أعمال القلوب - [24] التفكر 1-4

منذ 2016-01-21

فإن التفكر من أعمال القلوب العظيمة، وهو مفتاح الأنوار ومبدأ الإبصار وشبكة العلوم والفهوم وأكثر الناس قد عرفوا فضله ولكن جهلوا حقيقته وثمرته وقليل منهم الذي يتفكر ويتدبر وقد أمر الله تعالى في التفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى و أثنى على المتفكرين.

الحمد لله الذي ارتفع فوق العالمين ذاتًا وقدرًا، وتمجد فوق خلقه وعلاهم عزة وقهرًا، وأمر بإعمال التدبر في آياته ومخلوقاته قلبًا وفكرًا فصارت قلوب الطالبين في بيداء كبريائه حيرى، كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سُبحات الجلال قسرًا، وإذا همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرًا صبرًا، ثم قيل لها أجيلي في ذل العبودية منك فكرًا، وإن طلبتِ وراء الفكر في صفاتكِ أمرًا، فانظري في نعم الله تعالى وأياديه كيف توالت عليكِ تترى، وجددي لكل نعمة منها ذكرًا وشكرًا، وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرًا وشرًا ونفعًا وضرًا  وعسرًا ويسرًا وفوزًا وخسرًا وجبرًا وكسرًا وطيًا ونشرًا وإيمانًا وكفرًا وعرفانًا ونكرًا، والحمد لله الذي جعل لنا فيما خلق تفكرًا وأمرًا عظيمًا وأنعامه تتوالى علينا وتترى، والصلاة على محمد سيد ولد ابن آدم وإن كان لم يعد سيادته فخرًا، صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخرًا، وعلى آله وصحبه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدرًا، ولطوائف المسلمين صدرًا، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فإن التفكر من أعمال القلوب العظيمة، وهو مفتاح الأنوار ومبدأ الإبصار وشبكة العلوم والفهوم وأكثر الناس قد عرفوا فضله ولكن جهلوا حقيقته وثمرته وقليل منهم الذي يتفكر ويتدبر وقد أمر الله تعالى في التفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى و أثنى على المتفكرين فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران:191].

«دخَلْتُ أنا وعُبيدُ بنُ عُميرٍ على عائشةَ فقالت لِعُبيدِ بنِ عُميرٍ: قد آن لك أنْ تزورَنا فقال: أقولُ يا أمَّهْ كما قال الأوَّلُ: زُرْ غِبًّا تزدَدْ حُبًّا قال: فقالت: دعُونا مِن رَطانتِكم هذه قال ابنُ عُميرٍ: أخبِرينا بأعجَبِ شيءٍ رأَيْتِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فسكَتَتْ ثمَّ قالت: لَمَّا كان ليلةٌ مِن اللَّيالي قال: ( يا عائشةُ ذَرِيني أتعبَّدِ اللَّيلةَ لربِّي ) قُلْتُ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك وأُحِبُّ ما سرَّك قالت: فقام فتطهَّر ثمَّ قام يُصَلِّي قالت: فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ حجرَه قالت : ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ لِحيتَه قالت: ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ الأرضَ فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصَّلاةِ فلمَّا رآه يبكي قال: يا رسولَ اللهِ لِمَ تَبكي وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر؟ قال: ( أفلا أكونُ عبدًا شكورًا لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] ) الآيةَ كلَّها»  (صحيح ابن حبان: 620)

وعن محمد بن واسع  أن رجلًا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر فسألها عن عبادة أبي ذر فقالت: "كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر".

قال الحسن: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة".

قال الفضيل: "الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك".

قيل لإبراهيم: إنك تطيل الفكر، فقال:" الفكرة  مخ العقل".

وكان سفيان بن عيينة كثيرًا ما يتمثل بقول القائل: "إذا المرء كانت له فكرة؛ ففي كل شيء له عبرة" .

وقال الحسن: "من لم يكن كلامه حكمة فهو لهو، و من لم يكن سكوته تفكرًا فهو سهو، ومن لم يكن نظره  اعتبارًا فهو لهو".

وفي قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:146]، قال: أمنع قلوبهم التفكر في أمري. وكان عدد من أهل العلم والحكمة يطيلون الجلوس والتفكر.

وقال عبد الله بن المبارك يوماً لسهل بن عدي  لما رآه ساكتًا متفكرًا: أين بلغت؟ قال: الصراط!

وقال بشر: "لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله  عز وجل".

وقال ابن عباس: "ركعتان  مقتصدتان في تفكر خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".

وبينما كان أبو شريح يمشي إذ جلس  فتقنع بكسائه فجعل يبكي فقيل له ما يبكيك؟ قال:" تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي".

وقال أبو سليمان: "عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر".

وقال: "الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية، والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحي القلوب. ومن الذكر يزيد الحب ومن التفكر  يزيد الخوف".

وقال ابن عباس: "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه. وإذا كان هم العبد وهواه في الله عز وجل جعل الله صمته تفكرًا وكلامه حمدًا" .

وقال الحسن: "إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة".

وكان داود الطائي رحمه الله على سطح في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي حتى وقع في دار جار له، فوثب صاحب الدار من فراشه وبيده سيف  ظن أنه لصّ، فلما نظر إلى داود  رجع ووضع السيف وقال من ذا الذي طرحك من السطح، قال: ما شعرت بذلك.

وأشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة؛ في التأمل في أسماء الله وصفاته، وجنته وناره، و نعيمه وعذابه، وآخرته وآلائه وآياته المسطورة في كتابه والمنثورة في كونه وما خلق سبحانه و تعالى، وما ألذ هذه المجالس وما أحلاها وما أطيبها لمن رزقها، وقال الشافعي رحمه الله: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر.

وكان الشافعي رحمه الله: من أقوى الناس عقلًا وأجودهم استنباطًا، ومن القلائل الذين مروا في الأمة الإسلامية  بهذه المنزلة، وقال أيضًا: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور والعزم على الرأي سلامة من التفريط والندم والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة و مشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة، ففكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم وشاور قبل أن تقدم.

وقال أيضًا: الفضائل أربع، إحداها الحكمة وقوامها الفكرة والثانية العفة وقوامها التغلب على الشهوة والثالث القوة و قوامها التغلب على الغضب، والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس.

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 2
  • 0
  • 4,914
المقال السابق
[23] المحبة - أحوال يحبها الله
المقال التالي
[25] التفكر 2-4

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً