من معاني الشفقة

منذ 2014-02-13

القلوب ظُرُوف، فقلب مملوء إيمانًا، فعلامته الشَّفَقَة على جميع المسلمين، والاهتمام بما يهمُّهم، ومعاونتهم على أن يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقًا، فعلامته الحقد والغلُّ والغشُّ والحسد.

 
  • معنى الشَّفَقَة لغةً واصطلاحًا:
  1. معنى الشَّفَقَة لغةً: الشَّفَق والشَّفَقَة: رِقَّة مِنْ نُصْحٍ أو حُبٍّ، يؤدِّي إلى خوفٍ، والشَّفَقَة: الاسم من الإشْفَاق، وأَشْفَقْت عليه، فأنا مُشْفِق وشَفِيق. 
    والشَّفَق: الخوف، تقول: أنا مُشْفِق عليك، أي: خائف. وأنا مُشْفِق من هذا الأمر، أي: خائف. والشَّفَق -أيضًا- الشَّفَقَة، وهو أن يكون النَّاصح -من بلوغ نُصْحه- خائفًا على المنصُوح، تقول: أَشْفَقْت عليه أن يناله مكروه، والشَّفِيق: النَّاصح الحريص على صلاح المنصوح [1842] الصحاح للجوهري (4/1501-1502)، تهذيب اللغة للأزهري (8/261)، لسان العرب لابن منظور (10/179).


     
  2. معنى الشَّفَقَة اصطلاحًا: قال الرَّاغب: الإشْفَاق عناية مختلطة بخوف [1843] وعلل ذلك بقوله: لأنَّ المشْفِق يحبُّ المشْفَق عليه، ويخاف ما يلحقه، فإذا عُدِّي بـ(مِنْ)،   فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عُدِّي بـ(في) فمعنى العناية فيه أظهر. (مفردات القرآن) للراغب الأصفهاني (458-459).

    قال ابن القيِّم: الإشْفَاق رِقَّة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يُخاف عليه، فنسبته إلى الخوف، نسبة الرَّأفة إلى الرَّحمة، فإنَّها ألطف الرَّحمة وأرقُّها [1844] (مدارج السالكين (1/514).

    قال الجرجاني: هي صرف الهمَّة إلى إزالة المكروه عن النَّاس [1845] (التعريفات) (ص127). وقال أبو إسماعيل الهروي: الإشْفَاق: دوام الحذر، مقرونًا بالتَّرحُّم. (منازل السائرين) (ص 27).

     
  • الفرق بين الشَّفَقَة وبعض الصِّفات:
  1. قال أبو هلال: إنَّ الشَّفَقَة ضرب من الرِّقَّة وضعف القلب، ينال الإنسان، ومِنْ ثمَّ يُقال للأمِّ: أنَّها تُشْفِق على ولدها، أي: تَرِقُّ له، وليست هي من الخَشْيَة والخوف في شيء، والشَّاهد قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57]، ولو كانت الخَشْيَة هي الشَّفَقَة، لما حَسُن أن يقول ذلك، كما لا يَحْسُن أن يقول: يَخْشَون من خَشْيَة ربِّهم. ومن هذا الأصل قولهم: ثوبٌ شَفَقٌ، إذا كان رقيقًا. فقولك: أَشْفَقت من كذا، معناه: ضَعُف قلبي عن احتماله [1846] (الفروق اللغوية) (ص 300).
     
  2.  الفرق بين الشَّفَقَة والرِّقَّة: قال أبو هلال:إنَّه قد يرِقُّ الإنسان لمن لا يُشْفِق عليه، كالذي يَئِد الموْؤُدَة [1847] الموْؤُدَة: وأد ابنته يئدها وأدًا، فهي موءودة، أي دفنها في القبر وهى حية. (الصحاح) للجوهري (2/546)، فيَرِقُّ لها -لا محالة-؛ لأنَّ طبع الإنسانيَّة يوجب ذلك، ولا يُشْفِق عليها، لأنَّه لو أَشْفَق عليها ما وَأَدَها [1848] (الفروق اللغوية) (ص 300).
     
  • التَّرغيب في الشَّفَقَة من السنة النبوية:
  1. عن ابن عمر رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة» [1849] رواه البخاري   (2442) ومسلم (2580). ورواه التِّرمذي بلفظ آخر وقال في تبويبه له: ما جاء في شَفَقَة المسلم على المسلم [1850] (سنن الترمذي) (4/324).
     
  2. وعن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تَدَاعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى» [1851] رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586) واللَّفظ له. قال ابن حبان: وفيه مَثَّل النَّبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بما يجب أن يكونوا عليه من الشَّفَقَة والرَّأفة [1852] انظر (صحيح ابن حبان) (1/496).
     
  3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف والمريض، فإذا صلَّى وحْدَه، فليصل كيف شاء» [1853] رواه البخاري (703)، ومسلم (467). قال ابن عثيمين: ومن الشَّفَقَة والرَّحمة بالمؤمنين: أنَّه إذا كان الإنسان إمامًا لهم، فإنَّه لا ينبغي له أن يُطِيل عليهم في الصَّلاة.
    والمراد بالتَّخفيف: ما وافق سُنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو التَّخفيف، وليس المراد بالتَّخفيف ما وَافَق أهواء النَّاس [1854] (شرح رياض الصالحين) لابن عثيمين (2/555).

     
  4. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: لما جاء نعي جعفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم، أو أمر يشغلهم» [1855] رواه أبو داود (3132)، والترمذي (998)، وابن ماجه (1316) واللَّفظ له، وأحمد (1/205) (1751). قال   الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البغوي في شرح السنة (3/300)، وحسن إسناده ابن كثير   في إرشاد الفقيه (1/242)، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (1316).
     
  5. قال وليُّ الله الدَّهْلوي: هذا نهاية الشَّفَقَة بأهل المصيبة، وحفظهم من أن يتضوَّروا بالجوع [1856] حجة الله البالغة للدهلوي (1/487).
     
  • أقوال السَّلف والعلماء في الشَّفَقَة:
  1. عن أسلم أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه استعمل مولى له -يُدْعى هُنَيًّا- على الحِمَى [1857] الحِمَى: حميت المكان فهو محمي إذا جعلته حمى. وهذا شيء حمى: أي محظور لا يقرب، وحميته حماية إذا دفعت عنه ومنعت منه من يقربه. (النهاية في غريب الأثر لابن الأثير) (1/1055)، فقال: يا هُني، اضْمُم جناحك عن المسلمين، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّ دعوة المظلوم مستجابة [1858] رواه البخاري (3059).
    قال العيني: قوله: اضْمُم جناحك، ضَمُّ الجَناح: كناية عن الرَّحمة والشَّفَقَة، وحاصل المعنى: كُفَّ يدك عن ظلم المسلمين [1859] (عمدة القاري) للعيني (14/304).

     
  2. وعن عبد الملك بن حميد، قال: كنَّا مع عبد الملك بن صالح بدمشق، فأصاب كتابًا في ديوان دمشق: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، من عبد الله بن عبَّاس، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإنِّي أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، عصمنا الله وإيَّاك بالتَّقوى، أمَّا بعد، فإنَّك من ذوي النُّهى من قريش، وأهل الحلم والخُلُق الجميل منها، فليَصْدر رأيك بما فيه النَّظر لنفسك، والتَّقيَّة على دينك، والشَّفَقَة على الإسلام وأهله، فإنَّه خير لك، وأوفر لحظِّك في دنياك وآخرتك [1860] رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) (27/415).
     
  3. وقال الجنيد عندما سُئل عن الشَّفَقَة على الخَلْق ما هي؟: تعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحمِّلهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون [1861] رواه البيهقي في (شعب الإيمان) (6/264) (8092).
     
  4. وقال أبو الخير: القلوب ظُرُوف، فقلب مملوء إيمانًا، فعلامته الشَّفَقَة على جميع المسلمين، والاهتمام بما يهمُّهم، ومعاونتهم على أن يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقًا، فعلامته الحقد والغلُّ والغشُّ والحسد [1862] (تاريخ دمشق) لابن عساكر (66/161). وقال المناوي: الشَّفَقَة تَحَنُّن الرَّأفة، والإكباب على من يُشفِق عليه، وإنَّما يصير مُنكبًّا بشدَّة الرَّأفة، فإذا كانت الشَّفَقَة بغير مِعَةٍ -مشتقَّة من أمعاء البطن- انتشرت فأفسدت، وإذا كانت في مِعَةٍ، كانت في حصن، فلم تنتشر، ولم تَفْسَد؛ لأنَّ هنا حدًّا يحويها [1863] (فيض القدير) للمناوي (2/529).
     
المصدر: الدرر السنية
  • 5
  • 1
  • 27,961

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً