عندما تربي زهرة!

منذ 2014-11-17

استمتع بتربية ابنتك، هذه النعمة العظيمة، واصبر على صحبتها إلى أن يأتيها الزوج الصالح، وافتخر انك قدمت للأمة واحدة من صانعات المستقبل العظيمات، إنها زهرة.

عزيزي المربي:
ما هو مقدار الحرص والرقة التي تحتاجها وأنت تتعامل مع الزهور؟
إنه الكثير والكثير، بمقدار الرقة التي ركّبها الله في هذه المخلوقات الرائعة.
كذلك هو الحال إذا منّ الله عليك بابنة رائعة مثل روعة الزهور، فكما تحتاج إلى الكثير من الحرص والرفق وأنت تتعامل مع الزهور، يحتاج المربي أيضًا إلى مراعاة بعض اللفتات التربوية التي تميز تربية الفتاة عن الفتى، فإلى هذه السطور لنتعرف ما يحدو بالوالد مراعاته عندما يربي زهرة.

لماذا الاهتمام الخاص بتربية الفتاة؟
إذا كان البيت هو المؤسسة التربوية الأولى، فإن المرأة هي عماده، زوجةً وأمًا، والفتاة الصغيرة اليوم هي صناعة الرجال ومربية الأجيال غدًا إن شاء الله، لذلك يتأكد الاهتمام بتربية البنات، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من عال جاريتَيْن حتَّى تبلغا ، جاء يومَ القيامةِ أنا وهو. وضمَّ أصابِعَه» (صحيح مسلم)، وفي سنن ابن ماجه وحسنه الألباني قال صلى الله عليه وسلم «ما من رجل تدرك له ابنتان فيحسن إليهما، ما صحبتاه أو صحبهما، إلا أدخلتاه الجنة» (تربية البنات في البيت المسلم؛ خالد الشنتوت: [ص:4]).

إنجاب البنات رزق من الله تعالى:
قال تعالى:{لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور . يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا إنه عليم قدير} [الشورى:50-49]، يقول ابن القيم في تعليق رائع له على هذه الآية الكريمة، قال رحمه الله:
"قسّم الله سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه، وبدأ سبحانه بذكر الإناث فقيل: جبرًا لهن لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل وهو أحسن إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه سبحانه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوين! فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبًا وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان. وعندي وجه آخر: وهو أنه قدّم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدونهن، أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي في الذِكر، وتأمّل كيف نكّر الله سبحانه الإناث وعرّف الذكور فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف" (ابن القيم؛ أحكام المولود: [ص:20]).

هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة البنات:
كان صلى الله عليه وسلم شديد الحفاوة بالبنات الصغيرات سواء بناته أو بنات الصحابة رضي الله عنهن جميعًا، فكان شأنه الفرح والاستئناس بهن، وإظهار ذلك، فقد ثبت عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه: ما كان يضيق بهن، ولا يستنكف عن مخالطتهن، بل بلغ به اللُّطف أن يحمل إحداهن في الصلاة، رغم أن في الصلاة شغلًا عن مثل هذا، ولم تثبت هذه الفضيلة للذكور من الصبيان، وكان يقول: «لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات» (العلل المتناهية: [2/634])، وكان إذا قدم من سفر دخل على ابنته فاطمة رضي الله عنها فقبلها، وإذا دخلت عليه، ربما قام لها، وأجلسها مكانه، ملاطفة لها، وكان أبو بكر ربما بدأ بعائشة رضي الله عنهما إذا قدم من سفر ويعودها إذا كانت مريضة، فيدخل عليها ويُقبِّل خدَّها.
ولم يكن عليه الصلاة والسلام يقتصر على مظاهر السلوك الخاص، بل كان يُعلن محبته لابنته، ويحذِّر من إيذائها، فيقول عليه الصلاة والسلام: «فاطمة مني، يبسطني ما بسطها، ويقبضني ما قبضها» (مجمع الزوائد: [9/206]).
ودخل مرة رجل على الحسن البصري، فرأى على ابنته شيئًا من الحلي، فاستغرب ذلك وأنكره، فغضب الحسن، وقال له: "أتأمرني أن أجعل بنتي طحَّانة؟!" (د.عدنان حسن باحارث؛ ملف التربية الأسرية للفتاة).

أثر القسوة على صحة الفتاة النفسية وسلوكها:
لما كانت القسوة والشدة، وسوء معاملة الأبناء في الأسرة، وسيلة خاطئة تؤدي إلى الانحراف الخلقي، خاصة عند الفتيات اللاتي تُبكِّر بهن الأسرة، حيث يكنَّ محطَّ تجارب الوالدين الصائبة والخاطئة، فإن توجيهات الإسلام التربوية جاءت بالتلطف مع النساء عمومًا، والفتيات خصوصًا، مراعاة لحاجتهن الماسَّة للعطف واللُّطف، فقد جاء عن رسول الله في شأن النساء عمومًا قوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم للنساء» (صحيح الترغيب؛ برقم: [1925])، وخص الفتيات بالاهتمام، ورغّب في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «من عال جاريتين حتى تبلُغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضمَّ أصابعهُ» (صحيح مسلم)، وأمر بالتلطف معهن جميعًا فقال: «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله» (سنن الترمذي)، فجعل الوليَّ اللطيف بأهله، الرحيم بهم، من أكمل المؤمنين في درجات الكمال الإيماني، وممن يصحبه يوم القيامة.

عناية الإسلام بالأنثى تقتضي الاعتناء بها في التربية:
في تربية الفتاة قد نجد الكثير من الآباء والأمهات يقع في التطرف إمًا تسهلًا أو تشددًا، وكلا طرفي الأمور ذميم. إنّ التربية الصحيحة للفتاة لابد أن تعتمد على عدة امور:

أولًا: على الفهم الجيد لأهمية دور هذه الفتاة حاضرًا ومستقبلًا، وما الذي تحتاجه الأمة منها؟ حتى يتم إعدادها وتهيئتها لهذا الدور مبكرًا وبشكل جيد.

ثانيًا: أن تقوم هذه التربية على المنهج الإسلامي القويم بعيدًا عن الانسحاق أمام المناهج الدخيلة شرقية كانت أم غربية والتي تستهدف الفتاة المسلمة بشكل كبير وتحاول أن تجعلها تنسلخ من تعاليم دينها وإن كانت لا تزال تحمله كديانة رسمية.

ثالثًا: مراعاة الوالدين تمامًا لدورهما كقدوة حسنة للفتاة تأخذ عنهما كل شيء من الأقوال والأفعال والمعتقدات، إلى طريقة تطبيق القيم الخلقية والإيمانية أثناء التعامل مع الناس.

رابعًا: توفير المناخ الأسري المنضبط الذي يوفر للفتاة البيئة الآمنة المفعمة بالدفء والحنان، والتي تهيء لها أسباب النشأة السوية.

خامسًا: ربط الفتاة بالصحبة الصالحة منذ طفولتها من خلال استغلال روابط القرابة والجيرة والصداقات الأسرية، فحاجة الفتاة إلى الصداقة من الحاجات الماسة، وعلى الوالدين أن يقوما بدورهما في تهيئة الصحبة الصالحة للفتاة مبكرًا.

وفي هذا المقام يحسن بنا أن نلفت نظر الوالدين لطرف يسير من الأخطاء الشائعة في تربية البنات لنتجنبها، فمن أمثلة ذلك:

- التمييز ضد الفتاة في المعاملة لصالح أشقائها الذكور، ومردّ ذلك إلى ثقافة عربية شرقية قديمة، الإسلام منها براء، تلك الثقافة التي تفضل الابن الذكر على الابنة الأنثى، ولقد عالج القرآن الكريم هذه القضية من كل جوانبها كما بينّا.

- الاستهانة بمسئولية تربية الفتاة، واعتقاد أنها أسهل بكثير من تربية الذكور ومن ثمّ يؤدي هذا التساهل إلى التفريط في بعض جوانب التربية، والحق أن تربية الفتاة في كثير من الأحيان تكون أسهل من تربية الذكور شريطة أن يعتني بها الوالدان منذ نعومة أظفارها، وذلك لما تتميز به الفتاة من شدة التأثر والعاطفة الجياشة وسهولة الانقياد خاصة إذا تربت على الطاعة والأدب، وغُذيت بالقيم الإسلامية السامية التي لا تخل بقوة واستقلال شخصيتها.

- إعطاء البنت حرية زائدة، الكثير من حالات انحراف البنات كان سببا رئيسًا فيها التساهل الأسري في الضبط والرقابة على الفتاة من حيث مواعيد الخروج من المنزل والرجوع إليه والتدقيق في ذلك، وكذلك عدم ملاحظة نوعية الصحبة التي ترافق الفتاة، تحت مسمى (الحرية والثقة)، فلا يتم سؤالها عن أماكن ذهابها وإيابها أو إشعارها بالمسئولية عن تلك الحرية الممنوحة لها.

- التساهل في أمر ملابس الفتاة وزينتها خارج المنزل، وأحيانًا أمام المحارم أيضًا، ومن ذلك، عدم تعويدها على الحجاب في سن مبكرة حبًا واعتزازًا وافتخارًا، لا قسرًا وإجبارًا.

- إهمال العناية الصحية بالفتاة خصوصا في مرحلة المراهقة، ويشمل ذلك توفير كفايتها من الغذاء الصحي المتوازن، مع دوام الملاحظة لحالتها الصحية والمبادرة لعلاج أي عرض يظهر عليها ينبيء عن اعتلال صحتها.

- عدم الصبر على تمردها أحيانًا، خصوصًا في مرحلة المراهقة، لأنها في هذه المرحلة تكون بالفعل قد كبرت، ونضجت جسديًا وعقليًا بدرجة ما، لكن قد تكون انفعاليًا ليس بنفس الدرجة، لذلك تحتاج لمن يستوعبها، يستوعب انفعالاتها، يستوعب تمردها، ولا يكسر هذا التمرد، لأن كسره هو كسر لشخصيتها التي لا تزال تتكون بعد، فهذا التمرد وإن كان يحمل معه بعض السيئات لكنه مع ذلك يحمل معه الكثير من الحسنات، إن هذا التمرد هو الشخصية من جديد، إنه القوة الدافعة نحو المغايرة والتطور (أخطاء شائعة في تربية البنات؛ عادل فتحي عبد الله: [ص:31]).

وأخيرًا عزيزي المربي
استمتع بتربية ابنتك، هذه النعمة العظيمة، واصبر على صحبتها إلى أن يأتيها الزوج الصالح، وافتخر انك قدمت للأمة واحدة من صانعات المستقبل العظيمات، إنها زهرة.

المراجع:
- تحفة المودود بأحكام المولود للإمام ابن القيم.
- أخطاء شائعة في تربية البنات: عادل فتحي عبد الله.
- ملف تربية الفتاة: موقع د.عدنان حسن باحارث.
- تربية البنات في البيت المسلم: خالد محمد الشنتوت.

سحر محمد يسري

المصدر: موقع مفكرة الإسلام
  • 13
  • 0
  • 21,062

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً