أنماط - (7) نمط التعميميين

منذ 2014-06-27

مجرد أن تسمع أو تقرأ لإنسان يتكلم مهاجمًا مخالفه بصيغة الجمع قائلاً: "أنتم فعلتم وسويتم" تعلم حينئذ أنك بصدد أحد أبناء ذلك النمط -التعميميين- وأتباع ثقافة التعميم المريح ومبدأ امتداد العقوبة، ذلك المبدأ الذي حذر منه يوسف عليه السلام بكل وضوح حين عرض عليه إخوته أن يأخذ أحدهم بدلاً من أخيهم بنيامين فقال: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ}

وطبعا لا ننسى نمط السلة الواحدة من التعميميين الذين يعتمدون خطاب الجمع والتعميم، ويختارون ثقافة السلة الواحدة التي هي ثقافة مريحة بلا شك لكنها راحة الاستسهال واطمئنان التنطع والكسل، فلماذا ينفق هذا النمط شيئًا من وقته وفكره في التفصيل والإنصاف بينما هو يستطيع أن يلقي الجميع في سلة واحدة -ويخلص-.

ولئن ذكرته بأنه: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام من الآية:164]، وأن {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر من الآية:32]، وأن {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة من الآية:286]، و«إن أعظمَ الناسِ فريةً الشاعرُ يَهجو القبيلةَ بأسرِها» (صحيح الجامع:1066)، وسائر تلك الأدلة القرآنية والنبوية الناصعة التي تبرق بنور الإنصاف والعدل، فإن تذكيرك هذا سيصطدم بحواجز مصمتة وضعها على عينيه صاحب هذا النمط التعميمي المقيت، ومنتهج مبدأ السيئة تعم والعقوبة على المشاع.

ولو أتعب أولئك المستسهلون ذلك العضو الموجود بداخل جماجمهم وأمروه بالنظر والتأمل في مآل تلك الطريقة، لحقروا أنفسهم ولربما لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك على سطحية رؤيتهم وسماجة مبدأهم، ثم لا يلبث ضحكهم إلا وينقلب إلى بكاء حين يكتشفوا مدى الظلم والغبن الذي دفعهم إليه شنئان قوم، حين يتفكرون للحظات كيف أنه بمنطقهم سيحاسب كل أسمر على خطيئة من يشاركه لونه، وكيف سيعاقب كل أشقر على جريمة ارتكبها شبيهه، ولماذا لا يُلام السمين على كل ذنب اقترفه سمين مثله.. مشهد هزلي هو لكن نفس منطقه يحدث يوميًا من هؤلاء التعميميين.

مجرد أن تسمع أو تقرأ لإنسان يتكلم مهاجمًا مخالفه بصيغة الجمع قائلاً: "أنتم فعلتم وسويتم" تعلم حينئذ أنك بصدد أحد أبناء ذلك النمط وأتباع ثقافة التعميم المريح ومبدأ امتداد العقوبة، ذلك المبدأ الذي حذر منه يوسف عليه السلام بكل وضوح حين عرض عليه إخوته أن يأخذ أحدهم بدلاً من أخيهم بنيامين فقال: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} [يوسف:79].

وأيضًا قالها ذو القرنين حين استنجد به أقوام ليعاقب ظالميهم فقال: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} [الكهف:87]، فقط من ظلم..

هذا هو الأصل والقاعدة الشرعية الواضحة
حتى على مستوى الأعراف البشرية الطبيعية -باستثناء الحقب الفاشية والأمم القائمة على التطهير العرقي والإبادة الطائفية- فإن رفض ذلك المبدأ هو الأصل، بل إن هناك دولاً تعد ذلك الخطاب القائم على المشترك الظاهري أو الأيديولوجي ومآلاته نوعًا من التمييز والعنصرية، وربما تُخضع مرتكبيها لعقاب شديد يردعهم عن هذا الظلم المقزز والأحمق في الوقت نفسه..

حتى المنطق الشعبي البسيط الذي يظهر من الأمثال والحكم العامية لا يرضى بذلك، فتجد أدبيات لطيفة ترفض ثقافة التعميم مثل قولهم: "صوابعك مش زي بعضيها"، و"كل واحد متعلق من عرقوبه".

بل حتى الحشرات! «فهلا كانت نملة واحدة».
كانت تلك معتبة ربانية وجهها الله جل وعلا لأحد أحب خلقه إليه، وجهها لنبي من أنبيائه!
القصة بتمامها وتفاصيلها ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وأورد رواياتها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، وتدور أحداثها في زمان سابق لعصر رسولنا، حيث نزَل نبيٌّ منَ الأنبياءِ تحتَ شجرةٍ، فلدَغَتْه نملةٌ، فأمَر بجهازِه فأُخرِج من تحتِها، ثم أمَر بقرية النمل فأُحرِقت بالنارِ، هنا صدرت المعتبة الربانية ونزل الوحي الإلهي يلوم ذلك النبي على تلك العقوبة الشاملة، قائلاً: «أحرقت أمة من الأمم تسبح الله»، ثم ختمت المعتبة بتلك الجملة التي صدَّرت بها مقالي: «فهلا نملة واحدة»

أما كان يكفيك أن تعاقب تلك النملة التي آذتك بدلاً من أن تعمم عقوبتك على سائر جنسها؟!
هو سؤال استنكاري مختصر يبين قاعدة عظيمة كثر ذكرها في الكتاب والسنة، قاعدة تضىء بالعدل وتسمو بالإنصاف وتتألق بالحكمة المفتقدة بين كثير من الناس مع بعضهم البعض، وليس مع نملة، مجرد نملة، إنها تلك القاعدة القرآنية التي تكررت بنفس اللفظ خمس مرات في كتاب الله..

قاعدة: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر من الآية:7].
ذلكم المبدأ المنطقي البسيط الذي هو على الرغم من بساطته ووضوحه وبدهيته، صار يغيب عن أذهان أتباع هذا النمط الأحمق الجائر، ومهما تنكر آحادهم بقناع نخبوي أو تدثرت بدثار المثقفة ما داما قد انحدرا لأسلوب التعيير التعميمي ومنهج (فرش الملاءة) المعروف في بعض الأحياء الفقيرة، والتي ينتشر فيها الجهل فما هم في النهاية إلا نماذج أكثر أناقة من ذلك الصنف المشهور بالتعيير الجمعي في تلك الأحياء.

صنف يقال له: "الردّاحة".
بينما المنصفون في كل زمان ومكان لا يجرمنهم شنئان ولا يستخفنهم بهتان، ولا يعممون طغيان،
بل يفصلون ويميزون ويفرقون بل الصالح والطالح والمحسن والمسىء، ويرفعون دومًا ذلك الشعار القرآني الجليل: "ليسوا سواءً" ولو افترضنا جدلاً وقوع الخطأ من أي مخلوق غير معصوم فلتكن المحاسبة من نصيب مقترفه، ولتكن العقوبة للنملة الشاردة لا لقريتها {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 1
  • 1
  • 1,601
المقال السابق
(6) نمط المتعجل المتململ
المقال التالي
(8) نمط البصمجي

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً