أولادنا وأخطاؤنا التربوية (4)

منذ 2014-09-06

إن تنظيم الوقت والتخطيط، والحرص على المتابعة والتنفيذ، إضافة إلى الشعور بالمسؤولية أمام الله أولًا، ثم أمام خلقه، والإحساس بأن القضية ليست فردية، وإنما مستقبل أمة وأجيال.

تحدثت في المقال الأول أولادنا وأخطاؤنا التربوية (1) عن التربية -ثمرة من ثمرات الثقافةـ وأوضحت أنها مهنة شاقة، وذكرت بعض الصفات التي ينبغي على المربين أن يتحلوا بها، ثم نوهت على بعض المعارف التي يجب أن يراعيها المربون في أثناء أدائهم لهذه المهنة الشريفة الصعبة، وأوضحت في المقال بعض المحددات التي لا بد لمن يمارس مهنة التربية والتعليم أن يكون لديه فكرة عنها، ثم أشرت إلى بعض الممارسات الخاطئة التي يقع بها رجال التربية والمربون وكيف يتخلصون منها.

وفي المقال الثاني (أولادنا وأخطاؤنا التربوية (2)) تم التحذير من العقاب على أتفه الأسباب، ومن الكذب، ومن مخالفة الفعل للقول، مع البعد عن القسوة، وأهمية القدوة الحسنة.

وفي الحلقة الثالثة: (أولادنا وأخطاؤنا التربوية (3)) تم التأكيد على اهتمام المربين بكافة الجوانب وليس جانب الصحة والتغذية فقط، وأيضا الاهتمام باللغة الأم قبل تدريس الابن لغة أخرى، والاهتمام بالعلوم التي ينبغي أن يدرسها الابن قبل أن يدرس العلوم التكنولوجية الحديثة.

هذا هو المقال الرابع الذي أواصل الحديث فيه عن الأخطاء التربوية التي يمارسها المربون على من تحت أيديهم موضحًا -من خلال طرح المشكلة- والأساليب الإيجابية لعلاج تلك الأخطاء؛ وكما أسلفت من قبل؛ فإن ترك المرض بلا علاج سيفاقم المشكلة ولا يحد منها؛ لذلك فالمبادرة إلى الحل ولو كان مخالفًا لأهوائنا وشهواتنا وراحتنا سيفتح أبوابًا من الفرج ولا سيما إذا صدقت النوايا، وابتغى المربون وجه الله تعالى فيما يعملون من أجله.

في دراسة أجرتها بعض الجهات المتخصصة في بريطانيا -أذاعتها قناة العربية- عنوانها: الأفلام الإلكترونية وأثرها على الدماغ أبانت الخطر الذي يتعرض له أبناؤنا حينما يدمنون على مشاهدة تلك الأفلام؛ مما يستدعي القيام بحملة توعوية يُسْتَهْدَفُ منها المربون، ومن يقومون على تربيتهم؛ لكي ينظموا مشاهدات الناشئة لتلك الألعاب، واختيار ما يناسبهم وثقافة الأمة؛ وإلا فإن الخطر قادم عليهم، سواء ما يتعلق بتأثير إشعاعات تلك الأفلام على أدمغتهم، فتؤثر على تفكيرهم والنشاط الدماغي لديهم، فينعكس ذلك سلبًا على تحصيلهم الدراسي إضافة إلى الأمراض التي تنتظرهم مستقبلًا، وبناء على هذا، فإن الأسر التي تترك الأولاد -بلا رقيب ولا نظام ولا ترشيد ولا توجيه، بل ولا انتقاء لما يعرض- جالسين أمام شاشات الحاسوب أو الرائي أو غير ذلك من الأجهزة التي كثرت أسماؤها وتنوعت معروضاتها، فإنما تسعى إلى تدمير مستقبلهم العلمي والاجتماعي والنفسي والخلقي، وهم لا يشعرون؛ فالتوسط في تناول تلك الألعاب مطلوب، والتناسب بينها وبين غيرها من متطلبات الحياة واجب بلا إفراط ولا تفريط.

إن انشغال الأبوين عن أولادهما وتركهما في أيد لا تعرف التربية، ولا يهمها كيف يُرَبَّى الأبناء؟ وعلام يربون وبم؟ و لماذا يتعلمون هذا، ويبعدون عن ذاك؟ ظهرت آثاره على طلبة المدارس الذين هم كنز المستقبل، وجوهره القادم. إن أغلب -ولا أعمم- التلاميذ يتحركون وفق ما يشاهدون، ولقد رأيت صورًا من هذا في مدارسنا ينذر بمأساة، فمثلًا تجد طالبًا في الثاني المتوسط يمشي ويقلد في مشيته من رآه في الأفلام بحركة مضحكة تحسب أنه من المجانين، أو حيوان هائج متوحش يمر بجوارك، وهو يقلد حركة رآها دون أن يشعر أن أمامه معلمًا أو زميلًا، فالمهم أن يمارس ما عاينه، واحتفظ به في خياله، غير مقدر للعواقب المترتبة على تصرفاته.  

ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلًا *** إن اليتيم هو الذي تلقى له أمًا تخلت أو أبًا مشغولًا.

من المصائب التي عمت وطمت في الأفلام الكرتونية والتي تركنا أبناءنا تربيهم صور الحيوانات العجيبة الغريبة والتي تترنح تارة، وتقفز أخرى، وتنقلب على قفاها تارة، وإلى الأعلى تارة أخرى، ومستلقية على ظهرها أو منبطحة على بطنها؛ ثم تستخدم أدوات الإجرام أو القتل في ألعاب تذكرك بالحروب، أو صراع الثيران والدببة، إلى جانب الموسيقى التي تشجع على الشيطنة والحركات الجنونية، وبالتالي فإن مخرجات هذه الألعاب مما لا يخفى على أحد.

إن علينا أن نجد البديل لكل ما أوضحت، ضمن خطة تقوم بها جهات حكومية أو أهلية، تنتج برامج هادفة مربية ذات رسالة ورؤية منبثقة من تعاليم ديننا، وحينئذ ننتظر نتائج طيبة بإذن الله.

إن ترك الأولاد للخدم والمربيات اللواتي من غير ديننا، ولا ممن يتكلم لغتنا، وله عادات وتقاليد، وأفكار وتصورات، واهتمامات وسلوكيات بعيدة عن ثقافة مجتمعاتنا قد ظهرت أمارات تدل على ظهور مشكلات سلوكية وخلقية!!، وثقافية وعلمية على تصرفات أبنائنا وطبائعهم وأمزجتهم هي من تأثيرات الخدم والحشم؛ فلذلك -لمن احتاج إلى هؤلاء- ينبغي أن يقلص دورهم في البيت، مقتصرًا على بعض الأعمال التي لا علاقة لها بالتربية، وإنما علاقتها في الخدمة المنزلية.
 


أخيرًا: أود أن أشير إلى إرهاق الطلاب بالواجبات المدرسية والتي تجعل من البيت مدرسة ثانية، بدلًا من أن يكون المنزل فترة راحة ذهنية من عنائها، وخاصة في الصفوف المبكرة من المرحلة الابتدائية، فالطالب الصغير لا ينبغي أن يرهق، وإنما يقدم له العلم على شكل وجبات متناسبة متنوعة ذات أحجام متواضعة؛ ولكنها دسمة بقدر لا تهمل ولا تثقل. ولقد توصلت بعض البلاد المتقدمة -في السويد وغيرها-  في العلم ووسائله وطرقه ونشاطاته كما ذكر باحث في وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي توصلت إلى أسلوب في التعليم لا يحمل الطالب أي واجب منزلي، وإنما يطولون الدوام اليومي، بحيث يقوم الطلبة بحل واجباتهم في المدرسة بالتعاون مع معلميهم؛ ويبقى المنزل للراحة، والاستجمام، وبعضهم يحبذ أن يكلف التلميذ بواجبات خفيفة جدًا حتى لا ينقطع الطفل عما درسه مدة طويلة.

وهكذا فإن مجتمعاتنا ملأى بالمشكلات التربوية ومقصرة في البحث عن معالجتها؛ والذي يتحمل المسؤولية كل فرد عليه واجبات وله حقوق؛ فلا يجوز الهروب من الوقع المؤلم بدعوى عدم جدوى الإصلاح، أو الوقت لا يسمح، أو التكاليف كثيرة تغطي الزمن المتاح.

إن تنظيم الوقت والتخطيط، والحرص على المتابعة والتنفيذ، إضافة إلى الشعور بالمسؤولية أمام الله أولًا، ثم أمام خلقه، والإحساس بأن القضية ليست فردية، وإنما مستقبل أمة وأجيال محتسبين جهدنا من خالقنا سبحانه من عوامل النجاح في حياتنا.

والحمد لله رب العالمين.


مالك فيصل الدندشي
07 ذو القعدة 1435 هـ

المصدر: موقع لها أونلاين
  • 8
  • 1
  • 9,485

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً