انظروا إلى عبدي "قائمًا" لا يراه أحد

منذ 2015-09-28

أوَمُفَرِّط في شرفك؟! بأي شيء تنهل من النبع؟ خذ أجرك ممن أحببت أن يراك.

كلما حدَّث الناس عن الله بكوا، إنه إبراهيم عزت. فأصرَّ أحد الأطباء يومًا أن يعرف منه السر، بعد إلحاحٍ مستمر، قال: "أدعو الناس بالنهار، وأدعو لهم بالليل". إنه ذاك النبع الفياض بأسراره وقت الليل والخلوة بالله. أقوى ما في ذلك النبع قيام الليل؛ زاد الدعاة، راحة العباد، مدرسة الإخلاص، طريق الصالحين إلى الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيامِ الليلِ، فإنه دَأْبُ الصالحين قبلَكم، وإن قيامَ الليلِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ، ومَنْهاةٌ عن الإثمِ، وتكفيرٌ للسيئاتِ، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسدِ» (سنن الترمذي [3549]). 

 قيام الليل دأب الصالحين، ولكن أي صالحين؟ هم درجات؛ السائرون إلى ربهم: منهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، منهم السائر أعرج، ومنهم من يعتلي جواد مهرول. هناك من يتجنب الخير، وهناك من ينهل بكوب من ذاك النبع، وهناك من لا يحرص فحسب بأن يملأ إناءه الكبير بل مُدلِاً أحبته (أيقظ أهله). فمن الصالحين مَن يحرص ألا يُكتب من الغافلين، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن قام بعشْرِ آياتٍ لم يُكتَبْ مِن الغافلينَ، ومَن قام بمئةِ آيةٍ كُتِب مِن القانتينَ، ومَن قام بألفِ آيةٍ كُتِب مِن المقنطِرينَ» (صحيح بن حبان [2572]). مع مراعاة أن لفظ الحديث «مَن قام» وليس مجرد القراءة.

ومنهم كالصحابة، كما وصفهم علي بن أبي طالب: "وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ صُفْرًا غُبْرًا بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ أَمْثَالُ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا سُجَّدًا وَقِيَامًا يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ رِيحٍ، وَهَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ"، نعم هم بشر مثلنا تُرهق أجسادهم، وتهفو نفوسهم لراحة، لكن انظر كيف يروِحون؟! ليس القيام السريع الأشبه بنقر الديك يحتاج لراحة، إنه إطالة السجود ترويحًا عن الأقدام، ثم إطالة القيام بين يدي الله، وفي النهاية تراهم وكأن القوم باتوا غافلين!

كذلك نجد سعد بن أبي وقاص؛ واصفًا لعمر بن الخطاب أبطال القادسية"و لو رأيتهم يا أمير المؤمنينبالليل لهم بالقرآن دوي كدوي النحل،و هم بالنهار آساد لا تشبههم الأسود". أولئك الصحابة، من ننظر لهم نظرة الحب، والانبهار، أولئك من مرُّوا بحالات أسوأ مما نحن فيه الآن (كانو كفاراً) بل من بينهم مَن حارب نبي الله!  بتلك النفوس وبهذا الاجتهاد كان توفيق الله ملازمًا لهم، نصرهم الله؛ نصرًا يطمح له كل مؤمن بالثبات حتى الممات و الفوز بمحبة الله والعيش بهناءة الطاعة ولذتها، ونصر تهفو له النفوس بجعل كلمة الله هي العليا، وتمكين لدين الله على أيديهم.

في حديثنا عن درجات الصالحين وتباينهم، وجب ذكر أولئك المتطلعون لرضا الله ومحبته بل أن يضحك الله لهم! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يضحكُ اللهُ إلى رجلَيْن، رجلٌ لَقي العدوَّ وهو على فرسٍ من أمْثَلِ خيلِ أصحابِه فانهزموا، وثبُت، فإن قُتِل استُشهِد، وإن بَقي فذاك الَّذي يضحكُ اللهُ إليه، ورجلٌ قام في جوْفِ اللَّيلِ لا يعلمُ به أحدٌ فتوضَّأ فأسبغ الوضوءَ، ثمَّ حمِد اللهَ ومجَّده، وصلَّى على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واستفتح القرآنَ، فذاك الَّذي يضحكُ اللهُ إليه، يقولُ : انظُروا إلى عبدي قائمًا لا يراه أحدٌ غيري» (القول البديع [264]). يباهي الله به ملائكته، والناس نيام، لا يراه أحد، فيأمر الله ملائكته فينظرون إليه، أي ينعم برؤية الملائكة له. حديث يجمع فيه بين مُجاهد وقائم، وليس أي جهاد بل من ثبُت. ما أروع القيام! خذ أجرك ممن أحببت أن يراك.

وهذا نبي الله، قدوتنا صلى الله عليه وسلم تتفطر قدماه! وهو الرسول..المغفور له.. ليكون: عبدًا شكورًا. يأمره الله {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2]. وجاء في كتاب (الرحيق المختوم) في فصل الهجرة حينما أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام بسريره، أن ذلك كان بمنتصف الليل، فالمشركين يعلمون جيدًا عادته. "وكان من عادة النبي أن ينام في أوائل الليل بعد العشاء، ويخرج نصف الليل للقيام"، إنه قائد .. مجاهد .. داعية .. أب وزوج ونبي وفقيه و أعباؤه لم تثنيه عن شرف المؤمن، فما حجتنا إذن؟

من أي الصالحين أنت؟ ومع من تتسابق وتتنافس؟ الجهد سيفنى .. والأجر سيبقى، فلمَ الكسل؟! لكن، الأمر ليس بهذه البساطة، لن يتركك الشيطان. سيحاربك، لن يألُ جهدًا فهل تترك شرفك؟ لا تعن شيطانك بعجب يتسلل لقلبك، كتسلل الضوء للنافذة! داوم شكر الله على نعمته عليك {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]. 

ابتعد قدر المستطاع عن معصية الله في خلوتك نهارًا يمنن عليك بطاعته في خلوتك ليلًا. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود:88]. تضرَّع إليه قبل موتك الأصغر، وتذكر قول نبيك: «إنْ تَصْدُقِ اللهَ يصدُقْكَ» (صحيح الجامع: [1415]). جرِب أن تتوضأ، وتصلي ركعتين تدعو فيهما الله ألا يحرمك قيام هذه الليلة، وكن صادقًا، نم مُبكرًا أخذًا بالأسباب، ليوقظك الله في الثلث الأخير.

"ما ألينك! ولكن فراش الجنة ألين منك"، بهذه الكلمات  الملهمة يحفز نفسه عبد العزيز بن أبي روّاد. خاطب ما تحب، هاتفك - فراشك - طعامك - كتابُك .... خاطب ما يقف بينك وبين القيام، حتمًا الجنة أجمل، إنها السلعة الغالية. وبالأخص أن القيام سبيل للجنة؛ «أطعِمِ الطَّعامَ وأفشِ السَّلامَ وصِلِ الأرحامَ وقُمْ باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ تدخُلِ الجنَّةَ بسلامٍ» (صحيح بن حبان [2559]).

---------------------------------

بقلم: خديجة خالد.

  • 0
  • 0
  • 1,439

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً