الكون لنا - هل نفهم التسخير حقًا!

منذ 2014-05-25

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية:12] صدق الله العظيم.

ثلاثة طبقات للتسخير:

1- تسخير الأرض وما عليها من كائنات:

إن خلق الإنسان جاء في نهاية سلسلة خلق جميع الكائنات على سطح الأرض. وعِلَّة ذلك أن الله تعالى هيأ في الأرض نظامًا متكاملًا متوازنًا يعج بالحياة بكافة أنواعها حتى تكون في استعداد تام لاستقبال الملك المُتَوج من قِبلِ الله تعالى على كوكب الأرض. وتُعد الأرض نظامًا معقدًا يكفل للإنسان أن يجد رزق الله فيها إذا استوفى شرط الحصول على الرزق وهو السعي ثم الشكر على إيجادِ ربِنا لنا نتيجةً للسعي.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية:12] صدق الله العظيم.

قال تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ} [فصلت:10] صدق الله العظيم.

وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ . وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق:7-9] صدق الله العظيم.

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار} [إبراهيم:23] صدق الله العظيم.

2- تسخير الكون جميعًا لنا:

المطلع على علم الفلك يعلم بأن التسخير يشمل كذلك دوران الأرض حول الشمس في مدار مناسب تمامًا وما يترتب عليه من إمداد الأرض بالطاقة وتنظيم الليل والنهار، وذلك بحيث أن هذا المدار لو اتسع قليلًا لتجمَّدت الأرض ومن عليها ولو انكمش قليلًا احترقت الأرض وقاطنيها. ويعلم أن دوران القمر حول الأرض له أهمية بالغة في استقرار الأرض ودرجة حرارتها حتى تكون مستعدة لاستقرار الحياة فيها. أما النجوم فلها دور عظيم في الملاحة بأنواعها على مستوى الأرض ودور أعظم في الحفاظ على استقرار الكون وموازنة التوسع المستمر بتجاذبها المتبادل بعضها لبعض..


قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:12].

أما النظرة الشاملة للتسخير في الكون أجمع فيُنبهنا لها الله تعالى إليه في القرآن الكريم.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان:28] صدق الله العظيم.

قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية:13] صدق الله العظيم.

وقد اكتشف علماء الفلك وعلماء الكونيات مثل العالِم الشهير "سير. مارتن رِيس "Sir. Martin Rees" أن كوننا يتمتع بخاصية غاية في الإدهاش وهي ما تُسمَّى بـ (الضبط الطفيف - Fine Tuning) حيث وجد رِيس أن خصائص الكون تتحدَّد بستة عوامل فيزيائية، وهذه العوامل تتخذ قيمًا معينة لا بد منها لوجود حياة في الكون فإذا حاد أي منهم عن قيمته حيودًا طفيفًا استحال إعالة الكون للشفرة الحيوية DNA وبالتالي استحالة وجود حياة.

وهذه العوامل باختصار هي:

1- Epsilon وقيمته في كوننا هي بالضبظ 0.007 وهي نسبة الهيدروجين الذي تحوَّل إلى هيليوم في الانفجار العظيم (فتق الرتق). ويا للعجب فإن هذا العامل لو قلت قيمته إلى 0.006 مثلًا لضعفت القوى النووية الضعيفة وبالتالي لم يُتح للذرات الثقيلة مثل الكربون اللازم للحياة أن تتكون ولم يُتح للنجوم أن تتكون ولصار الكون كله مليئًا بعنصر الهيدروجين فقط.

أما إذا زادت لقيمة مثل 0.008 فإن كل الهيدروجين سيتحول إلى هيليوم أثناء فتق الرتق ولما تبقى أية ذرات هيدروجين تعطي طاقة اندماجها في النجوم إلى هليوم للكون والحياة فيه.

2- N وقيمته في كوننا هي 1000000000000000000000000000000000000 (1 وعلى يمينه 36 صفرًا) وهي نسبة القوة الكهرومغناطيسية في الكون إلى القوة الجذبوية فيه، فلو كانت الجاذبية أضعف قليلًا لما تكونت النجوم ولما أدفأت ولا أنارت كوكبنا ولانحدرت درجة حرارته إلى الهاوية السحيقة بحيث الصمت المطبق فلا حياة! وإذا زادت قوة الجذب الكوني قليلًا لتكونت النجوم سريعًا واحترقت سريعًا لاندفاع كميات رهيبة من الطاقة منها وذلك لكثافتها المهولة التي تسمح بازدياد معدل احتراق وقود النجوم النووي وانتهائه سريعًا. ويترتب على ذلك احتراق أي أثر للحياة أثناء تسرُّب الطاقة من النجوم سريعًا ثم يخيم الموت الأسود البارد على الكون.

3- Omega نسبة انكماش الكون الناشئ عن الجاذبية في غياب التوسع إلى توسع الكون في غياب الانكماش الناشئ عن الجاذبية.

فلو كانت قليلة لاتسع الكون سريعًا دون كبحٍ لجماحه وخيمت الظلمة والبرودة على الكون لتتجمد أي حياة!

ولو كانت أكبر من ذلك قليلًا لانكمش الكون سريعًا وعاد إلى انهدام عظيم قبل تواجد الظروف المواتية لخلق أي حياة.

يقول مارتن ريس: "لو اختلفت Omega عن الواحد الصحيح بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم بقيمة 1 على مليون بليون -البليون = 1000000000- لما كنت تقرأ مقالتي الآن أيها القارئ العزيز!"

الأعجب من ذلك.. أننا الآن وبعد مرور 10 بليون سنة من فتق الرتق ما زالت Omega قريبة جدًا من الواحد الصحيح!

4- Lambda وهو الثابت الكونياتي Cosmological constant وهذه الكمية هي التي تعبر عن تسارع اتساع الكون والتي يجب أن تكون قيمتها في نطاق ضيق جدًا فإذا زادت قليلًا لاتسع الكون قبل أن تستقر الحياة المخلوقة على الأرض وكذلك يحدث لو قلت قليلًا فسينهدم الكون بعد قليل من فتق الرتق Big Bang وبالتالي فسيكون كونًا مبتسرًا لا حياة فيه!

5- Q وهي كمية عجيبة تعبر عن مدى عدم انتظام كثافة الطاقة الفائرة عند فتق الرتق وهي تساوي في كوننا (1\100000)، فلو كانت هذه الطاقة منتظمة ومتماثلة تمام التماثل لظلت هكذا إلى الأبد ولما تكونت النجوم ولا الكواكب ولما كان يوجد تمايز بين أبعاض الكون وبالتالى لاستحال وجود أية حياة. ولو كانت غير منتظمة أكثر مما هي عليه لعج الكون بالثقوب السوداء التي تجعل النجوم قريبة جدًا من بعضها مما لا يتيح تكون كواكب تدور حولها وبالتالي يستحيل وجود حياة.

6- D وهي عدد الأبعاد الفضائية. قد وجد العلماء استحالة وجود حياة إذا كان الكون بعدًا واحدًا لأنه حسب ميكانيكا الكم فإن الجسيمات في البُعد الواحد تمرُّ من بعضها البعض ولا يمكن أن تتماسك بحال. أما في بعدين فيستحيل وجود حياة لأنها لن تستطيع أن تتغذى، تخيلوا معي كائنًا ثنائي الأبعاد فإن قناته الهضمية من موضع الفم إلى موضع الإخراج ستقسِمه إلى جزئين وتتفكك الحياة التي تعتمِد على التغذية. أي كل أنواع الحياة المعروفة.

من ناحية أخرى فنظرًا لتعقيد مخ الحياة الذكية -الإنسان- فلا يمكن بحالٍ أن تتكون شبكة عصبية معقدة -كل خلية عصبية ترتبط بـ 10000 خلية أخرى من أخواتها في مخ الإنسان- في كون ذي بعد واحد أو بعدين اثنين.

أما لو زادت عدد الأبعاد عن 3 أبعاد فضائية فقد وجد بول ايرينفيست المعاصر لأينشتين سنة 1917م أن مدارات الكوكب والإلكترونات حول الشموس وأنوية الذرات بالترتيب لن تكون مستقرة وبالتالي يستحيل تواجد أية حياة.

ومن هذا الاستنتاج الرياضي الفريد للعالِم الملحِد! مارتن ريس {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر من الآية:31]، ساهَم من حيث لا يحتسب في إدارك المؤمنين بالله آياتِ التسخير إدراكًا أعمق، فالكون مُصمَّمٌ بدقةٍ مبهِرة بحيث يكون مُهيئًا لاستقبال حياة! وبالطبع يستحيل اتفاق 6 عوامل حقيقية بالصدفة على هذه التركيبة الفريدة من ضمن عدد لا نهائي من الاحتمالات للقيم المتبادلة للعوامل الست مع بعضها البعض (إثبات الخلق بما لا يدع مجالًا للشك).

3- المحافظة على التسخير - قيومية الله تعالى:

هل فكَّرت يومًا لماذا تصحو من النوم صباح كل يوم فتجد هناك جاذبية أرضية ولم يحدث مرة في حياتك أن انقطعت خدمة الجاذبية عن منزلك كما تنقطع خدمة الكهرباء بسبب الأعطال الفنية في شركة الكهرباء؟!

هل تفكَّرت يومًا لماذا لا يزداد ثابت الجذب العام فجأة عشرة أضعاف فتجد نفسط ملقىً على الأرض لا تستطيع حِراكًا بل تجد أن الغلاف الجوي قد انضغط جدًا حتى صار الضغط رهيبًا؟! بل وتجد القمر قد اقترب إلينا بحيث يجرُّ معه مياه البحار والمحيطات جرًّا ليُصبح المدُّ رهيبًا فتغرق المدن الساحلية. بل وتجد الأرض قد اقتربت من الشمس فازدات حرارتها فوق احتمالنا؟

قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41] صدق الله العظيم..

هذا مثال واحد لقيومية الله تعالى على تسخير الجاذبية الكونية لنستفيد منها، واترك للقارئ الكريم أن يُطلقَ عنان خياله في تدريب "ما لو؟".

الخلاصة:

1- إن الكون بعظمته مُسخَّرٌ لك أيها الإنسان. وهو ليس مُسخَّرًا لك لتستخدمه في معصية من سخَّره لك وإنما هو مُسخَّرٌ لك لتقوم بوظيفتك المحدَّدة بوضوح من قِبل ربك تعالى وهي عبادته، فإن أردت أيها الإنسان أن تستخدم نعمة الله التي لا تُحصى في معصيته، فلتعصه بدون جسدك المملوك لله المُسخَّر لك وبدون كونه المملوك له تعالى المُسخَّر لك حتى تكون قد تحليت ببعض الحياء. فمن قلة الحياء أن تُعادي ربك بفضله!

2- ألَّا تترك أيها المسلم غيرك من الكفار يستعمل تسخير الكون للإنسان في اللهو المحرَّم وفي الكفر بالله بواحًا، بل الواجب عليك أيها المسلم أن تستعمل تسخير الكون لك في عبادته لتكون قد أدَّيت وظيفتك المفروضة عليك في بحرِ حياتك في كون الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1- (القرآن الكريم).

2- (Parallel Worlds - A Journey Through Creation....-By Michio Kaku).

 

 

 
 
 
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 14
  • 2
  • 50,182

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً