سوريا.. بين العجز الإسلامي والتواطؤ الغربي

منذ 2013-01-15

ما يزيد عن مائة قتيل يوميًا هو ثمن التأخر عن نصرة الشعب السوري، كل يوم يمر يعني مزيد انزلاق للمنطقة كلها في أتون فوضى والاقتراب من عتبة التفكك وتذكية أوار الصراعات الطائفية والعرقية.


مئات القتلى يوميًا في الثورة السورية لم تحرك الضمير الغربي لاتخاذ قرارات حاسمة بالتدخل من أجل وقف حمامات الدماء في البلاد، وهو يؤكد أن ما يحدث في سوريا هو تواطؤ غربي واضح من أجل إطالة أمد الصراع في الأزمة السورية؛ حيث إن مخرجات تلك الثورة لن تكون بحال من الأحوال في صالح الغرب، لذا فإن الخيار الثالث. وهو إطالة أمد الصراع. يظل هو الخيار الأفضل للغرب ومعه إسرائيل، حيث كلما طال الصراع كلما تدمرت البنية التحتية للبلاد وكلما زاد تحطيم الجيش السوري واستنزفت مقدراته، وكلما راح ضحيته المزيد من مقاتلي المعارضة الذين يغلب عليهم الصبغة الإسلامية، ففي كلا الاتجاهين فإن الغرب أكثر ارتياحًا من خيار انقشاع غبار المعركة وإسفاره عن وجه إسلامي في السلطة في ذلك البلد المتاخم لإسرائيل ولديه معها ثأر وأرض محتلة.


لقد أسفر الربيع العربي حتى الآن عن أنظمة غير موالية للغرب بالرغم من أن الغرب ساهم بدرجة ما في إسقاط بعض الأنظمة مثل حالة ليبيا بالتدخل المباشر، أو في حالة مصر وتونس واليمن بالضغط من أجل إسقاط الأنظمة والاستجابة إلى مطالب الشعوب، ولكن المخرجات النهائية للربيع العربي أدت إلى انقطاع خيوط التحكم الغربية في الأحداث على الأرض، وانقطعت الحبال التي كانت تحرك الولايات المتحدة بها الأنظمة الدمية Puppet Regimes وانحسرت قدرتها على التأثير في تلك المنطقة الهامة والحيوية من العالم.

إن مشاهد القتل والدمار والركام وإسقاط الطائرات الروسية لنظام بشار على أيدي صواريخ ستينغر الأمريكية بأموال خليجية كلها مشاهد تطرب آذان صانع القرار الأمريكي، فالخيار الثالث. خلاف انتصار الثورة أو بقاء نظام الأسد. وهو استمرار هدم الدولة السورية يعد الخيار الأفضل لدى الغرب وإسرائيل، كما أن الدولة السورية بوضعها الحالي تستمر في تصدير الأزمات إلى دول الجوار، وتضع كل من مصر وتركيا وإيران والعراق والسعودية على خط المواجهة، مع تصدير مشكلات لاجئين أيضًا لدول الجوار، وتزيد تأمين الكيان الصهيوني باحتمالات نشوب حرب طائفية تؤدي إلى تحطيم السنة والشيعة لبعضهم البعض وتذكي الصراعات الخامدة مثل القضية الكردية بشمال سوريا وتسليح نظام بشار لهم للضغط على تركيا، التي أصبحت خصمًا مباشرًا أيضًا لإسرائيل.


في بعض الأحيان يؤدي التخطيط والكيد الإسرائيلي/الغربي إلى إحداث مشكلات جمة للمنطقة، ولكن في معظم الأحيان تكون مشكلاتنا من صنع أيدينا، ولذا كانت ثورات الربيع العربي هي الخطوة الأولى باتجاه الحل بأن تم إزالة الأنظمة الفاشلة التي أوردتنا الموارد وسمح عجز النظام الإقليمي العربي ممثلا في الجامعة العربية بأن تستباح أرضنا ودمائنا في فلسطين ولبنان والعراق، واليوم تمثل سوريا مشكلة كبرى للنظام الإقليمي الجديد الذي في طور التشكل، والذي لم يعد الجامعة العربية ولكن ما يمكن تسميته بـ"اتحاد الدول الفاعلة" في الإقليم، بكل من مصر وتركيا والسعودية وإيران.

إن حل الأزمة السورية يجب أن يكون من تلك الدول الأربعة التي يجب أن تتفق على آلية لحل المشكلات الإقليمية.لا سيما تلك التي لها أبعاد طائفية.فالمخطط القادم -وهو جزء من الفوضى الخلاقة-هو ضرب المنطقة بعضها ببعض لكي تبتعد النيران عن الكيان الصهيوني، الذي وصف وضعه وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بعد الربيع العربي بأنه مثل "الفيللا في غابة"، بمشكلات إستراتيجية جمة على الكيان الصهيوني تقترب من محيطها، ولكن اليوم فإن تلك "الفيللا" يبدو أنها ستصبح هي الوحيدة الآمنة في المنطقة المشتعلة إذا لم تتمتع الأطراف الإقليمية بالرشد الكافي لحل مشكلاتها البينية.


يجب استغلال الضغوط على النظام الإيراني من قبل الغرب بأن يتم استيعابه والضغط عليه من الثلاثي مصر والسعودية وتركيا من أجل تغيير سياسته الخارجية التي تهدف إلى صعوده الإقليمي على حساب الأطراف الأخرى في المنطقة، فنحن اليوم في فرصة تاريخية في ظل وجود المشكلات الاقتصادية الطاحنة التي تضرب الدولة الإيرانية وفي ظل وجود عزلة النظام الإيراني الدولية، بأن يتم استيعابه داخل منظومة رباعية تتكون من مصر وتركيا والسعودية وإيران، تهدف إلى ضبط إيقاع المشكلات الإقليمية ونزع فتيل الأزمات التي تهدد بإدخال المنطقة برمتها في أتون حرب طاحنة.

هناك مؤشرات بتصدع النظام الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية التي طالت قطاعي النفط والبنوك، فبدلاً من ترك النظام الإيراني لخيارات بديلة -قد يكون منها عقد صفقة مع الغرب- يجب على الدول الفاعلة في الإقليم أن تجبره على اتخاذ قرارات أكثر اعتدالاً ليصبح ترسًا صحيحًا في منظومة العمل الإقليمي، بالابتعاد عن الطائفية وعن حلم الإمبراطورية الفارسية ونشر التشيع في محيطه، والعمل معًا في المقابل على نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة والاعتراف بحق الدول في استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية.


إن مفتاح حل الأزمة السورية يبدأ من طهران، يجب الضغط على النظام الإيراني من أجل قبول تخليه عن دعم نظام بشار الأسد وترك الشعب السوري يقرر من يحكمه، وهذا في المقابل لن يدع طهران بلا تأثير على الداخل السوري، فالتأثير الإيراني سيستمر بوجود الطائفة العلوية الغنية والمؤثرة في البلاد، كما أنه يمكن عقد صيغة تحتفظ بعقود تسليح الدولة السورية بأنظمة السلاح الروسية وهذا يصب في مصلحة الجميع في النهاية، فلا مصلحة للدول العربية بقتل صناعة السلاح الروسية بإسقاط زبائنها في المنطقة، فمن المصلحة العليا للدول الإسلامية بقاء روسيا كمنافس للغرب في تصنيع السلاح لكيلا يحتكر الغرب هذا المجال الهام والحيوي، والذي يمكن أن يؤثر على مصير العالم كله في المستقبل، وليس فقط على شكل النظام العالمي.


يجب أن يستخدم الثلاثي مصر وتركيا والسعودية قوتهم الناعمة والصلبة من أجل الضغط على كل من إيران وروسيا من أجل القبول بالتخلي عن دعم النظام دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وترك الشعب السوري يقرر مصيره ويختار من يحكمه في انتخابات نزيهة تعقب خروج النظام بأي صورة كانت، ويجب أن يطور ذلك الثلاثي منظومة وحزمة من المقترحات السياسية والعسكرية والاقتصادية لاسيتعاب إيران وتمهد الطريق لخروج نظام بشار الأسد وترك الشعب السوري يقرر من يحكمه، وذلك بتطوير المبادرة المصرية في إطار أوسع تستخدم كلا من القوتين الناعمة والصلبة من أجل إحداث التغيير المأمول على الساحة السورية.

ما يزيد عن مائة قتيل يوميًا هو ثمن التأخر عن نصرة الشعب السوري، كل يوم يمر يعني مزيد انزلاق للمنطقة كلها في أتون فوضى والاقتراب من عتبة التفكك وتذكية أوار الصراعات الطائفية والعرقية. إن انتظارنا لليد الغربية لحسم الصراع في سوريا هو خيانة للشعب السوري النازف، فالغرب ليس من مصلحته حل الصراع السوري، لا سيما إذا جاءت إدارة جمهورية في الولايات المتحدة من المتوقع أن تكشر عن أنيابها لكل دول المنطقة.


محمد سليمان الزواوي

الخميس 25 أكتوبر 2012 م
 

المصدر: موقع مفكرة الإسلام
  • 1
  • 0
  • 1,154

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً