وقفات تدبرية في سورة السجدة - وقفات (14-15)

منذ 2015-01-11

النفس تمر بحالات من الغفلة والنسيان، فهي بحاجة لتذكير مستمر، وتنشيط للأذهان، وتجديد للإيمان، فتعاهد قلبك، واستثمر الفرص، والمواسم؛ كرمضان.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

قال تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة:14].

لذلك لا ينبغي أن نستزيد من العلم لمجرد العلم، بل لا بد من العمل بمقتضى هذا العلم، وإلا سيكون حجة علينا، ووبالًا يوم القيامة، قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء:94].

عن مالك بن دينار قال: "مكتوب في التوراة؛ كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد".

في هذه الآية انتقال من مشهد المكذبين الذين لا يخضعون، إلى مشهد المؤمنين الموقنين، وجاءت هذه الآية في وسط السورة كاللؤلؤة في وسط العقد، فهي مادتها ونتيجتها وخلاصتها، فمن يوقن بهذه الحقائق لا يملك إلا أن يخضع لله، ويسجد له.

هنالك فرق بين {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص:42]، {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34]، {خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة:15].

في الأولى: بعد أن نفخ الله بآدم الروح؛ وكانت الملائكة مشغولين بالتسبيح والتحميد، ولأهمية هذا الحدث من كان مشغولًا بشيء ثم انتبه كأنه وقع.

والثانية: هو السجود الطبيعي الذي نقوم به في الصلاة، وكذلك سجود الملائكة لآدم عليه السلام.

والثالثة: عندما يقرأ الإمام في الركعة الأولى من فجر الجمعة بسورة السجدة؛ ويصل إلى قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا} [السجدة:15].

فإنهم ينزلون من قيامهم خاضعين ساجدين متذللين لله عز وجل، كخرير الماء وهو هبوط مصحوبا بصوت، كأنه صوت الخشوع والبكاء، وفرق بين شخص قرأ آية فسجد، وآخر قرأ آية مؤثرة فسجد وهبط إلى الأرض وهو يبكي.

وأوثرت صيغة المضارع في: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ}؛ لما تشعر به من أنهم يتجددون في الإيمان، ويزدادون يقينًا، وقتًا فوقتًا.

إذا رضي المؤمن أن يضع أعز شيء فيه وهي جبهته، على التراب وهو أذل شيء يطئه الناس، فقد عرف الله حقه.

الله جل جلاله غني عن سجود جميع الخلق، ولكن ما رزق المؤمن السجود له، وأعانهم عليه إلا لأنه يحبهم، وهذا من أعظم التوفيق.

النفس تمر بحالات من الغفلة والنسيان، فهي بحاجة لتذكير مستمر، وتنشيط للأذهان، وتجديد للإيمان، فتعاهد قلبك، واستثمر الفرص، والمواسم؛ كرمضان.

إياك والتسويف، فالمؤمن الحق بمجرد التذكير يتذكر، ويخر ساجدًا خاضعًا لله.

سرعة الاستجابة لأوامر الله من أعظم علامات الشكر على النعم.

جزاء من يستجيب الجنة كما في هذه الآية، وجزاء من يستكبر النار قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60].

في الآية أهمية تأمل وتدبر آيات القرآن لحصول التذكر والتفكر، ثم الخضوع والاستجابة.

اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

ليوم/ العاشر من شهر يناير لعام ألفين وخمسة عشر.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أيمن الشعبان

داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.

  • 1
  • 0
  • 2,295
المقال السابق
(12- 13)
المقال التالي
وقفات (16-17)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً