خطب مختارة - [40] الأيام العشر من ذي الحجة

منذ 2016-02-03

الله يخلق ما يشاء ويختار، خلق الأزمان وجعل بعضَها أعظمَ بركةٍ من بعض؛ وميَّز بعضَها بمزيد محبة منه سبحانه للعمل الصالح فيها؛ ومن هذه الأوقات عشرُ ذي الحجة؛ فهي عشر مباركات؛ كثيرة الحسنات، عالية الدرجات، متنوعة الطاعات. ومما يدل على فضل هذه العشر: أن الله تعالى أقسم بها فقال: {وَالْفَجْرِ . وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1:2]، فالقَسَم بها يدل على رفعة مكانتها وتعظيم الله لها. والله سبحانه يقسم بما شاء من خلقه، ولا يجوز لنا أن نقسم إلا به وحده جل وعلا.

الخطبة الأولى:

عباد الله، الله يخلق ما يشاء ويختار، خلق الأزمان وجعل بعضَها أعظمَ بركةٍ من بعض؛ وميَّز بعضَها بمزيد محبة منه سبحانه للعمل الصالح فيها؛ ومن هذه الأوقات عشرُ ذي الحجة؛ فهي عشر مباركات؛ كثيرة الحسنات، عالية الدرجات، متنوعة الطاعات. ومما يدل على فضل هذه العشر: أن الله تعالى أقسم بها فقال: {وَالْفَجْرِ . وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1:2]، فالقَسَم بها يدل على رفعة مكانتها وتعظيم الله لها. والله سبحانه يقسم بما شاء من خلقه، ولا يجوز لنا أن نقسم إلا به وحده جل وعلا.

ومن فضائلها: أن الله تعالى أكمل لنا فيها الدين، وبكمال الدين علا التوحيد؛ وارتفع شأن الإسلام؛ وظهر الحق؛ وانتصرت السنة، وانهزمت البدعة، وقد حسدنا اليهود على هذا الكمال؛ وقال حبر من أحبارهم لعمر رضي الله عنه: آيةٌ في كتابكم، لو نَزَلت علينا معشر اليهود اتخذنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا؛ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3]، قال عمر: "إني أعلم متى نزلت؟ وأين نزلت؟ نزلت يومَ عرفة؛ في يومِ جُمُعة".

ومن فضائل هذه العشر: أنّ من كمالها أنه يجتمع فيها من العبادات ما لا يجتمع في غيرها، فتجتمع فيها الصلوات، والصدقات؛ والصيام، والهدى والأضاحي، وفيها الحج إلى البيت الحرام، وفيها التكبير والذكر والتلبية والدعاء.

ومن فضائلها: أن محبة الله تعالى للعمل الصالح فيها تفوق محبته سبحانه للعمل الصالح في غيرها، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [صحيح أبي داود: 2438].

ومن فضائلها: أن فيها يومَ عرفة، وهو اليومُ التاسعُ من ذي الحجة، وهو يوم معروف بالفضل وكثرة الأجر وغفران الذنب، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة» [صحيح الجامع:5796].

ومن فضائلها: أن فيها يومَ النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو أعظم الأيام؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القَر» [صحيح الجامع:1604]؛ ويوم القَر هو اليوم الحادي عشر، ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر وهو يوم العيد؛ وفيه الكثير من أعمال الحج، وفيه صلاة العيد، وفيه التقرب لله بذبح الأضاحي.

عباد الله؛ فضائل العشر كثيرة؛ لذا ينبغي أن نغتنمَها، وأن نسابق إلى الخيرات فيها. نسأل الله أن يوفقنا لصالح العمل؛ وأن يرزقنا القبول والمغفرة. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

إخوة الإسلام، عرفنا فضل هذه العشر الأول من ذي الحجة؛ فماذا يندب إليه من الأعمال الصالحة فيها؟ والجواب: أنه مع وجودِ أعمالٍ شرعت في هذه العشر بخصوصها؛ إلا أنه أيضًا يندب فيها إلى فعل سائر الطاعات؛ ومنها: ذكرُ الله تعالى وتهليلُه وتكبيرُه وحمدُه، يقول تعالى: {لّيَشْهَدُواْ مَنَـافعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـاتٍ} [الحج:28]، والأيامُ المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» [مسند أحمد:7/224]، وكان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما إذ دخلت عشرُ ذي الحجة يخرجان إلى السوق يكبران، فإذا سمعهم الناس تذكروا التكبير فكبروا، وهذا التكبير المطلق بدون تقييد بمكان أو وقت، أما التكبير المقيد بأدبار الصلوات فيوم العيد وأيام التشريق، ويبدأ غير الحاج من فجر يوم عرفة. ويُكثرُ مع التكبير في هذه العشر من التسبيح والتهليل والتحميد؛ وقراءة القرآن فإنه أفضل الذكر.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من نوافل الصلوات بعد الفرائض، كالرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، وصلاةِ الليل، وصلاةِ الضحى، وغيرِها، فالمحافظة على النوافل مع كونها تُكْمِلُ النقصَ؛ فهي سبب من أسباب محبة الله، ومن شملته محبةُ الله حفظه وأجابَ دعاءه وأعاذه ورفع مقامه.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من الصدقة؛ إذ الصدقة فيها أفضل من الصدقة في رمضان، وبالصدقة يَنالُ العبدُ الخيرَ والحفظ والبركة والمغفرة والأجر العظيم المضاعف؛ وتُفتح بها أبواب الخير وتُغلق بها أبواب الشر، وبها يحبه الله ويحبه الخلق.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من الصيام، فلو صام بعضَ الأيامِ التسعة أو كلَّها لكان ذلك مشروعًا، لأن الصيام من العمل الصالح، وآكدها اليومُ التاسع لغير الحاج؛ روى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله» [سنن الترمذي:749].

عباد الله إن أفضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام الإهلالَ والتقربَ إلى الله بالحج؛ روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله؛ قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور، وقال صلى الله عليه وسلم: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقال صلى الله عليه وسلم: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» رواه البخاري، وعن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: نرى الجهادَ أفضلَ العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال: «لَكُنَّ أفضلُ الجهاد حج مبرور» [صحيح البخاري:2784]. ونذكر هنا بأنه لا يجب الحج إلا مع الاستطاعة؛ ومن الاستطاعة في هذا الوقت الحج بطريقة نظامية، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

وكذلك من الأعمال الصالحة في هذه العشر صلاة يوم العيد؛ قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، والمراد بالصلاة في هذه الآية: صلاة عيد الأضحى؛ بل حث النبي صلى الله عليه وسلم على حضور حتى النساء فيها.

ومن أفضل القربات الأضحية؛ في العاشر من هذه العشر وأيام التشريق الثلاثة بعده؛ وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء ينبغي الحرص عليها، وبعض الفقهاء يرى وجوبها على القادر، ومن الأحكام المترتبة على من أراد أن يضحي ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا» عن أم سلمة؛ وفي رواية لمسلم أيضًا: «فلا يأخذنّ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» [صحيح مسلم: 1977].

فينبغي لنا – يا عباد الله - أن نسابق في هذه العشر إلى كل عمل صالح، ونكثر من الدعاء والاستغفار، ونتقرب إلى الله بأنواع القربات؛ حتى نكون فيها من الفائزين الرابحين. اللهم وفقنا لاغتنام هذه الأيام العشر؛ وسائر الأيام، لما يقربنا منك، ويبعدنا عن عذابك. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها.

  • 73
  • 8
  • 893,597
المقال السابق
[39] الإيمان بالقدر
المقال التالي
[41] الإنابة إلى الله

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً