نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الاستعلاء بالإيمان خروج من الدونية والسلبية

منذ 2009-03-24

إن المؤمن الذي استعلى بإيمانه وملأ الإيمان قلبه لا يرضى إلا بإعلاء كلمة الله إعمال شرعه ولو على نفسه وأهله... ولا يرضى بمناهج شرقية أو غربية وهي قد أضلت وأهلكت أهلها الذين ابتدعوها وزمروا لها وطبلوا.

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى... وبعد:

فالإيمان هو تكريم الله للمؤمنين وهو المنة العظمى من الله على عباده قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

وقال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17].

والمنة : من منّ عليه يمنّ منّاً - أحسن إليه وأنعم والاسم المنّة والجمع منن.

والفرق بين المنة والنعمة: أن المنة هي النعمة المقطوعة من جوانبها كأنها قطعة منها، ولهذا جاءت على مثال قطعة، وأصل الكلمة القطع ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8، الانشقاق: 25]، أي غير مقطوع، وسُمي الدهر منونا لأنه يقطع بين الإلف، وسمي الاعتداد بالنعمة مناً لأنه يقطع الشكر عليها.

ومن صفات الله تعالى: المَنّان. ومعناه: المُعطي ابتداءً، ولله المِنّة على عباده ولا مِنّة لأحد منهم عليه. (راجع: المخصص - الفروق اللغوية - تهذيب اللغة).

فالإيمان منة الله ونعمته المطلقة على المؤمنين:

قال ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية):
"وهذه النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة، والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه ـ وهو لا يحب الفرحينِ ـ قال الله تعالى: {قُلْ بفَضْل اللَّهِ وبرَحْمَتِه فبِذَلكَ فَلْيَفْرحوا هوَ خَيْرٌ ممّا يجْمَعُون} [يونس: 58]" .أ.هـ...

وهو أمر الله الجامع لكل من ادعى الإيمان ـ من أهل كل ملة ـ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] (قال الطبرى فى تفسيره [(9 / 313 وما بعدها) ـ الرساله]).

فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم"مؤمنين"؟

قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم "مؤمنين" ، وإنما وصفهم بأنهم "آمنوا" ، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق... وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما، وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل: {آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، محمد صلى الله عليه وسلم {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ}، فإنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، تجدون صفته في كتبكم، وبالكتاب الذي أنزل من قبلُ الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتّباعكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافرون... فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة النساء: 136]" .أ.هـ

وقال مجاهد: "أراد به المنافقين، يقول: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب"، وقال أبو العالية وجماعة: هذا خطاب للمؤمنين يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أي أقيمُوا واثبتُوا على الإيمان، كما يُقال للقائم: قُمْ حتى أرجع إليك، أي اثبت قائمًا... وبذلك فهو خطاب للمسلمين كافة... أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه.... والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً، أو: آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي...

وحقيقة الإيمان هى التصديق الجازم بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر تصديقا ينجزم في القلب انجزاما يبعث على انفعال القلب بما صدق به انفعالا إيمانيا يترتب عليه انفعال الجوارح بذلك الإيمان على وفق ما يقتضيه ذلك الإيمان قولا وعملا بحسب ما يقرره الشرع الإيمانى ويرتضيه الله سبحانه... وللإيمان أركان معلومة من الدين بالضرورة، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره... لكن حقيقته هي ما ذكرت.

والإيمان ليس كلمة تقال باللسان؛ إنما هو اتباع للمنهج الذي جعله الله ترجمة عملية واقعية لهذا الإيمان، وجعل الإيمان مقدمة لتحقيقه في الحياة الواقعية وتكييف حياة المجتمع وفق مقتضياته.

وهذا الإيمان بحقيقته الشرعية إذا استقر فى القلب قاد صاحبه إلى العلو... العلو الإيمانى... والعلو الإيمانى:

علو فى الدنيا:
قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه، ويحتمل أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة، ويحتمل أن يراد بالإيمان التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني أجري، أو من قبيل قولك لولدك: إن كنت ابني فلا تعصني (ذكره الألوسي في تفسيره مختصرا).

وقال صاحب البحر المحيط:
وفي قوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} دلالة على فضيلة هذه الأمة، إذ خاطبهم مثل ما خاطب موسى كليمه صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه، إذ قال له: لا تخف إنك أنت الأعلى. وتعلق قوله: إن كنتم مؤمنين بالنهي، فيكون ذلك هزاً للنفوس يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله، وقلة المبالاة بالأعداء. أو بالجملة الخبرية: أي إنْ صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة. ويكون شرطاً على بابه يحصل به الطعن على من ظهر نفاقه، أي: لا تكون الغلبة والعلو إلا للمؤمنين، فاستمسكوا بالإيمان....

وقد قيل: عنى بقوله: {وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ} وأنتم الغالبون آخر الأمر، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وقهروكم في بعض الحروب....

وعلو فى الآخرة:
يقتضى التكريم فيها قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات : 13]... ومن لم يكرمه الله فهو مهان... مهان... قال تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]... نسأل الله أن يرزقنا العلو فى الدنيا والكرامة فى الاخرة..!!

والمؤمن الذي استجمع حقيقة الإيمان في قلبه يشعر بذلك العلو.... فتجده يستعلي بإيمانه... وحقيقة الاستعلاء بالإيمان تتجلى في تحقيق العبادة لله، والعبودية له، والتوجه إليه في حساسية وتقوى، وإلى وحدة منهج الله في الهيمنة على الكينونة البشرية كلها، في كل حال من أحوالها، وإلى الترابط بين جميع هذه الأحوال في ظل هذا المنهج الذي يبعث على كثير من النتائج الإيجابية، ومن أولها وأهمها حقيقة حضور الله - سبحانه - معه وسمعه وعلمه بكل ما كان وما دار بينه وبين غيره من الناس، وهي الحقيقة التي تحرص التربية القرآنية على استحضارها وتقريرها وتوكيدها وتعميقها في نفس المؤمن، وهي الحقيقة الأساسية الكبيرة التي أقام عليها الإسلام منهجه التربوي والتي لا يستقيم مؤمن على المنهج الإسلامي بكل تكاليفه إلا أن تستقر فيه هذه الحقيقة بكل قوتها وبكل حيويتها، وهذه من أعظم نتائج استعلاء المؤمن يالإيمان؛ فهو يستعلى بمعبوده ـ الله سبحانه وتعالى وحده ـ ويستعلى بمنهجه ـ شريعة الإسلام لا غير ـ وبالتالى فهو يشعر بالاطمئنان من كل ناحية؛ فحيث يكون غيره مذبذب مضطرب حيران، هو ـ المؤمن ـ مطمئن قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

وهذا يؤدى إلى تصفية النفوس، وتخليصها من غبش التصور، وتحريرها من ربقة الشهوات، وثقلة المطامع، وظلام الأحقاد، وظلمة الخطيئة، وضعف الحرص والشح، والرغبات الدفينة.

وهذا يجر إلى الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد، والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة المسلمة، من خلال قوة العبد الذى استعلى بإيمانه، وهذا بدوره يعمق فى نفوس الجماعة المسلمة أن ليس لها من أمر النصر شيء، إنما هو تدبير الله لتنفيذ قَدَره، من خلال استعلائها بإيمانها وجهادها، وأجرها على الله، وليس لها من ثمار النصر شيء من أشياء هذه الأرض، إنما لحساب الأهداف العليا التي يشاؤها الله للذين يؤمنون به ويستعلون على كل شيء بهذا الإيمان... وكذلك الهزيمة فإنها حين تقع بناءً على جريان سنة الله، وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تقصير وتفريط، إنما تقع لتحقيق غايات يقدرها الله بحكمته وعلمه؛ لتمحيص النفوس وتمييز الصفوف، وتجلية الحقائق، وإقرار القيم، وإقامة الموازين، وجلاء السنن للمستبصرين... ولا قيمة ولا وزن في وجدان المؤمن ـ الذى يعلم أن العلو في إيمانه ليس في ما حقق من نتائج ـ للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي؛ ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس، والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس؛ ليكون كل نصر نصراً لله ولمنهج الله، وليكون كل جهد في سبيل الله ومنهج الله، وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية، وباطل ينتصر على باطل، ولا خير فيها للحياة ولا للبشرية، إنما الخير أن ترتفع راية الحق لذات الحق، والحق واحد لا يتعدد، إنه منهج الله وحده، ولا حق في هذا الكون غيره، وانتصاره لا يتم حتى يتم أولاً في ميدان النفس البشرية، وفي نظام الحياة الواقعية، وحين تخلص النفس من حظ ذاتها في ذاتها، ومن مطامعها وشهواتها، ومن أدرانها وأحقادها، ومن قيودها وأصفادها، وحين تفر إلى الله متحررة من هذه الأثقال والأدران، وحين تنسلخ من قوتها ومن وسائلها ومن أسبابها، لتكل الأمر كله إلى الله، بعد الوفاء بواجبها من الجهد والحركة التي توافق الشرع، وحين تُحكِّم منهج الله في الأمر كله، وتَعُد هذا التحكيم هو غاية جهادها وانتصارها ـ لان هذا هو تفعيل الاستعلاء بالشرع ـ حين يتم هذا كله، يحتسب الانتصار في المعركة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية انتصاراً لله، وإلا فهو انتصار للجاهلية على الجاهلية، الذي لا وزن له عند الله ولا قيمة... بل مكانه تحت الأقدام...

وهذا كله ليكون اليقين من أن النصر والهزيمة كليهما قدر من أقدار الله، لحكمة تتحقق من وراء النصر كما تتحقق من وراء الهزيمة سواء، وأن مَرَد الأمر في النهاية إلى الله على كلا الحالين وفي جميع الأحوال... وهذه حقائق وأصول إيمانية قرآنية.... قال تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

وفال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21].

وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

وحتى لايظن من قل علمه وضعف إيمانه أن تقلب الكافرين فيما هم فيه من غلبة وغيرها من مظاهر الغرور هي من صنعهم ومن عند أنفسهم... علمنا الله سبحانه فقال عز من قائل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]؛ فالنصر مِنّهٌ مباشرةٌ منه جل وعلا، ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

وهكذا فالمؤمن المستعلي بإيمانه مستقر في وجدانه الإيماني أن الأمر كله إلى الله؛ كي لا يعلُق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة: قاعدة رد الأمر جملة وتفصيلا إلى مشيئة الله تعالى، وإرادته الفاعلة وقَدرِه المباشر، وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة، وإنما هي أداة تحركها المشيئة الإلهية، وتحقق بها ما تريده...."ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"...

ن المؤمن الذي استعلى بإيمانه يعلم أن العزة من عند الله ولا تُلتمس من غير طريق الإيمان، فلا ينهزم وجدانيا ولايشعر بالقلة والدونية أمام المال وأصحابه مهما رأى من كثرة الأموال وما لها من زينة.... قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 79-80].

{إِلَّا الصَّابِرُونَ}: على الطاعات وعلى قمع أنفسهم عن الشهوات... وهم المستعلون بإيمانهم..

والمؤمن الذي علا بإيمانه على كل النقائص البشرية لا ينهزم أمام ما أوتي الكفار من سلطان وغلبه مهما كانت ومهما واجهوها ورفعت عصاها فى وجوههم:

قال تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه: 71 - 75]... وهذه صورة إيمانية مضيئة منيرة لمن استعلوا بالإيمان ولم تصبهم تلك الدونية والانهزامية المقيتة التي أصابت كثير من المسلمين الآن أمام من اتُو السلطان وكانت لهم الغلبة من الكافرين؛ فهؤلاء يعرفون قدر قوة فرعون وبطشه وسطوته، لكنه الإيمان بأن الأعلى ـ فى كل المقامات ـ من أعلاه الله، والأسفل من سفله الله الكبير المتعال، ولذلك أغرق الله فرعون فى أسفل نقطة من الأرض فى قعر البحر... وأمر الأرض أن تبتلع قارون فهو يتسفل فيها.

قال الطبري في تفسيره - [الرسالة - (19 / 631)]:
عن ابن عباس {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ}، قال: "قيل للأرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم؛ ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم؛ ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى أحقائهم؛ ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم؛ ثم قيل لها: خذيهم، فخسف بهم، فذلك قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ}" .أ.هـ.

والمؤمن الذي لا ينهزم نفسيا أمام ما يراه من أحوال الكافرين والمخالفين مما يصيب العوام والطغام بالفتنة، علمه ربه أنه الأعلى وأنه لا ينبغي له أن يذل لعدوه ويطلب منه السلم ابتداءً إلا أن يطلبه عدوه قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35].

قال الألوسي فى تفسيره:
"{وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ} والحال أنكم الأعلون الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر"... حكى القرطبي أنهم لم يخرجوا بعد ذلك عسكراً إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه الصلاة والسلام، وكذا في كل عسكر كان بعد، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم....

والحال أنكم أعلى منهم شأناً فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة الله تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار.

ولذلك قال سبحانه: {فَلاَ تَهِنُواْ} أي إذا علمتم أن الله تعالى مبطل أعمالهم ومعاقبهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفاً...

{وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء الدنية... واستدل العلماء بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وعلى تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز... ونهاهم عن العجز، والفشل، ثم بين لهم أنهم الأعلون على عدوّهم بالنصر والظفر.

{والله مَعَكُمْ} أي ناصركم فإن كونهم الأغلبين وكونه عز وجل ناصرهم من أقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل والضراعة... أ.هـ

ولذلك فالمؤمنون لا يبحثون عن منهج ولا عن طريق؛ فهم ليسوا مذبذبين ولا متحيرين ولا متهوكين، بل هم على ثقة من ربهم ويعلمون بما علمهم أنه معهم، وعلى ثقة من منهجهم وشريعتهم، لا يبحثون عن بدائل أو تجارب، بل الطريق أمامهم واضح المعالم، بَيِّن الصُوى والمنارات، لا يلتبس عليهم منه شيء.

قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}... على وجه القصر والحصر، على الله وحده فليتوكل المؤمنون؛ فليس لهم - إن كانوا مؤمنين - إلا هذا السند المتين؛ فهم مستقرون لا يترددون يعلمون من أين وإلى أين وكيف يكون الطريق وعلى من يكون الاعتماد...

يجرى الناس أمامهم وراء الاشتراكية ويتهافتون عليها وهم بيقينهم يعلمون أن الحق فيما شرعه الله لا غير... حتى يرون نقض الاشتراكية وما وراءها من عقيدة الشيوعية في عقر دارها في بلاد السوفييت بعدما دامت ـ بغير اسقرار ـ أقل مما يدوم بقاء دار مبني من اللبن ـ [دامت الشيوعية في بلاد السوقييت أقل من ثمانين عاما]ـ... ثم يرون الناس تلهث وراء الرأسمالية وهم يقولون: "هي... هي...، ولا منهج ولا سبيل للاستقرار غيرها".... ثم سرعان ما يكفر بها أهلوها بعدما خربت الرأسمالية دورهم وضيعت عليهم الأموال التي هي قوام حياتهم بل هي أغلى شيء عندهم ... وهذا ما رآه العالم ويعاني منه أكثره من كارثة الانهيار الاقتصادي الرأسمالي الذي أصاب العالم في مقتل ولعله لا يعافى من هذه الإصابة ولا يقوم منها إلا على قبره.... قبر الرأسمالية... والذي سيكون بجوار قبر الإشتراكية...

وسبحان من علمنا وأرشدنا الى ما يحدث وما سيحدث فقال جل فى علاه: {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} [غافر: 4]... وقال تعالى ذكره: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196-197].

والحمد لله في الأولى والآخرة وسبحان من قال: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126]... وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55]... وقال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118]... وقال عز من قائل: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219]... وقال سبحانه: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

وحقيقة الأمر وماهيته يبينها قول الله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58].

فالمؤمن على ثقة وبينة من ربه وبمنهجه وشرعه لأنه استعلى بإيمانه فأورثه إيمانه هذه الثقة والطمأنينة، فشرد الناس وضلوا وأوردوا أنفسهم موارد الهلاك وكان المؤمن آمن مطمئن بربه فى ظل إيمانه...

قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ...} [الأنعام: 57].

وانظر معى إلى هذا الحوار الذي يبين مدى ثقة المؤمنين بما هدوا إليه واطمأنوا به، قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75]... نعم نحن لا نؤمن أنه مرسل فحسب بل نؤمن أيضا بما جاء به... وهذا بالرغم من أنهم مستضعفون، لكنه الاستعلاء الإيماني، والثقة الإيمانية، والثبات الذي يمن الله به على من يشاء... نسأل الله أن يرزقنا ذلك...

وهذا أبو بكر رضى الله عنه يضرب لنا مثلا لمن استعلى بإيمانه فى مواجهة جحافل الشرك وهو مستضعف:

أخرج البخارى عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ: "أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي"، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: "إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ"، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟!"، فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: "مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ؛ فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا"، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: إِ"نَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي؛ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ" [البخارى برقم: 2134].

إن المؤمن الذي استعلى بإيمانه لا يصيبه صغارٌ أبدا حتى يطلب من عدوه ومبغضه، ومن لايرضى عنه حتى يتبع ملته، يطلب منه أن يرضى عنه ويقول له بلسان الحال قبل المقال ما الذي يرضيك؟!، أغير قرآني؟!، أغير عقيدتي؟!، أغير خطابي الديني حتى يوائم ذوقك ورغباتك؟!... هذا لا يكون أبدا إلا من متهوك مخذول تسفل بجهله ونفاقه ولم يستعلي بإيمانه..!!!

إن المستعلي بإيمانه، المتوكل على ربه وحده دون ما سواه، المطمئن بذكر ربه وبشريعته... لا يطلب ولا يتدنى بطلب السلم ممن لايرقُب فيه إلاً ولا ذمه... ومن طُلب منه لا يرضى الا بإفنائه ـ افناء المسلم ـ وهو مع ذلك مُصر على الذلة والمهانة التى نهى الله عنها {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد: 35].

إن المؤمن الذي استعلى بإيمانه وملأ الإيمان قلبه لا يرضى إلا بإعلاء كلمة الله إعمال شرعه ولو على نفسه وأهله... ولا يرضى بمناهج شرقية أو غربية وهي قد أضلت وأهلكت أهلها الذين ابتدعوها وزمروا لها وطبلوا.

إن المؤمن الذي استعلى بإيمانه لا يطلب على صدق الله، وأنه الحق، وقوله حق، ووعده حق، وشرعه الحق، لا يطلب على ذلك دليل لأنه على بينة من ربه؛ فهو يؤمن بأن الربا ممحق لكل وجود اقتصادي وإن لم يرى تلك الكارثة الاقتصادية العالمية التي شهدت بكل معطيات الشهادة "أن الربا ممحق"؛ لأنه يؤمن بقول الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].

إن المؤمن الذي خرج من الدونية والخزي والتسفل بإيمانه واستعلى به لا يرى في علو الكافرين إلا جريان سنة الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول... وإن اليوم للكفار غلبة.... وغدا بإذن الله للحق البقاء حتى يرث الله الأرض ومن عليها... {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62].

نسأل الله الثبات على الحق والعزيمة على الرشد، وأن نحيا مؤمنين، وأن نموت على الحق مطمئنين...

وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

وكتبه
د/ السيد العربي ابن كمال



  • 4
  • 0
  • 8,064
  • الشافعى احمد

      منذ
    [[أعجبني:]] فضيله الدكتور السيد العربى ان الاستعلاء بالايمان ياتى بالعلم والفهم عن الله وشريعته ويزداد هذا الاستعلاء بازدياد العلم وكثرته والتبحر فيه عن الله سبحانه وتعالى وكلما كان ايضا العبد مخلصا لله فى عبوديته وتوحيده كان الاستعلاء بدينه وايمانه اقوى وارسخ واشد ثباتا فى قلبه فلا يقبل بالدونيه ولا السلبيه ولا الذل ولا المهانه طالما علم انه عبد لله وان الله هو مولاه وسيده كما قال الشاعر ومما ذادنى فخر وتيها وكدت باخمصى اطاء الثريا دخولى تحت قولك يا عبادى وان ارسلت احمد لى نبيا فمن كان الله رب العالمين ربه والاهه و بيده ملكوت كل شىء وهو وحده الذى ينفعه ويضره ويطعمه ويسقيه ويميته ويحيه وله الامر من قبل ومن بعد فلمن بعد الله يذل هذا العبد نفسه او يعطى الدنيه والهوان والدونيه قال عليه الصلاه والسلام لعبد الله ابن عباس رضى الله عنه يا غلام انى اعلم كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك اذا سئلت فاسئل الله واذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان الامه لو اجتمعت على ان ينفعوك بشسىء لن ينفعوك الا بشىء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت على ان يضروك بشىء لن يضروك الا بشىء قد كتبه الله عليك فقد بين النبى عليه الصلاه والسلام لسيدنا ابن عباس وكل الامه الاسلاميه من بعد رجالها ونسائها شبابها وشيوخها ان الذى ينفع هو الله وحده والذى يضر هو الله وحده ولو اجتمعت الامه كلها عليك فلن ينفعوك ولن يضروك الا بشىء قد قدره الله وكتبه لك وهذا الحديث يجعل المسلم يستعلى بايمانه بالله وتعلقه وتوكله الدائم بالله وحده فانه يتوكل على من بيده الامر وليس لاحد اخر من العالمين شان او دخل فى نفعه وضره وقال ايضا سبحانه ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين فان من ثمرات الايمان عدم الهوان والحزن فى الدين ولا الرضى بالدنيه بل الاستعلاء بهذا الدين وبالايمان بالله فمن كان الله معينه والله ناصره والله سنده والله وكيله والله حسيبه فكيف يهن ويحزن ويرضى بالذل والهوان ان هذا من علامات نقص الايمان وضعف الايمان بالله فان العبد المسلم الذى رضى بالله ربا وبالاسلام ديننا وبمحمد نبيا ورسولا عليه الصلاه والسلام كان حقا عليه ان يعيش حياته فى هذه الدنيا مستعلى بايمانه بالله وبرسوله وبدينه على كل كافر عدو لله ولرسوله ولو ضعف ساعه او انكسر ساعه فهو بالله سيقوى وينتصر ساعات وساعات سنه الله فى خلقه وفى هذه الحياه الدنيا انه من يؤمن به ويتوكل عليه وينصره فان الله يعينه وينصره ويسدده ولو ابتلاه يوما ما فان العاقبه له فى الدنيا والاخره ففى الدنيا فاز وانتصر بايمانه ورضى الله عنه وفى الاخره فاز بالجنه والخلود فيها فى رضوان الله وكنفه ورحمته مع انبيائه ورسله
  • أبو عاصم النبيل

      منذ
    [[أعجبني:]] المقالة جيدة جدا تحتاج إلى تطبيق عملي منا جزى الله الشيخ د سيد العربي خير الجزاء
i