بركة البكور

منذ 2014-05-24

البكور بركة وزيادة ونما لخيري الدنيا والآخرة، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يحشد همته ويقوي إرادته للمسابقة لفعل الأعمال الصالحة في كل الأوقات.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:


تتميز شخصية المسلم بأنها شخصية جامعة لكل خصال الخير، فهي مؤمنة عالمة، قوية، شجاعة، متجردة، صبورة، مجاهدة، رحيمة، حريصة على كل ما ينفعها، مستعينة بالله تعالى، غير عاجزة ولا كسولة.. وهلم جرًا..

وإنّ من محاسن هذه الشريعة المطهرة: مراعاة جانب بركة البكور في مواضع كثيرة من أحكامها:

منها: البكور في المحافظة على الجانب العبادي كالصلوات وغيرها.
ومنها: البكور في المحافظة على الجانب العلمي كطلب العلم وتحصيله وقراءة القرآن والأذكار.
ومنها: البكور في المحافظة على جانب المعاملات الأخلاقية كالبيع والشراء وغيرهما.
ومنها: التنصيص والدعاء لهذه الأمة في بكورها لنيل خيري الدنيا والآخرة.
فهذه المواطن وغيرها في الشريعة المطهرة توحي بأهمية بركة البكور لما فيه من إقامة الدين والدنيا، ولأن أعمار هذه الأمة المحمدية الإسلامية تتراوح بين الستين إلى السبعين، فحرصت الشريعة على إشغال هذا الجانب المهم في شخصية المسلم؛ ليأخذ بجانب الأهم فالمهم حسبما يوفق له من أعمال الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.


أهمية بركة البكور:
1- أنها سبب في سعادة العبد في الدنيا والآخرة..                                            
قال العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "لما سمع القوم قول الله عز وجل: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة:48]، وقوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ} [الحديد:21]، فهموا أن المراد من ذلك: أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية.. فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها، ثم جاء من بعدهم قوم فعكسوا الأمر، فصار تنافسهم في الدنيا الدنيئة وحظوظها الفانية" [1].

2- أنها سبب لاغتنام الأوقات وعدم تضييعها: قال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال الصالحة: فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» [2] .

وقال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [3].


ثانيًا: مواضع ومواطن البكور في الإسلام.. أهمها:

1- التنصيص والدعاء لهذه الأمة في بركة بكورها:
كما في حديث صخر بن وداعة الغامدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجرًا فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله [4].

 

2- المحافظة على الصلوات في جماعة: قال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238].
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» [5].

وعن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافق العشاء والفجر» [6]. 
وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ودنا من الإمام فأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير» [7].
 

3- التبكير في قراءة القرآن العظيم وحفظه: قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [من سورة الإسراء:78]. وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر:17]. قال ابن سعدي رحمه الله:  "وقرآن الفجر" أي صلاة الفجر، وسميت قرآنًا لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها، حيث شهدها الله وملائكة الليل والنهار ا. هـ [8].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمدٍ بيده لهو أشد تفلّتاً من الإبل في عقلها» [9] وأفضل مراجعة ومعاهدة للقرآن في الأوقات التي يسودها الهدوء والراحة التامة، وأجلُّ ذلك في الأسحار إلى أول النهار، وهو البكور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم..

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب الله له كأنما قرأه من الليل» [10] و [11].


4- التكبير والحرص والمواظبة على أذكار اليوم والليلة: قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: «سيروا، هذا جمدان، سبق المفرِّدون». قيل: وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» [12] و [13].

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» [14] ومما يدل على الاهتمام والحرص على المبادرة في اغتنام الأوقات في الخيرات من السنّة أيضًا جميع الأذكار والأقوال الواردة في الصباح وعند الاستيقاظ من النوم [15].


5- التبكير في تلقي العلم وتحصيله: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» [16] وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: قال يحي بن أبي كثير: "لا يُنال العلم براحة الجسد".


قال الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجـود يفقر والإقـدام قتّال


قال ابن القيم رحمه الله: "لا ينال العلم إلا بهجر اللذات، وتطليق الراحة، قال إبراهيم الحربي: أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة فاتته الراحة، فما لصاحب اللذات، وما لدرجة ورثة الأنبياء!!" [17].

قال ابن المديني رحمه الله: قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟
قال: بنفي الاعتماد (أي الاعتماد على الغير)، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب [18].

 
من خلال هذا العرض الأخير لهذا البحث يثبت لنا: أن في البكور بركة وزيادة ونما لخيري الدنيا والآخرة، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يحشد همته ويقوي إرادته للمسابقة لفعل الأعمال الصالحة في كل الأوقات، وخاصة في بداية النهار، وهو وأول الفجر لصلاتها وقراءة القرآن بعدها وقراءة الأذكار، ثم التوجه لبقية الأعمال الدنيوية والدينية النافعة له في معاشة ومعاده. ونختم هذا البحث بقول ابن القيم رحمه الله: "ونوم الصبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدًا بالبدن لإرخائه البدن، وإفساده للعضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرًا وعِيًّا وضعفًا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء، فذلك الداء العضال المولِّد لأنواع من الأدواء [19].


نسأل الله أن يوفقنا لما نقول، وأن يلهنا رشدنا إنه ولي التوفيق، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ونستغفر الله ونتوب إليه.

 

_____________________________

1- (لطائف المعارف).
2- رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.
3- رواه البخاري عن ابن عباس.
4- رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. وصححه الألباني في صحيح أبي داود [2270].
5- رواه البخاري ومسلم.
6- رواه البخاري.
7- رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، والطبراني واللفظ له، وهو حديث صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني [693].
8- في تفسيره [ص 126–127].
9- رواه البخاري ومسلم.
10-  رواه مسلم.
11- (التبيان في آداب حملة القرآن للنووي تحقيق مجدي السيد [ص 50–51]).
12- رواه مسلم.
13- انظر (صلاح الأمة في علو الهمة د/ سيد بن حسين العفاني ط: مؤسسة الرسالة.. [ج3 ص 72]).
14- رواه الإمام مالك والإمام أحمد والحاكم والطبراني، وهو صحيح. (صحيح الجامع [رقم 5644]).
15- (انظر عمل اليوم والليلة للنسائي تحقيق د/ فاروق حمادة  م/ الرسالة ص [133–135]).
16- رواه ابن ماجه والطبراني والبزار وأبو يعلى، وصححه الألباني في الجامع الصغير [3913].
17- مفتاح دار السعادة [1/142].
18- انظر (تذكرة الحفاظ [1/8]. سير أعلام النبلاء [4/300]).
19- الطب النبوي لابن القيم.. حققه شعيب وعبدالقادر الأرنؤوط [ص242]).

المصدر: موقع إمام المسجد
  • 3
  • 0
  • 17,842

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً