نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

تركيا... في عودة الحجاب دلالات

منذ 2013-02-05

 

الخبر: صادق البرلمان التركي، يوم الأربعاء، في قراءة أولى على التعديل الدستوري القاضي بإلغاء الحظر على ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات.


التعليق: تعيش تركيا أزمة سياسية هي أشبه ما تكون بأزمة هوية، فهي تتراوح بين علمانية أرسى قواعدها أتاتورك، أو عودتها إلى جذورها الإسلامية, فهي تناضل في اتجاهين، تناضل من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يضع الشروط التعجيزية أمامها مما يجعل من شبه المستحيل انضمامها إليه، وفي الوقت نفسه لا يغلق في وجهها الباب، حتى لا يتركها للطرف الآخر الذي يتنازعها وهو العودة إلى جذورها الإسلامية، خاصة وأن هذا الماضي يحمل في طياته مشاعر العزة والرقي، وتُزَكيه صحوة تدفع إلى التمسك به، ويمثل مشروع القانون الجديد حلقة من حلقات ذلك الصراع المستعر سياسيًا واجتماعيًا في تركيا.

إن تركيا تعيش لحظة حرجة في تاريخها، فرغم أن مشروع القانون الجديد ـوالذي أقره البرلمان الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية بأغلبية 403 نواب ـ لا يجيز لبس الحجاب بالكامل، بل هو مجرد غطاء للرأس، ورغم أن الحظر أو المنع رُفع عن المؤسسات التعليمية فقط دون باقي الإدارات والهيئات الحكومية، إلا أن رمزية هذا الموضوع، تحمل العديد من الدلالات:

1ـ الدلالة الأولى: هي إخفاق النخب العلمانية التركية في جعل مفهومها عن التقدم والحضارة المدنية هو الاتجاه المسيطر أو المقبول لدى غالبية الشعب التركي، كما يكشف أن أفكار مصطفى كمال أتاتورك بقيت شكلية ولم تؤثر في ذهنية المجتمع. إنها أفكار عهدت مهمة حمايتها إلى ثكنات الجيش وأجبر الناس على الاقتناع بها دون الاستناد على قوة الإقناع بل بالقوة التهديد والتخويف.

فقد أجرت صحيفة "زمان" التركية استطلاعًا للرأي في 12 محافظة تركية أظهر ذلك الاستطلاع أن نسبة 96,5 % من إجمالي من تم استطلاع آراؤهم ـعددهم 7422 شخصًاـ يؤيدون رفع الحظر المفروض على الحجاب، وأن نسبة 73,1 % من غير المحجبات يرين أن رفع الحظر هو مطلب ضروري لتحقيق المساواة في حق التعليم الجامعي، وأشارت الصحيفة إلى أن 87 % من الرجال يؤيدون رفع الحظر على الحجاب، وأن متوسط 80 % من الشعب التركي يطالبون بالسماح للمحجبات بتلقي التعليم الجامعي.

هذا يكشف أن رياح التغيير في المجتمع التركي بدأت تتحرك، وأن مركبة التغيير بدأت في المسير بعد أن ظلت واقفة منذ زمن بعيد عند المحطة الكمالية، وأن أفكار أتاتورك العلمانية لم تصبح ولن تصبح هي أفكار ومبادئ الشعب التركي.

2ـ الدلالة الثانية: أن النخب الحاكمة في تركيا آخذة في التحلل. لقد كانت قوة مصطفى كمال وشرعيته هي الانتصارات الوهمية التي حققها في حرب الاستقلال، وكانت الأفكار العلمانية الحادة هي مقابل الاستقلال، في وقت كان معظم الجوار قد خضع للاحتلال، أما النخبة الحاكمة الآن فشريعة وجودها بدأت في التراجع لعدم ارتكازها إلى مرتكزات قوية، أو أرضية شعبية تدعمها.
فها هي النخبة الحاكمة التي كانت متمثلة في الجيش، ورئاسة الدولة، والمحكمة الدستورية، ومجلس الجامعات، بدأت تضمحل وتنهار وترضخ لتيار التغيير القوي الذي يقوده الإسلاميون، فخرجت رئاسة الدولة منها بدخول عبد الله جول لقصر الرئاسة، وتوشك بقية أركان النخبة أن تسقط في يد الإسلاميين ليبقى الجيش ـالذي ليس من المنتظر القريب أن يغير وجهته ـ وحده في مقارعة رغبة الشعب والحكومة ورئاسة الدولة على معركة الهوية في تركيا.

3ـ الدلالة الثالثة: قوة واستقرار حكومة أردوغان ذات التوجه الإسلامي، فرغم أن الجيش والمؤسسات والأحزاب العلمانية غير راضية، إلا أن أرضية حزب "العدالة والتنمية" الشعبية، وارتكازه إلى قواعد شعبية، رفعت من أسهمه، بالإضافة إلى نجاحات حزب العدالة والتنمية الاقتصادية جاءت لتضيف إلى رصيده الشعبي، وتضع منتقديه في موقف الضعف، فحزب العدالة لم يسمح له بالوصول إلى السلطة إلا بعد أن جربت تركيا العديد من الأحزاب القومية والعلمانية، والتي أدت بالبلاد إلى حالة أشبه بالإفلاس وزيادة كبيرة في التضخم، فما كان أمام الجيش إلا أن يسمح بوصول الإسلاميين إلى السلطة لما عُرف عنهم من نظافة اليد والرغبة في إنجاح تجربتهم، وهذا ما حدث بالفعل، فطوال أربع سنوات ونصف السنة هي مدة دورته الأولى في الحكم، أنجز الحزب عدة إصلاحات دعمت الاقتصاد التركي، فتراجعت نسبة التضخم وانخفضت نسبة الفائدة، وزادت قيمة الليرة التركية واستقر سعر صرفها، وحذف ستة أصفار منها، كما ارتفع حجم التصدير السنوي من 36 مليار دولار إلى أكثر من 95مليار دولار.
كل ذلك عصمه من عصف الجيش التركي به، الذي تعود أن يقوم بانقلاب كلما حادت الحكومات المنتخبة عن الخط الذي رسمه لها.

4ـ الدلالة الرابعة: قدرة حزب العدالة على الوفاء بوعوده الانتخابية، ففي دورته الأولى لم يستطع أن يوفي بوعده برفع الحظر عن الحجاب، وها هو في دورته الثانية، يتقدم بمشروع القانون، مما يدل على أن الحزب يتعامل بمواقف تكتيكية لا تبعده عن الهدف، وأنه ينتظر اللحظة المناسبة لتحقيق أهدافه التي انتخب من أجلها. فهذا قائد الأركان التركي الجنرال "يشار بيوك أنيت" يشير إلى رفض الجيش عودة الحجاب الذي يرمز إلى الإسلام السياسي، إلى الجامعات، لكنه في الوقت نفسه يخشى التدخل مباشرة، خاصة وأن تدخل الجيش في العام الماضي ضد حزب "العدالة والتنمية"، ومعارضته ترشّح عبد الله جول للرئاسة، جاء بنتيجة عكسية، تمثّلت في انتصار الناخبين للحزب وزيادة تأييدهم له في الانتخابات، وهذا مما دفع الجيش إلى إعادة حساباته وتفضيل الصمت والانتظار، خصوصًا أن الانتخابات البلدية ستُجرى بعد عام تقريبًا.

5ـ الدلالة الخامسة: وصول الصراع العلماني ـ الإسلامي إلى أعلى مستوياته، فتركيا تعيش صراعًا مستمرًا بين الإسلام والعلمانية يخبو تارة ويظهر للعلن تارة أخرى، وصراع التيار الإسلامي مع التيار العلماني بنخبتيه العسكرية والمدنية ليس صراعًا عاديًا، بل صراع عنيف وقوي. واتخذ هذا الصراع أشكالاً ومستويات عدة تراوحت ما بين الجدل الفكري والنزاع السياسي وصولاً إلى القهر العسكري الذي كان يتسبب أحيانًا في إلغاء أحزاب والزج بقادتها للسجن، أو طرد الضباط من الجيش إذا ثبت أن أحدهم يواظب على الصلاة أو أن زوجته محجبة، واليوم يعود هذا الصراع بقوة في مسألة الحجاب، وهو صراع دستوري، لتكون المرة الأولى التي يعلن فيها عن تغيير مادة في الدستور، ليكون التغيير هذه المرة في صالح ممارسة الأغلبية التركية المسلمة حرية التعبير عن دينها وثقافتها.

فتحرك الصراع الإسلامي العلماني في تركيا من دائرة الفكر إلى دائرة السياسية وصولاً إلى دائرة الدستور والقوانين يأشر لقوة المد الإسلامي، واستطاعته فتح قنوات أخرى للصراع، هو قادر أن يحقق فيها نتائج تعبر عن قوته وأرضيته الحقيقية في الشارع التركي، فيتمثل في أن المعركة تؤكد بالفعل عزم العدالة والتنمية على تغيير البنية التشريعية التركية بما يعطى فرصة عمل أوسع للتيار الإسلامي وبما يزيل الغبن الذي لحق بالإسلاميين خلال السنوات الماضية التي سيطرت فيها الأحزاب والنخبة العلمانية على العملية السياسية في تركيا.
 

 

أحمد عمرو
Ahmedamr2001@hotmail.com

 

  • 11
  • 0
  • 1,949
i