دور الأمة في مواجهة العلمانية (2)

منذ 2015-02-22

إن العلمانية دخلت إلى العالم الإسلامي بسبب غياب المفاهيم الإسلامية الصحيحة عن واقع العالم الإسلامي مما مهد الطريق إلى دخول العلمانية إلى العالم

كيف دخلت العلمانية إلى العالم الإسلامي؟ (5)

 

والإجابة هي إن العلمانية دخلت إلى العالم الإسلامي بسبب غياب المفاهيم الإسلامية الصحيحة عن واقع العالم الإسلامي مما مهد الطريق إلى دخول العلمانية إلى العالم وذلك، إننا لا نعدم أيضًا في بواكير (التراث الفكري الإسلامي) بعض الجذور العميقة لتصورات ومفاهيم منحرفة عن الإسلام الصحيح ساهمت إلى حد كبير في إخصاب الأرضية الفكرية التي عملت عليها العلمانية.

 

فمن ذلك: الأثر الذي تركته الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية على فكر بعض الفرق وخاصة المعتزلة حيث شاع عندهم تقديم العقل على النقل عند توهم تعارضهما حتى عدّوا ذلك أصلا من أصول الاستدلال فكانوا ينكرون ما يستطيعون من الأحاديث النبوية التي تتعارض مع المعقول بحسب تصورهم لهذا المعقول بدعوى عدم ثبوتها أو عدم حجيتها لكونها أحاديث آحاد لا تفيد اليقين وهذه الفكرة في أحد جوانبها من شأنها تضييق نطاق النصوص الشرعية وما يستنبط منها لحساب توسيع مجال عمل العقل الذي أخذ يحتل مكانة النصوص في منهجية الاستدلال. كما أخذوا يؤولون الآيات القرآنية -تأويلا أيًا كان بُعده- ليوافق أصولهم ومعارفهم العقلية التي عدوها يقينية، فكان استخدام هذا الأصل بقدر ما يعلي من قيمة العقل البشري بقدر ما يحط من قوة الإيمان بالغيب وصفاء التسليم للشريعة.

 

ومن ذلك أيضا: الأثر الذي تركه الفكر الإرجائي على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان، فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يكتفي في الإيمان بتصديق وقول -على اختلاف بينهم- ومن ثم: كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان وهي تشمل الحياة كلها، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركًا الإيمان قابعًا في زاوية ضيقة تسمى القول، ثم تحول هذا القول على يد المرجئة الجدد إلى مجرد ألفاظ خالية من مدلولاتها ومعانيها، ومما زاد من أثر آراء المرجئة على حياة الأمة: اندثار المرجئة الفرقة، وبقاؤها بل وانتشارها أفكارًا وآراء.

 

ثم كان للصوفية نصيب من هذا الإخصاب: إذ تعانق مع الفكر الإرجائي انحراف مفهومي (العبادة) و(القضاء والقدر) عند المتصوفة، حيث تحول مفهوم الزهد الإيجابي الذي كان عليه السلف على يد المتصوفة إلى سلوك انسحابي أخذ شكل التفرغ للعبادة في مسجد أو زاوية أو خلوة أو حتى كهف. وأما من انصرف إلى معالجة شؤون الدنيا فقد كان ينظر إليه عند هؤلاء على أنه انصرف عن العبادة، وكما رأينا اضطراب العلاقة بين العقل والنقل عند المعتزلة الذي تطور لاحقًا عند (التنويريين) إلى اضطراب في العلاقة بين العلم والدين نجد هنا على يد المتصوفة علاقة متنافرة غريبة بين الدين والدنيا أو بين الآخرة والدنيا، فمن أراد الدين والآخرة فله المسجد لا شأن له بالدنيا، فلمن ترك هذه الدنيا ؟! يتصدى لها أهل الفساد والانحراف ولا يكون ذلك مستهجنًا، كما لا يكون مستغربًا أن ينظموا هذه الدنيا بمنأى عن الدين الذي ترك في خلوات العبادة وحلقات الفقه وفي قول أو شعائر يؤديها الفرد المسلم بل يتم التسليم بذلك الانحراف على أنه قضاء وقدر.

 

أضف إلى ذلك: إن ما روجه الصوفية عن الفرق بين الحقيقة والشريعة كان بابًا واسعًا للانسلاخ من الشرع والتفلت من الدين تحت مظلة ادعاء (الولاية) وقد كان هذا المفهوم مطية لتأويلات عديدة غير منضبطة بأصول شرعية أو لغوية أو عقلية.

 

ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في إخصاب الأرضية التي قامت عليها العلمانية: الفصل الحاد بين (العبادات) و(المعاملات) الذي اقتضته (الأصول الفنية) للمنهجية العلمية التي قامت عليها الكتب الفقهية المتأخرة.

وكذلك بعض الآراء الأصولية الفقهية الشاذة أو الاستخدام السيء لبعض الأصول والقواعد الفقهية فلقد ناقش الفقهاء مسألة (نسخ القياس والإجماع للقرآن والسنة) وردها ولكن إثارتها من بعض العلماء وإن كانوا قلة يدل على استعداد فكري مبكر لتطويع الشريعة، كما ساهم في ذلك الانحراف عن ضوابط بعض الأصول والقواعد الفقهية مثل: الخروج بالاستحسان والمصالح المرسلة من كونها المصالح الشرعية إلى المصالح التي يرتئيها المنفذون حسب عقولهم وأهوائهم ومثل الانحراف بنظرية العرف أو قاعدة (العادة محكمة) ليكون العرف والعادة هما الأصل الذي يقدم على ما سواه ولا شك أن مجرد وجود هذه العوامل والمؤثرات كان لا يعني حتمية نشوء العلمانية في العالم الإسلامي ؛ ذلك أن في الإسلام ذاته وفي العالم الإسلامي في مجلة من القيم الأخرى الأصيلة والقوى المعادلة لهذه العوامل والمؤثرات ما يبطل أو يضعف أثر هذه العوامل ولكن الحقيقة أيضا أن هذه العوامل والمؤثرات شكلت -عندما انتشرت وتعاظمت- حالة يمكن أن نطلق عليها (القابلية للعلمنة) شبيهة بتلك (القابلية للخضوع) التي قصدها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والمفكر مالك بن نبي، والتي أطلقوا عليها: قابلية للاستعمار، إضافة إلى أن هذه العوامل مثلت ثغورًا نفذ منها العلمانيون إلى بناء الفكري الإسلامي، وعلى ذلك: فإن هذه العوامل والمؤثرات رغم وجودها في مسيرة الأمة إلا أنها لم تكن عناصر فاعلة إلا في القرنين الأخيرين، وذلك لأن العوامل المساعدة المنشطة التي تحث هذه العناصر على التفاعل لم تكن متوفرة بشكل كاف قبل ذلك ومن أبرز هذه العوامل المساعدة: الهزيمة النفسية لدى المسلمين وتوجه الغرب إلى الغزو الفكري مع -أو بدلا من- الغزو العسكري الذي أثبت إخفاقه وحده عبر حروب صليبية طويلة (6).

 

الوسائل التي ساعدت على انتشار العلمانية:

ما هي الوسائل التي ساعدت على انتشار العلمانية في العالم الإسلامي؟

والإجابة عن هذا التساؤل تكون بشكل مجمل، لأن الغرض هنا هو رسم صورة عامة إجمالية لهذا الموضوع والآن إلى أهم هذه النقاط:

 

1- من خلال الاحتلال العسكري الاستعماري: فقد وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحراب العسكرية وعبر فوهات المدافع البوارج البحرية.

 

2- من خلال البعثات العلمية التي ذهبت من الشرق إلى الغرب لطلب العلم والتقدم فعاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم، ذهبوا لدراسة الفيزياء والكيمياء والإحياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية بل دراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في جامعات الغربية ولك أن تتصور حال شاب مراهق يحمل الشهادة الثانوية ويلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه بعد أن يكون قد سقط إلى شحمة أذنيه في حماة الإباحية والتحلل الأخلاقي، وما أوجده كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية وفي أهم المراكز العلمية بل القيادية في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء وإلى تاريخها بريبة واحتقار وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها -في أحسن الأحوال- بشفقة ورثاء، إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلًا تجاريًا لمن علّموه وثقفوه ومدّنوه وهو لا يملك غير ذلك ولئن كان هذا التوصيف للبعثات الدراسية ليس عامًا فإنه الأغلب وبالذات في أوائل عصر البعثات وما (طه حسين) و(رفاعة الطهطاوي) إلا أمثلة خجلي أمام غيرهم من الأمثلة الصارخة الفاقعة اللون مثل (زكي نجيب محمود) و (محمود أمين العالم) و(فؤاد زكريا) و(عبد الرحمن بدوي) وغيرهم الكثير، ولئن كان هذا الدور للبعثات العلمية تم ابتداء من خلال الابتعاث لعواصم الغرب فإن الحواضر العربية الكبرى مثل (القاهرة- بغداد- دمشق) أصبحت بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها وبالذات لدول الجزيرة العربية

 

3- من خلال البعثات التبشيرية:

فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقًا وغربًا من شتى الفرق والمذاهب النصرانية جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين بدينهم وإخراجهم منه، وتشكيكهم فيه، حتى وإن لم يعتنقوا النصرانية وليس أجدى من العلمانية وسيلة لهذا الغرض والأمر ليس من باب التخمين والافتراض بل نطقت بهذا أفواههم وخطته أقلامهم.

 

4- من خلال المدارس والجامعات الأجنبية:

ففي أواخر الدولة العثمانية وحين سيطر الماسونيون العلمانيون على مقاليد الأمر سمح للبعثات التبشيرية والسفارات الغربية بإنشاء المدارس والكليات وانتشرت في بلاد الشام والأناضول انتشار النار في الهشيم وخرجت أجيالا من أبناء المسلمين وبناتهم أصبحوا بعد ذلك قادة الفكر والثقافة ودعاة التحرر والانحلال.

 

5- من خلال الجمعيات والمنظمات والأحزاب العلمانية التي انتشرت في الأقطار العربية والإسلامية ما بين يسارية وليبرالية وقومية وأممية وسياسة واجتماعية وثقافية وأدبية بجميع الألوان والأطياف وقد تختلف هذه التجمعات في أي شيء إلا في تبني العلمانية والسعي لعلمنة الأمة كل من زاوية اهتمامه والجانب الذي يعمل من خلاله.

 

6- من خلال البعثات الدبلوماسية:

سواء كانت بعثات للدول الغربية في الشرق أو للدول الشرقية في الغرب فقد أصبحت في الأعم الأغلب جسورًا تمر من خلالها علمانية الغرب الأقوى إلى الشرق الأضعف من خلال الاقتداء ومن خلال المنح الدراسية وحلقات البحث العلمي والتواصل الاجتماعي والمناسبات والحفلات ومن خلال الضغوط الدبلوماسية والابتزاز الاقتصادي وليس بسر أن بعض سفارات الدول الكبرى أكثر أهمية وسلطة من القصر الرئاسي أو مجلس الوزراء في تلك الدول الضعيفة التابعة.

 

7- من خلال الشركات الغربية الكبرى التي وفدت لبلاد المسلمين مستثمرة في الجانب الاقتصادي، لكنها لم تستطع أن تتخلى عن توجهاتها الفكرية، وقيمها وأنماط حياتها الاجتماعية وهذا أمر طبيعي، فكانت من خلال ما جلبته من قيادات إدارية وعمالة فنية احتكت بالشعوب الإسلامية سببًا مهمًا في نشر الفكر العلماني وقيمه الاجتماعية وانعكاساته الأخلاقية والسلوكية، ولعل من المفارقات الجديرة بالتأمل أن بعض البلدان التي كان يعمل فيها بعض الشركات الغربية الكبرى من أمريكية وبريطانية لم تبتل بالتنظيمات اليسارية، ولم تنشأ إلا في هذه الشركات في أوج اشتعال الصراع بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الغربي (7).

 

--------------------

(5) طبيعة هذا المبحث أنه مختصر، ومن أراد التفاصيل فيرجع إلى كتاب (العلمانية) للدكتور: سفر الحوالي.

(6) جذور العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي- خالد أبو الفتوح- البيان 159

(7) العلمانية... التاريخ والفكرة- د/ عوض بن محمد القرني- بتصرف وانظر (ملف العلمانية) من مجلة البيان [العلمانية 159- 161].

محمد المصري

معلم وباحث إسلامي مهتم بالقضايا التربوية والاجتماعية ،وله عديد من الدراسات في مجال الشريعة والعقيدة والتربية الإسلامية.

  • 0
  • 0
  • 1,198

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً