المسلم في بلاد الغربة - (6) فضل الإسلام على سائر الأديان

منذ 2014-08-16

في زمن الانفتاح و(العولمة!) وتقارب الحضارات، وعصر السرعة والتكنولوجيا والتقنيات، وسرعة تناقل الآراء والأفكار والثقافات؛ ظهرت على السطح العديد من الشوائب والسلبيات بل الطامات، واضطربت العقائد والمناهج والسلوكيات، وتنكر فئام من المسلمين لدينهم، واغتروا بتمدن وحضارة الآخرين وزيفهم، وانخدعوا ببهارج شعاراتهم، والعديد من الجوانب المادية في حياتهم!!

الحمد لله الكريم المنان، ذي الطول والفضل والإحسان، أنعم علينا بالإسلام، وهدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:

في زمن الانفتاح و(العولمة!) وتقارب الحضارات، وعصر السرعة والتكنولوجيا والتقنيات، وسرعة تناقل الآراء والأفكار والثقافات؛ ظهرت على السطح العديد من الشوائب والسلبيات بل الطامات، واضطربت العقائد والمناهج والسلوكيات، وتنكر فئام من المسلمين لدينهم، واغتروا بتمدن وحضارة الآخرين وزيفهم، وانخدعوا ببهارج شعاراتهم، والعديد من الجوانب المادية في حياتهم!!

لعل الظلم والاضطهاد الذي تعرضت له، العديد من الأقليات المسلمة، في أسقاع الأرض، لاسيما في بعض الدول العربية، نتج عنه ردود أفعال ضد تلك الممارسات، وكان الضحية من تلك الردود؛ انتقاص البعض بل الطعن بدين الإسلام والمبالغة في الإطراء على الأديان الأخرى، بذرائع ومبررات ونظرات مادية محضة دون النظر للموضوع من جميع النواحي والجوانب.

نتيجة لاضطرار العديد من المسلمين، طلب اللجوء في دول الكفر والاغتراب، بعد تهجيرهم ومغادرتهم مكرهين لبلدانهم الإسلامية، أو بسبب الاضطرابات الطائفية والسياسية؛ ولما لاقوه من استقبال ورعاية إنسانية في عدة جوانب تختلف بشكل كبير عما كانوا عليه في أماكنهم السابقة، حصل خلط كبير وخبط عجيب، وصل بالبعض لتفضيل الإلحاد وبعض الأديان المحرفة على الإسلام!! بل البعض ارتد عياذًا بالله من أجل دريهمات أو سنتات أو متاع زائل ودنيا فانية!!

إن الشكر والإحسان للآخرين واجب، أيًا كانت ديانتهم، لكن لا ينبغي الخلط بين حسن التعامل الإنساني أو المادي المحض، مع القضايا العقدية والثوابت الدينية، فيبقى الإسلام الدين الحق العظيم المهيمن على سائر الأديان، ودين الله الواجب الاتباع في الأرض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف للمسلم أن يتنكر لدينه ويستنكف منه، ويثني على غيره من الأديان، أو يفضله لموقف عابر أو تصرف طيب وتعامل محمود وفي جميع الأحوال.

لذلك أحببت التذكير في هذا الجزء من تلك السلسلة، جميع المسلمين في بلاد الغربة، بعِظَم هذا الدين، وفضله على سائر الأديان، وضرورة التمسك والاعتزاز به، وعدم الاغترار بتلك الحضارات القائمة على الماديات، وتجنب التأثر بجوانب على حساب العديد من الحقائق والثوابت التي تضر بدين وعقيدة وسلوك ومنهج المسلم، مع الأخذ بنظر الاعتبار الإنصاف والعدل في التعامل مع الجميع.

يقول ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19]، إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ (تفسير ابن كثير)، فَقَدْ أَذِنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْعَدْلُ وَالتَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ (تفسير البحر المحيط).

وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وقَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: {يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} وَقَالَ السَّحَرَةُ: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} وَقَالَتْ بلقيس: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّا مَعْشَرُ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ» قَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}  {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية [11/220]).

بان الشباب فلم أحفل به بالا *** وأقبل الشيب والإسلام إقبالا

وقد أروي نديمي من مشعشعة *** وقد أقلب أوراكاً وأكفالا

فالحمد لله إذ لم يأتي أجلي *** حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

اعلم أخي المسلم: أن المقياس الشرعي أعلى وأعظم وأجلّ، من المقياس المادي وزخارف الحياة الدنيا، بكل ما فيها من متاع وهناء ورخاء، فقد فضل الله سبحانه وتعالى دين الإسلام على كل دين، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [النساء:125] ،أي: لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله (تفسير السعدي).

إن أية حضارة بغير قيم، وبغير أخلاق لا يحق لأي عاقل أن ينظر إليها بأي قدر من الإعجاب والانبهار لماذا؟ لأننا لا نفعل غير إعلاء الجانب الحيواني على حساب الجانب الإنساني الذي هو أسمى وأجل ما يستحق السعي لتحقيقه. وكل محاولة لإسقاط القيم الخلقية عن أعمال الإنسان مما تصنعه الجاهلية المعاصرة حين تقول: أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وأن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، وأن العلم لا علاقة له بالأخلاق، وأن الفن لا علاقة له بالأخلاق، وأن علاقة الجنسين لا علاقة له بالأخلاق ... كل محاوله من هذا النوع هو اتجاه غير علمي لأنه يخالف أصل الفطرة فضلاً عن آثاره المدمرة في الحياة الإنسانية (مقال بعنوان )الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية(، طارق السقا، موقع صيد الفوائد).

سبحان من فضل الإسلام في الأمم *** بالطيبات الطاهر المبعوث في الحر

محمّد خير من يمشي على قدم *** إذا عددت بيوت المجد والكرم

والله إن القلب ليحزن والعين لتدمع، لما ألمّ بحال بعض المسلمين في تلك المجتمعات، من التنقص وازدراء دين الإسلام، بل الطعن ببعض الثوابت والرموز وتسقيطهم، والعجب من أولئك الذين منعوا أبنائهم من التحدث باللغة العربية فيما بينهم أمام الأجانب، حتى لا يُعرفوا بأنهم مسلمون وبالتالي لا يزدريهم الآخرون! فلأي مستوى وصل الحال بنا من طمس الفطرة وانتكاس الدين واختلال الموازين، وربنا سبحانه يقول: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعً} [النساء:139].  

والآيات في الكتاب العزيز كثيرة الدالة على الاعتزاز بدين الإسلام، والحرص على الانتساب إليه، والتمسك والتشبث به بل الحث على ذلك، وفوز وفلاح الحريصين المواظبين القائمين عليه، يقول سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، أي لا أحد أحسن قولًا وكلامًا وطريقة من هذا الذي يدعو إلى الله ويعمل صالحًا ويفتخر بدينه الإسلام.

وقال سبحانه فيما أمر به نبيه عليه الصلاة والسلام: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، وقال سبحانه: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}[الزمر:12]، وقال عز وجل: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:35]، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَأي في الكرامة والمثوبة الحسنى، والعاقبة الحميدة. {ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي بما ينبو عنه العقل السليم، فإنهما لا يستويان في قضيته (تفسير القاسمي).

إن الله سبحانه وتعالى قد رضي لنا الإسلام دينًا، فلِم لا يرضى البعض ما رضيه الله له؟! فوالله إن هذا خلل عظيم بل طامة كبيرة، إذا وصل حال المسلم -وهو يعلم بقرارة نفسه- أنه لا يستسيغ أو لا يقبل أو لا يطيق أو لا يحبذ، هذا الدين العظيم أو يجامل ويفضل غيره عليه، لا لشيء إلا لمصالح وأهواء وعواطف لا تسمن ولا تغني من جوع، وربنا جل في علاه يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]، أي: اخترته واصطفيته لكم دينًا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرًا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها (تفسير السعدي)، وأن من فضل الإسلام أنه يحقق رضا الله عز وجل، فالله رضيه لعباده، وأي شيء أعظم من دين رضيه الله لعباده؟ (فضل الإسلام، د. ناصر العقل).

لقد نسى هؤلاء المنبهرين بحضارة الغرب أن هذه الحضارة أشبه ما تكون بسفينة ضخمة أنيقة جميلة. رتبت فيها أماكن للطعام، وأماكن للنوم، وأماكن للعب، وأماكن للتسلية. وأخذ صانعها يدعو الناس إلى ركوبها. وأخذ يشرح لهم كيف يأكلون، وكيف يشربون، وكيف يرقدون، وكيف يلعبون. حتى إذا سأله أحد الركاب: والى أين تذهب بنا هذه السفينة ؟ أجاب: لا أدري. اركبوا فقط! لا هدف، لا غاية، لا مقصد، و لا مردود حقيقي يعود على ركاب هذه السفينة في هذه الرحلة غير إرضاء الشهوات والغرائز والملذات. وكل ما بعد ذلك فهو مجهول (مقال الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية).

وقد بين عليه الصلاة والسلام فضل أمة الإسلام والمسلمين على الأمم السابقة، فقد أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: مالنا، أكثر عملاً وأقل عطاء؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء".

وقد بين عليه الصلاة والسلام في حديث آخر، أن أمة الإسلام هم الآخرون في الدنيا، والأولون يوم القيامة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا. فكان لليهود يوم السبت. وكان للنصارى يوم الأحد. فجاء الله بنا. فهدانا الله ليوم الجمعة. فجعل الجمعة والسبت والأحد. وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق».

ولمكانة الإسلام وعظيم فضله، والتي عرفها البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق، فقد بين الله سبحانه حال الكافر وكيف يود لو كان مسلمًا، عندما يُبصر ويرى رأي العين فضل هذا الدين العظيم، قال عز وجل: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر:2]، أي ولكن الكفار سيندمون يوم القيامة على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين... قال الزجاج: "الكافر كلما رأى حالًا من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلم، ودّ لو كان مسلمًا" (التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، وهبة الزحيلي).

فالعزة الحقيقية للمسلم بل للإنسان، لا تكون بأشياء نسبية مادية زائلة، مهما بلغت في الدقة والتنظيم والحسن والرونق والجمال، فالعزة بهذا الدّين الذي يكفل سعادة الدارين، والعجيب أننا جميعًا نردد ونقرأ وننادي بمقولة الفاروق عمر رضي الله عنه المشهورة، حيث خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك" فقال عمر: "أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" (السلسلة الصحيحة للألباني).

يقول عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا اتباعي» (حسنه الألباني، انظر كتاب تحريم آلات الطرب)، ويأتي البعض ممن ينتسبون للإسلام، ويفضلون بعض الأديان المحرفة؛ التي فيها الكفر والشرك والإلحاد والزندقة والانحلال، يفضلونها على دين الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان!! أو يتنكرون لشعائرهم كالصلاة والحجاب والحشمة.

فدين الإسلام دين شمولي وسطي في جميع الأمور؛ في العقيدة والعبادة والأحكام والتشريعات والمعاملات والعلاقات، فالمسلمون وسط في التوحيد بين اليهود والنصارى، وكذلك في النبوات والعبادات؛ فالنصارى يعبدونه ببدع ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، واليهود معرضون عن العبادات، وكذلك في الحلال والحرام وفي المأكل والملبس، ودين الإسلام بحمد الله واضحٌ كلَّ الوضوح، كالشمسِ في رابعةِ النهار، ليس فيه ما يستحيا من إظهاره أو يخاف، فهو دين الفطرة، والحاكم على الأديان، والمهيمن عليها، وإنما الباطل هو الذي يخشى من إظهاره (ينظر منهاج السنة لشيخ الإسلام [5/112] وما بعده).

كما امتاز هذا الدين بالظهور والاستعلاء، فهو أعظم وأجل وأعلى دين وأكثرها أهلية، ودين الإسلام دين تشريع ونظام ، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام، إلى الارتقاء وسيادة العالم (التحرير والتنوير).

فلا تعتز أيها المسلم ولا تفتخر إلا بالإسلام، فهو دين الحق والعدل والإحسان، ودين الوسطية والسماحة والرحمة والرفق، ودين الخير والخُلُق والمبادئ الحسنة، فلا حضارة ولا نسب ولا رقي ولا قوانين وضعية ولا ماديات، تنفع بلا دين الصدق والتوحيد والإخلاص، وافتخر دوما بدينك كما قال الشاعر:

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وقال الآخر:

لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه *** فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب

وقد رفع الإسلام سلمان الفارسي *** كما وضع الشرك اللعين أبا لهب

إن أية حضارة تهمل الجوانب الأخلاقية والروحية لا قيمة لكل ما تنجزه في ميزان العقلاء. فالحضارة التي تهمل الجوانب الأخلاقية والروحية إنما تحكم على نفسها بالفناء العاجل أو الآجل. واسألوا التاريخ يخبركم عن كل انهيارات الحضارات الكبرى عبر التاريخ إنما كان مرده إلى إهمال الجوانب الروحية والأخلاقية، فكان التعلق بمباهج الحياة وزخارفها هو القشة التي قسمت ظهر البعير (مقال: الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية).

اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، واصرف عنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أيمن الشعبان

داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.

  • 5
  • 0
  • 35,223
المقال السابق
(5) الفرق بين الكفر والإسلام
المقال التالي
(7) الولاء والبراء

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً