وزلزت الأرض

منذ 2014-12-07

لقد اغتر الإنسان في هذا العصر بما عنده من العلم والقدرة، وظن أن لن يقدر عليه أحد، وتوهم أنه سيطر على الأرض وامتلك مقاليدها… غره علمه، وغرته قوته، وغرته سطوته… فأراد الله أن يعلمه الدرس وأن يبصره بحقيقته (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء: 28].

الخطبة الأولى:

أما بعد:

ثمان وأربعون ثانية كانت كافية لتدمير كل شيء.

ثمان وأربعون ثانية تململت فيها الأرض ومادت بأهلها واضطربت بمن عليها فكانت الكارثة وجاءت الأخبار المفجعة المؤلمة.

أكثر من 12000 قتيل، ونحو من ثلاثين ألف جريح.

آلاف الأحياء تحت الأنقاض لا يدرون أيعودون إلى الحياة أم تكون هذه نهايتهم.

آلاف الجثث لا يعرفها أحد.

المقابر الجماعية تفتح لصعوبة دفن كل واحد في قبر!

بعض العلماء هناك يفتون بجواز دفن الموتى دون غسلهم لشح المياه وقلتها!

مصافي النفط تحترق وترسل سحابها الأسود يلوث الأجواء.

محطات المياه تنفجر ويخشى من اختلاطها بجثث القتلى لما يسببه ذلك من وباء عام خطير.

ملايين البشر يبيتون في الشوارع والطرقات خشية من هزة أخرى.

فرق الإنقاذ تقف حسيرة عاجزة لا تدري ماذا تصنع؟

ونقلت لنا عدسات المصورات صوراً مؤلمة محزنة.

هذه أم تبكي على ابنها القتيل.

وهذه عائلة تحيط بعائلها المسجى وقد فارق الحياة.

وهذان زوجان يقفان على أطلال منزلهما يبكيان وقد صارا بغير مأوى.

وهذا طفل يخرج من تحت الأنقاض لا تكاد تميز وجهه من قفاه من كثرة الدماء.

وأولاء نفر يجرون كالمجانين بين الأنقاض يصيحون بأسماء أقاربهم وأحبابهم.

ثوان أذلت رقابا عواتي *** كم ارتقب الناس إذلالها

بها ذهل الأب عن ولده *** ولم تذكر الأم أطفالها

وكم فئة في العوالي تمنت *** لو الكوخ قد كان سكنى لها

هكذا كان… وذهبت ثوان قلائل بجهد عشرات السنين، وأدرك الإنسان بعدها حقيقة حجمه في هذا الكون.

لقد اغتر الإنسان في هذا العصر بما عنده من العلم والقدرة، وظن أن لن يقدر عليه أحد، وتوهم أنه سيطر على الأرض وامتلك مقاليدها… غره علمه، وغرته قوته، وغرته سطوته… فأراد الله أن يعلمه الدرس وأن يبصره بحقيقته (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء: 28].

"الإنسان الذي صنع الكمبيوتر وغزا الفضاء ووصل إلى القمر ووقف على سطحه، لم يستطع أن يفعل شيئاً"، لم يقدر على منع الزلزال ولا على تخفيف آثاره، ولقد تقاطرت فرق الإنقاذ من أنحاء الأرض بعددها وعتادها فكم روحاً أنقذت؟ وكم حياة حفظت؟ ولقد رآها الراؤون تتنقل بين الأنقاض تتنصت إلى نأمة جريح أو غياث مستغيث فما تزال تردد النظر ثم ينقلب إليها البصر خاسئاً وهو حسير. "وصدق علي - رضي الله عنه -: مسكين ابن آدم تؤلمه البقة (البعوضة) وتقتله الشرقة وتُنْتِنُه العرقة! (وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ) [العنكبوت: 22]".

أراد الله أن يبين للعالم أنه مالك الملك، العزيز القهار الجبار، لا تقف قوة أمام قوته، ولا توازي عظمة عظمته، وهل يقدر غير الله أن يأمر الأرض فتهتز فتدك ما عليها؟

إن المؤمن الصادق يعلم أن في الكون أسباباً وأن لأحداثه عللاً، ولكنه يؤمن أن الله خالق هذه الأسباب وأنه موجد هذه العلل، ولو لا الله لما أثرت شيئاً…" الله هو الذي يزلزل الأرض، والله هو الذي يجري الأنهار، والله هو الذي يرسل الرياح. يتحرك كل شيء أراد الله له أن يتحرك ويسكن كل شيء أراد الله له أن يسكن (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82].

ليت شعري… أي شيء أهاج الأرض فأخرجها عن وقارها وسكونها؟ أي شيء أغضبها حتى ماجت ومادت؟ أعافت طول السكون و الهدوء؟

أم الأرض تحتج في ثورة *** فما عهدت هكذا آلها

غلا مرجل الغيظ في صدرها *** فأرعشها بعض ما هالها

هي الأم غضبى لفعل بنيها *** وقد تنذر الأم أطفالها!

نعم أيها الإخوة إن الأرض تتزلزل غضباً لمحارم الله.

"لقد تحملت الكثير الكثير، سكبت المسكرات على ظهرها وبنيت الخمارات عليها. سلبت نور الإيمان فعمها الظلام. يسير عليها المرابي ولا يبالي، وتلقي الفتاة حجابها هاتكة عفتها، وتنتهك الأعراض وكأن شيئاً لم يكن. وترى الظلم والغش والخداع وأمام ذلك لم تجد إلا أن تخضع لأمر ربها فأهلكت القوم" واهتزت وتزلزلت.

روى ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمعازف غار الله -عز وجل- في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم فإن تابوا ونزعوا وإلا هدميها عليهم. قال: يا أم المؤمنين أعذاباً لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالاً وعذاباً وسخطاً على الكافرين [الجواب الكافي: 73].

وقال كعب: إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقاً من الرب جل جلاله أن يطلع عليها. [الجواب الكافي: 73].

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: إن هذا الرجف شيء يعاتب الله - عز وجل - به العباد. [الجواب الكافي: 73]

إن المعاصي يا إخوتاه تزيل النعم وتحل النقم (وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30] (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الأنفال: 53].

بل إن الدواب والخلائق تتأثر لمعصية العاصي… قال أبو هريرة: (إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم)، وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصابة بني آدم إذا اشتدت السِنة وأمسك المطر وتقول هذا بشؤم معصية بني آدم، وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. [الجواب الكافي: 94].

إن عصيان الإنسان سبب لكل ما يحل به من بلاء وكرب.

"فما الذي أخرج الأبوين من الجنة؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعاً؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميراً؟ " [الجواب الكافي: 65-67].

كل هذا كان بمعصية الله، روى أحمد بسند جيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده)).

لقد وقف رجال من هذه الأرض المنكوبة في وجه الإسلام منذ عام 1924م حين أسقطت الخلافة الإسلامية وغابت عن العالم الإسلامي للمرة الأولى الخلافة التي كانت تجمع شتاتهم وتلم شعثهم. واستمر مسلسل الحرب..منع الأذان بالعربية وحورب الناس في لباسهم الإسلامي وضيق على المصلحين ونزع حجاب المرأة قسراً ومنعت المحجبة من حقوقها، وقطعت الروابط الأصيلة المتينة مع العالم الإسلامي واستبدل بها روابط هشة مع قوم لا خلاق لهم قد لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم.

فكيف كان انتقام الله لأوليائه؟ وكيف كانت غيرة الله على محارمه؟

أفلا يعتبر المعتبرون؟ أفلا يتعظ الناس؟ لقد لقينا أقواماً شهدوا هذا الحدث وكادوا يهلكون فيه لولا أن أراد الله لهم الحياة فما عساهم فعلوا؟

وأنت يا أيها الآمن في داره يتابع الأخبار ويتفرج على الصور أأمنت (مكر الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 99].

وأنت يا أيها العاكف على المعصية المصر عليها أأمنت عذاب الله وعقوبته؟ أفأنت أكرم على الله من أولئك الذي هلكوا وفيهم الصالح والعابد والعالم؟ أفعندك صك من الله ألا يعذبك (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 80].

إن الله -عز وجل- في مواطن كثيرة من كتابه يحذر أولئك الذين عادوا إلى العصيان بعد أن نجاهم الله من كربهم، بل يحذر حتى أولئك الذين لم يمسهم الكرب بعد (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مّنَ الرّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) [الإسراء: 67-69].

فمتى يعي العصاة المجاهرون والطغاة المتكبرون أنهم إنما يحاربون الله؟ متى يعون أنهم ليسوا في صراع مع الدعاة ولا مع الأخيار ولا مع العلماء وإنما هم في صراع مع الملك الجبار؟ في حرب مع العزيز القهـار؟ ومن يقوى على حرب الله؟

فهل يتعلم الناس من هذا الزلزال العظيم التوبة من العصيان، والتطهر من الذنوب والرجوع إلى الرؤوف الرحيم؟ أم أنهم يريدون أن يكونوا ممن قال الله فيهم: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) [المؤمنون: 76] (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43].

وهل تتعلم الأمة من هذا الزلزال كيف تعدل موازينها وتقوم رجالها؟

وهل تفقه الدرس أم يا ترى *** *** تظل تقدم طبالها

و يبقى أبو الجهل أستاذها *** *** ويبقى أبو الذنب قوالها؟

أيها الإخوة: إذا كانت زلزلة ثوان عملت هذا كله فكيف بزلزلة (يوم يجعل الولدان شيباً) (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: 1-2].

إنها زلزلة هائلة تخفض وترفع وترج الأرض رجاً وتبس الجبال بساً فتجعلها هباء منبثاً.

إنها زلزلة ضخمة تتحول الجبال معها إلى عهن منفوش. وتصير الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.

إنها زلزلة مرعبة تحمل فيها الأرض والجبال فتدكان دكة واحدة.

إنها زلزلة مذهلة تنفض الأرض بسببها كل ما فيها نفضاً وتخرج أثقالها.

وإذا نجونا من زلازل الدنيا فليس أحد منا بناج من زلزلة يوم القيامة فما أعددنا لها؟ لحظة تفكر أيها الأخ لتقلع عن غيك وترجع عن ضلالك. زلزل بناء العصيان والإثم في نفسك قبل أن تزلزل بك الأرض ويقال لك: (مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: 6].

إنها والله لآية لو كان يعقلها العاقلون …

فليت قلوب القساة تفيق *** عليه وتفتح أقفالها

وليت عقول عبيد القيود *** تثور وتكسر أغلالها

لقد أفزعتنا شروخ المباني *** فقمنا نعالج أخطالها

أليست شروخ الضمائر أنكى *** إذا استمرأ الناس إهمالها

الخطبة الثانية:

أما بعد:

عباد الله، إن المؤمن لا يلجأ في كربه إلا إلى ربه… وقد علمتنا الآيات والأحاديث كثيراً من الأذكار والأدعية يقولها الإنسان عن الكرب والبلاء منها: دعاء يونس في بطن الحوت (أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87].

وجاء في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم)).

وفي الترمذي عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر قال: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)).

وعن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: ((سبحان الله العظيم)) وإذا اجتهد في الدعاء قال: ((يا حي يا قيوم)) [الترمذي].

وهذه الأمة جسد واحد يتألم أقصاها لأدناها، وأدناها لأقصاها، وكرب إخواننا هناك كربنا، وهمهم همنا، فلا بد أن ندعو لهم.

عادل بن أحمد باناعمة

  • 0
  • 0
  • 2,744

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً