عقارب الساعة ‏ترجع أحيانًا إلى الخلف

منذ 2015-01-03

عقارب الساعة فعلاً لا ترجع إلى الوراء –بإرادتها- ولا تسير عكس الاتجاه –لوحدها-! حتى لو تعطلت أو نضبت بطارياتها فإنها قد تؤخِّر وتتباطأ، أو ربما تتوقف كليةً لكنها -فيما نعلم- لا تعكس دورتها من تلقاء نفسها، نعم! أقرُّ لك بهذا، إلا أن ذلك لا يحدث فقط في وجود هذا الشرط الذي كان ينبغي أن تتضمنه تلك العبارة المبشرة المفعمة بالتفاؤل: (وحدها من تلقاء نفسها).

عقارب الساعة لا ترجع أبدًا إلى الخلف: عبارة أنيقة هي، أليس كذلك؟!
أنيقة ولها وقع محبب مفعم بالأمل والتفاؤل وسائر تلك المعاني الجميلة، يحلو لكثير من الناس ترديد هذه العبارة الأنيقة خصوصًا في إطار الحديث عن المكتسبات، والتقدم الذي تحققه الشعوب والأفراد في مراحل معينة، كالثورات أو الانتصارات الكبرى والمنعطفات العظيمة..

مراحل قد تغلب عليها زهوة الفرحة بتحقيق إنجازات ونجاحات، أو آمال وطموحات وأمنيات، كثيرًا ما تورث حماسة مفرطة تجعل البعض يهوون طمأنة أنفسهم ومريديهم بهذا المثال والتشبيه بعقارب الساعة، التي تسير دومًا في اتجاه واحد.

حسنًا: عقارب الساعة فعلاً لا ترجع إلى الوراء –بإرادتها- ولا تسير عكس الاتجاه -لوحدها-! حتى لو تعطلت أو نضبت بطارياتها فإنها قد تؤخِّر وتتباطأ، أو ربما تتوقف كليةً لكنها -فيما نعلم- لا تعكس دورتها من تلقاء نفسها، نعم! أقرُّ لك بهذا، إلا أن ذلك لا يحدث فقط في وجود هذا الشرط الذي كان ينبغي أن تتضمنه تلك العبارة المبشرة المفعمة بالتفاؤل (وحدها من تلقاء نفسها).

لكن من قال أنها يستحيل أن ترجع مطلقًا؟
إنها ترجع بكل بساطة بفعل فاعل، بمجرد أن تتحكم بتلك (البكرة) المتصلة بذلك الترس الذي يسيطر على حركة عقارب أي ساعة حائط أو يد أو حتى ساعة (بيج بن) الشهيرة، أو بمجرد إمساكك بتلك العقارب والسيطرة عليها فستستطيع بكل سهولة إرجاعها إلى الخلف، ووضعهم عند الرقم الذي تفضله أو تنتزعهم بالكلية، وتلقي بهم عرض الحائط إن شئت.

هكذا يفعل (الساعاتي) وكذلك يفعل أي إنسان يريد ضبط ساعته، أو حتى تدميرها إن بدا له ذلك لأي سبب مؤثر خارجي تتوافر لديه الرغبة والقدرة على تحريك تلك العقارب، وستتحرك بكل أريحية ويُسر في كل الاتجاهات، لا توجد أي مشكلة في ذلك ولا توجد ساعة كبرت أو صغرت في الكون كله -فيما نعلم-، يستحيل في حقها ذلك التراجع أو انعكاس الاتجاه..

نعم سيظل الوقت كما هو في حقيقته ولن يغير هذا من طبيعة النواميس المحيطة، لكن ما شأن ذلك بتلك الساعة وعقاربها تحديدًا، الساعة نفسها ترجع وتتراجع كما يحلو لصاحبها المسيطر على مؤشرها، حينما يتضح هذا المعنى سيستقيم المثال ويصح التشبيه، ويستفيق الحالم من غفوته، ليدرك أن عقارب البشر أيضًا ترجع أحيانًا إلى الخلف على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأمم يحدث هذا التراجع..

طالما وُجد الدافع وحضرت الشهوة ووُجد الانتهازيون والمنتفعون برجوعها، وطالما توفرت لديهم القدرة على تحريك الأمور وتُرك لهم الحبل على الغارب، وغفل الناس عن حقيقة تمكن هؤلاء المنتفعين من عقارب الأمم والشعوب، ولم ينتبهوا إلى كون أولئك الانتهازيين يمسكون بتلابيبها فإنهم بكل بساطة سيفعلون بها ما بدا لهم، سيؤخرونها ويرجعونها إلى الخلف، وربما يحطمونها تحطيمًا.

التاريخ قديمه وحديثه يشهد ويذخر بما لا يحصى عدده من النماذج التي رجعت فيها عقارب الأمم والأفراد إلى الخلف.. نماذج لأمم تراجعت في مختلف الجوانب وعلى جميع الأصعدة والمستويات، سواءً على المستوى الفكري والثقافي، أو على المستوى الاجتماعي والأخلاقي، أو على المستوى الحقوقي والحرياتي، وطبعًا على المستوى الديني والسياسي والاقتصادي، ونماذج لأفراد انتكسوا وغيروا وبدلوا واختاروا لأنفسهم أسوأ ختام..

إذاً: فكل أنواع العقارب قد ترجع، ومنها -كما بينت- عقارب البشر أفرادًا وأممًا فإنها ترجع أيضًا، إذا ما توفرت للبعض إرادة التراجع والقدرة عليه، ووكلهم الله لأنفسهم وأهوائهم، وتسلط عليهم سفهاؤهم، ربما لا تسير عقارب الأمم على نفس النسق بحذافيره، وربما لا يعيد تاريخها نفسه بتفاصيله..

لكن المحصلة أنها قد ترجع وتتراجع وتنعكس حركتها وتسوء أوضاعها، ولا يوجد أي مانع مطلق ينفي حدوث ذلك أو على الأقل احتمالية وقوعه، المشكلة في من يصر على ترداد الشعارات المطمئنة بلا تفكير، ولا نظر وتأمل: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض» (صحيح النسائي:4137)، هكذا حذر نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك نبه أمته، ولطالما سأل ربه الثبات وتعوذ من السلب بعد العطاء، ومن الحور بعد الكور، وكذلك دعا الصالحون ربهم فقالوا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8].

المسألة إذاً ممكنة شرعًا، والاحتمال قائم دينًا وعرفًا..
ولقد احتشدت في القرآن والسنة نماذج لأقوام انتكسوا وغيروا وبدلوا، وساء ختامهم بعد حسن ابتدائهم، ولعل نداء المنافقين على المؤمنين يوم القيامة يعد من أوضح الأمثلة القرآنية لتلك الحقيقة: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} [الحديد من الآية:14]، فيرد المؤمنون: {بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد من الآية:14].

إنه إذاً الغرور والاغترار بالأماني والشعارات الأنيقة الفارغة، التي يظن أصحابها أنهم سيقنعون الناس بكونهم مجرد آلات تسير على قضبان صلبة، ووفق روتين محدد واتجاه ثابت كعقارب الساعة، تلك العقارب التي هي أيضًا ‏ترجع أحيانًا إلى الخلف! 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 1
  • 0
  • 8,559

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً