زواج على أرض الوهم

منذ 2014-08-27

ورطتي مع صنف غريب من البشر، اعتادوا التصنع والتسربل بسربال الدين، والنظر إلى حقوقهم وامتيازاتهم دون الالتفات إلى واجباتهم والتزاماتهم، صنف غريب من الناس لا تؤثر فيه الطيبة ولا تردعه العشرة بالمعروف، بل ليس عندهم أدنى رغبة في تعديل المسار وتدارك الخطأ، تتعدد فرائسهم، وتكثر مظالمهم، وينجرفون مع نزواتهم انجرافًا أعمى لا يلوي على شيء، يتقنون لغة الفضائل ويفشلون في تطبيقها في واقعهم، بارعون في التنكر، ونصب شباك السجايا لتقع الضحايا من أجل متعتهم الشخصية فقط.

كانت فتاة في ريعان الشباب، سطرت حكايتها قائلة: أحب ديني وأغار عليه كثيرًا، وأحسن الله خُلقي وخلقتي فهو أحسن الخالقين، تربيت على الخوف من الله تعالى وعدم الإساءة إلى الناس، فقد كنا نعاقب عقابًا شديدًا من والداي -جزاهما الله خير الجزاء- إن اعتدينا على أي إنسان، فتعلمنا بأن أجمل ما في الدنيا تقوى الله والحذر من الجور على حقوق الناس.. أعلم بأنه لو كان كلام بني آدم كله صدقاً وعمله كله حسناً يوشك أن يخسر عندما يعجب بنفسه، فوالله ليس عُجبا، ولكن سيتضح علة ما ذكرت في القادم من رسالتي.

أعمل في وظيفة طبية مرموقة، وتقدم لي الكثير وكان من ضمنهم زوجي -طبيب ومدير، عمره 50 سنة، خلوق متدين متزوج ولديه ثمانية أبناء- خطبني ولم أوافق في بادئ الأمر لفارق السن الكبير بيننا ولأنه متزوج، كما أخبرت والدتي عنه وأخي فلم يوافقا مطلقًا لأسباب أوجدها المجتمع وتشبع بها -علما بأن أبي في المستشفى مصاب بشلل كامل إثر حادث مروري- وأعمامي أيضًا لن يوافقوا عليه أبدًا أبدًا.

قلت لأمي ذات ليلة: إذا كان من نصيبي فسيعود مرة أخرى، وبعد ثلاثة أشهر خطبني مرة أخرى، ففكرت واستخرت واستشرت بعض الدعاة وبعض المستشارين النفسيين والاجتماعيين عبر البريد الإلكتروني، وكانت خلاصة كلامهم بالموافقة خاصة أنهم استشعروا قناعاتي بالموافقة النابعة من عدم رد الزوج الصالح، حتى ولو كان متزوجا أو فارق السن كبير.

كانت قناعاتي الشخصية أن التلاقي بين الأرواح وليس بين الأجساد، وأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولا يضر فارق العمر لأن عطاء الرجل يمتد بعكس المرأة، وهذه المسألة لا علاقة لها بالأعمار لأنها هبة من الله تبارك وتعالى، وقد تزوج نبينا صلى الله عليه وسلم عائشة وعاشت معه أجمل حياة.

ومما زاد من قناعتي به أنه رجل فيه سمات أهل الدين والصلاح -ولا أزكي على الله أحدًا- بالإضافة إلى حسن خلقه، ومقياس القبول دلنا عليه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام -الدين والخلق- فمن يرى بنور الله تعالى يؤيد قراري ويبارك لي فيه، أما من يعانون من الازدواجية الدينية فيأخذون من الدين ما يوافق هواهم ويرضي الناس عنهم -بكل تأكيد- لا شأن لي بهم.

كنت على قناعة أن الرجل الكبير يملك الخبرة في الحياة عامة والحياة الزوجية خاصة، والتي تحتاج إلى العقل الراجح والحكمة، وأنا من البنات العقلانيات جدًا، والزواج قرار مصيري، ونحن نرى الكثير من الشابات الصالحات الجميلات مطلقات ليس إلا بسبب زوج يستخدم أبغض الحلال لأتفه الأسباب؛ ليكسرها ثم يرميها ويبحث عن أخرى أو لأن لديه زوجة ثانية.

وفي حواراته معي كان يرسم لي معالم طريق حياتنا المستقبلية القائمة على العدل والحكمة: "لك منزلك ولهم منزلهم، سأساعدك على الدراسة"، وحدد إخبار أولاده وزوجته عن زواجنا بعد الزواج بأسبوع ليضعهم أمام الأمر الواقع.

بعد ذلك طلب مني أن أستقيل من وظيفتي، وأقطع علاقاتي بكل زميلات العمل، وأصر على ذلك.. ترددت لكن وافقت مؤخرًا لأنه سيوفر لي حياة كريمة، واقترح أن أتناول دواء لمنع الحمل في بداية الزواج إلى أن تستقر حياتنا فوافقت.

بعد الزواج بشهر ذهبت إلى أهلي أسبوع لظروفه ثم أرسل لي رسالة: "أخبرت زوجتي، وهي في حالة سيئة جدًا، فادعي لها بالثبات"، وبعدها بأيام قليلة أرسل رسالة أخرى: "أخشى على عقل ودين زوجتي، وأنتي صبرتي كثيرًا، أسأل الله أن يكتب لك الخيرة المباركة"!

انهرت وصدمت وذهلت وبكيت ولم أستطع النوم، فلم يتصل ولم يرسل لي أي كلمه ليعتذر مني أو ليطمئن علي! بل أرسلت له عدة رسائل فلا مجيب ثم تقابلنا، وأنا التي طلبت أن أراه وليس هو، وكانت معي والدتي لوضعي الصحي، فقلبي كان ينبض بشدة، وأشعر بألم شديد في صدري!

أتى زوجي بوجه آخر لا أعرفه، عيناه كسيرة في الأرض، وصوته منخفض، يتكلم معي وكأنه لا يعرفني، قال لي: "زوجتي تركت لي المنزل، وحالتها سيئة، بالإضافة أن لدي ثلاثة أطفال معاقين عقليًا، ولم أخبرك مسبقًا، وأمهم تتعب معهم، وأنا بصيص أملها في هذه الحياة".

لم يطلب مني الصبر أو التنازل عن بعض حقوقي، بل كان يريد الانفصال، فكان آخر الاتفاق أنه سيقول لزوجته بأنه طلقني ويبقى زواجنا بالسر! متفضلاً ومتكرمًا علي..! في تلك اللحظة لم يكن نصب عيني إلا أن أحفظ نفسي من مقالة السوء! ثم خرج وتركني أنا ووالدتي بآلامنا وأحزاننا وحرقتنا في شقة الزوجية، التي لم تكن لي سوى منفى أبكي وأشكي، وأخاف وأتألم فيها وحدي!

بعدها بأيام سألته هل فعلاً سنعيش بهذه الطريقة؟ هل سيأتي يوم وتتركني؟ قال لي: "والله لا أستطيع أن أوعدك بشيء، لكن إذا مللت أخبريني! ولو أردت مالاً تعويضًا لك أنا مستعد"! كان يتكلم معي وهو ينظر إلى نفسه في المرآة بكل بساطة وعدم مبالاة!

مرت الليالي والأيام وهو يتكرم علي بأن يبقى عندي من العصر إلى أذان العشاء، أما الأجازات الرسمية والأعياد وأجازة نهاية الأسبوع فلا حق لي فيها! تأقلمت مع الأيام، وعودت نفسي أن أطفئ غيظ قلبي بالصبر والقناعة.

عشت معه زوجة بلا مميزات ولا حقوق، وعندما أذكره بحقوقي أو أتكلم عن مستقبلنا يتغير ويتهرب كأنني لست زوجة له، عشت في دوامة كبيرة، ولم أعد أفرق بين قبوله لي أو رفضه! كل ما أدركته في هذه الدوامة أنني كنت مجرد نزوة عابرة، وفريسة سهلة، خدعها بحجة إباحة التعدد التي شرعها الإسلام، وفهمها البعض خطأ، واستغلوها أسوأ استغلال، دون أدنى اعتبار لمشاعر الإنسانة التي انخدعت بهم.

تسابقت الأيام إلى أن وصلت إلى مرحلة حرجة في التفكير وتحليل الأمور، لدرجة أنني أصبحت أفرح كثيرًا عندما يقوم بأبسط الواجبات التي يقوم بها الزوج لزوجته، وأعتبرها اهتمام وحب وبشائر تغيير للأفضل، فقد طلب مني أن أكتب له مستلزمات المنزل ليحضرها، وأحضر لي مدفأة صغيرة وساعة صغيرة، اعتذر عن هذا الجنون لكن صدقوني وصلت إلى هذه المرحلة المؤلمة!

وعدني قبل الزواج بأن يساعدني أن أكمل دراستي، وبعد الزواج طلب مني أن أبحث عن سائق بمحرم ليوصلني.

قال لي قبل الزواج: "الطيبة تأسرني جدًا لا أستطيع النوم إذا أكرمني شخص بطيبته!"، قال لي قبل الزواج: "أن الطلاق عندي كأنه مُحرم، ولا أفكر فيه أبدًا"، لكن لم أر بعد الزواج إلا عكس ذلك! الآن أشعر بأنه عدو يتربص بي لينتقم مني ويقهرني! أو كأنه يعاقبني لأنني تزوجته وصدقته ووثقت به! خاصة أن لديه حرصًا شديدًا على تناولي حبوب منع الحمل.

تلك كانت ورطتي مع صنف غريب من البشر، اعتادوا التصنع والتسربل بسربال الدين والنظر إلى حقوقهم وامتيازاتهم دون الالتفات إلى واجباتهم والتزاماتهم، صنف غريب من الناس لا تؤثر فيه الطيبة ولا تردعه العشرة بالمعروف، بل ليس عندهم أدنى رغبة في تعديل المسار وتدارك الخطأ، تتعدد فرائسهم، وتكثر مظالمهم، وينجرفون مع نزواتهم انجرافًا أعمى لا يلوي على شيء، يتقنون لغة الفضائل ويفشلون في تطبيقها في واقعهم، بارعون في التنكر، ونصب شباك السجايا لتقع الضحايا من أجل متعتهم الشخصية فقط.

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز

  • 0
  • 0
  • 10,353

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً