بين التقدير والتقديس

منذ 2015-02-03

واقع بعض المسلمين اليوم منحرف عن خط الاعتدال، فطائفة لا تعرف قدر نفسها، تتطاول على العلماء الأجلاء... وطائفة تبالغ في تقدير رجالها، ولا ترضى أن يتكلم فيهم أحد..

أريدُ بالتقدير: الاحترام والتأدب مع الآخرين، وخاصة العلماء والكبار، وأهل الفضل، وأريد بالتقديس: المبالغة في الاحترام، والخروج به عن الاعتدال إلى التطرف، وإضفاء بعض صفات العصمة، أو التنزيه على الشخص، سواءٌ كان عالمًا، أم فقيهًا، أم داعية، أم إمامًا، أم قائدًا... والمطلوب هو الاعتدال الذي حثت عليه تعاليم الدين الحنيف.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (سنن ابى داود، رقم: [4843]).

وقال عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» (الترمذي، رقم: [1920]).

وواقع بعض المسلمين اليوم منحرف عن خط الاعتدال، فطائفة لا تعرف قدر نفسها، تتطاول على العلماء الأجلاء، والأئمة الأعلام (وإن أخطؤوا) فتتكلم عنهم وتكتب بقلة أدب! وطائفة تبالغ في تقدير رجالها، ولا ترضى أن يتكلم فيهم أحد، ولو كان كلامه نقدًا علميًا بنّاءًا قائمًا على الإنصاف والاحترام مع مخالفتهم، وفي الوقت ذاته لا يجدون حرجًا في تخطئة غيرهم من العلماء الآخرين الذين يحظون بالقدر نفسه من الاحترام، أو التقديس من قبل جماعات أخرى، أو في أماكن أخرى، هذا التعصب واحد من الحُجُب التي تحجب الحقيقة عن طالبها، وواحد من موانع التفكير السديد الذي يسعى العقلاء للوصول إليه.

إن احترام الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبهم لا يجاريهم فيه أحد، ومع ذلك كانوا يناقشونه، ويقترحون عليه -في غير الوحي- وجهات نظرٍ أخرى، كما في قصة الحُباب بن المنذر رضي الله عنه في غزوة بدر، حين اقترح مكانًا للنزول غير الذي اختاره النبي المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، فوافقه على اقتراحه، وكما منع عمر أبا هريرة رضي الله عنه من تبشير الناس بالجنة كما أمره الرسول بذلك. فوافق الرسول عليه السلام عمر (والحديث في مسلم). وكمناقشة بعض الصحابة نبيهم عليه الصلاة والسلام في وثيقة صلح الحديبية (والحديث في الصحيحين). لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم المثال الأسمى في الحب والاحترام والسمع والطاعة والتسليم من جهة، وفي حرية إبداء الرأي من جهة أخرى، كما علّمهم نبيهم صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى.

ويحسن في هذا المقام إيراد النقاط التالية:

1- الحق ليس حكرًا على أحد، فكل إنسان يخطئ ويصيب، والمعصوم هو النبي صلى الله عليه وسلم.

2- العالم الكبير قد تحدث منه زلة صغيرة أو كبيرة، يُعتذر له عنها، ولا نقدح في سائر فضائله.

3- قد يكون الرجل متفوقًا في علم دون علم، فيكون لرأيه وكلامه الوزنُ فيما برع فيه لا فيما سوى ذلك. وكم من إمام في الحديث لا باع له في الفقه، وكم من إمام في العلوم العقلية بضاعته في الحديث مزجاة قليلة.

4- قد يتصف العالم بخلق دون خُلق، فالكمال في الرجال -حاشا الأنبياء عليهم السلام- غير موجود. وتختلف حظوظ العلماء قلةً وكثرةً من فضائل: كالذكاء الحاد، والحكمة العميقة، والتقوى، وسعة الأفق، والذاكرة القوية، وحسن الخلق... وكم من عالم تقي نقي لا يكتب حديثه لقلة ضبطه.

5- قد يدرك الطالب الصغير أمرًا يخفى على عالم كبير، وهذا لا يعني أنه أعلم منه.

6- مخالفة الصغير للكبير في بعض الرأي لا تعني عدم الاحترام، ومخالفة العالم لمن هو أعلم منه لا تعني الانتقاص من منزلته، أو رَفْعَ النفس إلى مستواه، وما أكثر مخالفة أصحاب أبي حنيفة لإمامهم، وظل هو الإمام، وظلوا هم الأصحاب.

7- الحق لا يعرف بالرجال، لكن الرجال يعرفون بالحق، فلا أحد أجل من أن يخطئ، ولا أحد أقل من أن يُنصح ويُصوَّب، والله الموفق.

أحمد البراء الأميري

دكتوراة في الدراسات الإسلامية من جامعة الإمام محمد بن سعود.

  • 0
  • 0
  • 3,045

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً