صلة الأرحام

منذ 2016-01-12

قال القاضي عياض رحمه الله : "لا خلاف أن صلةَ الرحم واجبةٌ في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها: ترك المهاجَرة، وصلتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، لو وصل بعض الصلة ولم يصِلْ غايتها، لا يسمى قاطعًا".

الحمد لله {الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[الفرقان:61-62]، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:
فإن لصلة الأرحام منزلةً ساميةً في الإسلام؛ من أجل ذلك أحببتُ أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بضرورة صلة الرحم.

بسم الله الرحمن الرحيم
معنى الرحم:
الرحم في اللغة:
الرحم: موضع تكوين الجنين، ووعاؤه في البطن؛ [المعجم الوسيط صـ 335].

الرحم: اسم مشتق من مادة (ر ح م) التي تدل على الرقة والعطف والرأفة، والرحِم: علاقة القرابة، ثم سميت رحمُ الأنثى رحمًا من هذا؛ لأن منها ما يكون ما يُرحَمُ ويُرَقُّ له من ولد،و(الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة؛ (مقاييس اللغة لابن فارس جـ 2 صـ 498)، (مختار الصحاح للرازي صـ 120).

الرحم في الشرع:
قال الإمام النووي رحمه الله: "صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسَب حال الواصل والموصول؛ فتارةً تكون بالمال، وتارةً بالخدمة، وتارةً بالزيارة والسلام، وغير ذلك" [مسلم بشرح النووي جـ 2 صـ 201].

صلة الأرحام وصية رب العالمين:
(1) قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215].

(2) وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].

(3) وقال سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36].

(4) وقال جل شأنه: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75].

(5) وقال جل شأنه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

(6) وقال سبحانه: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الروم:38].

حكم صلة الأرحام:
قال القاضي عياض رحمه الله: "لا خلاف أن صلةَ الرحم واجبةٌ في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها: ترك المهاجَرة، وصلتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، لو وصل بعض الصلة ولم يصِلْ غايتها، لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له، لا يسمى واصلًا". [مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 356].

حد الرحِم:
قال الإمام النووي رحمه الله: "اختلف العلماء في حد الرحِم التي تجب صلتها، فقيل: هو كل رحِم محرَّم، بحيث لو كان أحدهما ذكَرًا والآخر أنثى، حرُمت مناكحتُهما؛ فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال، واحتج هذا القائلُ بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ونحوه، وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال"، وقيل: هو عامٌّ في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي المحرم وغيره، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم« ثم أدناك أدناك»، وهذا القول الثاني هو الصواب؛ [مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 356].

الأنبياء هم القدوة في صلة الأرحام:
(1) قال سبحانه عن نوحٍ صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:59-62].

(2) وقال سبحانه عن صالح صلى الله عليه وسلم: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود:61].

(3) وقال تعالى عن هودٍ صلى الله عليه وسلم: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:65-67].

(4) وقال جلَّ شأنُه عن شُعَيب صلى الله عليه وسلم: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود:84-86].

(5) وقال سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23].

(1) روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]، قال سعيد بن جبير: "قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابنُ عباس: "عجِلْتَ؛ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة»؛ [البخاري: 4818].

(2) روى مسلم عن أبي هريرة، قال: لما أنزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدشمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدمناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملِك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها ببلالها» (أي: سأصلها)؛ [صحيح مسلم : 204].

صلة الأرحام من ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر:
(1) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليُكرِمْ ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليصِلْ رحِمَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ» [البخاري: 6138].

صلة الأرحام طريق الجنة:
(1) روى الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أخبِرْني بعمل يدخلني الجنة، قال - القائل مَن حضر من القوم- : ما له؟ ما له؟وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أَرَبٌ ما له»؛ أي: حاجة يطلبها ويسأل عنها جاءت به «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم»؛ [البخاري : 1396/ مسلم : 13].

(2) روى ابن ماجه عن زرارة بن أوفى قال: حدثني عبدالله بن سلام، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس (ذهبوا مسرعين) قِبَلَه (نحوه)، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله ثلاثًا، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به، أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» [صحيح ابن ماجه للألباني حديث: 2630].

صلة الأرحام بركة في الأرزاق والأعمار:
(1) روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ (أي يؤخر) له في أثَرِه، فليصِلْ رحمه» [البخاري: 2067].

قال الإمام النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم«مَن أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصِلْ رحِمه»؛ أي: يؤخر، والأثر: الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها، وبسط الرزق توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه، وأما التأخيرُ في الأجل ففيه سؤال مشهور، وهو أن الآجالَ والأرزاق مقدرة، لا تزيد ولا تنقص؛ {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]، وأجاب العلماء بأجوبة، الصحيح منها: أن هذه الزيادة بالبركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.

والثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنةً، إلا أن يصل رحِمه، فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيقع له من ذلك، وهو مِن معنى قوله تعالى{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد:39] فيه النسبة إلى علم الله تعالى، وما سبق به قدره، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة، وهو مراد الحديث.

والثالث: أن المراد بقاءُ ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمُتْ؛ [مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 357: 356].

(2) روى أحمد عن عائشة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنه مَن أُعطِيَ حظُّه مِن الرفق، فقد أُعطِيَ حظَّه مِن خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحُسن الخُلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار»؛  [مسند أحمد جـ 42 صـ 153 حديث: 25259].

صلة الأرحام تمحو السيئات:
روى الترمذي عن عبدالله بن عمر: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي توبة؟ قال«هل لك من أم؟» قال: لا، قال«هل لك من خالة؟» قال: نعم، قال«فبَرَّها»؛ [صحيح الترمذي للألباني: 1554].

الصدقة على ذوي الأرحام مضاعَفة:
(1) روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان أبو طلحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا مِن نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء - اسم حديقة - ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب - عَذْب - ، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[آل عمران:92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخرها عند الله، فضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه؛ [البخاري:1461

(2) روى الشيخانِ عن كريب مولى ابن عباس: أن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أخبرته أنها أعتقت وليدةً - جارية - ولم تستأذنِ النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه -يبيت عندها-، قالت: أشعَرْتَ -أي أعلمت- يا رسول الله أني أعتقت وليدتي -جاريتي-، قال: «أوَ فعلتِ؟»، قالت: نعم، قال«أمَا إنك لو أعطيتِها أخوالَك، كان أعظمَ لأجرك -أكثر ثوابًا لك»؛ [البخاري : 2592 ] [مسلم: 999].

(3) روى النسائي عن سلمان بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم اثنتانِ؛ صدقةٌ وصِلةٌ» [صحيح النسائي للألباني جـ 2 صـ 223 : 2581].

(4) روى أحمد عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الصدقةِ الصدقةُ على ذي الرحم الكاشح» (القاطع لرحمه)؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث1110).

صلة الأقرب فالأقرب:
روى البخاري (في الأدب المفرد) عن المقدام بن معدي كرب: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول«إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب»؛ [صحيح الأدب المفرد للألباني صـ 52 حديث: 60].

الواصل الحقيقيُّ للأرحام:
روى البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال«ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»؛ [البخاري: 5991].

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: قوله: "ليس الواصل بالمكافئ"؛ أي: الذي يعطي لغيره نظيرَ ما أعطاه ذلك الغيرُ؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 423].

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: قوله: "الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" ؛ أي: الذي إذا مُنِعَ أعطى؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 423].

روى عبدالرزاق عن عمر بن الخطاب قال: "ليس الوصل أن تصِلَ من وصلك، ذلك القِصاص، ولكن الوصل أن تصِلَ مَن قطعك"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 423].

قال الطِّيبي رحمه الله: ليست حقيقةُ الواصل ومَن يُعتدُّ بصلتِه مَن يكافئ صاحبه بمثل فعله، ولكنه مَن يتفضَّل على صاحبه؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 423].

وسائل صلة الأرحام:
(1) قال القرطبي رحمه الله: الرحِم التي توصل عامة وخاصة؛فالعامة رحِم الدِّين، وتجب مواصلتها بالتوادُدِ والتناصح، والعدل والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة،وأما الرحِم الخاصة فتزيد للنفقة على القريب، وتفقُّد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك، كما في الحديث الأول من كتاب الأدب: الأقرب فالأقرب؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 433].

(2) وقال ابن أبي جمرة: تكون صلةُ الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقةِ الوجه، وبالدُّعاء؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 433].

(3) قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "المعنى الجامع لصلة الرحم: هو إيصال ما أمكن مِن الخير، ودفع ما أمكن مِن الشر بحسَب الطاقة، وهذا إنما يستمرُّ إذا كان أهل الرحم أهلَ استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فجارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتُهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلُّفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتُهم بالدعاء لهم بظهر الغيبِ أن يعودوا إلى الطريق المُثلى"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 433].

صلة ذوي الأرحام غيرِ المسلمين:
ينبغي على المسلم أن يصلَ ذوي قرابته غيرَ المسلمين؛ تأليفًا لقلوبهم ليدخلوا في الإسلام.

(1) يقول الله عز وجل: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15].

قال ابن كثير رحمه الله: "إن حرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعَهما على دِينهما، فلا تقبَلْ منهما ذلك، ولا يمنعَنَّك ذلك مِن أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا؛ أي: محسنًا إليهما" [تفسير ابن كثير جـ 11 صـ 54].

قال الإمام القرطبي رحمه الله: "الآية دليلٌ على صلة الأبوين الكافرين بما أمكَن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول، والدعاء إلى الإسلام برفق" [تفسير القرطبي جـ 14 صـ 66].

(2) ويقول الله تبارك وتعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8].

روى الشيخانِ عن أسماءَ بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدِمَتْ عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وهي راغبة، أفأصِلُ أمي؟ قال«نعم، صِلِي أمَّكِ»؛ [البخاري: 2620] .

قال ابن حجر العسقلاني: "وهي راغبة: أي طالبة في بِرِّ ابنتها لها، خائفة مِن ردِّها إياها خائبةً"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 5 صـ 277].

وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رأى عمرُ حلَّةً -ثياب- سِيَراءَ -من الحرير- تباع، فقال: يا رسول الله، ابتَعْ هذه والبَسْها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفودُ،قال«إنما يلبَسُ هذه مَن لا خلاق له»، فأتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم منها بحُلَل، فأرسل إلى عمرَ بحُلَّة، فقال: كيف ألبَسُها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال«إني لم أعطكها لتلبَسَها، ولكن تبيعها، أو تكسوها»، فأرسل بها عمرُ إلى أخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم؛ [البخاري حديث :5981] .

أقوال السلف في صلة الأرحام:
(1) روى البخاريُّ (في الأدب المفرد) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "تعلَّموا أنسابكم، ثم صِلُوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه مِن داخلة الرحِم، لأوزعه (كفاه) ذلك عن انتهاكه"؛ (صحيح الأدب المفرد للألباني صـ 56 حديث: 72).

(2) روى البخاري (في الأدب المفرد) عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: "احفظوا أنسابكم، تصِلوا أرحامكم؛ فإنه لا بُعْدَ بالرحم إذا قرُبت، وإن كانت بعيدةً، ولا قُرْبَ بها إذا بعُدت، وإن كانت قريبةً، وكلُّ رحِمٍ آتيةٌ يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة، إن كان وصلها، وعليه بقطيعة، إن كان قطعها" [صحيح الأدب المفرد للألباني صـ 56 حديث: 73].

(3) روى البخاري (في الأدب المفرد) عن ابن عمر قال: "مَن اتقى ربَّه، ووصَل رحِمه، أُنسئَ له في عمره، وثرى ماله، وأحَبَّه أهلُه"؛ [صحيح الأدب المفرد للألباني صـ 51 حديث: 58].

(4) قال عطاء بن أبي رباح رحمه الله: لَدِرهمٌ أضعه في قرابةٍ، أحبُّ إليَّ مِن ألف أضعُها في فاقة، " قال: قلت: يا أبا محمد، وإن كان قرابتي مثلي في الغنى؟ قال: "وإن كان أغنى منك؛ (مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ 83 رقم: 247).

(5) قال ميمون بن مهران: "قال لي عمر بن عبدالعزيز:لا تصاحِبْ قاطعَ رحِم؛ فإن اللهَ تبارك وتعالى لعَنه في آيتين من القرآن: آية في الرعد، قوله تبارك وتعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد:25]، وآية في سورة محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تبارك وتعالى:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد: 22 - 23] [مساوئ الأخلاق للخرائطي صـ 315].

(6) قال سعيد بن المسيَّب رحمه الله -وقد ترك دنانير-: "اللهم إنك تعلمُ أني لم أجمعها إلا لأصونَ بها دِيني وحسَبي،لا خيرَ فيمن لا يجمع المال فيقضي دَينه، ويصِل رحمه، ويكُف به وجهه"؛ [الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي جـ 3 صـ 269].

(7) قال عمرو بن دينار رحمه الله: "تعلموا أنه ما من خطوة بعد الفريضة أعظم أجرًا من خطوة إلى ذي رحم"؛ [مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ 82 رقم: 245].

(8) قال سليمان بن موسى: قيل لابن محيريز: "ما حق الرحم؟" قال: "تُستقبَلُ إذا أقبَلَتْ، وتتَّبَعُ إذا أدبَرَتْ"؛ [مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ 85 رقم: 256].

(9) قال الفضل بن عبدالصمد لأحمد بن حنبل: "رجلٌ له إخوة وأخوات بأرض غصب، ترى أن يزورَهم؟ قال: نَعم، يزورُهم ويراودهم على الخروج منها، فإن أجابوا إلى ذلك، وإلا لم يُقِمْ معهم، ولا يَدَع زيارتهم"؛ [الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي جـ 1 صـ 452].

(10) قال الطِّيبي رحمه الله: "إن اللهَ يُبقي أثرَ واصل الرحم في الدنيا طويلًا، فلا يضمحل سريعًا، كما يضمحلُّ أثرُ قاطع الرحم"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 10 صـ 416].

أسباب قطيعة الأرحام:
لقطيعةِ الأرحام أسباب كثيرة، يمكن أن نوجزَها فيما يلي:
أولًا: الحسد:
الحاسدُ يتمنى زوال النعمة عن أقاربه، فلا يرضى لأحد من أقاربه أن يكون في نعمة، سواءٌ كانت هذه النعمة في المال، أو الأولاد، أو الصحة، أو في العلم، أو غير ذلك.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: "يحسُدُ الرجلُ أخاه وابنَ عمِّه أكثرَ مما يحسد الأجانب، والمرأة تحسُدُ ضَرَّتَها وسُرِّيَّةَ زوجِها أكثرَ مما تحسُدُ أمَّ الزوج وابنتَه"؛ [إحياء علوم الدين للغزالي جـ 3 صـ 194].

والحسد قد يكون سببًا في أن يقتل الإنسانُ أحدَ أقاربه، كما قتَل ابنُ آدمَ قابيلُ أخاه الصالحَ هابيلَ.

قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:27-31].

ثانيًا: الكِبْرُ:
الكِبْرُ مِن أسباب قطيعة الأرحام؛ فالإنسان الغنيُّ قد يتكبَّر بمالِه على أقاربه الفقراء، وكذلك صاحبُ المنصب قد يتكبَّر على أقاربه الذين هم أقلُّ منزلةً منه، والكِبْرُ هو الذي منَع أهل مكة من اتباعِ النبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم مِن صلةِ القرابة التي تربطهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى عن أهل مكَّةَ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31].

قال قتادة رحمه الله: "القريتان: مكةُ والطائفُ،والرَّجُلان: الوليدُ بن المغيرةِ مِن مكَّة، والذي مِن الطائف: عروةُ بن مسعود الثقفيُّ"؛ [تفسير القرطبي جـ 16 صـ 81].

فردَّ الله تعالى عليهم قائلًا: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف:32].

قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "لم يفوِّضِ اللهُ تعالى إلى أهل مكَّةَ أمرَ معايشهم وحظوظهم في الدنيا، بل تولى هو جل وعلا قسمةَ ذلك بينهم، فجعل هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا رفيعًا وهذا وضيعًا، وهذا خادمًا وهذا مخدومًا، ونحو ذلك، فإذا لم يفوِّضْ إليهم حظوظَهم في الدنيا، ولم يحكِّمْهم فيها، بل كان -تعالى- هو المتصرِّفَ فيها بما شاء، كيف شاء، فكيف يفوِّضُ إليهم أمرَ إنزالِ الوحيِ حتى يتحكَّموا فيمن ينزل إليه الوحي؟ فهذا مما لا يُعقَلُ ولا يظنُّه إلا غبيٌّ جاهلٌ كالكفارِ المذكورين" [أضواء البيان للشنقيطي جـ 7 صـ 112].

عقوبة قاطع الرحم:
يقولُ الله تعالى عن صفات الفاسقين: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة:27].

(1) روى الشيخانِ عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن اللهَ خلَق الخَلْق، حتى إذا فرَغ مِن خَلْقه، قالت الرحم: هذا مقام العائذ (المستجير) بك مِن القطيعة، قال: نعم، أما ترضَيْنَ أن أصِلَ مَن وصَلكِ، وأقطَعَ مَن قطَعكِ؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لكِ»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاقرَؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[محمد: 22]»؛ [البخاري: 5987] 
قال الإمام ابن حجَر العسقلاني رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: «قامتِ الرَّحِم» يحتمل أن يكون على الحقيقة، والأعراضُ يجوز أن تتجسَّد وتتكلَّمَ بإذن الله، ويجوز أن يكون على حذف؛ أي: قام ملَكٌ فتكلَّم على لسانها، ويحتمل أن يكون ذلك على طريق ضرب المثَلِ والاستعارة، والمراد: تعظيمُ شأنها، وفضل واصلها، وإثم قاطعها"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 8 صـ 444].

"قوله صلى الله عليه وسلم: «هذا مقام العائذ بك من القطيعة» هذه الإشارة إلى المقام؛ أي: قيامي في هذا مقامُ العائذِ بك، والعائذ: المستعيذُ، وهو المعتصمُ بالشيء، المستجير به"؛ [فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 8 صـ 444].

(2) روى مسلمٌ عن أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: «لئن كنتَ كما قلت، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ (الرماد الحار)، ولا يزال معك مِن الله ظهيرٌ عليهم (المعين والدافع لأذاهم) ما دمتَ على ذلك» [مسلم: 2558].

قال الإمام النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: «فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ» معناه: كأنما تُطعِمُهم الرمادَ الحارَّ،وهو تشبيه لِمَا يلحقهم مِن الألم بما يلحَق آكلَ الرماد الحارِّ مِن الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثمُ العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه،وقيل: معناه: إنك بالإحسان إليهم تُخزيهم، وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك، وقبيح فعلهم مِن الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسفُّ المَلَّ،وقيل: ذلك الذي يأكلونه مِن إحسانِك كالمَلِّ يُحرِقُ أحشاءهم؛ [مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 357].

(3) روى مسلم عن جُبير بن مُطعِم: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يدخُلُ الجنةَ قاطعُ رَحِمٍ»؛ [مسلم: 2556].

(4) روى أبو داود عن أبي بَكرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّلَ اللهُ تعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدَّخِرُ له في الآخرة، مثل البَغْيِ، وقطيعةِ الرحم»؛[صحيح أبي داود للألباني حديث 4098].

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.

وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

  • 9
  • 3
  • 51,257

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً