كيف نحتفل؟!

منذ 2014-05-09

إنَّ الإنسان الذي يقدمُ على الزواجِ تخلى عن هذا الإنفاقِ والبزخ المحرَّم، وأسهم في إدخالِ السرورِ والغبطة على غيرِه؛ بأن ساعدَ فتى أو فتاة من فقراءِ المسلمين، الذين يحتاجون الزواجَ لكان خيرًا له، ويكون بذلك قد ساعد في عفةِ غيرِه من المسلمين، وبهذا يكون الفرحُ والسرور في الدنيا والآخرة.

كنتُ قد أفردتُ مقالًا فيما مضى تحت عنوان: (الاعتدال في الإنفاقِ على مَراسم الزواج)، وقد رأيتُ أنه تتمة للفائدةِ أن نبينَ أبوابًا مشروعة لوجوه الإنفاقِ الشرعية، التي هي من أسبابِ الخير والبركةِ في الدنيا والآخرة، وأحبُّ أن أؤكِّدَ على أنَّ الدين الإسلامي ليس ضد الفرحِ والسرور، بشرط أن يكونَ ذلك السرورُ في الإطار الشرعي له، وبعيدًا عن المخالفاتِ المحرَّمة، وهناك من الاحتفالاتِ ما يكون مشروعًا ولكنه يحرمُ بسبب ما أُدخل عليه من المحرمات، ولكنَّنا نستطيعُ أن نفرحَ وندخل الفرحَ والسرور على غيرِنا، ونكون بذلك مأجورين، وهناك الكثير من الأبوابِ التي يمكن من خلالها أن نشرك غيرنا فيها في الفرح والسرور، والإنفاقُ في هذه الأبوابِ مشروع محمود يُثابُ فاعلُه، بل إنه يكون بذلك محبوبًا مألوفًا عند الله تعالى وعند الناسِ، وبهذا تكون الألفةُ والمحبة والمودة التي أمر بها الشَّرع، فكيف يكون ذلك؟

1. إذا كان المسلمُ يملك المالَ وقادرًا على الزواجِ ومراسمِه، وينفق هذه الأموالَ الطائلة ويأثم على هذا البزخِ والإسراف، فلماذا لا يشركُ غيرَه في الفرحِ والسرور ويؤجر على ذلك، ويكون بذلك قد أرضى الله تعالى كيف؟

لا ننكرُ أنَّ هناك الكثيرَ من شباب المسلمين وفتيات المسلمين فقراء، هؤلاء ساءت حالتُهم النفسية، والكثيرُ منهم أصابه الاضطرابُ النفسي والعصبي، والكثيرُ منهم تقدَّم به السنُّ، ولا يجدون من يقدِّمُ لهم يدَ العون -ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله - هؤلاء يحتاجون إلى العفةِ والاستقرار، ولكن لا يملكون المالَ اللازم للزواج، وربَّما يندفعُ بهم الطيش فتذل أقدامُهم ويقترفون المعصيةَ، وتنتشر الرذيلةُ في المجتمع، فلو أنَّ الإنسان الذي يقدمُ على الزواجِ تخلى عن هذا الإنفاقِ والبزخ المحرَّم، وأسهم في إدخالِ السرورِ والغبطة على غيرِه؛ بأن ساعدَ فتى أو فتاة من فقراءِ المسلمين، الذين يحتاجون الزواجَ لكان خيرًا له، ويكون بذلك قد ساعد في عفةِ غيرِه من المسلمين، وبهذا يكون الفرحُ والسرور في الدنيا والآخرة، وأمْعِنِ التفكيرَ في قدرِ هذا السرور والفرح الذي كنتَ سببًا فيه، وكذلك الأجر والثواب الكبير الذي تناله من الله.

قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور من الآية:33]، إذًا فهناك فقراء من المسلمين يحتاجون إلى من يمدُّ لهم يدَ العون حتى يعفوا أنفسَهم، فيا من تملكون المالَ، جودوا بمالِ الله على كلِّ محتاج على قدر استطاعتكم يبارك اللهُ لكم ويجازِكم بالإحسانِ إحسانًا، ولنعلمْ جميعًا أنَّ ذلك من أسبابِ القضاء على مشكلة العنوسة التي -وللأسف- ابتُلِي بها مجتمعُنا المسلم.

2. الكثير الغالب من المسلمين عندما يهبه الله تعالى مولودًا يولم؛ يصنع طعامًا، ويدعو إليه النَّاسَ مستنًّا بسنةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في العقيقةِ التي هي تعبيرٌ عن شكرِ الله تعالى على ما وهبه من الذرية، وهذا أيضًا شيء جيد يُحمد ويُثاب فاعلُه، وهنا أقولُ: لماذا لا يكون هذا التعبير على شكرِ الله تعالى بنطاقٍ أوسع، طالما أنَّ هناك قدرة على ذلك؟ كيف؟

إذا كان الله تعالى قد منَّ عليك وأعطاك الذريةَ، فهل تعلمُ أنَّ مِنَ الذريةِ مَنْ ليس له عائل؟ هل تعلم أنَّ من أطفالِ المسلمين من حُرِم معنى الأبوةِ والشعور بها وحرم حنانها؟ أيتام المسلمين، فالكثيرُ من هؤلاءِ الأطفال يذوقون مرارةَ اليُتْم، ويعانون أشدَّ المعاناة من ألمها، واشتدت عليهم الظروفُ، وربما لا يتحملون قسوةَ الزمنِ عليهم، فتدفعهم الظروفُ والمعاناة أن يشبوا في المجتمعِ فاسدين، ويحدث ما لا تُحمد عقباه، وما لهم في هذه النشأةِ من ذنبٍ إلا أنهم وُلِدوا أيتامًا، ولم يجدوا مَن يمد لهم يدَ العون، والواقعُ خير شاهدٍ على ذلك، فكم من الملاجئ وقد امتلأتْ بالأطفالِ اليتامى، الذين هم في أشدِّ الحاجةِ إلى العون والمساعدة؟

فلماذا لا نوجِّهُ احتفالاتنا تجاه هؤلاء الأطفالِ، ونشركهم فرحتَنا، ونحاول قدرَ الإمكانِ أن ندخلَ عليهم السعادة ولو بشيء يسير؟ فيا لَحظ من أسعدَ طفلاً يتيمًا، أو كان سببًا في إسعادِه! وليكن لنا إمعانٌ فيما وردَ في القرآن والسنة النبوية، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215]، وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36].

عن سهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هكذا، وأشارَ بالسبابةِ والوسطى وفرَّج بينهما» (رواه البخاري).

قال الحافظُ ابنُ حجر في شرح الحديث: "قال ابنُ بطَّال: حقٌّ على من سمع هذا الحديثَ أن يعملَ به؛ ليكون رفيقَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الجنةِ، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك"، ثم قال الحافظُ ابن حجر: "وفيه إشارةٌ إلى أنَّ بين درجةِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وكافل اليتيم قدر تفاوتِ ما بين السَّبابة والوسطى".

وقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «من ضمَّ يتيمًا بين مسلمين في طعامِه وشرابِه حتى يستغني عنه وجبتْ له الجنة» (رواه أبو يعلى، والطبراني، وأحمد).

فهل بعد هذا الأجرِ أجر؟! وهل بعد هذا الثوابِ ثواب؟! فهذا بابٌ من أبوابِ الخير، فعليك به وسابقْ إليه، فهذه دعوتي إليك أخي الكريم، إلى هذا الاحتفال العظيم المبارك.

أحمد المراغي

  • 4
  • 0
  • 1,099

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً