الأحكام السلطانية للماوردي - (90) قطع السرقة (3)

منذ 2014-11-04

كل مال محرز بلغت قيمته نصابًا إذا سرقه بالغ عاقل لا شبهة له في المال ولا في حرزه قطعت يده اليمني من مفصل الكوع

الفصل الثاني: في قطع السرقة (3)

 

كل مال محرز بلغت قيمته نصابًا إذا سرقه بالغ عاقل لا شبهة له في المال ولا في حرزه قطعت يده اليمني من مفصل الكوع، فإن سرق ثانية بعد قطعه، إما من ذلك المال بعد إحرازه، أو من غيره، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، فإن سرق ثالثة قال أبو حنيفة: لا يقطع فيها، وعند الشافعي تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وإن سرق خامسة عزّر ولم يقتل، وإن سرق مرارًا قبل القطع فليس عليه إلّا قطع واحد.

واختلف الفقهاء في قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه مقدَّر بما تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدًا من غالب الدنانير الجيدة. وقال أبو حنيفة: هو مقدر بعشرة دراهم أو دينار، ولا يقطع في أقلّ منه. وقدَّره إبراهيم النخعي بأربعين درهمًا أو أربعة دنانير، وقدره ابن أبي ليلى بخمسة دراهم، وقدره مالك بثلاثة دراهم، قال داود: يقطع في الكثير والقليل من غير تقدير.

واختلف الفقهاء في المال الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه يقطع في كل مال حرم على سارقه.

وقال أبو حنيفة: لا يقطع فيما كان أصله مباحًا كالصيد والحطب والحشيش، وعند الشافعي يقطع فيه بعد تملكه، وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الطعام الرطب، وعند الشافعي يقطع فيه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع سارق المصحف، وعند الشافعي يقطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع إذا سرق من قناديل المسجد أو أستار الكعبة، وعند الشافعي يقطع.

وإذا سرق عبد صغير لا يعقل أو أعجمي لا يفهم قطع عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع. ولو سرق صبي صغير لم يقطع، وقال مالك: يقطع.

واختلف الفقهاء في الحرز، فشذَّ عنهم داود ولم يعتبره، وقطع كل سارق من حرز [أو من غير حرز، وذهب جمهورهم إلى اعتبار الحرز في وجوب القطع، وأنه لا قطع على من سرق من غير حرز، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا قطع في حريسة الخيل حتى تولي إلى معاقلها». وهكذا لو استعار فجحد لم يقطع، وقال أحمد بن حنبل: يقطع, واختلف في جعل الحرز شرطًا في صفته، فسوى أبو حنيفة بين الأحراز في كل الأموال، وجعل حرز أقل الأموال حرز أجلها، والأحراز عند الشافعي تختلف باختلاف الأموال اعتبارًا بالعرف فيها.

فيخف الحرز فيما قلَّت قيمته من الخشب والحطب، ويغلظ ويشتد فيما كثرت قيمته من الذهب والفضة، فلا يجعل حرز الفضة والذهب، فيقطع سارق الخشب منه، ولا يقطع سارق الذهب والفضه منه، ويقطع نباش القبور إذا سرق أكفان موتاها؛ لأن القبور أحراز لها في العرف، وإن لم تكن أحرازًا لغيرها من الأموال. وقال أبو حنيفة: لا يقطع النباش؛ لأنَّ القبر ليس بحرز لغير الكفن. وإذا شد الرجل متاعه على بهيمة سائرة كما جرت العادة بمثله فسرق سارق من المتاع ما بلغت قيمته ربع دينار قطع؛ لأنه سارق من حرز، ولو سرق البهيمة وما عليها لم يقطع؛ لأنه سرق الحرز والمحروز، ولو سرق إناء من فضة أو ذهب قطع، وإن كان استعماله محظورًا؛ لأنه مال مملوك، سواء كان فيه طعام أو لم يكن. وقال أبو حنيفة: إن كان في الإناء المسروق طعام أو شراب أو ماء مشروب فشربه لم يقطع، ولو أفرغ الإناء من الطعام والشراب ثم سرقه قطع. وإذا اشترك اثنان في نقب الحرز، ثم انفرد أحدهما بأخذ المال قطع المنفرد منهما بالأخذ دون المشارك في النقب، ولو اشترك اثنان فنقب أحدهما ولم يأخذ، وأخذ الآخر ولم ينقب، لم يقطع واحد منهما، وفي مثلها قال الشافعي: اللص الظريف لا يقطع. وإذا دخل الحرز واستهلك المال فيه غرم ولم يقطع، وإذا قطع السارق والمال باقٍ رد على مالكه، فإن عاد السارق بعد قطعه فسرق ثانية بعد إحرازه قطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع في مال مرتين، وإذا استهلك السارق][1] ما سرقه قطع وأغرم.

وقال أبو حنيفة: إن قطع لم يغرم، وإن أغرم لم يقطع. وإذا وهبت له السرقة لم يسقط عنه القطع. وقال أبو حنيفة: يسقط، وإذا عفا رب المال عن القطع لم يسقط.

قد عفا صفوان بن أمية عن سارق ردائه فقال صلى الله عليه وسلم: «لا عفا الله عنِّي إن عفوت» وأمر بقطعه.

وحكي أن معاوية أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم، فقدم ليقطع فقال من [الطويل] :

يميني أمير المؤمنين أعيذها *** بعفوك أن تلقى نكالًا يبينها

يدي كانت الحسناء لو تمَّ سترها *** ولا تقدم الحسناء عيبًا يشينها

فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة *** إذا ما شمال فارقتها يمينها

فقال معاوية: كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟ فقالت أم السارق: اجعلها من جملة ذنوبك التي تتوب إلى الله منها، فخلَّى سبيله، فكان أوّل حد ترك في الإسلام.

ويستوي في قطع السرقة الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر، ولا يقطع صبي، ولا يقطع المغمى عليه إذا سرق في إغمائه، ولا يقطع عبد سرق من مال سيده، ولا والد سرق من مال ولده. وقال داود: يقطعان.

__________

(1) هذه الجزئية سقط في بعض النسخ.

 

الكتاب: الأحكام السلطانية

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

الناشر: دار الحديث  القاهرة

عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المصدر: المكتبة الشاملة
  • 0
  • 0
  • 2,324
المقال السابق
(89) حد الزنا (2)
المقال التالي
(91) حد الخمر (4)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً