هل المصريون متدينون؟

منذ 2015-04-11

هل الشعب المصري شعب متدين فعلاً بالمفهوم الإسلامي لكلمة التدين! سواء في رمضان أم في غير رمضان؟! للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نلاحظ أن مظاهر التدين التي نقصدها هي المظاهر الصادقة كـ(اللحية، والحجاب والنقاب، والالتزام بالصلاة في المساجد، وأداء العمرة أو الحج، والزكاة والصدقات..) ونحو ذلك بهدف التقرب إلى الله بصدق، ولا يعنينا الذين يفعلون ذلك كمظاهر للاحتيال على الناس بغرض إخفاء طبيعتهم الحقيقية..

من المشهور عن الشعب المصري أنه شعب متدين منذ عصر الفراعنة وحتى الآن، أيًا كان الدين الذي يعتنقه، كما يثير شهر رمضان هذه القضية من ناحية أن العديد من مظاهر التدين تزيد وتنتشر في المجتمع المصري في هذا الوقت من كل عام أكثر من أي وقت آخر، ولكن هل الشعب المصري شعب متدين فعلاً بالمفهوم الإسلامي لكلمة التدين! سواء في رمضان أم في غير رمضان؟!

للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نلاحظ أن مظاهر التدين التي نقصدها هي المظاهر الصادقة كـ(اللحية، والحجاب والنقاب، والالتزام بالصلاة في المساجد، وأداء العمرة أو الحج، والزكاة والصدقات..) ونحو ذلك بهدف التقرب إلى الله بصدق، ولا يعنينا الذين يفعلون ذلك كمظاهر للاحتيال على الناس بغرض إخفاء طبيعتهم الحقيقية، فلا يعنينا من يفعل أي من هذه الطقوس ليخفي حقيقة أنه منحرف، إنما الحالة التي نناقشها هي حالة المتدين بهذه العبادات صادقًا في أدائها بغرض التقرب إلى الله.

هل هذا هو التدين الذي حض عليه الإسلام؟ وهذا الذي يفعل ذلك هل هو متدين حقًا؟
إن التدين الحقيقي هو تقوى الله تعالى بمعنى طاعته والخوف منه، والاستعداد ليوم الحساب يوم القيامة بفعل الطاعات وترك المعاصي، وقد ورد الأمر بالتقوى في مواضع كثيرة من القرآن والسنة، وعندما ورد الأمر بالتقوى فإنه ورد أحيانًا بصيغ عامة جدًا مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، ومثل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]، وقوله عزو جل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن:16]، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33].

كما أوضح القرآن أن التقوى هي وصية الله لجميع الخلق على لسان مختلف الرسل قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} [النساء من الآية:131]، ولذلك نجد أن ابن تيمية يشير إلى أن أهم وأفضل وصية لأي إنسان هو تقوى الله لأنها وصية الله لجميع الخلق في الإسلام وقبل الإسلام.

فالتقوى هي التدين وهي الالتزام بتعاليم الدين، لأنها هي الخوف من الله والاستعداد لملاقاته بطاعته وتجنب معصيته، وطاعة الله الحقيقية تكون شاملة لأن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة:208]، أي التزموا بجميع تعاليم الإسلام، فالسلم هنا معناه الإسلام كما قال المفسرون.

والأمر بالتقوى كما ورد مجملاً في القرآن فإنه ورد أيضًا مقترنًا بتفاصيل بعض الطاعات مثل الجهاد في قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة:194]، ومثل العلاقة الزوجية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223]، وكذلك في الطلاق والرضاع ومناسك الحج والصيام، والزكاة والصدقة وتقسيم الغنائم والمعاملات المالية وإقامة العدل والتعاون على البر وعدم التعاون على الإثم كما ورد مقترنا بأحكام الصيد والطعام والبراءة من أعداء الله، وتحري الحلال في كل شيء، والشهادة في الميراث أو في المعاملات المالية، والصدق وتوحيد الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والقيام بالإصلاح بين الناس، وتجنب الغيبة وسوء الظن والتجسس، وغير ذلك كثير مما يطول ذكره..

وفي ذلك إشارة إلى أهمية القيام بطاعة الله وتجنب معصيته في مختلف المجالات، ومن هنا نعلم أن الاسلام شامل فهو ليس مجرد جوانب محدودة من الطاعات، بل هو منهج شامل للحياة كلها، وهو بذلك يشمل أشياء لها طبيعة مادية ظاهرة كالصلاة والحج والملابس وغيرها كما يشمل أشياء معنوية مثل العدل والصدق والمعاملات المالية والاستقامة السلوكية وحسن الخلق ونحو ذلك..

ومن هنا فالمسلم المتدين أو التقي مطالب بالقيام بكل ما يستطيعه من هذا المنهج الشامل، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة:208]، وقوله تعالي: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة من الآية:85]، رغم أن ذلك كله متوقف طبعًا على مدى الاستطاعة.

ومن هنا فمن تعمد قصر التدين على بعض العبادات دون غيرها من العبادات أو دون التدين في المعاملات والأمور المعنوية فهو مقصر في تدينه، كما أن فهمه للتدين هو فهم خاطئ، ومن الغريب أنه انتشر بين كثير من الناس الآن التعلق بجوانب شكلية على أنها التدين ولا تدين غيرها بينما يغفلون بقية جوانب الإسلام رغم مخالفة ذلك لمنهج الإسلام نفسه.

والعجيب أن التدين الشكلي عبر الالتزام بمظاهر بعض العبادات أمر دخل على المسلمين منذ زمن طويل، فعندما انغمست قطاعات واسعة من المجتمع الإسلامي في الترف بشكل زائد عن الحد وتعلقوا بالدنيا وابتعدوا عن التدين بدرجة ما في العصر العباسي نشطت حركة العلماء والوعاظ والمتصوفيين يدعون الناس للعودة للالتزام الديني والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، لكن مع مرور الوقت بدأ الانحراف يدب في أوصال الكثير من الوعاظ والمتصوفين فصاروا يتمسكون بالمظاهر الشكلية من الالتزام الديني، فتحول التدين إلى طقوس وشعائر شكلية لا ينفذ تأثيرها لداخل القلوب، ربما بدأ انتشار ذلك في عصر المماليك ولكنه على كل حال استمر ليومنا هذا.

قد يكون ذلك لسهولة هذه الشعائر والطقوس، إذ يسهل على شخص أن يؤدي الحج أو العمرة بينما يصعب عليه أن يكون عادلاً في سلوكه أو صادقًا في أقواله، وربما يسهل على شخص أن يواظب على الصلاة ولكن يصعب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وقد يسهل على إنسان أن يخرج صدقات، لكنه يصعب عليه أن يجاهد أو يصدع بكلمة الحق في وجه ظالم من ذوي المناصب الكبيرة.

بل حتى العبادات التي نستسهلها جميعًا من صلاة أو صوم أو نحوها فإننا لا نقوم بها حق القيام، فالصلاة مثلاً ليست قيام وقعود وقراءة فقط، بل هي خشوع وتأمل وتفكر في ما نقول ونقرأ ومناجاة لله تعالى، وهذا قد يصعب على بعض الناس بينما يسهل عليهم القيام والقعود والقراءة، ويعتبرون أنفسهم قد قاموا بما عليهم من واجب الصلاة، وهكذا سائر العبادات حيث يسهل علينا القيام بمظهرها دون معاناة محاولة القيام بجوهرها، وهذا خلل في فهمنا لحقيقة الدين.

وكذلك فإن هناك تفاضل في العبادات، إذ من المتفق عليه بين العلماء أن العبادة المتعدية النفع كالصدقة أو إقامة العدل أو إعانة الضعيف أفضل من العبادة غير المتعدية كذكر الله أو الصلاة النافلة أو صيام النافلة، فالأولى يعود نفعها على العديد من الناس، بينما الثانية يقتصر نفعها على القائم بها وحده، وهذا أيضًا مما يغفله كثير من الناس بشكل شوه كثيرًا من مفهوم التدين في أيامنا هذه.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

عبد المنعم منيب

صحفي و كاتب إسلامي مصري

  • 1
  • 0
  • 1,569

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً