معيار الإيمان الصادق - وتطبيقه على الإسلام

منذ 2014-05-09

لا تستوى أنواع الإيمان.. فالإيمان الذي له قاعدة عقلية هو الإيمان الذي يمكننا الحكم في صدقه أو كذبه. أما الإيمان الآخر فلا معنى للحكم بصدقه أو كذبه وبالتالي فهو منبوذ عقلًا. والإيمان بالدين هو من أعظم القضايا العقلية ولو لم يكن لهذا الإيمان قاعدة عقلية لما كان من الجائز معرفة صدقه من كذبه. والإيمان الإسلامي هو النوع الوحيد من الإيمان الديني الذي يحظى بقاعدة عقلية يستند إليها وتستند إليه.

الإيمان

إن كثيرًا من المِلل والنِّحل تقوم على إيمان بحت بأن مجموعة من المعتقدات صحيحة وهذا لا شك أنه إيمان كامل -لا أقصد أنه بالضرورة صادق.. فهناك فرق: تنبه-. فالإيمان هو هذه الحالة التي يرى فيها المؤمن ما يؤمن به بروحه كأنما يرى بعينه شيئًا ماديًا في يقظته.

تعدُّد الإيمان على وجه الأرض

وعلى ما ذكرناه في أعلى النص من تعريف للإيمان الكامل -وليس الصحيح بالضرورة-، نجد أن هناك الكثير من العقائد المختلفة.

القاعدة الفكرية للإيمان؛ يوجد نوعان من الإيمان:

1- إيمان بحت غير قابل للتأصيل الفكري، وهو الشائع بين الناس وهو يأتي بالتوارث إلى الأبناء عن الآباء.

2- إيمان قابل للتأصيل الفكري.. عن طريق اتباع دوائر المعرفة من الداخل للخارج..

فكما أقررنا فالإيمان هو تصديق تام في النهاية.. ولكن يوجد إيمان يمكن تأصيله فكريًا عن طريق الثقة التامة بخبر (تصديق) يأتي من دائرة المعقولات وهي الدائرة التي نصل إليها بعقلنا عن طريق دائرة المحسوسات. فإذا كان المُخْبِرُ في دائرة المعقولات موثوقًا به تمامًا فخبره يُعدُ إيمانًا مؤصلًا فِكْرِيًا. ويوجد شرطٌ آخر للإيمان المؤصل فكريًا هو خلو معلوماته من التناقضات المنطقية.

معيار الإيمان الصادق

إن النوع الثاني ولا شك هو الذي يمكن الحكم عليه بأنه إيمانٌ صادق أم كاذب وذلك بمراجعة السبيل الفكري للوصل إليه، ومقارنة ما هو في دائرة المحسوسات منها بالواقع لمعرفة صدقه من كذبه. أما النوع الأول فلا سبيل إلى معرفة صدقه من كذبه لأنه خارج دائرة المحسوسات فلا يمكن مقارنته بالواقع ولا معنى لمقارنة أصوله بالواقع لأن ليس له أصول.

أمثلة: (الإيمان بالله ربًا وإلهًا، وبالدار الآخرة واقِعًا، وبالقرآن الكريم كتابًا للإسلام منزلًا)..

إن هذا الإيمان من النوع الثاني وهو الإيمان الذي يمكن تأصيله فِكريًا. إنك تستطيع اتخاذ الكون وأيضًا اتخاذ الكتاب الذي يقول أنه آخر كتب الله إلى الأرض دليلًا من دائرة المحسوسات على صحة العقيدة الإسلامية.

إن المتفحص في الكون يجد الآتي:

1- قوانين ثابتة غير عبثية مُصَمَمَة تصميمًا دقيقًا أدَّى إلى كون رائع مُحكَمٍ وهذا لا يمكن إلا بوجود خالق للكون ليس منتميًا إليه.. وضع هذه القوانين ووضع قيم ثوابتها الرياضية بحيث تنطبق تلك القوانين على خلقه ولا تنطبق عليه لأنه هو واضعها وخالقها.

2- قوانين الكون المُكتَشَفة تتحِد بعضها ببعض مع مرور الزمن في عصرنا الحديث.. حتى أنها في النهاية أوشكت على الاتحاد في قانون واحد، وذلك آية ودليل على وجود خالقٍ ومدبِّرٍ واحدٍ للكون.. لأنه لو كان هناك أكثر من إله لاختل نظام الكون لتصارعهما على حكمه ولما آلت قوانينه إلى قانون واحد أو على أقل تقدير إلى منظومة متناغمة من القوانين.

3- تضافر علمي الفلك (الانفجار العظيم وتوسع الكون) والديناميكا الحرارية (زيادة الانتروبي) على وجود بداية للكون وأنه ليس بأبدي وهذا يؤدي بنا إلى وجود عملية خلق في البداية..

وهذه العملية لا تُفَسَّر بقوانين الطبيعة حيث أن قوانين الطبيعة تؤيد الاتجاه من النظام للعشوائية (الديناميكا الحرارية) وليس العكس وتؤدي إلى توسع الكون (علم الفلك) وليس العكس.

ومما لا شك فيه أنه قد تم إطلاق عمل قوانين الطبيعة التي نعرفها عند لحظة ما في بداية الخلق حيث سارت بعد ذلك مسارها الطبيعي بنقلها الكون من النظام إلى العشوائية (زيادة الانتروبي) ومن ناحية أخرى توسع الكون (سبب ونتيجة الانفجار العظيم في الآن ذاته).

4- وجود الحياة لهي من أكبر الأدلة على وجود الخلق والخالق.. حيث أن الحياة هي ظاهرة لا يمكن تفسيرها إلا بإدخال عنصر التدخل الإلهى لحفظها من الزوال، كما أنه لا يمكن توقع سلوك الكائن الحي ولا حتى احتمالات سلوكه بقوانين الطبيعة وحدها إلا بافتراص عنصر حرية الإرادة.

5- تحريكي لـ "يديَّ" دلني على شيئين:

أ- وجود الروح لأنني أردت أن أُحرِّك يدي فانطلقت أول إشارة عصبية من المخ إلى أن وصل تأثيرها عضلات يدي.. ولكن ليس لدي تفسير للسؤال الآتي: لماذا انطلقت هذه الإشارة بالذات وليس غيرها..

والجواب هو: "لأنني أردت ذلك"، ولكن من "أنا" الذي أراد؟

لا بد أنني لا أخضع للنظام العصبي ولا أنتمى لجسمي المادي.. لا بد أنني روح يلبس جسدًا ولست جسدي.

ب- دلني أيضًا أنه ليس بإمكاني إلا إرادتي الحرة.. ولكن من أطلق لي أول إشارة عصبية؟

إنه ليس جسمي ولا روحي إن الذي أطلقها يبدو مهيمنًا على كل شيء مُسخرًا جسمي لإرادتي الحرة.. إن الأدلة تشير إلى خالق الحياة والكون..

6- وجود الروح لا يُفسِّر وجود المعلومات التي يتم عرضها على أرواحنا باستمرار، وإنما يلزم وجود من يعرض على أرواحنا تلك المعلومات التى لا نعلمها مسبقًا وليست من خيالاتنا. ووحدانية الخالق تتمثل في النسق الواحد غير المتضارب للمعلومات المعروضة.

وجود الدار الآخرة:

إن وجود الدار الآخرة لهي من المعقولا ت قبل أن تكون من المُصدقات! ذلك بأن الاعتراف بوجود الخالق الرب الإله يستدعي بداهةً نسبة كل ما هو حسن إليه ونفي كل ما هو سيئ عنه.

ومن الحسن اللازم في حق الله تعالى هو عدل الله، وحيث أنه يُوجدُ أناس يعيشون ويموتون وهم مهضومو الحقوق.. إذن لا بد من حياة أخرى بعد الموت تكون دارًا للجزاء وتحقيق العدل بحيث يقتص الله العادل من الظالم لصالح المظلوم.

إن المتفحص في القرآن الكريم يجد الآتي:

1- تناغم أسلوبه مع بعضه البعض بحيث أنه لو تم إثبات صحة بعضه لتم إثبات صحة كله.

2- التفرُّد في أسلوبه عن أسلوب البشر حتى البلغاء والمتمكنين من لغة العرب منهم.

3- احتوائه على معلومات يستحيل على كتاب تاريخي عادي تضمينها لأنها لم تظهر إلا في العصور الحديثة ومن ضمنها معلومات لا يعلمها إلا من خلق الكون نفسه. وعند مقارنة هذه المعلومات التي تنتمي إلى دائرة المحسوسات بالواقع نجدهما يتطابقان. ومن رقم (1) يتضح لنا أنه بصدق بعضه يكون كلُه صادقًا.

4- القول في سياق القرآن أنه من عند الله ولم يعارض أحدٌ هذا الادِّعاء وقال إنه من عند نفسي مع أن ذلك كان سيجلب له مجدًا أيَّما مجد.

5- عدم اختلاف المسلمين -العقلاء منهم- على صحة القرآن مع اختلافهم على أشياء أخرى كثيرة وفي هذا آيتان:

الآية الأولى: أنه لولا وجود حافظ للقرآن محايد من التحريف لما حُفظ.. وهذا الحافظ ينبغي أن يكون هو خالق الكون نفسه ومُنزِّل القرآن حتى يكون لديه القوة الكافية لحفظه مهما تآمر المُتآمرون على تحريفه.

الآية الثانية: أنه يتأكد بعدم تحريف القرآن عبر العصور كما حرَّفت الكتب السابقة أنه كتاب الرسالة الأخيرة والذي يستلزم أن منزل القرآن ذاته هو الذي حفظه لأنه لو لم يفعل لانتفت الحكمة من الخلق ولما عُرِف الحق من الباطل ولتحوَّل الإنسان إلى حيوان ليس له هدف سامي يتعلَّق به ألا وهو الدار الآخرة.

6- مما سبق، مثالًا وليس حصرًا! يتضح لنا عقليًا (انتقال إلى دائرة المعقولات) أن القرآن هو كلام الله المنزل من لدنه لهداية البشر للتواصل مع ربهم والتعامل مع كونه.

7- عدم تحريف القرآن مع تحريف ما سبقه من كتب وقع بإرادة الله وإذنه.. تُرى لماذا سمح الله تعالى بتحريف ما سبق من الكتب مع أن عدم تحريفها لا ينفي نسخ القرآن لما سبقه من كتب سماوية؟!

أرى والله أعلم أن الله تعالى سمح بذلك حتى يُسهِّل معرفة أن القرآن الكريم هو كتاب الله الخاتَم، وأنه من لدن العزيز الحكيم، لأنه إن لم تُحرَّف الكتب السابقة لكانت لمدَّعي كذب القرآن وعدم نسبته لله تعالى الفرصةُ الكبرى في أن يدَّعوا أن الأمر ليس كتاب واحد لدين واحد وأن القرآن هو كتاب الله الخاتَم.

أقول: لكانت الفرصة أكبر لديهم أن يدَّعوا أن الكتب المختلفة هي لأديانَ مختلفةً متوازية. وهذا والله لهو عين الباطل. فالعقل يحكم أن وحدة الإله تحتم وحدة الدين ولو كان هناك أكثر من دين صحيح لدل هذا على وجود أكثر من إله حقيقي وهذا ما بيَّنا بطلانه عقلًا.

الخلاصة:

أنه لا تستوى أنواع الإيمان.. فالإيمان الذي له قاعدة عقلية هو الإيمان الذي يمكننا الحكم في صدقه أو كذبه. أما الإيمان الآخر فلا معنى للحكم بصدقه أو كذبه وبالتالي فهو منبوذ عقلًا.

والإيمان بالدين هو من أعظم القضايا العقلية ولو لم يكن لهذا الإيمان قاعدة عقلية لما كان من الجائز معرفة صدقه من كذبه. والإيمان الإسلامي هو النوع الوحيد من الإيمان الديني الذي يحظى بقاعدة عقلية يستند إليها وتستند إليه.

فالحمد لله ربِّ العالمين على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

والله أعلم.

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 6
  • 0
  • 7,435

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً