خطب مختارة - [38] الإيمان بالميزان والأعمال التي تثقل به

منذ 2016-02-01

إن مما أثنى الله به على المؤمنين المتقين أنهم يؤمنون بالغيب؛ مما ثبت في القرآن والسنة، وأنهم لا يحرفونها عما أراد الله بها، وهذا الإيمان يزيد المؤمنين إيمانًا وقربًا من الله، ومن الغيب الذي ورد في القرآن والسنة ذلك الميزان الذي يكون يوم القيامة، وأنه ميزان حقيقي له كفتان لا تكيفه العقول ولا تتصوره الأذهان ولا يعلم سعته إلى الله.

الخطبة الأولى:

عباد الله، إن مما أثنى الله به على المؤمنين المتقين أنهم يؤمنون بالغيب؛ مما ثبت في القرآن والسنة، وأنهم لا يحرفونها عما أراد الله بها، وهذا الإيمان يزيد المؤمنين إيمانًا وقربًا من الله، ومن الغيب الذي ورد في القرآن والسنة ذلك الميزان الذي يكون يوم القيامة، وأنه ميزان حقيقي له كفتان لا تكيفه العقول ولا تتصوره الأذهان ولا يعلم سعته إلى الله.

وقد تكاثرت النصوص الشرعية في إثبات الميزان قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]، وقال سبحانه: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف:8:9]، دلَّت هذه الآيات على إثبات الميزان، وأنه ميزان محسوس توزن فيه أعمال العباد؛ وذلك بعد التقرير بالأعمال؛ الذي قال الله فيه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس:65]، فبعد تقرير الأعمال يكون الميزان إظهارًا للعدل الرباني وأنه لا ظلم يوم القيامة ولو كان على قول أو عمل مثقال الذرة.

ولقد جاءت السنة بأحاديث كثيرة في إثبات الميزان وبيان الأعمال التي تثقل بأصحابها في الميزان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان؛ ثقيلتان في الميزان؛ حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» [صحيح البخاري:6682]،وهذا الحديث ختم به الإمام البخاري كتابه الصحيح وكأنه يشير إلى عظم هذا الذكر؛ وأنه من خير ما تقضى به الأوقات وتختم به الأعمار.

ومن الأعمال التي يثقل بها ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق» [صحيح الجامع: 5632]، وحسن الخلق أمرٌ هيِّن لا مشقة فيه؛ والناس بطبعها تحب مكارم الأخلاق وتحب من يتخلق بها. فبذل الندى وكف الأذى يجمع خِلالَ الخُلُقِ الحَسَنِ كلِّها، لما سأل رجلٌ الإمامَ التابعيَّ قتادةَ رحمه الله عن حسن الخلق أجابه قائلًا: الخلق شيء هين؛ وجه طليق ولسان لين. ما أكثر المفرطين – أيها الإخوة - في هذا الميدان وهو غنيمة باردة سهلة ميسرة على من هدى الله قلبَه، وأراد الخيرَ به. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» [صحيح الترغيب: 2970].

ومن الإعمال التي تَثْقُلُ بميزان العبد ما رواه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ...» [صحيح مسلم:223]، كلمة يسيرة (الحمد لله)؛ وهي تملأ الميزان. قال بكر بن عبدالله المزني وهو من كبار فقهاء الإسلام: "خرجت يومًا إلى السوق فإذا حـمّال عليه حِملُه وهو يقول: الحمد لله، أستغفر الله؛ ويكررها. قال بكر: فانتظرته حتى وضع حِمْلَه، فقلت له: يا هذا أما تُحسنُ غير ما تقول؟ قال: بلى أُحْسنُ خيرًا كثيرًا ؛ وأقرأ كتاب الله؛ غير أن العبد بين نعمة وذنب؛ فأحمد الله على نعمه؛ واستغفره لذنوبي. فقال بكر: الحَمّال أفقه من بكر".

اللهم ارزقنا الفقه في الدين بما يثقل موازيننا. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

عباد الله، والأعمال التي يَثْقُلُ بها ميزان العبد كثيرة، فكلمة التوحيد إذا صحّت من العبد؛ وحققها في نفسه بإخلاص وتجرد لله؛ فعلم معناها وعمل بمقتضاها سعُد بها في دنياه وأخراه، وثقلت في ميزانه، وفي ذلك الحديث الصحيح المشهور المسمى (حديث البطاقة)، وفيه أن شهادة أن لا إله إلا الله توضع في كفه والسجلات وهي تسعةٌ وتسعون سجلًا كلّ سجل مدّ البصر في الكفة الأخرى، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة. وذلك يكون لمن حققها بالتوحيد والإيمان وإخلاص العبادة لله رب العالمين.

ومن الأعمال التي تَثْقُلُ في ميزان العبد الجهادُ في سبيل اللهِ، وإعدادُ المجاهدين وتجهيزهم لقتال أعداء الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإنَّ شِبْعَه ورِيَّه وروثَه و بولَه في ميزانه يوم القيامة» [صحيح البخاري:2853]. وكذلك مما يَثْقُلُ في الميزان شهودُ الجنائزِ والصلاةُ عليها ودفنُها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويُفْرَغَ منها فله قيراطان، ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط، والذي نفس محمد بيده لهو أثقل في ميزانه من أحد» [صحيح الجامع: 6135].

إخوة الإسلام، إنَّ ثِقَلَ ميزان العبد إنما يكون بالأعمال الصالحة؛ وتقوى الله، والعبرة بصلاح القلب؛ واستقامة الجوارح؛ والعمل بطاعة الله؛ والتماس أسباب رضاه، أما الصور والأشكال والزينة والجمال والمنصب والمال فليس لها عند الله قيمة ولا جزاء. عبدُالله بن مسعود رضي الله عنه لما صعد يومًا على جدار ضحك بعض الصحابة لدقة ساقيه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده أنها لأثقل في الميزان من جبل أحد» [مجمع الزوائد:9/292]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين - ثياب قديمة بالية- لا يؤبه له - ما أحد يهتم فيه-  لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم البراء بن مالك» [صحيح الجامع: 4573].

عباد الله، الإيمان بالميزان ثابت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة فيجب الإيمان به حقيقة، والتصديق بما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم يقينًا وصدقًا، ولزوم الأعمال التي تثقل بميزان العبد؛ والمحافظة على الحسنات فهي رأس مالك، وإنَّ التفريط في تحصيلها جهلٌ وضلال، وإنَّ بعثرتها وتضييعها بعد كسبها حماقة وغباء، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا؛ وقذف هذا؛ وأكل مال هذا؛ وسفك دم هذا؛ وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته؛ وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناتُه قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه؛ ثم طرح في النار» [صحيح مسلم:2581].

إخوة الإيمان، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم} [الاعراف: 8:9]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. ويقول حذيفة رضي الله عنه:" أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سور بين الجنة والنار".

اللهم ثقل موازيننا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا. اللهم وفقنا للسعي فيما يثقل موازيننا.

  • 6
  • 1
  • 7,564
المقال السابق
[37] الأمانة
المقال التالي
[39] الإيمان بالقدر

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً