نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

ما بعد الجماعات

منذ 2006-06-18

ليس هذا المقال دعوة لإلغاء الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة اليوم، ولا لتجاوزها إنكاراً لجهودها، ولكن للمحافظة على مكتسباتها والتقدم بها نحو بنية تحقق المزيد من العمل والمزيد من الأمل

د. محمد العبدة


مدخل :

ليس هذا المقال دعوة لإلغاء الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة اليوم،ولا لتجاوزها إنكاراً لجهودها، ولكن للمحافظة على مكتسباتها والتقدم بهانحو بنية تحقق المزيد من العمل والمزيد من الأمل، التقدم نحو مرحلة تستطيعهذه الجماعات أن تجترح الحلول للمشكلات القائمة، وأن تتجدد في الأهدافالمرحلية ومعرفة الواقع (1)


القضية اليوم ليست قضية جماعات، وإنماقضية أمة لم يعد لها كلمة مسموعة، وليس لها ثقل سياسي تفرضه على الآخرين،ولا نتكلم هنا عن الغايات والنوايا(ونرجو أن تكون سليمة) ولكن نتكلم عنالوسائل والمراحل والنظر إلى المستجدات والتحديات، والتجديد في الفكروالهيكلية. إن وجود تجمعات وجمعيات داخل جسم الأمة الإسلامية ليس أمراًغريباً أومستحدثاً، بل قد يكون واجباً في بعض الظروف.

 

  وذلك عندما تحدثتحوّلات كبرى وتُقام دول وتسقط أخرى. وأصل وجود مثل هذه التجمعات شيءمطلوب داخل المجتمع، قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَإِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِالْمُنْكَرِ } [آل عمران:104] وقال تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌيَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِيَعْدِلُونَ} [الأعراف:159] والتعاون علىالبر والتقوى مأمورٌ به شرعاً.

وتكون التجمعات أحياناً من الأمورالفطرية، فكما أن في الإنسان غريزة حفظ الذات، فكذلك عنده غريزة حب التجمعوحب الانتماء والشعور الجماعي في حدود الأسرة أو القبيلة أو الحزب... الخ.

 

ومن هنا جاء تأسيس الجمعيات والجماعات بعد سقوط الدولة العثمانية، وبعدتقسيم العالم العربي وفقدان المرجعية السياسية، ومحاولات التشويه والتغريبالذي تعرّض لها المسلمون عن طريق الاستشراق والتبشير والمدارس الأجنبية،فكان رد الفعل تأسيس الجماعات دفعاً لهذا البلاء النازل، وفوائد الجمعياتكثيرة جداً، خاصةً عندما يتسنى لها الثبات على مشروعها مدة طويلة ممالايفي به عمر الفرد. وقد وُجد في المجتمع الإسلامي زمن الدولة العباسيةوالدولة العثمانية تجمعات كانت تساعد المستضعفين في المدن، وكانوا يسمونفي بغداد بـ(الفتوة) وفي دمشق بـ(الأحداث)، هذا عدا عن وجود التجمعاتالمهنية؛ إذ يكون لكل مهنة رئيس يشرف على أفرادها ويفض الخصومات فيمابينهم ويعلم المنتسبين الجدد.


يقول ابن تيمية -رحمه الله- عنالتجمعات وشرعيتها (فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يُقال له: هو زعيم، فإن كانقد تكفل بخير كان محموداً على ذلك، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك، وإنكان أهل الحزب مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منغير زيادة أو نقصان فهم مؤمنون لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قدزادوا ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمّن لميدخل في حزبهم سواء كان على الحق أو الباطل فهذا من التفرق الذي ذمه اللهتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم)(2(

واقع الجماعات والاخطاء التي وقعت فيها

لاشك أن الجماعات- وخاصةً الكبرى منها المعروفة- قد أدت دوراً إيجابياً قلَّ أوكثر، وأوجدت مناخاً إسلامياً عامَّاً، وأوجدت -بفضل الله- أجيالاً منالشباب المسلم يتفهمون الإسلام، ويعملون من أجله، ويستعدون للتضحية فيسبيله، هذا مما لا خلاف فيه، وليس حديثنا اليوم عن الإيجابيات فهي معروفة.


سارت هذه الجماعات في طرق ودروبٍ طويلة وشائكة، أصابت وأخطات، ونشأت من خلالالأحداث محاولات للمعالجة ولكنها كانت جزئية ومحدودة الأثر، كان لكل جماعةمن هذه الجماعات منهجه ورؤيته للأحداث، وتظهر مدى اقترابه أو ابتعاده عنالثوابت والأصول، وكان لكل جماعة أهداف مرحلية قد تكون حققت بعضها وأخفقتفي البعض الآخر، ولكن عندما انتهت هذه الأهداف وجدت نفسها أمام جدارمسدود، ومع الزمن أُصيبت بالجمود والتكلّس والتصلّب وخاصة في الهيكليةالتي هي من معوّقات الانتقال إلى مرحلة أفضل وأقوى. لقد تغيّرت الظروف،وسقطت إمبراطوريات ودول، وجاءت ثورة المعلومات، وجاءت (العولمة) سيئةالذكر وكبرت التحديات، ولكن طرائق وأساليب الجماعات في التربية والإعدادوالنظرة إلى الحاضر والمستقبل لم تتغير كثيراً.
هناك مبررات تستدعيهذا الانتقال والتحوّل، مبررات من داخل الجماعات، هناك أخطاء وأمراض مزمنةلا فكاك منها إلا بالانتقال إلى حال أخرى، ومن هذه الأخطاء:

1- الحزبية:

إنني أعتقد أن طريقة تأسيس الجماعات والهيكلية التي بُنيت عليها (وكانت في زمنوظروف معينة)، هذه الطريقة تحمل في داخلها جراثيم الحزبية، سواء قلّت أوكثرت؛ لأن الجماعة عندما انفصلت عن جسم الأمة، ولم تحاول بعدئذٍ تجديدنفسها والارتباط بجمهور الأمة مرة ثانية، وإقامة المؤسسات الفكريةوالعلمية لاستيعاب القدرات والأذكياء، فلابد أن ينشأ مرض الحزبية، وهو مرضعضال، أضر كثيراً بالجماعات الإسلامية وفرقها وأضعفها؛ لأن الفرد عندمايكون داخل مجموعة صغيرة، ويُقال له: منهجنا هو الأصوب، فسيكون إنساناًمنغلقاً متعصباً لجماعته، لا يقبل بسهولة ما عند الآخرين.

 

  والطريقةالحزبية تكون دائماً لاهثة وراء كسب الناس، فإن لم ينصتوا إليها تقوقعتعلى نفسها واتهمت الآخرين. وفي الطريقة الحزبية يقفز أنصاف المتعلمينليبعدوا المؤسسين الأوائل، ويتظاهرون بالحماس الزائد للوصول إلى المناصب،وقد يكون خارج هذه الحلقات الضيقة من هو أكثر تقًى وعلماً، ولكن لأنه لميلتزم بالجماعة فلا يُستفاد منه، ويضغط المتعالمون الذين يظنون أنبانتسابهم إلى الجماعة وتغنيهم بشعاراتها وقراءة كتبها يرتفعون إلى درجةالفكر والمفكرين (ومن ملاحظات علوم الإدارة في الشركات التي فقدت المرونةأن الابتكارات تأتي غالباً من أشخاص لا يعملون في الشركة أو من أولئكالذين تعدّهم الشركة غير منضبطين بأنظمتها) (3)


يقول شيخ الإسلام ابنتيمية: (ليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، بغير الأسماء التيعلق الله بها ذلك، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كانكافراً وجبت معاداته من أي صنف كان، والذي يبني محبته وبغضه ومعاداتهونصرته على الانتساب لأسماء معينة أو مذهب معين أو جماعة أو حرفة فهذا منأمور الجاهلية المفرقة بين الأمة)(4)

2-   القيادة :

ربما لايشك أحد بأن هناك مشكلة في القيادة، وربما يتذكر الدعاة والقراء شعار مجلةالفتح لصاحبها محب الدين الخطيب رحمه الله (المسلمون إلى خير ولكن المشكلةفي القيادة) فما جذور هذه المشكلة التي تظهر خاصةً عندما يذهب المؤسسالأول أو عندما يغيب عالم كبير؟


إن غياب الممارسة الحقيقية للشورى،وغياب الممارسة العملية للإدارة والقيادة من قبل الصف الثاني، وعدمالتأسيس لهذا الجيل هو أحد هذه الأسباب، فالقيادة ليست موهبة فقط، بل يمكنأن تأتي بالتعليم والممارسة مع وجود العناصر الأخرى الضرورية. ومن الأسبابأن المجتمعات الإسلامية -وبسبب تخلفها الحضاري- لا تزال تحلم بالرجلالأوحد والبطل الملهم الذي تتركز كل الأمور بيده، ويُطلب منه أن يحل كلالمشاكل، فمثل هذا الشخص ـ إن وجد ـ وأرضى غرور الناس، ولكنه لا يستطيع فيالواقع أن يقوم بشيء كبير.


إن القيادة عندما تتحمل الأعباء الكثيرة،ولا يتهيأ لها العوامل المساعدة من الأفكاروالأشياء، فربما تسير مرحلةوفترة معينة يكون فيها نشاط، وفيها عمل وإنتاج، ولكنها ستتوقف بعدئذ ثمينكفئ العاملون على أنفسهم، وتتحول الاهتمامات إلى شؤون أكاديمية بحتة.


والملاحظ أنه لا يوجد في البرامج التربوية شيء من المقارنة والنقد، ولا توجد هذهالصلة العميقة بين القيادة والأجيال الجديدة، ومن المؤسف أن تجري الأمورعلى الشكل التالي:
الذي يتقرب من المسؤول أو على الأقل يسكت، فهوالمرضي عنه ويصعد إلى أعلى المسؤوليات، وأما الذي يناقش ويسأل فهو(مشاغب)غير منضبط، ولا يفهم السرية والعمل الحركي ويجب أن يُفصل!!


ومن التأملات العميقة في طبيعة الاجتماع الإنساني لمؤرخنا الكبير ابن خلدون،أن بعض الدول بعد أن يستقر بها الحال تبدأ بإبعاد من شاركوا وساهموا فيالتأسيس حتى لا يكون لهم منَّة ودالَّة على الدولة، وتأتي بأناس بعيدين لاحول لهم ولا طول، ينفذون ما تريده الدولة، وبعض الجماعات تفعل مثل هذا.


إن بعض القيادات لا يحبون الظهور العلني، ولكنهم يريدون التحكم في الدعوة منوراء ستار، فيضعون واجهة ضعيفة هي القيادة في الظاهر وأمام أعين الناس،وهكذا تفعل بعض الطغم العسكرية في البلاد المتخلفة.
وفي كثير منالأحيان كان المعيار في تفوق فلان ليكون قائداً وزعيماً (مدى الحياة) هوتفوقه في الخطابة، وعندما تكون الأمة في حالة تخلّف فإنها تسحرها الكلمةالخلابة والصوت العالي.



3 - المنهج:

لم تستطع الجماعات الإسلاميةتطوير مدرسة تربوية واعية بتحديات العصر ومشكلات الواقع، قادرة على إنزال(آيات الكتاب) على الواقع القائم، ولم تبلور مشروعاً نهضوياً متكاملاً،وما قامت به من دروس علمية وتربية خاصة لإيجاد الشباب الصالح، فهذا شيء لاينكر بل يشكر، وهو عمل جيد، ولكنه لا يكفي لمشروع كبير، وبعض الجماعاتالتزمت بالعموميات في المنهج العلمي والعقدي حرصاً على تجميع أكبر عدد منالأنصار، سواء كانت أفكارهم صحيحة أم فيها انحراف عن المنهج القويم.


وبسبب الاضطراب وعدم الوضوح في المنهج، دخل البعض في معارك سياسية قبل أوانها،وكانت نتائجها وخيمة، وكانت ردة الفعل إما الابتعاد كلياً عن الشؤونالعامة أو الدخول بفكر وعقل ذرائعي ليس له حدود ولا ضوابط. ومازال العملالإسلامي ومؤسساته يسيرون على نظرية (إذا صلح الفرد صلحت الأمة) وهي مقولةتُذكر وكأنها بديهية من البديهيات، وظاهرها صحيح ولكن فيها تبسيط لقضيةكبيرة. وكانت نتيجة هذه النظرية أن وجد عدد غير قليل من الأفراد الصالحين،ولكن ليس لديهم فقه (بناء الأمم) فالبناء المرصوص ليس حجارة، وإنما هوحجارة مصقولة مشدودة بالإسمنت والحديد، وحسب قوانين هندسية تتعلق بعمقالأساس وسمك الجدار... وهناك عوائق ومؤثرات ثقافية واجتماعية تعيق الفردإذا لم يوضع ضمن مشروع متكامل.


ومن الاضطراب في المنهج رفع الشعاراتالكبيرة التي يصعب تحقيقها في الواقع وتحول الوسائل إلى غايات، فالجماعةبنظمها ومؤسساتها هي وسيلة للعطاء، وخميرة للنهوض، ولكن هذه النظم تحوّلتإلى غاية يجب الحفاظ عليها ولو بالانغلاق عن الأمة، وعدم الاستفادة مماعند الآخرين، فكل شيء يجب أن يقبل باسم (التنظيم) والمصلحة.

 

  مع أن حفظالدين والعقيدة أهم من حفظ الجماعة وحفظ النفس والمال، والدليل قصة موسىعليه السلام حين قال لأخيه هارون: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْوَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} ولما رجع موسى عليه السلام وجدقومه يعبدون العجل، فقال مخاطباً هارون عليه السلام: {قَالَ يا هَارُونُمَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ . أَلاَّ تَتَّبِعَنِأَفَعَصَيْتَ أَمْرِي . قَالَ يابْنَ أُمِّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِيوَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيإِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه:92-94]
قال الشيخالطاهر بن عاشور: (هذا اجتهاد من هارون في سياسة الأمة؛ إذ تعارضت عندهمصلحتان: مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجماعة من الهرج، وحفظ الأنفسوالأموال فرجح الثانية، وكان اجتهاده مرجوحاً، لأن حفظ الأصل الأصيلللشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة، لأن مصلحة صلاح الاعتقاد هي أمالمصالح التي بها صلاح الاجتماع.....) (5)
ومن الاضطراب في المنهجأو النقص فيه، ما يُلاحظ من معالجة أعراض المرض وعدم معالجة جذوره، فالوعظوالإرشاد يتجه دائماً إلى مشاكل سطحية تظهر في تصرفات أفراد المجتمع، ولكنلا يُنظر إلى الأسباب العميقة التي أوصلت المجتمع إلى هذه المشاكل أوهذاالتفلت الأخلاقي.


بعض التجمعات الإسلامية الصغيرة تمثل حالة اغترابوانسحاب من الواقع ربما لأن المجتمعات الإسلامية مصابة بحالة (الشح)العلمي أو الخيري.

4- التجدد:

من أخطر الأمور التي تواجهالمجتمعات أو الجماعات أن يسيطر الجمود الذهني عليها؛ فلا تعود هذهالجماعات عندها القابلية للتجدد والتحسين، عندها تسيطر مقولات وقوالب لاتناسب الواقع، أوتسيطر عادات وتقاليد يصعب تركها. والنهوض الحضاري لا بدله من قدرة على تحقيق التوازن بين الثوابت والمتغيرات، وإلا فقدت الجماعةالمرونة والحيوية.

 

أعرف أناساً يردّدون كلام مؤسسي الدعوة أو بعض المفكرينالذين عاشوا قبل عقود من الزمن، وكأن كلامهم منزل، ويبدو من حال هذا الذييردّد كلامهم أنه لم يقرأ شيئاً جديداً منذ عشرين سنة، ولم يطلع على فكرٍأوعلم، ولم يوسّع من ثقافته أو يمارس عملية الانفصال والاتصال، الانفصالعن مفاهيم وأشكال وأطر وتنظيمات عفا عليها الزمن، واتصال بالثوابت والعلموالمستجدات وكيفية بناء الأمم. فهناك تحديات كبيرة لا ينفع معها اللجوءإلى النظم والهياكل التي لا تصلح للعمل من خلالها.

 

  وهذا لا يعني أنه لميقع تجديد أبداً، بل كانت محاولات ولكنها جزئية، ولم تستطع التجددالمتكامل، ولذلك نرى ونسمع بين كل فترةٍ وأخرى انسحاب مفكر أو مثقف منالجماعة الفلانية لأن طبيعة تكوينها ونظمها لا تساعد في ـ الغالب ـ علىاستيعاب أهل الفكر والعلم، ولا تساعد على تهيئة كل الأجواء المناسبة لأداءدورهم، وهكذا تخسر الجماعات صفوة المجتمع. ومن العجيب أن بعض هذه الجماعاتتستمر في التعيّش على سمعة هؤلاء المفكرين أو العلماء، وفي الوقت نفسهتحذر أعضاءها من أفكارهم وقراءة كتبهم!


ربما كان استمرار بعض هذهالجماعات يعود إلى أنها تسير بالدفعة الأولى، فعندما يكون المؤسس قوياًومخلصاً يعطي العمل دفعة قوية، ولكنها مع الأيام تضعف وتهرم بسبب عدمالتجدد .


إن تطلعات المسلمين وحركة التاريخ لا تنتظر أمثال هؤلاء (المحنطين) الذين يعيشون على أمجاد فتراتٍ معينة من الزمن الماضي.

5- عندما تكون النتائج ضعيفة

رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت وتُبذل خلال عقود من الزمن، فلا بد أن في الأمرشيئاً، لابد من وجود خلل ما في الوسائل أو المراحل، وأما مقولة نحن عملناوليس من الضروري أن تقع النتائج، فهذه حيلةٌ نفسية لإرضاء الذات، لأن اللهسبحانه وتعالى وعد بالنصر والتمكين للذين ينصرونه، وربما يؤجل هذا النصرلأسباب، وربما تكون هزائم وانتصارات، أما ألاّ يكون هناك انتصارات، فهذايحتاج إلى مراجعة شاملة وصريحة، للمنهج وطرق التربية، ومراجعة شاملة لصدقالنوايا وأعمال القلوب والأخلاق المطلوبة.

ماذا نريد؟!

بعد هذاالجمود أو الفتور الذي نلحظه، وشعور الجميع بأنه لا أحد يستطيع وحده أنيقوم بالمهمة الكبرى، ألا يجب أن ننتقل إلى مرحلة أقوى وأكبر؟ مرحلة تُزالفيها هذه السدود التي صُنعت، وهذه الجدران العالية التي بُنيت، ويتحولالعمل الإسلامي إلى تيار يعتمد على مؤسسات ذات خبرة فقهية وثقافية وسياسيةواقتصادية. يشارك هذا التيار في صنع الأحداث، حتى لا يُنظر إلى المسلمينعلى أنهم من المستضعفين الذين تفكر كل جهة حاقدة في تحجيمهم وضربهم.


لماذا لا يتحول العمل الإسلامي إلى تيارشعبي، الكل يحمل همّ الإسلام، حتى لاتبقى الدولة جسماً منفصلاً عن الأمة، جسماً يشعر الفرد ازاءها وكأنه ذرةرمل تطحنها آلة جبارة؟!


إن العلاقة بين الجماعة والأمة هي كالعلاقةبين الشجرة والتربة، وانقطاع الصلة بينهما سيكون من بعده اليبوسة، قلتلأحد الأخوة وكان يكلمني عن ضعف الموارد المالية عند الجماعات، قلت له: عندنا ثروة بشرية. لماذا لا نسخّرها في سبيل الأهداف السامية التي نحملها؟عندنا شباب ذكي متعلم، أينما توجهه يأت بخير.


لماذا لا ندفع هؤلاءالشباب لخوض معركة الحياة ؟ معركة الحق والباطل، ففي هذا العصر الذي تطرحفيه مسالة (العولمة)، لا بد أن تكون المبادرات كبيرة وغير مبعثرة. يقولالمفكر الجزائري مالك بن نبي: "إن رجل الشعب يمارس الأفكار بقلبه وعقلهمعاً، بينما لا يقرأ (المثقف) عندنا إلا بعقله، فرجل الشعب يتمتع بالبداهةالصادقة" (6).

 

ويلاحظ أحد المفكرين أن "الجماعات عاملت المجتمع الإسلاميعلى أنه متلقٍ للخطاب النهضوي، ولم يُعامل على أنه يمكن أن يكون فاعلاً فيالتعبئة لذلك الخطاب.."(7)

 

. ويرى الشيخ طاهر الجزائري "أنه لا بد من تثقيف(العامة)؛ لأنهم برأيه أطوع للحق من كثير من المنتفعين بالدين، خاصةً إذاتتبع المصلح الحكمة في دعوتهم وأعطاهم من العلم ما تطيقه عقولهم.


عندما يعطي تصرف الجماعة انطباعاً بأنها هي المسؤولة عن الإسلام، فهذا يجعل بقيةالمسلمين يركنون إلى شيءٍ من الراحة والكسل وعدم تحمل المسؤولية، ومنالأمور التي تساعد على تشكيل هذا التيار العريض:


1 -الاهتمام بالجمعياتوالمؤسسات المدنية بشتى أنواعها سواء أكانت خيرية أو علمية أو اجتماعية أواقتصادية، فهذه كلها قوى للوطن وللأمة ومنابع حياة لها.

 

2-  الاستفادةمن الكيان القبلي كمؤسسة اجتماعية فطرية: والإسلام كما هو معلوم، لم يحطّمالتنظيم القبلي، بل رشَّده ودمجه في نطاق الأمة، وطهّره من المفاهيمالجاهلية. (والجماعات الإسلامية لم تستفد من هذا الكيان، ربما للشعاراتالكبيرة التي رفعتها (الوحدة الإسلامية..) أو كرد فعل على الدعواتالقومية) (8)


3- جمعيات العلماء: وهم أهل العلم والخبرة الذينينظرون في مصالح المسلمين ويصدرون عن تشاور، وهم يجتهدون في النوازلالمعاصرة، حتى لا تتحول الاجتهادات الفردية إلى فوضى علمية، فالخلافات بينأولي الألباب مهما اشتدت تظل محكومة بأخلاق أهل العلم وتسامحهم بينما نجدفي العقلية الحزبية إذا ما حصل خلاف فإن الكبار يوجهون الصغار لممارسةأبشع ألوان الأذى والضرر للخصوم، مع تتبع العورات، وتفجر المؤامرات داخلالجماعة الواحدة. لا بد للمسلمين من هيئة تنظر في أمورهم، مع علمنا أنهليس أحدٌ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من يدّعي له العصمة، ولكن في عملالمؤسسة يحصل النقاش وتبادل الآراء، وفي النظام الحزبي لا أحد يناقش أفكارالزعيم.

 

  والقرآن الكريم يوجه لهذه المكانة لهؤلاء: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنكُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِوَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْيَحْذَرُونَ } [التوبة:122]. والأمة إذا فقدت قيادتها الربانية فإنهاتتعرض لشياطين الإنس ليجتالوها عن عقيدتها وهويتها، وإذا كان لا بد منتكامل بين أهل العلم وأهل الثروة، فالقيادة يجب أن تكون لأهل العلم.


4- الاهتمام بالثروة البشرية: وخاصة (أولي الألباب) والاذكياء من الشبابالذين يطورون النظريات التربوية، ويقودون المؤسسات، وهكذا كان جيلالصحابة، الذين أكرم الله بهم نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا أذكياءنابهين عقلاء، فلما جاء الاسلام كانوا كما قال تعالى: {نُّورٌ عَلَىنُورٍ }

-----------
الهوامش :

1- حدثني أحدالأخوة الثقات أن أحد شيوخ هذه الجماعات طلب من القيادة اجتماعاً لبحثمشكلة كانت قد انتهت وانتهى أصحابها، فقال له شاب : يا شيخ كأنك لم تقرأفي القرآن قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع الجن ؟
2- الرسائل والمسائل 1/161
3- بشير شكيب الجابري : القيادة والتغيير /53
4- الفتاوى، مجمل اعتقاد السلف 3/342.
5- انظر: أحمد الريسوني (نظرية التقريب والتغليب) /381.
6- في مهب المعركة /187.
7- عبد المجيد النجار: عوامل الشهود الحضاري 2/287.
8- المصدر السابق 2/287.

  • 1
  • 0
  • 8,023
i