة العنيفة لرجالاته وكوادره، أدى إلى غياب شبه تام للعلماء وطلبة العلم والمشتغلين بالعلوم الشرعية والمباحث الدينية وخطباء المساجد المؤهلين.

حتى قال لنا البعض أنه مرت فترة من الزمن لم يكن في ليبيا أحد من خطباء الجمعة يجرؤ على أن يورد حديثاً نبوياً أو يستشهد بنص من نصوص في السنة في خطبة الجمعة، بعدما اشتد القذافي في إنكاره للسنة وحربه من أجل طمسها والقضاء عليها. ومع ذلك لم تخل البلد من قائم بأمر الله، منكر على الطاغية، متمسك بدينه، داعية إليه، ولعل من أبرز أولئك الداعية والخطيب المشهور، شهيد السنة النبوية إمام جامع القصر بطرابلس الشيخ محمد البشتي، ذلك الذي تحدث لنا عنه أحد أبرز تلاميذه وهو الشيخ محمد الحراثي حديث المتيم الواجد، فذكر لنا الشيء الكثير من عبادته وَورعه وتقواه وصبره، وملازمته لكتاب الله قراءة وتدبراً، وجرأته في الإنكار على القذافي علانية ومن فوق المنبر.

فكان يخطب بالدفاع عن السنة والإنكار على منكرها وهو يعلم أن ضباط النظام ومخبريه يأتون لمسجده لتسجيل خطبه، فكان يدعوهم لمقاومة النظام والتخلي عنه، حتى قبض عليه عام 1980م وحوكم محاكمة صورية بدعوى نشر الوهابية وتكفير المجتمع الليبي، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وظل سجينا تحت التعذيب لسنوات طويلة ولم يفصح النظام عن مصيره إلا في عام 2005م حين اعترف بأنه قتل عام 1986م ولم يعرف بعد كيف حدث ذلك، كما قتل النظام مجموعة من خيرة تلاميذه رحمهم الله رحمة واسعة.

حين تستمع إلى طارق وهو يحدثك عن المشكلات التي يواجهها المشتغلون بالعمل الدعوي والسياسي في مرحلة ما بعد الثورة، والعوائق اليومية لتي تأخذ من أوقاتهم وجهودهم الكثير، تلمس مدى الحاجة الملحة للعمل بوتيرة سريعة وخطة طوارئ عاجله كي يدرك الناس ما فاتهم من نظم العمل المدني والنشاط المؤسسي الحديث، والمفاهيم الإدارية الأساسية كوضع الاستراتيجيات والخطط، والعمل ضمن فريق، والبعد عن الفردية والارتجالية، والتعود على العمل في جو منفتح، بعيداً عن أجواء الخوف، وظروف العمل السري التي كان يضطرهم إليها الحكم البوليسي البائد.

وما يُكرّس المشكلات أكثر؛ طبيعة المجتمع البدوية، وإعلاء شأن القبيلة والجهوية والمناطقية، التي تحكم علاقات الناس وتؤثر في تصدير الرموز وإعلائها والولاء لها بعيداً عن معايير الكفاءة والتأهيل.

ثم إن غياب الكوادر القيادية الحقة جعل من السهل أن يتصدر من ليس بكفء، وأن يتكلم في الشأن العام من شئون العلم والدعوة والسياسة الشرعية من ليس مؤهلا لذلك، هذا من جانب، ومن جانب أخر تطلع بعض الشباب إلى الخارج يحمل أسئلته المتزايدة التي تمليها الأحوال المتغيرة والظروف المتقلبة والأقضية الجديدة الملحة، يبحث عن أجوبتها لدى بعض المحسوبين على العلم والدعوة من خارج ليبيا من غير أهلها، وأولئك لا يدركون حقيقة الوضع، ولا يقدرون حق التقدير العوامل المؤثرة في المجتمع الليبي، والظروف المحيطة بالمسائل، وأجوائها المؤثرة وتعلقاتها المتشابكة، وحين يفتون أو يجيبون عن تلكم المسائل تأتي الفتاوى والأجوبة غاية في الغرابة، مصادمة للواقع، تخلق مزيدا من المشكلات بدل أن تكون وسيلة لحلها.

تبرز على الساحة السياسية في الوقت الراهن، وبعد مرور عام تقريبا على سقوط النظام، قوتان سياسيتان هما (تحالف القوى الوطنية) وهو تجمع يضم العديد من الأحزاب ليبرالية، يبرز من قياداته محمود جبريل، الذي رأس المكتب التنفيذي خلال الانتفاضة الليبية وكان من قبل يشغل منصبا حكوميا في النظام السابق، وعبدالرحمن شلقم المندوب الليبي السابق في الأمم المتحدة، والتجمع الأخر هو حزب (العدالة والبناء)، الممثل للإخوان المسلمين في ليبيا ويتولى رئاسة الهيئة العليا له مصطفى المانع، ورئاسة الحزب محمد صوان، وهو معتقل سابق للنظام.

وأما الشيخ علي الصلابي فيعد من الرموز الشرعية للإخوان وإن كان لا علاقة له مباشرة بحزب (الحرية والبناء) لكنه مباشر ومشارك في التحركات والتحالفات على الساحة السياسية الليبية، ثم بعد ذلك تأتي مجموعة من الأحزاب والتجمعات الأقل مثل الأحزاب السلفية كحزبي (الأصالة) ويتزعمه "د. علي السباعي" و(الأمة الوسط) ويتزعمه "د. سامي الساعدي"، وحزب (الوطن) الذي يتزعمه "عبد الحكيم بالحاج"، القائد السابق للجماعة الإسلامية المقاتلة، وبعض الأحزاب الأخرى مثل (الاتحاد من أجل الوطن) و(الحزب الوطني لشباب ليبيا) و(حزب الأحرار) و(حزب الوفاق الليبي) وغيرها.

يتقاسم (تحالف القوى الوطنية) و(العدالة والبناء) معظم مقاعد المؤتمر الليبي العام والمقاعد الوزارية في الحكومية التي شكلت أخيراً برئاسة علي زيدان، وهو من المحسوبين على التيار الليبرالي.

بينما يعد "د. محمد المقريف"، رئيس المؤتمر العام، من الرموز الوطنية وله تاريخ في المعارضة، ويقال أنه كان إسلامياً في مبتدأ أمره.

يقول لك كل من تجلس إليه من أهل ليبيا أن الشعب الليبي شعب متدين بالفطرة،غير منتم في معظمه لأي تنظيم، متمسك بإسلامه وهويته السنية، لا تمثل فيه الطائفية تحدياً يذكر، يطالب بتحكيم الشريعة ويدعم ويساند من يدعو إليها، وأن الليبراليين الحقيقيين لا تتجاوز نسبتهم 2 %، وتلك حقيقة لا مراء فيها، ومع ذلك نجح التيار الليبرالي في الحصول على مكاسب سياسية كثيرة وحظي بنصيب كبير من المقاعد والمواقع السيادية في المؤسسات الحكومية الناشئة، فما السبب؟

يعود هذا الأمر إلى عدة أسباب منها ما هو متعلق بالشعب الليبي ذاته، إذ كثير من أفراده لديهم بساطة في التفكير والحكم على الأمور، وتدينه ليس تدينا واعيا، تنطلي عليه التواءات العلمانيين وأساليبهم، فينخدعون بما يظهرون به في دعايتهم لأنفسهم من دعوى التمسك بالإسلام الوسطي وممارستهم للشعائر الدينية، وتركيزهم في دعوتهم على مسائل التنمية والمناداة بها في برامجهم الانتخابية، يضاف إلى ذلك ما تمارسه بعض القوى من التخويف بالمتشددين والوهابية وتوظيف بعض الأحداث الفردية من بعض الشباب المتعجل والمحسوب على التيار الإسلامي المرشد وليس منه.

ومن ذلك انخداع بعض طلبة العلم ببعض الرموز الليبرالية بل وتزكيتهم لمجرد ترددهم على المساجد.

وأشد ذلك أثراً ضعف الأداء الإعلامي للتيارات الإسلامية وغياب القنوات الفاعلة النشطة، إذ من بين 15 قناة فضائية ليبية حديثة، لا توجد أية قناة فضائية خاصة بالتيار الإسلامي، وسبب ذلك بالدرجة الأولى غياب التمويل المالي.

ومن أسباب تفوق التيار الليبرالي في ليبيا قلة الكوادر الإسلامية النشطة والمؤهلة للعمل في الحقل السياسي والتنظيمي. ومع قلتها إلا أنها ربما تتحمل عبء العمل كله وتباشر الأمور بنفسها تصوراً في الذهن وتخطيطاً على الورق وتنفيذا ومتابعة في الميدان ومراجعة وتقويماً.

ومن الأسباب التي يرجع البعض إليها ضعف العمل السياسي الإسلامي، وبالذات السلفي، الارتباك وضعف التصور والحكم عند بعض المشتغلين المطلعين على مجريات الأمور السياسية ومتغيراتها اليومية، ومن ذلك ضعف الأداء الميداني للرموز السياسية وضعف تواصلها المباشر مع الناس وغيابها من الميدان والنداء بفكرتها بين الجموع.

ثم إن التيار الليبرالي كان له السبق في النزول للميدان وبث دعوته بين الناس في أوائل أسابيع التحرير حين كان جزء كبير من التيار الإسلامي مشغولا بمعارك التحرير والتطهير في أنحاء ليبيا.

لم يكن في ليبيا في عهد القذافي حقيقة ما يمكن أن يكون جيشا بالمعنى الحديث، وبعد الثورة، ولأجل التنظيم العسكري للدولة الوليدة، أعيد تشكيل القوات فدخلت معظم الكتائب الإسلامية المقاتلة التي قادت الثورة وحرب التحرير ضد نظام القذافي في تشكيلات الحرس الوطني الجديد.

ومع ذلك، فإن مسألة الأمن النسبي الذي يعم ليبيا الآن ليس مرده لنفوذ الدولة وبسط سلطانها، وإنما لتوازنات تفرضها العوامل المرتبطة بالقبلية والجهوية بشكل أساسي. وأما مدينة بني وليد فقد عرفت بولائها لنظام القذافي، وبعض سكانها يرون أنفسهم جزءاً من النظام.

وفي المقابل؛ لم يعط الثوار منطقة بني وليد حقها من التحرير والتطهير، فتنامت فيها قوة عسكرية بعد سقوط النظام وأعلنت ولائها للقذافي وصارت موئلاً ونقطة تجمع لأنصاره، ووصل بهم الأمر إلى أن قتلوا مجموعة من الثوار الذين حاولوا دخلو المدينة، ثم في يوليو 2012م قاموا باختطاف الرجل الذي قبض على القذافي ويدعى عمران شعبان، من ثوار مصراته، وسجنه وتعذيبه عذاباً شديداً حتى أطلق سراحه بعد أكثر من 50 يوماً من اختطافه، إثر وساطة قام بها رئيس المؤتمر الليبي، لكنه توفي لاحقاً متأثراً بإصاباته في أحد مستشفيات باريس.

اختطاف الرجل كانت الشرارة التي دفعت الدولة لإرسال الجيش للمدينة وتحريرها من أنصار القذافي حتى لم يبق لهم فيها إلا جيوب قليلة متناثرة.


د. محمد العتيق - 12/2/1434 هـ
 

  • 10
  • 0
  • 2,594

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً