مَنْ الذي ركنَ الفيل؟!

منذ 2015-09-13

بينما في الوقت نفسه يكتفي كثير ممن لم يحققوا معشار ما حققه الهنود بأن ينفوا عن أنفسهم تلك التهمة الشنيعة ويؤكدون بثقة يحسدون عليها أنه لم يركنوا أفيالهم بالخارج. حينئذ تتساءل في حيرة: ترى... ‫‏من الذي ركن الفيل؟!

شايفني هندي؟؟

شايفني راكن الفيل برة؟؟

شايفني داقق عصافير؟؟؟

جمل استنكارية معروفة يكررها المصريون كلما شعروا أن أحدًا يوشك أن يستغفلهم أو يستخف بعقولهم. يقولونها مسارعين بنفي السذاجة عن أنفسهم ناسبين تلك السذاجة إلى غيرهم بكل أريحية وضمير مستريح!

أحيانًا يقول الشخص الذي ينفي السذاجة عن نفسه: إنت شايفني داقق عصافير؟! بعض المهتمين بأصول العامية المصرية يرون أن هذه الجملة لها أصل فرعونى حيث كانوا يرسمون عصافير على جانبي رأس الشخص الساذج (العبيط) وتم توارثها إلى يومنا هذا. لكن البعض لا يرون ذلك التفسير صحيحا ويؤكدون أن فيها تعريضًا بأهل الصعيد الذين كانوا يدقون على جانبي جباههم وشومًا تشبه العصافير وقيل كانوا يشرِّطون جانبي الجبهة لتقيهم من ضربات الشمس.

الشخص الذي ينفي كونه داقق عصافير هو ببساطة ينفي كونه صعيديًا على أساس أن أهل الصعيد في نظر صاحب المثل سذج جميعًا وحاشا لله أن يكونوا كذلك. طبعا كثير ممن يرددون الكلمة لا يقصدون الإساءة للصعايدة لأنهم لا يدركون أصل الكلمة لكن ماذا عن الذين ينفون كونهم هنودًا؟!

إنت شايفني هندي؟!

شايفني راكن الفيل برة؟!

في هاتين العبارتين الشهيرتين عنصرية واضحة ولا يمكن التهرب من وضوحها كما نرى. الكلام مباشر والجنسية المحتقرة ها هنا مذكورة بكل صراحة. الهندي الذي يركن فيله الأليف خارج المتجر أو السوق هو فقط الساذج الأبله وأنا طبعًا مش هندي ولا راكن الفيل في أي مكان فبالتالي كُلِّي مفهومية وذكاء.

منذ أسابيع قليلة وتحديدًا في بداية أغسطس الماضي فاجأت مؤسسة جوجل العملاقة العالم بعدة قرارات مصيرية كان من أهمهما دخولها تحت مظلة كيان عملاق آخر اسمه (ألفابيت) وتحدث العالم عن تلك الخطوة الجريئة باستغراب وتم تناولها بالكثير من التحليلات التي حاولت فهم ما حدث جنبًا إلى جنب مع أخبار الرئيس التنفيذي الجديد لمجموعة جوجل بأكملها (سوندار بيشاي) ذي الثلاثة وأربعين ربيعًا.

لكن وسائل الإعلام الهندية كانت لديها زاوية أخرى للخبر: هندي آخر يقفز إلى منصب إداري رفيع في شركة تقنية أمريكية.

هندي آخر؟!

ليس الأول إذًا؟

نعم؛ لدى الهنود الآن (ساتيا ناديلا) على رأس (مايكروسوفت) والذي حقق نجاحات مدهشة بالمقارنة بسلفه ستيف بالمر، وأيضًا (شانتانو ناراين) مديرًا تنفيذيًا لـ(أدوبي)، و(سانداي ميهروترا) مديرًا تنفيذيًا لشركة SanDisk، بخلاف المهندس (أجاي بهات) والذي يرجع إليه الفضل باعتباره الأب المؤسس لمعيار USB وأيضًا لا ننسى (أميت سينجال) وهو الذي يشرف على الأعمال الأساسية لمحرك بحث جوجل والذي يستخدمه أكثر من مليار مستخدم كل شهر، وطبعا (فينود دهام)، الأب المبتكر لمعالج إنتل بنتيوم الشهير، وغيرهم الكثير ممن لا يتسع المقال لذكرهم جميعًا.

في الوقت ذاته، يؤسس الهنود 15% من إجمالي الشركات الناشئة في (وادي السيليكون) قلعة التقنية العالية في الولايات المتحدة والموطن الأول والأهم عالميًا في مجال التطوير والاختراعات الجديدة في مجال التكنولوجيا المتطورة والذي يساهم في ثلث العائدات الاستثمارية في مجال المشاريع الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الهنود يقتربون الآن من السيطرة على خُمس شركات هذا الوادي وبحسب بعض الدراسات يتوقَّع أن يسيطر الهنود خلال السنوات القادمة على صناعة التقنية وشركاتها الناشئة في هذا الوادي الأمريكي الشهير.

طبعًا كل هذا بخلاف ما يوجد في الهند نفسها والتي يعدها البعض وادي سيليكون آخر حيث تعتبر الهند ثاني أكبر دولة مصدرة للبرمجيات بعد أمريكا ويتم فيها تطوير حوالي 40% من البرمجيات المستخدمة في الهواتف الخلوية وتتخطى عائدات هذا القطاع التقني في الهند 100 مليار دولار، حيث بلغت قيمة الصادرات عام 2012 ما يقارب السبعين مليار دولار.

كل هذه الأرقام والإحصاءات التي تسطر قصة نجاح مدهشة لتلك الدولة وأبنائها الذين -بالمناسبة- يبلغ تعداد المسلمين فيهم ما يزيد عن المائتي مليون مسلم، لم أذكرها على سبيل مصمصة الشفاه والتحسر على الحال ولا من باب أن النجاح الدنيوي هو المعيار الوحيد للحكم على الناس.

لكن المثير للدهشة حقًا أن تجد الدراسات تتحدث عن كون الهنود يحققون أعلى المراتب في الصفات القيادية والمهارات الإدارية، وأنهم حققوا نتائج غير عادية وبنوا مؤسسات كبيرة أو صاروا على رؤوسها وأثبتوا أن المقدمة لم تعد حكرًا على السيد الأبيض كتلك الدراسة متعددة الثقافات والتي أجريت في جامعة (نيو هامبشاير الجنوبية) قد اختبرت مجموعة من المديرين من الولايات المتحدة والهند، ووجدت الدراسة أن أغلب المديرين الهنود حققوا مرتبة أعلى من حيث الصفات القيادية والمهارات الإدارية، وأن المديرين الهنود كانوا أكثر تطلُّعًا نحو المستقبل، ويجمعون مزيجًا متناقضًا من (تواضع الشخصية) الحقيقي مع (الإرادة المهنية) بشكل مكثف. حتى حقق هؤلاء القادة نتائج غير عادية وبنوا مؤسسات كبيرة دون الكثير من الهرج والمرج أو التألق الزائف.

بينما في الوقت نفسه يكتفي كثير ممن لم يحققوا معشار ما حققه الهنود بأن ينفوا عن أنفسهم تلك التهمة الشنيعة ويؤكدون بثقة يحسدون عليها أنه لم يركنوا أفيالهم بالخارج. حينئذ تتساءل في حيرة: ترى... ‫‏من الذي ركن الفيل؟!

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 0
  • 1
  • 954

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً