مشكلة العقل والنقل؛ بين التراث الإسلامي والفكر الغربي

منذ 2014-01-06

يَجدُرُ بي أن أذكُر، بشيءٍ من الإيجاز، مشكلة تعارض العقل والنقل -لارتباطها الوثيق بالتكوين الفكري والثقافي لعلماء المسلمين- وهي ظهرت بشكلٍ جادّ في الفكر الإسلامي عند ترجمة الفلسفة اليونانية[1] التي كانت مبنية على ما يُسمَّى بالمنطق الصوري الذي يعطي التأمُّل العقلي المحض إمكانات أكبر بكثيرٍ مما يستحقه.


يَجدُرُ بي أن أذكُر، بشيءٍ من الإيجاز، مشكلة تعارض العقل والنقل -لارتباطها الوثيق بالتكوين الفكري والثقافي لعلماء المسلمين- وهي ظهرت بشكلٍ جادّ في الفكر الإسلامي عند ترجمة الفلسفة اليونانية[1] التي كانت مبنية على ما يُسمَّى بالمنطق الصوري الذي يعطي التأمُّل العقلي المحض إمكانات أكبر بكثيرٍ مما يستحقه.

وقد كان اليونانيون يعتقدون أن العقل وحده مصدر المعرفة اليقينية، ولا يَرَوْن حدودًا لإمكانياته، وكان من أخطائهم الكثيرة في هذا المجال استخفافهم بكل مصدر آخر للمعرفة غير العقل حتى المصدر الحِسي، والتأمُّل في الكون، والسّيْر فيه لجمع المعلومات والاستقراء العلمي. وقد تحدّث ابن الجوزي عن تلبيس إبليس على فرق الفلاسفة، ومَن تابعهم (انظر: تلبيس إبليس، ص: [39-40]. ط 1، 1421هـ/ 2001م. دار الفكر- بيروت).

ولا شك أن من أهم القضايا التي تُثار في مجال الفكر الحديث قضية العقل، ولقد كانت الدعوة إلى تحكيم العقل من الدعوات التي غذّاها الفكر الغربي الحديث، مع تجاهل الوحي وعدم الاعتراف به، وفي أحسن الأحوال محاول تطويع الوحي للعقل! وبكل أسف ظهر من المفكرين العرب كالجابري وأركون من كان همَّه هو التمركز نحو كل ما هو غربي، والاحتفاء به على حساب كل ما هو إسلامي بكلامٍ فارغ مرذول.

وباختلاط فلاسفة المسلمين بمناهج الفلسفة اليونانية؛ حصلوا على معارف بعضها صحيح، والكثير منها زائف لا قيمة له.


 

وعندما تُرجمت هذه المناهج والمعارف بَهَرَتْ كثيرًا من أبناء المسلمين الذين لم تكن لديهم الكفاية في المعرفة بالعلم المادي ولا العلم الشرعي. ومن هنا جاءت المشكلة: إذا تعارض العقل والنقل فأيهما نُقَدِّم؟!


 

ويقصدون بالعقل مناهج البحث اليونانية ومجموعة المعارف الحاصلة منها.


 

هنا؛ تفاوتت أجوبة هؤلاء الدارسين للتراث اليوناني بين مُعْجب غاية الإعجاب بهذا التراث، ومُستخفّ غاية الاستخفاف بكل شيء يخالفه أو يختلف معه، وهؤلاء هم الفلاسفة الذين بالغوا في الرُّكون إلى الفلسفة اليونانية.


 

حتى لقد جَرُؤَ بعضهم على التصريح بأن الوحي إنما هو لعامة الناس الذين تقصُر مَلَكَاتهم العقليّة عن الوصول إلى المعارف اليقينية من غير طريق الوحي، أما الفلاسفة الذين يملكون هذا الاستعداد فهم في غنىً عن هذا الوحي (انظر في هذا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي الحسن الطبري المعروف بالكيَّا قوله: "وفي القرآن حِجَاج، وإن لم يكن فيه الغلبة والفَلْج، غير أن العامي يكتفي به، كقوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} [ق من الآية:15] وليس من أنكر الحشر ينكره لأجل العِياء. وكذلك قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [النحل من الآية:62]، {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} [النجم:21]، وليس هذا يدل على نفي الولد قطعًا، فمبادئ النظر كافية لهم. فإن قيل: فإذا لم يجب هذا النظر على كافة الناس، فهل يجب على الآحاد؟ قلنا: أجل يجب في كل عصر أن يقول به آحاد الناس، وهو فرض من فروض الكفايات)، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5].

أما بعض المتكلمين فكان يرى أن الوحي مصدر للمعرفة، كما أن العقل مصدر للمعرفة، فإذا تعارضا فإنه يُقدِّم العقل باعتباره أصلاً للنقل؛ لأن الإنسان آمن بعقله أولاً، ثم تابع الوحي بعد ذلك.


 

وهؤلاء أرادوا دَفْع شبه الخصوم من اليهود والنصارى، وغيرهم بمحضِ الحجج العقلية، دون اعتبار لنصوص الوحي، زعمًا منهم أن الوحي خالٍ من ذلك، بل منهم منِ ادَّعى أن الحِجَاج التي جاء بها الوحي ضعيفة وقاصرة، وأنها قد يعتريها النقص بخلاف الحِجَاج العقليّة، فالدليل العقلي قطعي، والسمعي ظنِّي؛ لذا عند تعارضهما يجب تقديم العقلي مُطلقًا، فردوا البدعة بالبدعة، والباطل بمثله حتى أحدثوا في دين الله تعالى ما لم يكن أحد من خصومهم يتصور بلوغه (أ. عثمان علي حسن: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنَّة والجماعة، ج1. ص: [166]).


 

وعلى رأس هذه الطائفة الفخر الرازي الذي يقول: "اعلم أنّ الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة ثقيلة يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:


 

- إما أن يَصدق مقتضى العقل والنقل؛ فيلزم تصديق النقيضين وهو مُحال.


 

- وإما أن نبطلهما، فيلزم تكذيب النقيضين، وهو مُحال.


 

- وإما أن تكذب الظواهر النقلية، وتصدق الظواهر العقلية.


 

- وإما أن تصدق الظواهر النقليـّة وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل.


 

لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية: إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم ولو صار القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهمًّا، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول.


 

وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.


 

فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يُفْضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنّه باطل. ولمّا بطلت الأقسام الأربعة لم يَبْقَ إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية، إما أن يُقال: إنها غير صحيحة، أو يُقال: إنّها صحيحة، إلا أنّ المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوَّزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل. وإن لم نُجَوِّز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق" (انظر: أساس التقديس، ص: [220-221]، تحقيق د. أحمد حجازي السّقّا. ط 1406هـ / 1986م، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة).

وبكل أسف قد ظهرت مدرسة عقلية في واقعنا المعاصر تعادي من هَدْي الإسلام كل ما يُزعج الغربيين في جوانب التشريعات المتعلقة بالنواحي الحياتية، بحججٍ واهية لا تستقيم لفَهمٍ سليم، أو عقلٍ سديد!


 

وهناك طائفة من الفقهاء والعلماء رَأَتْ أنّ فلسفة اليونان وكل ما صدر عنها من اعتقـاد فلسفي أو نِتَاج علمي إنما هو زُبالة أذهان البشر، لا يستحقّ الدرس ولا العناية، وأنّه لا خير فيها على الإطلاق، ومن يَدْرسها أو يتعلمها فلا ثقة في دينه، فضلاً عن أن يعارض به وحي ربّ العالمين سبحانه وتعالى.


 

وهذه الطائفة تُمثِّل مذهب الرفض المطلق الذي يرى أن هناك تعارضًا بين الدين الإسلامي والفلسفة بصورة عامة، والفلسفة اليونانية بصورة خاصة.


 

ومن مُمَثِّلي هذا المذهب البربهاري، يقول البربهاري (أبو محمد الحسن بن علي بن خلف ت 329هـ) في شرح السنة:


 

"واعلم -رحمك الله- أنّ الدين إنما جاء من قِبَل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تتبع شيئًا بهواك، فتمرق من الدين؛ فتخرج من الإسلام..." (البربهاري: شرح السنة. ص: [66]، تحقيق: أ. خالد الردادي. ط2، 1418هـ، دار السلف – الرياض.


 

وابن الصلاح (عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الشهرزوري، ت 643هـ) يقول ابن الصلاح عن الفلسفة: "أسّ السفه والانحلال، ومادة الحَيْرة والضلال، ومثار الزَّيْغ والزندقة. ومن تفلسف عَمِيَت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحِجج الظاهرة، والبراهين الباهرة. ومن تلَبَّس بها تعليمًا وتعلُّمًا قارنه الخُذلان والحِرْمان، واستحوذ عليه الشيطان" (انظر: فتاويه: ص: [34]، ط1، 1348 هـ، القاهرة).


 

والنووي (أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف ت 676هـ) يقول النووي:


 

"ومن العلوم الخارجة عنه -أي عن العلم الشرعي- ما هو محرَّمٌ أو مكروه ومباح: فالمحرَّم كتعلم السحر فإنّه حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور -وفيه خلاف نذكره في الجنايات حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى- وكالفلسفة والشعبذة (الشعوذة) والتنجيم وعلوم الطبائعيين" (انظر: المجموع شرح المهذب للشيرازي ت 476هـ، ج1، ص: [52]، د. ت. تحقيق: الشيخ محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد – جدة).

لم تكن هذه كل الآراء في المسألة؛ فقد كانت هناك طائفة رابعة أبرز من مثَّلها وتكلَّم بلسانها وفصّل رأيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه الطائفة تُمَثِّل المذهب النقدي، وهو مذهبٌ قائم على أنه ليس هناك تعارض مُطْلق بين الفلسفة بصورةٍ عامّة واليونانية بصورةٍ خاصّة والشرع، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، ففي حالة الاختلاف يكون الرفض، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول. أي عدم رفض كل النِّتَاج اليوناني، مع عدم التقليل -في الوقت ذاته- من قيمة النصّ الشرعي.

وقد عَمَدَ ابن تيمية إلى مراجعة السؤال القديم من منظور جديد نفصله كما يلي: إذا تعارض النقل والعقل فهنالك عدة احتمالات: أن يكونا قطعيَّيْن، أو يكونا ظنِّيَّيْن، أو يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا.

في الحالة الأولى:


 

يستحيل أن يتعارض قطعي العقل مع قطعي النقل؛ لأن خالق العقل والكون هو الذي أنزل النص والوحي، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف من الآية:54]، وقال سبحانه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]، يقول ابن تيمية: "فلا نسلم إمكان التعارض حينئذٍ".


 

وهذه كانت أبرز وأخطر إضافات ابن تيمية رحمه الله إلى هذه القضية الجدلية القديمة.

أما في الحالة الثانية:


 

إذا تعارض القطعي مع الظني قُدِّم القطعي سواءً أكان عقليًّا أو نقليًّا، يقول: "فالقطعي هو المقدَّم مطلقًا، وإذا قُدِّر أنّ العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيًّا، لا لكونه عقليًّا" (انظر: درء تعارض العقل والنقل؛ ج1، ص: [86-87]).

أما عن الحالة الثالثة:


 

يُبيِّن ابن تيمية أنّ العقل والنقل إذا كانا ظنِّيين قُدِّم أكثرهما رُجْحانًا وقرائن، عقليًّا كان أو نقليًّا، فكُلّ ما ثَبَت من مسائل العقيدة في الكتاب والسنة، يصدقها العقل الكامل الصحيح الذي يُستخدم بدقةٍ وإمعانٍ؛ لأن العقل الصريح في دلالته على المراد، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت؛ لأن العقل والنقل وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ، هي الوصولُ إلى الله.


 

والوسائل التي تؤدِّي إلى غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض، يقول: "... المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأمَّلت ذلك في عامّة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شُبهات فاسدة يُعْلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع.


 

وهذا تأمَّلته في مسائل الأصول الكبار: كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك. ووجدت ما يُعْلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال: إنه يخالفه إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تَجَرّد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمُحَالات العقول بل بمُحَارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقلُ انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته" (انظر: درء تعارض العقل والنقل؛ ج1، ص: [147].


 

وقارن ذلك بقوله: "واعلم أنه ليس في العقل الصريح، ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلاً..." (انظر: مجموعة الفتاوي؛ ج5، ص: [21]).


 

هكذا بِيُسر وسُهولة حَلّ ابن تيمية رحمه الله المُعْضِلة القديمة حلًّاً يُريح القلب، ويُرْضِي العقل دون أن يُقلِّل من هَيْبَة النّص، ولا يُنْكِرُ العقل.

وأنت تلاحظ هذا الفهم بين أصحاب الحديث فهذا البخاري -إمام الصنعة الحديثية- يبدأ صحيحه بكتاب (بدء الوحي) وينهيه بكتاب (التوحيد). ولا شكّ أن هذا الترتيب لم يأتِ اعْتِباطًا وخَبْط عَشْوَاء، وإنما مُراد البخاري أنّ من أراد أن يموت على التوحيد الخالص الذي لم تَعْتوِرْه شوائب فعليه بالوحي.

أمّا بالنسبة للعقل عند الغزالي؛ فمن الخير -لمن يريد تحديد موقف هذا المفكِّر من إحدى المشكلات التي شغلت أهل النظر من المسلمين في مختلف عصورهم- أن يتخذ الحذر منهجًا في استنباط رأيه في مشكلة ما من تلك المشكلات.


 

فأحيانًا تجد الغزالي مُحقِّرًا من شأن العقل، مُفضّلاً للذوق الصوفي، وأحيانًا تراه يقسو في مهاجمته للتقليد والمقلّدين على اختلاف طوائفهم، أو يحتكم إلى العقل حتى في شدّة حماسته لأهل التصوُّف، وقد تجده مُعْرِضًا عن الذوق الصوفي والعقل معًا، ليمجّد نوعًا خاصًّا من التقليد. ولا نستطيع -ابتداءً- أن نقرِّر وجود نوع من التفاوت في تفكير الرجل، أو تِباينًا في مواقفه، لكن نعترف بالصعوبة البالغة في تتبعه في تموجات تفكيره، وفي شِعَاب نظره (د. محمود قاسم: العقل والتقليد في مذهب الغزالي، بحث ألقاه سيادته في مهرجان الغزالي بدمشق 1961م، ص: [169]).

والذين ذهبوا إلى أنه يفضل الذوق أو المشاهدة على العقل، استندوا إلى ما ورد في (المنقذ من الضلال) من أن الغزالي يميل إلى أرباب الأحوال لا إلى أصحاب الأقوال، يقول: "والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق" (انظر: ص: [106]).


 

ويقول: "وبالجملة، فمَنْ لم يُرْزق منه شيئًا بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم..." (انظر: المنقذ من الضلال، ص: [108])، لكن المتصفح لكتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) يجده يعتبر المُعْرِض عن العقل اكتفاءً بنور القرآن، كالمتعرِّض لنور الشمس مُغْمِضًا أجفانه، لا فرق بينه وبين العميان (انظر: ص: [2]).

ومن المؤكد أن الغزالي ظلّ يعرف للعقل قيمته دائمًا، رغم ما وجهه إليه من نقد في كثير من كتبه.


 

فالعقل يفضل الحسّ ما في ذلك رَيْب؛ لأنّه أفسح منه مجالاً وأوسع موضوعًا؛ فهو يدرك غيره، ويدرك نفسه، والمعقولات التي يدركها لا حصر لها؛ لذا فالعقل "أولى بأنْ يُسَمّى نورًا من العين الظاهرة لرِفْعة قدره عن النقائص... وهو أن العين لا تُبْصر نفسها، والعقل يُدْرك غيره ويُدْرك صفات نفسه... العين لا تبصر ما بَعُدَ منها، ولا ما قَرُبَ منها قُرْبًا مُفْرطًا. والعقل يستوي عنده القريب والبعيد... العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها... والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها" (انظر: مشكاة الأنوار، ص: [44-45، تحقيق: د. أبي العلا عفيفي، ط 1383هـ / 1964م. الدار القومية للطباعة والنشر– القاهرة).

وهكذا يتبين لنا أنّه يرى العقل ميزانًا للحقّ في كلّ حال، ويُقَرِّر أنّ العقل إذا أخطأ في أحكامه، فليس ذلك راجعًا إلى طبيعته، بل إلى بعض العوامل الخارجية التي تَحْجُبُ عنه نور الحقّ (نفس المصدر السابق، ص: [47]).


 

ولهذا الإدراك العقلي مراتبه، فهناك حقائق ضرورية تفرِض نفسها عليه فرضًا، كعلمنا بأن الشيء الواحد لا يكون قديمًا وحديثًا، ولا يكون موجودًا ومعدومًا في آنٍ واحدٍ، وتلك الحقائق الضرورية هي البداهات المنطقية. وهناك حقائق لا يمكن الوصول إليها إلا إذا أعمل الإنسان عقله، وقَدَحَ زِنَاد فكره، وإلا إذا نُبِّه عليها. "وإنما ينبهه كلام الحكماء، فعند إشراق نور الحكمة يصير العقل مُبصرًا بالفعل. وأعظم الحكمة كلام الله تعالى... فمثال القرآن نور الشمس، ومثال العقل نور العين" (نفس المصدر السابق؛ ص: [48-49]).

ومما يدلُّ على أن تمجيد العقل إحدى الأفكار الراسخة في مذهبه؛ أَنه يُحدّد لنا مراتب التصديق الجازم، ويجعل التصديق عن طريق البراهين المنطقية في قِمّة هذه المراتب، فالصدارة للتصديق الذي ينتهي إليه المرء عن طريق "البرهان المستقصى المستوفي شروطه، والمحرِّر أصوله ومقدِّماته درجة درجة وكلمة كلمة، حتى لا يبقي مجال احتمال... وذلك هو الغاية القصوى، وربما يتفق ذلك في كلّ عصر لواحد أو اثنين... وقد يخلو العصر عنه"، وبعد تلك المرتبة، تتدرَّج المراتب الأخرى من أدلة وهمية كلامية، وأدلة خطابية، ونقل وسماع عمن يحسن الاعتقاد فيه، وسماع مع وجود قرائن توجب التصديق عند العوام، لا عند المحققين، وأدنى هذه المراتب مرتبة من يقبل القول؛ لأنه يُناسب طبعه وهواه (انظر: مجموعة رسائل الإمام الغزالي (رسالة إلجام العوام عن علم الكلام؛ ص: [351-352]).

ولاحتفاء الغزالي بالعقل نجده يستخدم الأدلة العقلية لبيان اللوازم الفاسدة من كلام النصارى، يقول في معرض نقضه للتثليث: "وقد سلكوا في تأويل الأقانيم مسلكًا ألزمهم القول بوجود ثلاثة آلهة في الذِّهن والخارج، متباينة ذواتها وحقائقها..." (انظر: الرد الجميل؛ ص: [187]).

كما يرى أن العقل والشرع لا يتعارضان تعارضًا حقيقيًا من الناحية النظرية -لأن كليهما نور من عند الله، فلا ينقض أحدهما الآخر- أو العملية، فلم يثبت أن اصطدمت حقيقة دينية بحقيقة عقلية، بل يرى أن أحدهما يؤيد الآخر ويصدقه (د. يوسف القرضاوي: الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص: [40]، ط4، 1414هـ / 1994م، مؤسسة الرسالة – بيروت).


 

يقول: "اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأسّ، والشرع كالبناء، ولن يُغني أسّ ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أسّ. وأيضًا فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع، ولن يُغني البصر ما لم يكن شعاع... فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متحدان" (انظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس؛ ص: [46]، د. ت. مطبعة الاستقامة – القاهرة).


 

"وقد جعله د. عبد الرحمن بدوي من جملة الكتب المشكوك في صحة نسبتها للغزالي؛ ذلك أن الكلام هنا شبيه بكلام الغزالي لكن نفسه غير نفس الغزالي في كتبه، وطريقة تقسيمه وترتيبه غير طريقة الغزالي، ولم يذكره أحد في كتبه مِمَّنْ ترجموا له، كما لم يُشِر إليه في أي كتاب من كتبه، كما هو شأنه في كتبه الأخرى" (انظر: مؤلفات الغزالي؛ رقم: [76]، ص: [244]، ط2، 1977م. وكالة المطبوعات – الكويت).

بل تراه يعتبر العقل قاضيًا والشرع شاهدًا، يقول: "أما بعد، فقد تناطق قاضي العقل -وهو الحاكم الذي لا يُعزَل ولا يُبدَّل- وشاهد الشرع -وهو الشاهد المُزكّى المعدَّل- بأن الدنيا دار غرور، لا دار سرور... ومحل تجارة، لا مسكن عمارة، ومَتْجَرة بضاعتها الطاعة... والطاعة طاعتان: عمل وعلم، والعلم أنجحها وأربحها، فإنه -أيضًا- من العمل، ولكنه عمل القلب الذي هو أعزّ الأعضاء، وسَعْي العقل الذي هو أشرف الأشياء؛ لأنه مركَب الديانة، وحامل الأمانة، المعروضة على الأرض والجبال والسماء فأشفقن من حملها وأَبَيْنَ أن يحملنها غاية الإباء" (انظر: المستصفى؛ ج1، ص: [2-3]).

والظاهر من كلامه أنه قد ارتضى منهجًا يجمع بين نور الشرع ونور العقل، يقول: "وتَعَثّرَ بأذيال الضلالات مَن لم يجمع بتأليف العقل والشرع هذا الشتات، فمِثال العقل البصر السليم عن الآفات والأدواء، ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء" (انظر: الاقتصاد في الاعتقاد؛ ص: [2]).

وخلاصة القول:


 

أن السلف رضي الله تعالى عنهم من منهجهم أنهم إذا جاءوا إلى النصوص الشرعية لا يقتصرون على جزء من النص، بل يأخذون النصوص الشرعية بصورةٍ كاملة. فإذا جاءوا إلى الآيات أو الأحاديث لا يأخذون جزءًا منها ويُعرِضون عن الجزء الآخر، بل يأخذون النص كاملاً، مع محاولة إعمال العقل في فَهْم النص الشرعي. والذي نخلُص إليه العقل السلفي يجعل النص الشرعي هو المقدَّم. أما النص العقلي فهذا أمر غير مقبول إذا كان هناك تعارض وهمي، والأصل أنه لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح.

هذا ما يلاحظه أي منصف في فهم جدلية العقل والنقل، وهذا ما انتهى إليه فهمي القاصر والله المستعان.


 

هذا؛ ولابد أن أُشير إلى مشكلة العقل والنقل في الفكر الإسلامي قد غذّتها الموجات الاستشراقية التي كان هدفها الهجوم على العقل الإسلامي والعربي.


 

بل لقد حاول محمد أركون -ومَنْ سار على دَرْبِهِ- استخدام أساليب متعددة في الطعن على كتاب الله تعالى، زاعمين حمل لواء التجديد في التفسير والفَهْم لكتاب الله تعالى، من خلال مناهج جديدة -زعموا- في التفسير والتأويل لم يصل إليها أحد من قبلهم، ناقمين على مناهج المستشرقين، وفي حقيقة أمرهم لم يخرجوا عن منهج المستشرقين الطاعنين في كتاب الله تعالى قيد أُنْمُلة، وإنما يُردِدون ما سمعوه وتلقَّوه عنهم.

وقد كان من أثر شيوع الفكر العلماني -المتأثر بالاستشراق- في عالمنا الإسلامي المعاصر إنزال تراثنا الإسلامي من الريادة إلى قفص الاتهام والتشويه، بدعوى محاولة تجديد الخطاب الديني العقلي، وانتشال العقل من وهدة البعثرة، حتى أصبح البعض ينظر إلى التراث الإسلامي بخجل!

آمل أن يستفيق هؤلاء من غفوتهم؛ فالحضارة الغربية المادية تتهاوى بعدما استغنت بالعقل عن الوحي.


 

والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.


 

ـــــــــــــــــــــ


 

المراجع:


 

[1]-

("تُرجِمت كتب اليونان في عهد الخليفة العباسي المأمون عندما بنى لها دار الحكمة في بغداد، وكان لها الأثر الكبير في ظهور الكثير من القضايا الجدلية التي كانت الأمة منها في عافية من قبل، ومن ثَمّ ظهرت العديد من الطوائف والفِرق في هذه الأمة، وانشغلت الأمة بالردّ على بعضها البعض، فأهدرت الطاقات، وبددت العقول؛ مما أدّى إلى تعطيل مسيرة الأمة الحضارية، واستفادتها من مُعطيات هذا الكون. ونتج عن ذلك تخلف الأمة وانحطاطها، وسَيْرها خلف الأمم، بعد أن كانت هي صاحبة القيادة والريادة"

انظر: د. أحمد جاد: دراسات في علم الكلام، ص: [144-146]، ط 1417هـ / 1996م، دار الثقافة العربية – القاهرة. وأيضًا: سديو: تاريخ العرب العام؛ ص: [193]. ترجمة أ. عادل زعيتر، ط 1969م، مطبعة الحلبي – القاهرة).
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

ياسر منير

( باحث بالدكتوراه )"مقارنة أديان " - جامعة القاهرة

  • 17
  • 5
  • 51,671

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً