تأثير المسلسلات المدبلجة على الأسرة العربية (فئة المراهقين أنموذجًا) - (5)

منذ 2014-11-11

تحدَّثنا في أجزاء سابقة من الدِّراسة عن مختلف القيم غير الإسلامية التي تمرَّر عبر المسلسلات المدبلجة، ثم توقَّفنا عند الوسائل التي تُتَّخذ لجلب الجمهور العريض لتتبُّع هذه المسلسلات بما في ذلك فئة المراهقين، وتتبَّعنا بعد ذلك عناوينها موضِّحين ما تخلِّفه من آثارٍ اجتماعية ونفسية لدى المشاهد، وبعدها بسطنا الجزء التطبيقي الذي تمثَّل في دراسة إحصائية اتَّبعنا فيها منهج مسح جمهور المسلسلات المدبلجة من المراهقين، من خلال توزيع استبيانات ميدانية كأداة رئيسة لجمع المعلومات على (200) مراهق ومراهقة كعيِّنةٍ عشوائية من تلاميذ المدارس الثَّانوية بالجزائر.

لقد تحدَّثنا في أجزاء سابقة من الدِّراسة عن مختلف القيم غير الإسلامية التي تمرَّر عبر المسلسلات المدبلجة، ثم توقَّفنا عند الوسائل التي تُتَّخذ لجلب الجمهور العريض لتتبُّع هذه المسلسلات بما في ذلك فئة المراهقين، وتتبَّعنا بعد ذلك عناوينها موضِّحين ما تخلِّفه من آثارٍ اجتماعية ونفسية لدى المشاهد، وبعدها بسطنا الجزء التطبيقي الذي تمثَّل في دراسة إحصائية اتَّبعنا فيها منهج مسح جمهور المسلسلات المدبلجة من المراهقين، من خلال توزيع استبيانات ميدانية كأداة رئيسة لجمع المعلومات على (200) مراهق ومراهقة كعيِّنةٍ عشوائية من تلاميذ المدارس الثَّانوية بالجزائر.

ونقترح في هذه الأسطر بعض الحلول التي رأينا فيها أُولى خطوات العلاج لهذا الدَّاء.

رابعًا: المقترحات والتوصيات:

ليس ديْدننا أن نبكي على اللَّبن المسكوب فنعلِّل الأسباب وننقد الظروف ونلقي التبعة واللائمة على الآخرين، ثم نسكت، فنزيد طابور المتفرّجين على التلوُّث الإعلامي متفرِّجًا آخر!

وليس من عادتنا أيضًا أن نُتقن حركة إدارة الظهور للمشكلة ظنًّا منَّا أنها لا مشكلة، حيث ندرك يقينًا أن الاعتراف بوجودها هو أوَّل خطوة في طريق حلِّها ولو كان الطريق بطول ألف ميل!

وإنما نحاول بسْط جُهدنا المتواضع قدر ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، مدركين أن للباطل جولة ثم يضمحل مهما طال الزمان به، وعليه، ما لنا إلا عرْض مجموعة من المقترحات التي نتمنى أن ترى نور الحياة، منها ما هو موجَّه للقائمين على القنوات الفضائية ووزارات الإعلام والاتِّصال في الدول العربية، ومنها ما يخصُّ المؤسَّسات الفاعلة في المجتمع كالمدرسة والمسجد والجمعيات الناشطة، ومنها ما هو موجَّه لرجال الأعمال من أبناء المسلمين، ومنها ما هو موجَّه لأفراد الأسرة، ولأن التغيير يبدأ من الفرد أوَّلًا، سنستهل الاقتراحات بما يتعلَّق بالفرد، ثم نتدرَّج للبقيَّة.

1- ما تعلَّق بالفرد والأسرة:

إن آفاق التغيير المنشود للإنسان يبدأ من داخله، من نفسه أولًا، ثم ينعكس على حياته كلها قولًا وعملًا، ليتعدَّاه ويؤثِّر في مَن حوله ثانيًا، هذا التغيير الذي ننشده يُعدُّ سُنَّة من سُنن الله في خَلقه، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد من الآية:11]، لهذا الاعتبار فإنَّ رغبتنا في رؤية مجتمعًا تسوده الأخلاق السويَّة يحملنا على أن نتَّسم بها نحن ثم دعوة باقي المجتمع إليها.

لذا.. فالأوْلى أن نبدأ بأنفسنا ونجعل بيننا وبين هذه المسلسلات سدًّا منيعًا، فلا نقرب الأذى، كي لا تتلوَّث عقولنا ونكون من النَّادمين، وهذا ما يُسمّى بتفعيل قيم الضَّبط الذَّاتي والتِّلقائي، وهو ينبع من نفس المسلم بدافع وقناعة ذاتية، فلا أحد يمكن منعه إن أراد التملُّص من كريم الأخلاق وهو منفرد في غرفة أمام جهاز التلفاز إلا ضميره ووعيه الكامل أنها خطوة خاطئة.

أما إذا كان الفرد هو رب أسرة، فالمسؤولية تتضاعف وتنتقل من صفتها الفردية إلى صفتها الجماعية، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالمرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[1]، والشَّاهد أن الرجل راعٍ على أهل بيته، بتعهُّده لهم بكل ما يُصلح حالهم ويُقيمه، وصيانته لهم من التعرُّض لكل ما يحيدهم عن الطريق القويم، وفي ذلك وقاية لهم من سوء العاقبة، يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].

وعليه، فربُّ الأسرة هو من يسمح أو يمنع بوجود القنوات بشتَّى أشكالها وأنواعها في بيته، وهو الذي يُوجِّه وينتقي ما يصلح لأبنائه المراهقين، وهو من يجلس معهم ويحاورهم ويميط اللِّثام عن أهداف الغرب ودعاتهم لكي تَثْبت هذه القيمة الأخلاقية في نفوس الأبناء، ولا يتحيَّنون الفرصة بعيدًا عنه ليُتابعوا البرامج الهدَّامة.

والأم راعية في بيت زوجها، بتقديم تربية إيمانية سلوكية صحيحة لأبنائها، فهي راعية على عقول بناتها، ترشدهن وتوعيهن بما يحاك لأمة الإسلام، لتُكوِّن أسرة مسلمة آمنة، فالأم هي منبع صلاح الأمَّة، ولعلَّنا نردِّد ونُعيد:

لَيْسَ يَرْقَى الأَبْنَاءُ فِي أُمَّةٍ مَا *** لَمْ تَكُنْ قَدْ تَرَقَّتْ الأُمَّهَاتُ

فلا يكفي رعاية الأبوين لأجسام صغارهم بتوفير الأكل والشُّرب واللِّباس، بل لا بد من رعاية العقول وتنشئة الأبناء على محاسن الأخلاق لتثمر خيرا للمجتمع، ولا بأس بشيء من الشدَّة، لأن الحزم في هذه الأمور يُرجى منه حُسن العاقبة، "فإنَّ المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلِع الوسخ إلا بنوع من الخشونة؛ لكن ذلك يُوجب من النَّظافة والنُّعومة ما نحمد معه ذلك التخشين"[2]، لذلك نرى أن تفعيل مراقبة الوالدين مُهمٌّ جدًّا في عصر صار العالم قرية صغيرة، فللَّه در أبوين أحسنا صنيعًا!

لكن، ماذا لو كانت الأم هي أوَّل من تجلس أمام التلفاز لتُتابع حلقة جديدة من مسلسل سَلْسَلَ عقول أفراد العائلة كلِّها؟

وماذا ننتظر من بنت ترى في أمِّها قدوة وهي تُتابع الميوعة المعروضة في هذه المسلسلات وتشجِّعها؟

وماذا نقول عن أبٍ يشتري لابنته ما تراه على جسم نجمة مُسلسلها المفضَّل؟

لا نرى ونقول إلا كما قال الشاعر:

إذا كَانَ رَبُّ البَيْتِ بالدفِّ ضَارِبًا *** فَشِيمَة أهْلِ البَيْتِ كُلِّهِمُ الرَّقْصُ!

من جهةٍ أخرى، فإن الفرد منَّا يمكنه إحياء شعيرة النهي عن المنكر وتقديم النَّصيحة لكل من يُدمن مشاهدة العفن الذي تقدِّمه المسلسلات عبر وسائل إعلام يحكمها أناسٌ من بني جلدتنا.

إنَّ النَّهي عن المنكر هو علاجٌ ناجع للأمَّة لما وقعتْ فيه من دركات المنكرات، فنحن أمَّة وصفها ربها بالدَّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104].

ولن نُغادر هذا العنصر دون وقفة لا بد منها، ولعلِّي أجعل لها شعارًا: (ما أفقده من حب وحنان في بيتنا أعوضِّه في بيوت أبطال المسلسلات!)

نعم أيَّتها الأم، نعم أيُّها الأب، إن حرمان الابن أو البنت من الحنان داخل الأسرة يجعلها تبحث عنه في أي مكانٍ آخر وبأي طريقة كانت، وقد يكون المسلسل الذي تحرص على متابعته ابنتك سببه هو تعويض ذلك النُّقص العاطفي الذي حُرمت منه، لذلك وجب على الأبوين التفطُّن لِمثل هذا الأمر.

كما نلفت انتباه الأبوين لمحاولة ملء أوقات أبنائهم بما ينفع، كصرف أوقاتهم في أداء واجباتهم المدرسية وإدماجهم ضمن حلقات تحفيظ القرآن الكريم، والمطالعة النَّافعة، وممارسة الرياضة والمساعدة في أداء الأشغال المنزلية، فأنى لهم بعد هذا التفكير في متابعة الرَّخيص من المسلسلات وقد استهلكت فيهم كل فائض من الطاقات؟

ولعلنا نشير ها هنا إلى أنَّ الأم قد تكون في ذاتها تعيش فقرًا عاطفيًا وتحتاج لحنان زوجها، وتشتاق لكلمات حُبِّ تُزيِّن حياتها، فتبدأ بمتابعة قيس زمانه، وتُعجب بمن يقوم بالدور الذي أهمله زوجها كنوع من التَّعويض، وحينها يغدو الوهْم بلسمًا! وهنا نقول: أيُّها الزوج المسلم، ألا بدارًا لحب تغدقه على من صافيتها الود، ولا تتعلَّل بالمشاغل أو الملل، فإن ذلك من أقبح الأعذار.

ونأتي الآن للجهد الجماعي الذي نراه مُهِمًّا ومكمِّلًا للجهد الفردي المذكور آنفًا:

2- ما تعلَّق بالقائمين على القنوات الفضائية الإسلامية ووزارات الإعلام والاتِّصال:

إنَّ دور القائمين على القنوات الفضائية وكذا وزارات الإعلام والاتِّصال هو بالأهمية ما يجعلنا نؤكِّد على ضرورة صرف الجهود لإقناعها بتدارك بعض الأمور التي تُساهم في نشر القيم الدَّخيلة على مجتمعاتنا، لذلك فإنَّنا ندعوهم إلى:

أ- فرض ضوابط وقوانين رقابية على كل منتوج إعلامي يبُثُّ أخلاقًا تتعارض مع الإسلام وتتنافى مع الهويَّة العربية وتبتعد عن الأخلاق العامة، لأن هناك من يكتفي بتفعيل مقص الرقابة حين يتعلَّق الأمر بمشاهد الرذيلة التي يُقام عليها الحد! أما ما دون ذلك من مقدِّمات فالأمر هيّن، وما هو عند الله بهيِّن، أفلا يعقلون!

أما القنوات الإسلامية الفاعلية على السَّاحة، فندعوها إلى:

ب- تنظيم حملات إعلامية إرشادية توعوية تبيِّن خطورة تسريب القيم الدخيلة على مجتمعاتنا، والتي تروِّجها المسلسلات المدبلجة.

3- ما تعلَّق بالمؤسَّسات الفاعلة في المجتمع كالمدرسة والمسجد والجمعيات النَّاشطة:

هي مؤسسات فاعلة في المجتمع يرتادها الكبير والصغير، المتعلِّم والأمي، تساهم كل واحدة منها في بناء لبنة من لبنات صرح الأمة، إنها منظومة المدرسة والمسجد والجمعيات.

أ- المدرسة: إنَّ التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، كونه من مهام الأنبياء؛ قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].

ويُعتبر المعلِّم الحجر الأساس في العملية التعليمية والتربوية التي يتلقَّاها المتعلِّم، والمستأمَن على عقول أبناء المسلمين، ولعلَّ دوره قد يفوق دور أقرب الأشخاص للمتعلِّم، فأثره يمتد إلى خارج أسوار المدرسة، فإذا ما نبَّه إلى الخطر الذي يأتي من تلك المسلسلات، يكون بذلك قد ساهم في التوعية الجماعية، ولن يعْدم المعلم الوسيلة لتوصيل ما يريد لتلامذته، وإلا كيف يكون المعلِّم كما وصفه الشاعر:

قُمْ للمُعلِّم وَفِّهِ التَّبْجِيلا *** كَادَ المُعلِّمُ أنْ يكُونَ رَسُولًا

ب- المسجد: لقد عُدَّ المسجد قاعدة الحضارة الإسلامية منذ أقام عليه الصلاة والسلام أوَّل مسجد في الإسلام، وليست الصلاة وظيفته التي لا يحيد عنها، بلْه هناك وظائف أخرى تُسند له، أو بالأحرى لمن يتولاه، إنها التوعية والإرشاد، وتصحيح المفاهيم والتنبيه على المنكرات التي تفشَّت في المجتمع، ومن ثمة فعلى المسجد أن يقوم بدوره في التوجيه الدِّيني فيما يخص التَّنبيه على انتشار المسلسلات المدبلجة التي أصبحت المادة الرائجة في حديث الأطفال والكبار.

ج- الجمعيات الناشطة: تعرف الدول العربية نشاط المئات من الجمعيات الثَّقافية، والتي تضمُّ إليها شبابًا من مختلف الأعمار والمستويات، فحبَّذا لو استُغلَّت هذه التجمُّعات في الإرشاد لمغبَّة الإدمان على متابعة المسلسلات المدبلجة.

4- ما تعلَّق برجال الأعمال المسلمين:

نعمة المال من نِعم الله العظيمة التي منَّ الله بها على عباده، يقول عز وجل: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف من الآية:46]، وقد جبل الله النُّفوس على حب المال يقول جلا وعلا: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20].

وقد جعل الله المال سبيلًا لعمارة الأرض وفعل الخيرات، لذا فعلى من رُزق هذه النعمة أن يُنفق منها، وما أكثر الأبواب التي يُرجى وُلوجها من قبل مُلاَّك الأموال، خدمة للإسلام والمسلمين!

لذلك ندعو رجال الأعمال من المسلمين للمُساهمة في مشروع تجسيد قنوات ملتزمة، والمشاركة في دفع تكاليف المسلسلات البديلة التي يمكن أن تسد الثَّغرات القائمة في الإنتاج الإعلامي الإسلامي.

5- ما تعلّق بالعلماء والدُّعاة:

إن الدُّعاة من علماء ومشايخ لهم الأثر الكبير في تصحيح الرُّؤى وتقويم المعوَجّ من أخلاق المسلمين، والتَّنبيه على ما يُفسد النُّفوس، والإشادة بما ينفع العباد والبلاد، وما أعظم مدح الله للداعية القائم بأمور الدعوة إلى الله! يقول عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].

والدُّعاة هم أولى الناس بمخاطبة هؤلاء الذين يَعْرضون عقول أبناء الأمَّة للتخدير الخارجي، وذلك بنصح القائمين على القنوات التي تعرض المسلسلات الهابطة، إذا وُجد لطريقهم سبيل...

أمَّا إذا لم ينفع النُّصح فالحلُّ لا أراه إلا في الفضْح!

على الدُّعاة والمشايخ فضح القنوات التي تريد بالإسلام شرًّا والتحذير منها ومن القائمين عليها، وليس في ذلك مجاهرة بالسُّوء وإشاعته، وإنما فضحٌ لأساليب غزو المبادئ الإسلامية، نقَل ابن حجر عن ابن العربي وهو يتحدَّث عن السِّتر على النَّفس قوله: "هذا كلُّه في غير المجاهر فأمَّا إذا كان متظاهرًا بالفاحشة مجاهرًا فإني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره"[3]، وهل بعد نشر الرذيلة والفسوق عبر ترويج مسلسلات بياعي الهوى بعدٌ عن المجاهرة بالمعصية! وهل هناك أرذل ممن يبغون أن تشيع الفاحشة بين المسلمين؟!

يجيبنا ربنا في سورة النور التي وضعت منهجًا رائدًا لحفظ المجتمع الإسلامي من الرذائل وانتشارها، يقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19].

6- ما تعلَّق بأهل المهنة:

إن كل واحد منا ميَّسر لما خلق له بما وهبه الله من إمكانات تجعله يتفوَّق على أقرانه فيها، ولأنَّ لكل مجال رواده، فإن الأمر لا يختلف إذا كان حديثنا عن الفن الملتزم وأهله، ومنه وجب التنبيه لضرورة توجيه بعض الاقتراحات للعاملين في مجال القنوات والإنتاج الفني الذي يكتسي الطابع الإسلامي، والتي اختصرناها في ما يلي:

أ- العمل الجماعي: لا بُدَّ من تنسيق إعلامي مشترك بين الفضائيات الإسلامية أوَّلًا، ثم العمل المشترك بين من يملكون رؤية مشتركة لضرورة النُّهوض بإعلامٍ إسلامي هادف، فإذا ما وُجِّهت الجهود الفردية باتجاه هدف واحد وتكاثفت فإن المهام تُقسَّم ويصير النَّجاح واحدًا مشتركًا، وليس علينا أن نستهين بالاقتراحات، ألا إنَّ جُهد المقل غير قليل!

ب- التخطيط الجماعي المتزِّن من أهله: إن التخطيطُ سُنَّة يتَّبعها كل من أراد النَّجاح وتحقيق الأهداف، وحتى لا تتعثَّر الخطوات وتتعطَّل المسيرة، ينبغي على من يخوض هذا الميدان أن يجعل من التخطيط بداية له، على أن يكون التخطيط جماعيًا ومن أهل التخصَّص والكفاءات العِلمية والعملية، وأن تُراعى في ذلك الإمكانيات المتاحة، فيُجمع بين الكاتب والمخرج والمصحِّح اللُّغوي... فإنَّ لكل علم أو فن أُسسًا يُبنى عليها وقواعد لا يستقيم إلا بها، حينها تُتَّخذ التدابير اللازمة وتكون النتائج طيِّبة.

ج- تجسيد الأقوال والمشاريع الورقية إلى أعمال حقيقة: كثيرة هي المشاريع التي بقيت حبيسة الأدراج ورهينة العقول دون أن ترى نور الحياة، فالعمل أبلغ خطابٍ لمن أراد أن يرى جُهده منتشرًا بين الناس، لذلك ندعو للعمل بعد القول، وليس القول بعد القول.

د- الاتِّعاظ بالتجارب السَّابقة لتفادي الفشل: إن الإنسان معرَّض للفشل في كل تفاصيل حياته، ومثل ذلك ظهور محاولات كثيرة للنهوض بمستوى الإعلام الإسلامي وفشلها بعد مدة، وليس علينا أن نكرِّر نفس الطريقة لأنَّنا حينها سنحصل على نفس النتيجة، فلا بد إذن من تدبُّر الأمر جيِّدًا، والوقوف عند أسباب إخفاق التجارب السابقة، لكي لا تتكرَّر معنا، ولا تضيع الجهود في الفراغ.

هـ- تشجيع القنوات الإسلامية لسدِّ الفراغ والنقص الحاصل في الإعلام: إنَّ الامتعاض والإنكار لن يبدِّل في الأمر شيئًا وإنما علينا أن نجد البديل الإسلامي، ولا بأس من محاولات أولى لتكون بداية الطريق، وليس علينا أن نستعجل الثِّمار ما دامت الخطى ثابتة، وليكن شعار من بدأ: "إنَّ مع اليوم غدًا يا مسْعدة!".

وهنا نقصد إنشاء قنوات ذات توجُّه إسلامي وتقسيم تخصُّصاتها، فنجد للطفل قناته وللشاب قناته وللمرأة قناتها، ودواليك، وتشجيع ما هو موجود على السَّاحة الإعلامية ودعمه، وحث العاملين بها على دعم وتعزيز القيم الإسلامية في المجتمع، مع ضرورة تحسين الخدمات القائمة، لكي تكون قادرة على المنافسة، فإن لم يكن ذلك مُتاحًا، فقناة واحدة منافسة بقوة لهي أفضل من قنوات لا تقوى على البروز والظهور بما يليق بالإعلام الإسلامي.

و- تشجيع ودعم البدائل الأوَّلية المنافِسة للمسلسلات الوافدة: إنَّ من أهم ما نراه ضروريًّا كعرضٍ لبدائل عن المسلسلات الوافدة إلينا هو إنتاج مسلسلات على الطريقة الإسلامية، ويكون على مراحل حتى يحلَّ البديل مكان المستورَد، وعلى هذا الأساس ينبغي التنبُّه إلى أمور أهمها: تأهيل من يُناط إليهم كتابة السيناريوهات، لأنَّ من عوامل نجاح أي مسلسل مهما كان مصدره ومنهجه وهدفه هو إتقان كتابته بما يشدُّ انتباه المشاهد، ولن يشذ العمل الإسلامي عن القاعدة إن أراد النَّجاح وكسب الرهان، إذًا لا بد من توفير كُتَّاب سيناريو للدراما مؤهَّلين قادرين على إبداع ما يتناسب مع العمل الدرامي، أما في حالة وجود أعمال درامية ذات صبغة تاريخية وجب عرضها على لجنة متكاملة متخصِّصة من الشَّرعيين والمشتغلين بالتاريخ لإجازتها.

مع الالتفات إلى ضرورة تحقُّق شروط الإبداع الأخرى، بما في ذلك التَّمثيل والتصوير والديكور والإضاءة والإخراج، وتوفير الإمكانات المادية والتقنية كالاستديوهات والأجهزة، وهنا يأتي دور المموِّل المسلم الذي عنَيناه في عنوان سابق، أفنتركهم يُزيِّنون الباطل في عيون شبابنا، ونحن نتقاعس عن تزيين الحق لهم؟

هذا، إضافة إلى تشجيع القنوات الإسلامية لهذه الأعمال الدرامية ذات الطابع الإسلامي ودعمها بعرضها على القناة لتكون بداية بديلٍ إسلامي للمسلسلات الوافدة إلينا من الثَّقافات الأخرى.

7- نشر ثقافة الانتقاء بين الشَّباب: إنَّ ثقافة الانتقاء من أهم الأمور التي يجب أن نراعيها في حياتنا، فليس كل طريق أرمقه أمامي أسلكه، وليس كل فكرة تُعرض عليَّ أتبنَّاها، وليس كل عرض تلفزيوني يُروَّج له أقبع لمتابعته، فلنتبنى ولنشجِّع سياسة النَّحلة، تتَّبع الزهور لتقع على الطيِّب منها وتتجنَّب الخبيث، فيا ليتنا نتدبَّر فقه الانتقاء!

8- الانفتاح على الثقافات بطرقٍ آمنة: إنَّ الانفتاح على الثقافات الأخرى يُضيف لمكتسباتنا القبلية أشياء جديدة تنمِّي معارفنا، وتوسِّع إدراكنا بمن حولنا، لذلك نحاول أن يكون هذا التَّواصل بطرق آمنة، فكي لا يبقى الجسر الأوحد لمعرفة ثقافات الغير هو المسلسل، وجب التنويه بمبادرات الانفتاح الآمن، مثل ذلك التَّشجيع على مطالعة الكتب التي تعتبر أحد المنافذ الموثوقة للفرد، ولنقتدي بأسلافنا في القراءة، لقد كانوا يجالسون الكتاب لما فيه من جليل الفوائد والفرائد، يقول ابن الأعرابي:

لنَا جُلَسَاءٌ مَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ *** أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونُ غَيْبًا وَمَشْهَدَا
يُفِيدُونَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَا مَضَى *** وَعَقْلًا وَتَأْدِيبا وَرَأْيًا مُسَدَّدَا
بِلَا فِتْنَةٍ تُخْشَى وَلَا سُوءِ عِشْرَةٍ *** وَلَا يُتَّقَى مِنْهُمْ لِسَانًا وَلَا يَدَا
فَإِنْ قُلْتَ أَمْوَاتٌ فَلَا أَنْتَ كَاذِبٌ *** وَإِنْ قُلْتَ أَحْيَاءٌ فَلَسْتَ مُفَنَّدَا[4]

ومن ذلك أيضًا إنتاج الأفلام الوثائقية التي تُبرز جوانب من حياة الشعوب الأخرى بما في ذلك الايجابي والسلبي من حياتهم، ليظهر الجانب الممزَّق من الصورة التي تعرضها المسلسلات.

خامسًا: قد يقول قائل!

بعد الحلول التي اقترحناها وعلى فرضية البدء بتطبيقها على المستوى الفردي والجماعي، قد يخرج ناعق من بعيد ليقول قائل: إنَّ تتبع المسلسلات المدبلجة هو نافذة للتواصل والتَّبادل الثقافي بين الشعوب، فلا ضير إن تعرَّفتُ على حضارات الغير عبر ما ينتجون، ألم يقل عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات من الآية:13]؟

أقول: بلى! لكن من جعل المسلسلات جسر التواصل بينكم وبين الآخر؟ ومن حَصَر التعرُّف على حضارتهم عبر ذاك الصندوق الصغير؟

التعارف بين الشُّعوب والقبائل كما أراده الله جلا وعلا هو الذي يبدأ منك لتبليغ الدعوة، ولا ينطلق من الآخر إليك لتجد نفسك مفتونًا بألوان برَّاقة تغلِّف ظاهر المجتمع الآخر، فتلك هي المهمة فهل أنت لها؟

وقد يقول قائل: إنَّ تتبُّع المسلسلات المدبلجة هو فرصة لاستغلال الوقت وصرفه فيما أجد فيه متعتي، فتتبُّع مثل هذه المسلسلات هوايتي المفضَّلة، أوَ ليست الهواية مشروعة في الإسلام؟

أقول: بئس الهواية والغواية هي! أوَ انقرضت الهوايات حتى لم تجد غير هذا السم الذي صُدِّر إلينا ليسري في العقول لا في الأوردة!

وقد يقول قائل: لستُ الوحيد الذي يُتابع المسلسلات المدبلجة، انظري لمن حولك وستدركين أن الغالبية العظمى منا تتابعها؟ هل يعقل أن نكون جميعًا على خطأٍ وأنت على صواب؟

أقول: رُويدكم، إنه عُذرٌ لم يَتَولَّ الحقُّ نَسْجَهُ، لا يغرنَّكم الألوف من الذين زَيَّن لهن الشيطان الابتعاد عن هدي خير البريّة، واستأمنوا المسلسلات عقولهم، {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة من الآية:100].

وأخيرًا.. نشير أن النتيجة التي خلصنا إليها لا تتعلَّق بالجزائر وحدها، وإنما يمكن أن تسحب على الدول العربية كافة، نظرًا للتشابه بين المجتمعات العربية من حيث تبني الإسلام دينًا للدولة، والنظم الاجتماعية المتقاربة.

كما أن النتائج لربما كانت أفضل وأدق لو شارك في العمل نخبة من المختصين بين علم النفس وعلم الاجتماع والشريعة، ولذلك نأمل أن يكون هذا البحث المتواضع انطلاقة جدية لبحث الموضوع بعمق.

كان هذا رصد لتأثير المسلسلات المدبلجة على فئة المراهقين، وقد بذلتُ جهدًا لإخراج هذه الأسطر على وجه يرضي القارئ ويُفيد طالب المنفعة ويُساهم في إبراز هذه الظاهرة الوافدة إلينا، وفي بالي أنه "لو عُورِضَ الكتاب مائة مرَّة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقْطٌ"[5]، فحنانيكم على كاتبته!

فإن وُفّقْتُ لعرض هذه الأفكار، ففضل من الله ونعمة، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وإن أخطأتُ فحسبي أنَّني أخلصتُ النيّة، وكذلك أحسبُ نفسي، والله من وراء القصد وهو يهدي إلى السَّبيل القويم، أسأل الله أن يرزقنا عِلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا، ويوفقنا لشكر أنعمه، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]- (البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب: لزوجكِ عليكِ حق، باب: المرأة راعية في بيت زوجها، حديث رقم: [5200]، ج7، ص: [31]).

[2]- (ابن تيمية؛ مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ/1995م، ج28، ص: [53]).

[3]- (ابن حجر العسقلاني؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج12، ص: [125]، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1379هـ).

[4]- (ابن عبد البر؛ جامع بيان العلم وفضله، ج1، ص: [429]، تحقيق: أبو الأشبال الأزهري، دار ابن الجوزي، الدمام، ط1، 1414هـ/1994م).

[5]- (ابن عبد البر؛ جامع بيان العلم وفضله، ج1، ص: [338]، تحقيق: أبو الأشبال الأزهري، دار ابن الجوزي، الدمام، ط1، 1414هـ/1994م).

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

شميسة خلوي

الدكتورة شميسة خلوي كاتبة وباحثة إسلامية جزائرية

  • 3
  • 0
  • 6,706
المقال السابق
(4)
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً