زاد المعاد - أزواج النبي (2) وسراريه

منذ 2014-09-11

قال ابن القيم رحمه الله:

ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة وهي ابنة عمته أميمة، وفيها نزل قوله تعالى: {فَلَمّا قَضَىَ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوّجْنَاكَهَا} [الأحزاب:37] وبذلك كانت تفتخِر على نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقول: "زوجكُنَّ أهاليكُن، وزوجني الله مِن فوق سبع سماوات". ومن خواصها أن الله سبحانه وتعالى كان هو وليَّها الذي زوجها لرسوله مِن فوق سماواته، وتوفيت في أول خلافة عمر بن الخطاب، وكانت أولاً عند زيد بن حارثة، وكان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبنَّاه، فلما طلقها زيد، زوَّجه الله تعالى إيَاها لتتأسَّى به أُمَّته في نكاح أزواج من تبنَّوْه.

وتزوج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُويْريَة بنت الحارث بن أبي ضرار المُصْطَلِقِيَّةَ، وكانت من سبايا بني المُصْطَلِقِ، فجاءته تستعينُ به على كِتابتها، فأدى عنها كتابتَها وتزوجها.

ثم تزوج أمَّ حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند، تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هناك، وماتت في أيام أخيها معاوية. هذا هو المعروف المتواتر عند أهل السِّير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكّة، ولحفصة بالمدينة، ولصفية بعد خيبر.

وأمّا حديث عكرمة بن عمّار، عن أبي زُميل، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَسْأَلُكَ ثَلاَثَاً، فَأعْطَاهُ إيَّاهُنْ، مِنْهَا: وَعِنْدِي أَجْمَلُ العَرَبِ أُمُّ حَبِيبَةَ أُزَوِّجكَ إِيَّاهَا". فهذا الحديث غلط لا خفاء به، قال أبو محمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك، كَذَبَهُ عكرمة بن عمار، وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: هو وهم من بعض الرواة، لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إيَاها، وأصدقها عنه صداقًا، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهُدنة فدخل عليها، فثنت فِراش رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لا يجلسَ عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان. وأيضاً ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. ولا يعرف أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَ أبا سفيان البتة.

وقد أكثر النَّاسُ الكلام في هذا الحديث، وتعددت طرقهم في وجهه، فمنهم من قال: الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يُرد هذا بنقل المؤرِّخين، وهذه الطريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسّيرة وتواريخ ما قد كان. وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد له العقد تطييبًا لقلبه، فإنه كان قد تزوجها بغير اختياره، وهذا باطل، لا يُظن بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء. وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري: يحتمِل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بالحبشة، فلما ورد على هؤلاء ما لا حِيلة لهم في دفعه مِن سؤاله أن يؤمره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتباً، قالوا: لعلّ هاتين المسألتين وقعتا منه بعد الفتح، فجمع الراوي ذلك كله في حديث واحد، والتعسُّفُ والتكلف الشديد الذي في هذا الكلام يُغني عن رده.

وقالت طائفة: للحديث محمل آخر صحيح، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتَك الآن، فإني قبل لم أكن راضيًا، والآن فإني قد رضيت، فأسألك أن تكون زوجتَك، وهذا وأمثاله لو لم يكن قد سُوِّدَتْ به الأوراق، وصنفت فيه الكُتب، وحمله الناس، لكان الأولى بنا الرغبةَ عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من رُبْدِ الصدور لا من زُبْدها. وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلق نساءه لما آلى منهن، أقبل إلى المدينة، وقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال، ظناً منه أنه قد طلقها فيمن طلق، وهذا من جنس ما قبله.

وقالت طائفة: بل الحديث صحيح، ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة، وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة، ولا يبعد خفاء التحريم للجمع عليه، فقد خفي ذلك على ابنته، وهي أفقه منه وأعلم حين قالت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: «أفعل ماذا؟» قالت: تَنكِحُها. قال: «أو تحبين ذلك؟» قالت: لست لك بمُخْلِيةٍ، وأَحَبُ مَنْ شَرِكَني في الخير أُختي، قال: «فإنَّها لاَ تَحِلُّ لي». فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة. وقيل: بل كانت كنيتها أيضًا أم حبيبة، وهذا الجواب حسن لولا قوله في الحديث: فأعطاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما سأل، فيقال حينئذٍ: هذه اللفظة وهم من الراوي، فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل، أو أطلقها اتكالاً على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه ممّا سأل، والله أعلم.

وتزوج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفيَّة بنتَ حُيي بن أَخْطَبَ سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي، وكانت مِنْ أَجمل نساءِ العالمين. وكانت قد صارت له من الصَّفيِّ أمة فأعتقها، وجعل عِتقها صداقَها، فصار ذلك سُنَّةً للأمّة إلى يوم القيامة، أن يَعْتِقَ الرجل أمَته، ويجعل عتقها صداقها، فتصير زوجته بذلك، فإذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عِتقها صَدَاقها، أو قال: جعلت عِتق أمتي صداقها، صح العتق والنكاح، وصارت زوجتَه من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي، وهو ظاهر مذهب أحمد وكثيرٍ من أهل الحديث.

وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة، وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح القول الأول، لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل، والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له، قال فيها: {خَالِصَةً لّكَ مِن دُونِ المُؤمِنين} [الأحزاب:50] ولم يقل هذا في المعتقة، ولا قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقطع تأسي الأمة به في ذلك، فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة مَن تبنّاه، لئلا يكون على الأمة حرجٌ في نكاح أزواج من تبنَّوه، فدلَ على أنه إذا نكح نِكاحاً، فلأمَّتِه التأسي به فيه، ما لم يأتِ عن الله ورسوله نصٌ بالاختصاص وقطع التأسي، وهذا ظاهر. ولتقرير هذه المسألة وبسط الحجاج فيها -وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصولِ والقياس- موضعٌ آخر، وإنما نبهنا عليه تنبيهًا.

ثم تزوج ميمونةَ بنت الحارث الهِلالية، وهي آخر من تزوج بها، تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح. وقيل: قبل إحلاله، هذا قول ابن عباس، ووهم رضي الله عنه، فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقِصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالاً، وقال: كنت أنا السفير بينهما، وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة، وهو أعلم بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم وماتت في أيام معاوية، وقبرها بـ(سَرِفَ).

قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النضرية. وقيل: القرظية، سبيت يوم بني قريظة، فكانت صفيَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأعتقها وتزوجها، ثم طلقها تطليقة، ثم راجعها. وقالت طائفة: بل كانت أمتَه، وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها، فهي معدودة في السراري، لا في الزوجات، والقول الأول اختيارُ الواقدي، ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي. وقال: هو الأثبت عند أهل العلم. وفيما قاله نظر، فإن المعروف أنها من سراريه، وإمائه، والله أعلم.

فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن، وأما من خطبها ولم يتزوجها، ومن وهبت نفسَها له، ولم يتزوجها، فنحو أربع أو خمس، وقال بعضهم: هن ثلاثون امرأة، وأهل العلم بسيرته وأحواله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعرفون هذا، بل ينكرونه، والمعروف عندهم أنه بعث إلى الجونية ليتزوجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت منه، فأعاذها ولم يتزوجها، وكذلك الكلبية، وكذلك التي رأى بكشحها بياضًا، فلم يدخل بها، والتي وهبت نفسها له فزوجها غيره على سور من القرآن، هذا هو المحفوظ، والله أعلم.

ولا خلاف أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية.

وأول نسائه لحوقًا به بعد وفاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينبُ بنت جحش سنة عشرين، وآخِرهن موتًا أم سلمة، سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد، والله أعلم.

 

فصل: في سراريه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.

  • 3
  • 1
  • 7,070
المقال السابق
هدي النبيّ في الوضوء
المقال التالي
حرس النبي وشعرائه وخطبائه

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً